تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. سليمان بن وائل التويجري
فضيلة الشيخ د. سليمان بن وائل التويجري

السِّحر

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسَلين؛ نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد:

باب السِّحر

ففي كتاب "التوحيد الذي هو حقُّ الله تعالى على العبيد"، كنَّا وقفنا عند الباب الذي عَنْوَن له المُؤلِّف رحمه الله بقوله: باب السِّحْر، وساق المُؤلِّف رحمه الله بعض الآيات والأحاديث الواردة في هذا المعنى.

وقبل الدخول في التفصيلات، نُعرِّف السِّحر؛ ما هو؟

تعريف السِّحر في اللغة والاصطلاح

السِّحر في اللغة العربية: هو ما خَفِيَ ولَطُفَ سببُه؛ ولهذا قيل: إنَّ من البيان لَسِحْرًا، ومنه سُمِّي السَّحَر: آخِر الليل؛ لأنَّ الأفعال تقع فيه على خُفْيةٍ، وكذلك الأكل الذي يؤكَل في ذلك الوقت يُسمَّى بالسَّحور؛ لأنَّه يكون خفيًّا، الأجواء هادئةٌ، والناس نيامٌ، وليس فيه نورٌ، فكلُّ ما خَفِيَ سببُه يُسمَّى سِحْرًا، هذا في المدلول اللُّغويِّ.

وأمَّا في الاصطلاح الشرعيِّ، فقد قسَّمه العلماء إلى قسمين:

  • القسم الأوَّل: عُقَدٌ ورُقَعٌ وطلاسمُ، يَتوصَّل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به من الضَّرر لأحدٍ من الناس، لكنَّ الله تعالى قال: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[البقرة:102]، فهذا النوع من السِّحر كُفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلام، وهو عُقَدٌ ورُقَعٌ وطلاسِمُ وقِراءاتٌ، يَتَوَصَّل بها الساحر إلى الإذعان للشياطين، ويستخدمهم فيما يريد من إلحاق الضَّرر بأحدٍ من الخَلْق.
  • وأما النوع الثاني من السِّحر: فهو أدويةٌ وعقاقيرُ تؤثِّر على بَدَنِ المسحور، أو تؤثِّر على عقله، أو تؤثِّر على قراراته وميوله ورغباته؛ فينصرف أو يميل إلى أمرٍ هو لا يريده، وهو ما يُسمَّى بالصرْف والعَطْف، فيجعلون الإنسان ينصرف إلى زوجته، أو ينصرف عنها، فيفرِّقون به بيْن المرْء وزوْجِه، وقد يكون الإنسان كالبهيمة لا قرارَ له ولا إرادة، وهذا النوع يُعتبَر فِسقًا، ومن أعظم الكبائر، ولكنَّه لا يُسمَّى رِدَّةً.

حُكم الساحر

وفي كلا الحالَين؛ فحَدُّ الساحر هو ضربُه بالسيف؛ لأنَّه على كلا الحالَين من المُفسِدين في الأرض، وأعماله يتعدَّى ضررُها للآخَرين، فهو من الكبائر، وأحَدُ السَّبْع المُوبِقات المُهلِكات المُدمِّرات.

يقول الله جلَّ وعلا في سورة البقرة: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102].

خطورة السِّحر على المُجتمَع

وعلى هذا؛ فالسِّحْر خطرٌ عظيمٌ، وفسادٌ كبيرٌ في الأرض، ومن الجرائم الكبرى التي تدخل دخولًا أوَّليًّا في الفساد الذي يجب أن يُطهَّر منه المُجتمَع، فلا يجوز للإنسان أن يتعلَّمه، ولا أن يُعلِّمه، ولا أن يَدخُل في أيِّ نوعٍ من التَّعاون على وجوده في المُجتمَع، فإنَّ التعامُل مع الساحر تعاونٌ على الإثم والعدوان، وتعاونٌ على الفساد في الأرض.

حقيقة السِّحر.. ومُعجزة موسى في إبطال سِحر السَّحَرة

والسِّحر له حقيقةٌ وله تأثيرٌ، فهو يؤثِّر ويخيَّل للإنسان أنَّه فَعَل الشيءَ وهو لم يفعَلْه، وموسى لمّا دعا قومه إلى عبادة الله وحْدَه، وأتاهم بآياتٍ مُعجِزةٍ من العصا ويدِه، اتَّهموه بالسِّحر، وكان زمنُه يشتهر بالسِّحر في ذلك البلد، والسَّحَرة كثيرٌ، وفرعون يستخدمهم لأغراضه، ويعتبرهم نوعًا من القوَّات الرسميَّة له؛ للانتصار على أعدائه، ومنهم موسى .

فتوعَّدوا موسى بأنَّهم سيَجمعون له السَّحَرة: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه:59]، فجُمِع الناس في الضُّحَى، واجتمع السَّحَرة، وجاء فرعون يُشْرِف على هذه المُباراة، فقال السَّحَرة لفرعون: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۝ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ[الشعراء:44]، وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ[الشعراء:44].

وأَلْقَوا حِبالَهم وعِصِيَّهم، وجاؤوا بِسِحْرٍ عظيمٍ، فأخافوا الناس واسْتَرْهَبُوهم، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى[طه:67]، قال اللَّه له: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى [طه:68]، فألقَى عصاه، ولمّا ألقَى عصاه فإذا هذه العصا الواحدة تَلْقَف ما يَأْفِكون، أي: ما يَكْذِبون، فابْتَلَعَتْ كُلَّ عَمَل السَّحَرة الذي أخاف الناس وأَرْهَبَهُم، وخَلَتِ الساحةُ ليس فيها إلَّا عصا موسى على شكل ثُعبانٍ هائلٍ، ابتلع كلَّ الموجودات، وانتهى السِّحْر.

السَّحَرة لمّا رأَوْا هذا الأمر عَرَفوا أنَّ ما عند موسى ليس سِحْرًا، وأنَّ الَّذي عند موسى هو شيءٌ آخَرُ، وأنَّ رَمْيَه بالسِّحْر غَلَطٌ. إذن؛ هو على حقٍّ، وهُمْ على الباطل؛ فآمنوا، فصارت صدمةٌ شنيعةٌ لفرعونَ، فتوعَّدهم بتقطيع أيديْهم وأرجلِهم وصَلْبِهم، لكن لما رأَوْا من الحقِّ والهُدَى، لم يُزحزحْهم ذلك التخويفُ مِن فرعونَ على أن يُؤمنوا بموسى وبما جاء به موسى ، وأنَّ عملَهم كان عملًا باطلًا، وأنَّ ما دعا إليه موسى ليس سِحْرًا، وإنَّما هو آيةٌ من آيات اللَّه مُعجِزةٌ، ليستْ من جنس عَمَل السَّحَرة.

ذمُّ السِّحر وأهله.. وارتباطه بعقائد اليهود

قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَالَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ[البقرة:102]، وَلَقَدْ عَلِمُوا، أيْ: إنَّ الذين يَستعملون السِّحْر، ويتعاملون بالسِّحْر، هؤلاء يَعرفون أنَّ الدخول في هذا المجال هو دخولٌ في مجالٍ باطلٍ، وليس في السِّحْر شيءٌ من الحقِّ، بل كُلُّه فسادٌ، ولا يُمْكِن بحالٍ من الأحوال أن يكون في السِّحْر مَصلحةٌ لِأحدٍ من الخَلْق، بل هو ضررٌ مَحْضٌ وخالصٌ للسَّاحر ولغير السَّاحر، فهو للسَّاحر كُفْرٌ، وللمسحور ضررٌ ومرضٌ، وغير ذلك.

ثُمَّ ساق آيةً أخرى، قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ[النساء:51]، هذا وصفٌ لحال اليهود، واليهود من كلِّ رديءٍ قريبون يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ، وهو السِّحْر، بهذا فسَّرها عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، واليهود كانوا من أكثر الناس تعلُّمًا للسِّحْر وممارسةً له، حتَّى في هذا الزمن، وأتباعُهم مِن غيرهم.

سِحرُ اليهودِ للنبيِّ .. ومُعجزةُ شفائه بوحي الله

كما أنَّ اليهود اعتَدَوْا وسحَروا رسول اللَّه ، وسَحَروه في جُفِّ طَلْعِ نَخْلٍ ذَكَرٍ، ووضعوه في بئرٍ، فكان عليه الصلاة والسلام يُخَيَّل إليه أنَّه فَعَلَ الشيءَ وهو لم يَفعلْه، فأتاه جبريلُ ، وأخبره بموضع السِّحر، فجيء به وأُتْلِفَ، فعادت إليه صِحَّتُه عليه الصلاة والسلام [1].

بيان معنى الطاغوت وصِلَته بالكهانة والسِّحر في الجاهلية

وأمّا الطاغوت فهو: ما تجاوز به العبدُ حَدَّه من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مُطاعٍ؛ فالطواغيت كثيرون، لكنَّ أنواعَهم وأشكالهم متنوِّعةٌ، فإذا تجاوز الإنسان الحدَّ الذي حدَّه الله له: من دعوةٍ إلى باطلٍ، وترغيبٍ في هذا، ونحوه، فيتْبَعُه الناس عليه، أو يأمُرُهم فيطيعونه؛ فإنَّ هذا يُسمَّى طاغوتًا.

ومن أسماء الطاغوت: الشيطان؛ قال جابرٌ رضي الله تعالى عنه: "الطواغيت كُهَّانٌ، كان ينزل عليهم الشيطان في كُلِّ حَيٍّ واحدٌ"[2]؛ وذلك أنَّ العرب في الجاهليَّة ما كان عندهم شيءٌ يعتمدون عليه من القِيَم التي تُخيف الناس، ويتقوَّوْن بها على أعدائهم، فكانوا ينتصرون بهؤلاء الكُهَّان؛ كلُّ قبيلةٍ لها كاهنٌ.

وكان الكاهن يتواصل مع الشياطين من الجنِّ، ويأتونه ببعض الأخبار من اسْتراقِ السَّمْع قبلَ حَجْبِ السماء بالشُّهُب، فيَكْذِبُ معها مئةَ كذْبةٍ [3]، وينشرها بين الناس، واحدةٌ صحيحةٌ لها أصلٌ، ومئةٌ ليس لها أصلٌ، كلُّها كذِبٌ وبهتانٌ، فيقبَل الناس على أنَّها كلَّها صحيحةٌ؛ لأنَّ الكاهن مرَّةً من المرّات قال شيئًا صار صحيحًا، فكلُّ ما يقوله عندهم يكون صحيحًا، هكذا كانت عقليَّة أولئك القوم، وكان كاهن كلِّ قبيلةٍ يُعتبَر مَرجِعًا لهم في الأزمات، وفي حلِّ المُشكِلات، وبهذا يتقوَّوْن به، وهو عملٌ شيطانيٌّ.

فهؤلاء الطواغيت كانوا من البشر، وقد عَدَّ رسول اللَّه السِّحْر من السَّبْع المُوبِقات، وهذا تنبيهٌ إلى خَطَر التعامل بالسِّحْر، أو التهاون به في أيِّ شَكْلٍ من الأشكال، ولا فرْقَ بين أن يكون من المُوبِقات من النوع الأوَّل، أو الثاني؛ يَعني: من الرُّقَى والتعاويذ، أو من الأدوية والعقاقير، فكُلُّه من كبائر الذنوب، ومن الفساد في الأرض.

حدُّ الساحر.. ووجوبُ تطهير المُجتمع منه

وساق حديثًا عن جُنْدُبٍ، مرفوعًا، قال: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيْفِ[4]، وفي روايةٍ: ضربُهُ بالسيف [5]، وكلاهما صحيحٌ.

وهذا تنبيهٌ إلى أنَّ السِّحر صاحبه لا يَصْلُحُ أن يبقى في المُجتمَع، بل لا بُدَّ أن يُطهَّر المُجتمَع منه، ومِن فساده؛ ولهذا يجب أن يتعاون الناس على فضْح السَّحَرة، والإخبار عنهم، وتبليغ السُّلْطة الأمنيَّة بِحالِهم؛ لأجْل أن يُقدَّموا للقضاء، ويُحْكَم فيهم بحُكْم اللَّه، وهو إعدامهم.

وفي "صحيح البخاريِّ": عن بَجالَةَ بن عَبْدَةَ، قال: كَتَبَ عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه: "أنِ اقْتُلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ"، قال: فقتَلْنا ثلاثَ سواحِرَ [6].

وهذا تنبيهٌ إلى أنَّه قد نُفِّذَ قتْلُ السَّحَرة، وقُتِلَ في عهد عُمرَ رضي اللَّه تعالى عنه ثلاثٌ من النساء السَّاحِرات؛ لأنَّ في تطهير المُجتمَع منهم أمنًا وسلامةً وراحةً لبقيَّة أفراد الأمَّة، فلا يكون لهم سُوقٌ، ولا يكون لهم بضاعةٌ.

والعجيب والغريب في هذا الزمن: أنَّه في بعض البلاد، يوجد لهم محلّاتٌ يُقْصَدون فيها، ويَذهب إليهم الناس، وهذا كلُّه من التعاون على الفساد والإثم والعدوان، والإنسان الذي يذهب إلى السَّحَرة يكون قد شارك في الجريمة، وساعد على إنشاء هذا السُّوق لهذا المُجرِم، الذي يجب أن يُسْتأصَل من المُجتمَع، ولا يَبقَى له أثرٌ.

التعليل الشرعيُّ لوجوب إقامة حدِّ الساحر

يقول الشارح رحمه اللَّه: والحاصل أنَّه يجب أن نقتل السَّحَرة، سواءٌ قُلْنا بكفرهم أمْ لم نَقُلْ؛ لِأنَّهم يُمْرضون ويَقْتلون، ويُفرِّقون بين المرْءِ وزَوْجه، وكذلك بالعكس فقد يَعْطِفون فيُؤَلِّفون بين الأعداء، ويَتَوصَّلون إلى أغْراضِهم، فإنَّ بعضَهم قد يَسْحر أحدًا؛ لِيَعْطِفَه إليه، وينالَ مآرِبَه منه، كما لو سَحَر امرأةً لِيَبْغِيَ بها، أو امرأةً سَحَرتْ رجلًا لينال منها، أو لِأَجْل أن تَسْتَوليَ على أمواله، ولِأَنَّهم يَسْعَون في الأرض فسادًا، فكان واجبًا على وَلِيِّ الأمر قتْلُهم بدون اسْتِتابةٍ، ما دام أنَّه لِدَفْع ضرَرِهم، وفظاعةِ أمْرِهم، فإنَّ الحَدَّ لا يُسْتَتاب صاحبُه، متَى قُبِض عليه وَجَبَ أن يُنَفَّذ فيه الحدُّ.

والقول بقتْلِهم هو الموافِق لقواعد الشريعة؛ لِأنَّهم يَسْعَون في الأرض فسادًا، وفسادُهم من أعظم الفساد، فقتْلُهم واجبٌ على الإمام، ولا يجوز له أن يتخَلَّف عن قتْلِهم؛ لِأنَّ مثْلَ هؤلاء لو تُرِكوا وشأْنَهم، انتشر فسادُهم في أرضِهم، وفي أرض غيرِهم، وإذا قُتِلوا سَلِم الناس من شَرِّهم، وارتَدَع الناس عن تعاطي السِّحْر.

السِّحر من السبع المُوبِقات.. وتحذير النبي منه

والسِّحْر لا يُقَدِّم خيرًا أبدًا، فلا يَسْتفيد منه أحدٌ بحالٍ من الأحوال، فلماذا يكون له سوقٌ، وله مُرْتادون، وله عملاءُ، ونحو ذلك من المسائل التي كلُّها تعود بالضَّرر على الأفراد والمُجتمَعات؟

يقول النبيُّ في الحديث الذي رواه أبو هريرةَ: اِجْتَنِبوا السَّبْعَ الْمُوبِقاتِ، السَّبْعُ التي ذَكَرها هنا هي من أكبر الكبائر؛ ولِهذا قال الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم: يا رسول الله، ما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ بالله، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليتيمِ، والتولِّي يومَ الزَّحف، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ [7].

هذه السَّبْع المُوبِقات التي ورَدَتْ في هذا الحديث، وهل هذه هي الكبائر فقط؟ الجواب: لا، هناك كبائرُ كثيرةٌ، لكنَّ النبيَّ عَدَّ هذه؛ لِأَنَّ المقامَ كان يقتضي ذِكْرَ هذه المسائل، وقد عَدَّ بعض أهل العلم المُوبِقات إلى السَّبعين، وبعضُهم أَوْصَلها إلى السَّبْعِمائة.

وقد جاءت ضوابطُ تُبيِّن الكبائر، فقال بعض أهل العلم: الكبيرة: كلُّ معصيةٍ جاء الوعيد عليها بِلَعْنَةٍ، أو غضبٍ، أو نارٍ، وهذا يشمل أشياءَ كثيرةً، كما سيأتِينا تفصيلُ ذلك، إن شاء الله.

ولهذا نقِفُ عند هذا الحدِّ، ونترك التفاصيل للدَّرس القادم إن شاء الله.

ونسأل الله جلَّ وعلا أن يعْصِمُنا من الزَّلَل، وأن يُجَنِّبَنا الفتن ما ظَهَر منها وما بَطَن، وأن يُصْلِح لنا دينَنا ودُنيانا وأُخْرانا، وأن يُثَبِّتَنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يغفر لنا ولوالدينا وذرياتِنا وأقاربنا والمؤمنين.

ونسأله تبارك وتعالى أن يُعِزَّ الإسلام والمُسلمين، وأن يُذِلَّ الشِّرْك والمشركين، وأن يُصْلِحَ أحوال المسلمين، وأن يَصْرِف عنَّا وعنهم كُلَّ شَرٍّ وبلاءٍ وفتنةٍ.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبِيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

^1 ورد الحديث في "صحيح البخاري" بلفظ: عن عائشةَ، قالتْ: سُحِرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى إِنَّه لَيُخَيَّل إليه أنَّه يَفْعَلُ الشيءَ وما فَعَلَه، حتى إِذا كان ذاتَ يومٍ وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثُمَّ قال: «أَشَعَرْتِ يا عائشةُ أَنَّ الله قد أفتاني فيما استَفْتَيْتُه فيه» قلتُ: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "جاءني رَجُلان، فجلس أحدُهما عند رأسي، والآخَرُ عند رِجْلَيَّ، ثُمَّ قال أحدُهما لصاحِبِه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مَطبُوبٌ، قال: ومَن طَبَّهُ؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ اليهوديُّ من بني زُرَيْقٍ، قال: فيما ذا؟ قال: في ‌مُشْطٍ ‌وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في بئرِ ذي أَرْوَانَ"؛ رواه البخاري: 5766، ومسلم: 2189
^2 ينظر: البخاري: 6/ 45، وابن أبي حاتم: 5452، وشرح السنة للبغوي: 12/ 179، وفتح الباري: 8/ 252
^3 أصل الحديث في "الصحيحين": عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا مِنَ الجِنِّيِّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا ‌مِائَةَ ‌كَذْبَةٍ»؛ رواه البخاري: 5762، ومسلم: 2228
^4 رواه الترمذي: 1460، والطبراني في "المعجم الكبير": 1665، والبيهقي في "السنن الكبرى": 16578، والدارقطني: 3204، والحاكم في "المستدرك": 8312؛ وقال عنه الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح: عن جُندبٍ موقوفًا
^5 رواه الديلمي في "الفردوس": 2807
^6 رواه أبو داود: 3043، وأحمد في "مسنده": 1657، والبيهقي في "السنن الكبرى": 16576، والشافعي في "مسنده": 1612، وعبد الرزاق في "مصنفه": 10815، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 30922، وأبو يعلى في "مسنده": 861؛ ورواه البخاري مُختصَرًا: 3156، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2684
^7 البخاري: 6857، ومسلم: 89

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©