تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ طلال بن محمد أبوالنور
فضيلة الشيخ طلال بن محمد أبوالنور

مناقب الإمام أحمد بن حنبل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا ورسولنا وإمامنا وقدوتنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نحن وقفنا بالأمس على مُقدِّمةٍ ذات علاقة بموضوع كتابنا؛ الذي هو مناقب الأئمة الأربعة ، للإمام ابن عبدالهادي رحمة الله عليه.

كان الهدف منها وجود إدراكٍ وافٍ، ووجود إدراكٍ مؤثِّرٍ في تثمين قيمة هذا العلم، وهذا النوع من العلوم؛ لأنه ربطنا بقضيةٍ ذات علاقةٍ بهويةِ هذه الأُمّة التي هي خير أُمّةٍ أُخرِجت للناس.

فالوقوف مع هذا العلم الذي هو علم المناقب للأئمة والعلماء مُؤثِّرٌ في الربط بين الماضي والحاضر، والإفادة من الماضي وجهد العلماء ونتاج العلماء، وكيف يكون الإنسان مُثمِّنًا لذلك العلم، ويُدرك الحاجة والضرورة إلى مثل هذا النوع من العلوم، فنقف الآن مع ما سطَّره ابن عبدالهادي في ترجمة رابع الأئمة رحمة الله عليهم، وهو الإمام أحمد بن حنبلٍ.

وقلنا في تراجم الأئمة السابقين: ابن عبدالهادي حنبليٌّ، ولكن ترجم هنا للإمام أحمد رحمة الله عليه آخر التراجم الأربعة؛ لأن هناك هدفًا تربويًّا وهدفًا عظيمًا قصده الإمام ابن عبدالهادي من خلال هذا المُؤلَّف، وهو: أن يُبيِّن أن هؤلاء الأئمة كلهم كانوا محل المدح والثناء من العلماء؛ ولذلك قلنا: تحاشى في تراجم جميع الأئمة أن يذكر فيها موارد الثُّلمة أو النقص أو النقد، فهذا كان منهجه في الكتاب.

منهج ابن عبد الهادي في ترتيب تراجم الأئمة الأربعة

ثم عندما أراد -أيضًا- ترتيب التراجم، رتَّبها بحسب تواريخ الولادة والوفاة، ولكن مع هذا ذكر عبارةً لطيفةً في هذا الترتيب.

ما هي العبارة اللطيفة؟

قال في بداية التراجم: "أُرتِّبهم بحسب قُربهم من النبي "، فاعتبر أن قُرب الزمان ميزةً، وهذا معنًى لطيفٌ وتأديبٌ، وهو أيضًا له أصلٌ في الشرع، فإنه كما قال النبي : خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم [1]. ولا شك أن أفضل القرون القرن الذي كان فيه رسول الله .

فرأينا إذًا؛ مع أنه حنبلي المذهب إلا أنه ترجم للإمام أحمد آخر الأئمة الأربعة.

ما هو الاعتبار؟

أنه باعتبار الولادة والوفاة فهو آخرهم؛ فلذلك جعله آخر التراجم.

إذًا؛ هذا سوف يكون مُرضيًا لكلِّ مَن نظر. والهدف هنا هو المُعالَجة النَّفْسِيَّة لطلاب العلم؛ لأن ابن عبدالهادي، كما إن شاء الله تعالى يأتينا عندما نذكر قضية الخلاف الفقهي والمراحل التي مَرَّ بها، ثم نقف مع المرحلة التي كان فيها ابن عبدالهادي رحمة الله عليه، وهي مرحلةٌ كان التعصب فيها على أُوارِه وكان شديدًا؛ فلذلك نجد هذا الكتاب، وكأنه أراد أن يُعالِج شيئًا من تلك الإشكالية التي صار لها وجودٌ.

فرحمة الله على ابن عبدالهادي في هذه المنهجية والطريقة التي سلكها في ذِكر مناقب الأئمة رحمة الله عليهم.

تفضَّل.

مناقب الإمام أحمد بن حنبل

القارئ: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول المُؤلِّف رحمه الله تعالى:

وأما آخر الأئمة المذكورين: فالإمام الربَّاني أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أَسَدٍ الذُّهْلي الشيباني المَرْوَزِي ثم البغدادي، شيخ الإسلام وسيد المُسلمين في عصره، خُرِج به من مَرْوٍ حَمْلًا، ووُلِد ببغداد ونشأ بها ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة.

الشيخ: طيب، إذًا؛ أول ما ابتدأَ به ذِكْرُ اسم الإمام، وقدَّم له بوصفٍ عامٍّ كما فعل مع الأئمة السابقين، فيَذكُر في المُقدِّمة وصفًا يرى أنه من أبرز وأظهر ما ارتبط بهذا الإمام؛ فلذلك قال هنا عن الإمام أحمد رحمة الله عليه: "الإمام الربَّاني"؛ حيث إن هذا الوصف غلب على الإمام أحمد، إذا ما نظرنا إلى الارتباط بهذا الوصف "الرباني"، فسوف يدخل فيه أمور الزهد، ويدخل فيه أمور الورع، ويدخل فيه أمور التقوى.

اسمه ونسبه

فإذًا؛ أتى بالوصف الأشهر الذي عُرِف به هذا الإمام، ثم بعد ذلك ذكر اسمه ونسبه، فقال: "أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أَسَدٍ الذُّهْلي الشيباني"، فهو عربيُّ الأصلِ، سَدُوسيٌّ، كما سيأتي، "المَرْوَزِيّ": نسبةً إلى مدينةٍ اسمها "مَرْو الشاهجان"، وهي أكبر مُدن إقليم خراسان، فالنسبة إلى هذه المدينة إلى "مَرْو الشاهجان": المَرْوَزِي.

وهذه المدينة خرج منها عددٌ كبيرٌ من العلماء، بل من كبار علماء الأمة، فهم ينتسبون إلى هذه المدينة، وهي اليوم في أفغانستان.

من العلماء الذين خرجوا من هذه المدينة: الإمام المُحدِّث العالم أمير المؤمنين في الحديث، الإمام سفيان الثوري، فهو من هذه المدينة.

ومنها أيضًا: الإمام المُحدِّث العابد المُجاهِد المُنفِق التاجر عبدالله بن المُبارَك رحمة الله عليه.

ومن علماء هذه المدينة -أيضًا- الإمام الفقيه: إسحاق بن راهويه.

وأيضًا يُنسَب إليها الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ حيث كانت أُمُّه حملت به وهو في "مرو الشاهجان".

قال: "ثم خُرِجَ به" أي: خرج والده من "مرو الشاهجان" مُتجهًا إلى العراق، والإمام أحمد حَمْلًا في بطن أُمِّه، ووُلِدَ رحمة الله عليه ببغداد.

وتُوفِّي والده شابًّا ابن ثلاثين سنةً، فتكفَّلتْ به أُمُّه، كفلته وقامت على أمره وتربيته أحسن تربيةٍ، وكانت أُمُّه أخذته إلى مجالس الحديث وهو ابن تسع سنواتٍ؛ ليرتبط بمجالس العلم وبمجالس الحديث، وكان هذا منذ نعومة أظفاره، وبدأ يطلب هذا العلم كطلبٍ مُهيَّأ له وهو ابن ستة عشر سنةً، رحمة الله عليه.

فإذًا؛ هذا الإمام أحمد، إذًا هو وُلِد ببغداد؛ فلذلك هو بغداديٌّ باعتبار السُّكنى والمنشأ والممات؛ فلذلك هذا ما ذكره هنا، فقال: "خُرِجَ به من مَرْوٍ حَمْلًا، ووُلد ببغداد ونشأ بها ومات بها"، فهو بغداديٌّ رحمة الله عليه، بل هو أشهر أئمة وعلماء بغداد على مر التاريخ، فكان من أشهر العلماء. وبغداد حاضرة العالم الإسلامي، فهي عاصمة الخلافة العباسية، فكانت موئلًا للعلماء، بل كان أيُّ عالم في البلاد إذا أراد أن يُعرَف ويُشهَر، فلا بُدَّ أن ينزل إلى بغداد، وأن يعرفه علماء بغداد، وأن يُسلِّموا له، وخاصةً هذا كان في زمن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وخاصةً في علم الحديث.

فكان في بغداد كبار علماء الحديث، واجتمع فيها ثلاثة علماء هم أشهر علماء الأمة في علم الحديث، وفي أنواع علومه:

  • الإمام أحمد رحمة الله عليه.
  • والإمام يحيى بن مَعِينٍ رحمة الله عليه، إمام علم الجرح والتعديل.
  • والإمام علي بن المديني رحمة الله عليه، عالم العلل؛ علل الحديث.

فهؤلاء أقرانٌ ثلاثةٌ، فكانت بغداد عامرةً بهم، وكان أهل العلم ينزلون إلى بغداد ليعرفهم أمثال هؤلاء العلماء الكبار، علماء الإسلام في علم الحديث.

رحلاته في طلب العلم

قال: "وطاف البلاد في طلب العلم"، فإن له رحلاتٍ كثيرةً جدًّا؛ رحل في أول عُمره رحمة الله عليه، فإنه طلب الحديث -يعني: حضر مجالسه- وهو ابن تسع سنواتٍ، وطلب الحديث وهو ابن ست عشرة سنةً، ثم بعد ذلك رحل أيضًا وهو ما زال في العشرين من عُمره، خرج في الرحلة في طلب الحديث رحمة الله عليه.

قال: "ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة"، في مكة حجَّ الإمام أحمد رحمة الله عليه خمس حججٍ، حجَّ ثلاثةً منها ماشيًا على رِجله رحمة الله إليه.

وسافر أيضًا، رحل إلى المدينة وإلى اليمن، إلى عالمها وإمامها عبدالرزاق الصنعاني رحمة الله عليه، والتقى به في اليمن، وكذلك رحل إلى الشام والجزيرة، والمقصود بالجزيرة: هي ما بين نهرَيْ دجلةَ والفرات في العراق، فرحل إلى كل هذه الأماكن وغيرها.

فإذًا؛ هو يُشير إلى ذلك باختصارٍ، ثم بعد ذلك يَشْرَع في قضية مَن روى عنهم، ومَن رَوَوْا عنه.

وكما قلنا بالأمس، فإن هذه طريقة الإمام ابن عبدالهادي في جميع التراجم، وهي طريقة المُحدِّثين، فالقيمة الكبرى للمُحدِّث ما هي؟ أن يُسنِد وأن يَروِي عمَّن يُوصله بالسند المُتصل إلى النبي ؛ فلذلك هذه هي القيمة.

وأيضًا يُعطي الدلالة على قيمة الحديث النبوي في هذه الشريعة، وفي هذه الرسالة الخاتمة.

وأيضًا يُعطي دلالةً على وفاء هذه الأمة لرسولها ، وهذا العلم الذي تفرَّدت به هذه الأُمة الخاتمة، ولا يوجد مثل هذا العلم في أيِّ أُمةٍ سبقت، وما وُجِدَ أن أُمةً اعتنت بحفظ تراث نبيِّها، وأنها وضعت القواعد الصارمة لضمانة السلامة فيما يُنقَل عن نبيِّها، فهذا كان من تَفرُّد هذه الأمة بهذا العلم؛ فلذلك هذا من مفاخر أهل الإسلام، علم الحديث من مفاخر أهل الإسلام.

عناية الأُمة بالحديث النبوي

ولذلك أقول: ما أحوج طلاب العلم أن يَعُوا هذه القضية، وأن يفهموا موطن الوفاء والتفرُّد في هذه الأُمة لهذا العلم، والعناية التي بذلوها لهذا العلم؛ لكي تطمئن الأُمة لما يُنقَل عن النبي ، وأن العلماء بذلوا جهودًا مُضنيةً من أجل هذا الأمر، وعندها لا تُصبح عامة الأُمة إذا جاء في مثل هذه الأزمان من يطرح شُبهةً حول كُتب السُّنة أو كُتب الصِّحاح، وإذا بالإنسان يُصبح في نفسه شيئًا.

فأن يُنقَل هذا العلم من خلال هذه الزاوية؛ زاوية إعطاء وبناء الطمأنينة والثقة فيما بذله العلماء نحو حديث رسول الله ، واللهِ أمرٌ في غاية العجب! لكن للأسف، أغلب الأُمة لا تُدرك هذا الأمر، ولا تعرف جهود هذه الأُمة لحفظ سُنة النبي .

لما خاف العلماء بنشوء فرقة الرافضة، ووجود بداية الافتراء والكذب على النبي ، وأن هناك بدأت بوادرُ تدل على أن هناك من يريد أن يعبث بالسُّنة؛ قام العلماء بعملٍ عظيمٍ، فأحَيْوا في الأُمة وأوجدوا فيها شعورًا، وأثاروا فيها الحمية نحو الحفاظ على سُنة النبي ؛ فتحركت بيوت الله، وتحركت البيوت، وتحركت الأُسَر، وتحرك الناس، وأصبح حديث الناس في فترةٍ وجيزةٍ هو: كم سمعتَ؟ كم كَتَبَ؟ كم عدد شيوخه؟ إلى مَن رحل؟ وأصبحت هذه هي القضية التي هي محل حديث الناس، وصارت مجالس التحديث يجتمع فيها الناس بعشرات الآلاف، وليس بالأفراد أو المئات.

يزيد بن هارون في حلقته يجتمع ما يقارب مئة ألفٍ، وأصبحت مجالس التحديث عامرةً، أين يجتمعون؟ المساجد لا تكفيهم، فيَخرجون إلى الطرق أحيانًا، لا تكفيهم، أين يخرجون؟ إلى الصحراء، ليس هناك مُكبِّرات صوتٍ، كيف يصل صوت الشيخ؟ المُبلِّغ المُستملِي، يتكلم الشيخ، آخر مكان يصل الصوت، يقف المُستملِي على مكانٍ عالٍ، يختار رجلًا جهوريَّ الصوت مُتقنًا، يتكلم الشيخ بالكلمة من الحديث، ثم ينتظر، والمُستملِي ينقلها إلى من ورائه، إلى آخر مكانٍ يصل الصوت، ثم يقوم مُستملٍ آخر.

وبلغ بعض المُحدِّثين أنه احتاج إلى سبعةٍ وثلاثين مُستملِيًا، سبعةً وثلاثين مُبلِّغًا؛ إذًا كم عدد الناس؟! فكانت هذه العناية التي أوجدها العلماء خوفًا على السُّنة.

هل هذا فقط؟

لا، انظر بعد ذلك إلى القواعد التي وُضِعت، وأصبح ما من خللٍ يُخشَى ويُظن أنه يمكن أن يُؤتَى الحديث من قِبله إلا ووُضع له قواعده، وإذا أصبحت هناك علومٌ كثيرةٌ جدًّا مرتبطةٌ بضبط الحديث، فأصبح عندنا: علم الرجال، وعلم العلل، والرحلة في طلب الحديث، والسابق واللاحق.. المُحدِّث.. يعني سبحان الله العظيم! إذا كان المُحدِّث في عصرٍ فإن رَوَى الرواية.. أيضًا قضية المُعاصَرة، طبعًا الرحلة يُكتشف بها أشياءُ، فأحيانًا قد يكون المُحدِّث مثلًا من مكةَ، ورَوَى عن مُحدِّثٍ آخرَ من العراق، فكيف يُثبَت اللقاء؟

فمثلًا، نرجع هنا لماذا ذكر الرحلات، فإذا -مثلًا- الإمام أحمد رحل إلى اليمن، متى رحل إلى اليمن؟ في عام كم؟ العالِم الذي رَوَى عنه -عبدالرزاق- هل هو في هذه الفترة التي كان الإمام أحمد رحل إلى اليمن أو لا؟ إلى غير ذلك من علم العلل، إلى غير ذلك من العلوم الكثيرة جدًّا، ما يتعلق بالكتابة عِلمٌ خاصٌّ، والحرف، وغير ذلك، ما يتعلق بالتصحيف في الكتابة عِلمٌ خاصٌّ، ما يتعلق بالمُحدِّث إذا بدأ عندما كبرت سنه وبدأ يظهر عليه شيءٌ من الاختلاط والضعف عِلمٌ خاصٌّ، ولا تتخيل شيئًا يمكن أن يؤثِّر في موضوع الرواية إلا تجد أنه صار عِلمًا خاصًّا ووُضعت له قواعد، ووُضعت مُصنَّفاتٌ.

أمرٌ في غاية العجب! لكن هل يعلم أهل الإسلام ذلك؟ فيأتي إنسانٌ في ذيل الزمان، وإنسانٌ لا يُعرَف لا بخيرٍ ولا بعِلمٍ، ثم يأتي لكي يطعن في مثل "صحيح الإمام البخاري"، ويأتي الناس ينظرون ويتعجبون! ماذا سيقول أهل الإسلام وعلماء الإسلام عن مثل هذا الأمر؟! لكن لماذا لا يكون هناك السبق وتربية أهل الإسلام على ما بذله العلماء في هذا العلم والجهود التي كانوا يبذلوها والوقت والمال؟!

يحيى بن مَعِينٍ الذي قيل في ترجمته: كأن الله جمع له الأولين والآخرين وهو ينظر إليهم من مكانٍ عالٍ، ويتكلم فيهم واحدًا واحدًا، هذا الرجل الذي أنفق كل ما يملك، مات أبوه وترك له ثروةً كبيرةً، قال: فأنفقتُها في طلب الحديث، حتى وصل بي الحال أنني لم أجد درهمًا واحدًا أشتري حذاءً ألبسه.

فإذًا؛ قضية الإسناد والرواة ومَن رواه عنهم؛ هي تُعطي الدلالة على هذه القيمة.

شيوخه

القارئ: قال:

فسمع من: إبراهيم بن سعدٍ قليلًا.
ومن هُشَيْمِ بن بشيرٍ فأكثر.
ومن عبَّاد بن عبَّاد المُهَلَّبِيِّ، ومن مُعتمَرِ بن سُليمان التيميِّ، ومن سُفيان بن عُيَيْنَةَ الهلاليِّ، وأيوبِ النجَّارِ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدةَ، وعليِّ بن هشام بن البَرِيد، وقُرَّان بن تمَّام الأسدي، والقاضي أبي يوسف، وجابر بن نوحٍ الحمَّانيِّ، وعليِّ بن عرَّابٍ القاضي، وعُمر بن عبيد الطنافسيِّ، وأخويه؛ محمد ويعلى.
والمُطلب ابن زيادٍ، ويوسف ابن الماجشون، وجرير بن عبدالحميد، وخالد بن الحارثِ، وبِشر بن المُفضَّل، وعبَّاد بن العوام، وأبي بكر بن عيَّاشٍ، ومحمد بن عبدالرحمن الطفاويِّ، وعبدالعزيز بن الصمد العِّميِّ، وعبدةَ بن سُليمانَ.
ويحيى بن عبدالملك بن غَنِيَّة، والنضر بن إسماعيل البجليِّ، وأبي خالد الأحمر، وعليِّ بن ثابت الجزريِّ، وأبي عُبيدةَ عبدالواحد بن واصل الحداد، وعُبيدةَ بن حميد الحذَّاء، ومحمد بن سَلَمة الحرانيِّ، وأبي عُبيدة محمد بن خازم الضرير، وعبدالله بن إدريس الأوديِّ، ومروان بن معاويةَ، ومحمد بن جعفر غُنْدر، وإسماعيل بن عُليةَ، ومَخْلد بن يزيد الحرانيِّ، وحفص بن غيَّاثٍ، وعبدالواحد بن العبد المجيد الثقفيِّ، ومحمد بن فضيل بن غزوان، وعبدالرحمن بن محمد المحاربيِّ، والوليد بن مسلمٍ، ومحمد بن يزيد الواسطيِّ.
ومحمد بن الحسن المُزنيِّ الواسطيِّ، ويزيدَ بن هارونَ، وعليِّ بن عاصم الواسطيِّ، ووكيعٍ -فأكثر-، ومسكين بن بُكَيْرٍ، ويحيى بن سعيد القطَّان -فأكثر-، وأنس بن عياض الليثيِّ، وإسحاق الأزرق، ومعاذ بن معاذ العنبريِّ، ومعاذ بن هشام الدستوائيِّ، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى الساميِّ، ومحمد بن أبي عَدِيٍّ.
وعبدالرحمن بن مهديٍّ، وعبدالله بن نُميرٍ، ومحمد بن بِشرٍ، وزيد بن الحُباب، وعبدالله بن بكرٍ، ومحمد بن إدريس الشافعيِّ، وأبي عاصم النبيل، وعبدالرزاق، وأبي نُعيمٍ، وعفانَ، وحسين بن علي الجُعفيِّ.
وأبي النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدمَ، وأبي عبدالرحمن المُقْرِيِّ، وحجاج بن محمدٍ، وأبي عامر العَقَبيٍّ، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وروح بن عبادةَ، وأسود بن عامرٍ، ووهب بن جريرٍ، ويونس بن محمد المُؤدِّب، وسليمان بن حربٍ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ، وخلائقَ.
إلى أن ينزل في الرواية إلى: قُتيبةَ بن سعيدٍ، وأبي بكر بن أبي شيبةَ، وهارون بن معروفٍ، وجماعةٍ من أقرانه.
وعِدَّة شيوخه الذين رَوَى عنهم في "المُسنَد": مئتان وَنَيِّفٌ وثمانون شيخًا، وحدَّث عنه البخاريُّ.

الشيخ: إذًا، هنا الآن هؤلاء بعض من رَوَى عنهم الإمام أحمد رحمة الله عليه.

طبعًا -كما هي العادة لأيِّ إمامٍ- كل واحدٍ من هؤلاء إن رجعت تجد أن له ترجمةً، في هذه الترجمة يُذكَر اسمه ولقبه، وتاريخ ولادته، وتاريخ وفاته، والبلد الذي وُلد فيه، ثم أيضًا ستجد فيها مَن شيوخه، ومَن أخذ عنه.

فلذلك -مثلًا- يزيد بن هارون، الآن هو ذُكِرَ في ترجمة الإمام أحمد أن الإمام أحمد سَمِعَ منه، ترجع إلى يزيد بن هارون فتجد في الترجمة يُذكَر مَن سمع مِن يزيد بن هارون، وتجد منهم الإمام أحمد، وتجد أيضًا يزيد بن هارون مَن هم شيوخه؟ يعني: في كل ترجمةٍ هي تربط لنا السابق واللاحق.

فالراوي إذًا يُمثِّل واسطةً في عِقد السلسلة؛ فكل راوٍ سيُذكَر أخذ عن مَن ومَن أخذ عنه، وطبعًا يُذكَر إن كان له رحلاتٌ تُذكَر، إن كان بعد ذلك أيُّ قضية مؤثِّرة في ترجمته لها علاقةٌ بالحكم على الحديث ستُذكَر.

معنى الضبط في الراوي

ثم بعد ذلك الحكم عليه، الحكم عليه يعود إلى مدى قدرته في ضبط الرواية؛ لأن المطلوب أن الراوي يكون ضابطًا.

ما معنى ضابطًا؟

أنه يروي ما سمع كما سمع.

من هو الضابط؟

أن يروي ما سمع كما سمع.

والضبط ينقسم إلى قسمين:

  • ضبط صدرٍ.
  • وضبط سطرٍ.

فضبط الصدر: أن يحفظ.

وضبط السطر: أن يكتب.

فإذًا؛ هذا هو الضابط: الذي يُؤدِّي ما سمع كما سمع.

فإذًا؛ هذا المطلوب.

معنى كون الراوي ثقةً

ثم حتى يكون ثقةً، فيجتمع مع الضبط وصفٌ آخرُ، وهو وصف العدالة.

فمَن هو الثقة؟ إذا قيل لك: مَن هو الثقة؟

الثقة: هو العدل الضابط.

فالضابط عرفنا أنه: هو الذي يُؤدِّي ما سمع كما سمع، وعرفنا أنواع الضبط.

طيب العدل، مَن هو العدل؟

مَن قام به أمرٌ من التقوى يمنعه من فعل الكبائر، أو الاستمرار على الصغائر. فإذًا؛ يكون مظهره مظهر الاستقامة.

شروط العدالة

وحتى يكون بهذا الوصف لا بُدَّ من توفُّر خمسة شروطٍ.

إذًا؛ ما هي شروط العدالة؟

خمسةٌ: أن يكون مُسلمًا، بالغًا، عاقلًا، خاليًا من أسباب الفسق، ومن خوارم المروءة.

إذًا؛ هذه خمسةٌ، من توفَّرت فيه فهو العدل.

فإذا اجتمعت العدالة مع الضبط فهذا هو الثقة، طبعًا هذا باختصار.

ثم هناك لكل قضيةٍ من هذه القضايا أمورٌ وأحكامٌ، وكل ذلك مُنضبطٌ.

مثلًا: هؤلاء الرواة، هناك -مثلًا- إن كان هذا الراوي مذكورٌ اسمه في الكتب الستة.

ما هي الكتب الستة؟

صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وسُنن أبي داود السجستاني، وسُنن الترمذي، وسُنن ابن ماجه، وسُنن النسائي.

هذه الكتب الستة، فهؤلاء الرواة الذين في هذه الكتب لهم كتبُ تراجمَ خاصةٌ، تَرجمتْ للرواة الذين ذُكِروا في هذه الكتب الستة، من أكبر وأوسع هذه الكتب "تهذيب الكمال" للحافظ المِزِّي رحمة الله عليه، وغيره. فإذًا؛ هذه أمورٌ يعني سبحان الله العظيم!

طبعًا، أيضًا هناك كتبٌ مُؤلَّفةٌ في الثقات فقط، هناك كتبٌ مُؤلَّفةٌ في تراجم الضعفاء فقط، هناك كتبٌ مُؤلَّفةٌ في تراجم الرجال بحسب البلدان.

فإذًا؛ هذه أنواعٌ للتصنيف في الرواة، والعبرة هنا أن ذكر الترجمة والمناقب عندما يُذكَر الرواة يُعطي دلالةً على أن هذا الإمام إمامٌ مُعتنٍ بحديث رسول الله .

مَن حدَّثوا عنه

القارئ: قال:

حدَّث عنه: البخاريٌّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، ورَوَى الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه، عن رجلٍ، عنه.
وحدَّث عنه أيضًا: ابناه؛ صالحٌ وعبدالله، وابنُ عمه حنبلُ بن إسحاق بن حنبلٍ.
وشيخُه عبدالرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، والأسود بن عامر شاذان، وعبدالرحمن بن مهديٍّ، وقتيبةُ، وأبو الوليد الطيالسيُّ، ووكيعٌ، ويحيى بن آدمَ، ويزيد بن هارونَ، والشافعيُّ.

مكانة الإمام أحمد وحفظه

الشيخ: هنا طبعًا يُشير إلى مكانة الإمام أحمد وحفظه.

الأصل أن يُحدِّث الطالب عن الشيخ، لكن أن يُحدِّث الشيخ عن الطالب؛ فإذًا هذا دليلٌ على أمرين:

الأمر الأول: على سعة ما عند هذا الإنسان من الأحاديث التي شعر الشيخ أن عند الطالب ما ليس عنده، فهذا مَدعاةٌ للرواية.

الأمر الثاني: المكانة، المكانة في أمر الحديث قائمةٌ على الثقة، قائمةٌ على الإتقان والحفظ، فإذا رَوَى الشيخ عن الطالب؛ إذًا يُعطي دلالةً بأحد الأمرين:

  • إما لوفرة ما عند الطالب من الأحاديث، كيف تكون الوفرة؟ بالرحلات، أنه يرحل ويتغرب، ويطلب الحديث، ويجمع؛ فلذلك يُصبح عنده ما يجعل الشيخ يروي عنه.
  • وأيضًا قضية الإتقان والحفظ وسلامة المرويات عنده، التي تجعل أيضًا الشيخ همته ترتفع إلى أن يروي عن مَن هو أصغر منه؛ لأن الهمة طبعًا روايةٌ، وهذا طبعًا يدخل تحت نوعٍ، ما هو اسمه عند المُحدِّثين؟ يُسمونه برواية "الأكابر عن الأصاغر"؛ لأن الأمر الطبيعي أن يروي الأصاغرُ عن الأكابرِ في السن، لكن أن يروي كبارُ السن عن مَن يصغرهم في السن فهذا أمرٌ لافتٌ؛ فلذلك أُفرد هذا العلم، وهناك مُصنَّفاتٌ خاصةٌ بهذا العلم.

فالإمام أحمد رحمة الله عليه لمكانته وعلمه وسعة محفوظاته، فإن عددًا من شيوخه رَوَوْا عنه وهو ما زال شابًّا، رحمة الله عليه.

القارئ:

قال:

وحدَّث عنه أيضًا: عليُّ بن المدينيِّ، ويحيى بن مَعِينٍ، وماتا قبله، وأحمد بن أبي الحواريِّ..

الشيخ: طبعًا -كما قلنا- هؤلاء أصحابه ورفقاء دربه، وكلٌّ منهم تميَّز، كلهم من أهل الحديث، لكن كل واحدٍ منهم تميَّز عن البقية بشيءٍ؛ فكان يحيى بن مَعِينٍ أعلم الثلاثة بعلم الرجال، وعلي بن المدينيِّ أعلم الثلاثة بعلم العلل، وهو أصعب علوم الشريعة قاطبةً، وكان علي بن المدينيِّ لا يُشَقُّ له في هذا العلم غبارٌ، وتكفي شهادة الإمام أمير المُحدِّثين الإمام البخاري رحمة الله عليه، يقول: "ما استصغرتُ نفسي أمام أحدٍ إلا أمام علي بن المدينيِّ"[2]، يعني: عندما جئتُ إلى عليٍّ وجلستُ بين يديه، أدركتُ أني الآن طالبٌ بين يدي أستاذٍ، يقول: "ما استصغرتُ نفسي بين يدي أحدٍ إلا أمام علي بن المدينيِّ"، رحمة الله عليه.

والإمام أحمد كان أمْيَزَ الثلاثة في كثرة حفظ الحديث والفقه فيه، فإذًا هؤلاء الثلاثة..

فإذًا؛ حدَّث عنه: عليُّ بن المدينيِّ، ويحيى بن مَعِينٍ..

القارئ: قال:

وأحمد بن أبي الحواريِّ، وخلف بن هشام البزَّار، وداود بن عمرو الضبيُّ، ودُحيمٌ، وأحمد بن صالحٍ، ومحمد بن يحيى الذُّهليُّ، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيُّ، وأحمد بن الفُرات الرازيُّ.
والحسن بن صبَّاح البزار، والحسن بن محمد بن الصبَّاح الزعفرانيُّ، وحجاج بن الشاعر، ورجاء بن المُرجَّى، وسلمة بن شبيبٍ، وأبو قُلابة الرقاشيُّ، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن منصور الطوسيُّ، وزياد بن أيوب الطوسيُّ، وعباس الدُّوريُّ.
وأبو زُرعة وأبو حاتم الرازيَّان، وأبو زرعة الدمشقيُّ، وحرب بن إسماعيل الكِرْمانيُّ، وإسحاق بن منصور الكوسج، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المَرُّوزيُّ، وإبراهيم الحربيُّ، وبَقِيُّ بن مَخْلدِ الأندلسيُّ، وأحمد بن أصرم المُغَفَّليُّ، وأحمد بن منصور الرماديُّ، وأحمد بن مُلاعِبٍ، وأحمد بن أبي خُيثمةَ، وموسى بن هارونَ، وأحمد بن علي الأبّار، ومحمد بن عبدالله الحضريُّ مُطَيَّنٌ، وأبو طالب أحمد بن حُميدٍ.
وإبراهيم بن هاني النيسابوريُّ، وابنه إسحاق بن إبراهيم، وبدر المُغازليُّ، وزكريا بن يحيى الناقد، ويوسف بن موسى الحربيُّ، وأبو محمد بوران، وعبدوس بن مالك العطار، ويعقوب بن بُختان، ومُهنَّا بن يحيى الشاميُّ، وحمدان بن علي الورَّاق، وأحمد بن محمد القاضي البِرْتيُّ.
والحسين بن إسحاق التُّسْتَرِيُّ، وإبراهيم بن محمد بن الحارف الأصبهانيُّ، وأحمد بن يحيى ثعلب، وأحمد بن الحسن بن عبدالجبار الصوفيُّ، وإدريس بن عبدالكريم الحداد، وعمر بن حفص السَّدُوسيُّ، وأبو عبدالله محمد بن إبراهيم البوشنجيُّ، ومحمد بن عبدالرحمن الساميُّ، وأبو القاسم عبدالله بن محمد البغويُّ، وهو آخر مَن حَدَّث عنه.
وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعثمان بن سعيد الدارميُّ، ومحمد بن إسماعيل الترمذيُّ، ويعقوب بن سفيان الفارسيُّ، ويعقوب بن شيبة السدوسيُّ، وخلائقُ غيرهم.

الشيخ: طيب إذًا، هنا نفس الشيء، كما قلنا فيه مَن رَوَى عنهم، فهؤلاء رَوَوْا عنهم، وذكر عددًا منهم.

وهو أيضًا يُعطي إشارةً على أنهم كُثُرٌ؛ فهو أولًا: يُعطينا الإشارة إلى مدى العناية بالحديث، ومدى عناية علماء الجرح والتعديل بمثل هذا العلم، وكما قلتُ: لن تجد واحدًا من هؤلاء إلا وستجد أن في كُتب التراجم له ترجمةً وافيةً عن حاله، وكذلك كما قلنا: أين هو؟ أين موقعه؟ وعن مكانته، فكل ذلك واضحٌ، لكن من الترجمة تقتضي مثل هذا العمل.

ثناء العلماء عليه

القارئ:

قال:

وقد جمع أبو محمد الخلال جزءًا في تسمية الرواة عن الإمام أحمد.
وقال حرملة: سمعت الشافعيَّ يقول: "خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أفقه ولا أزهد ولا أوْرَع ولا أعلم من أحمد بن حنبل"[3].

الشيخ: هذا الشافعيُّ، وهو شيخه، فإن أحمد رحمة الله عليه أخذ عن الشافعيِّ، وتعلَّم منه الفقه، وكان يُجِلُّه كثيرًا.

والشافعيُّ رَوَى عن أحمد الحديث، وكان أحمد أحفظ منه، وأكثر جمعًا للحديث، وأعلم بهذا الفن. والإمام أحمد أخذ عنه جانب الفقه، والشافعيُّ إمامٌ في هذا الباب.

فإذًا؛ كُلٌّ منهم أخذ من الآخر علمًا وتلقَّى عنه، فالشافعي، وهو أكبر سنًّا من الإمام أحمد وهو في منزلة شيوخه، إلا أننا نجد أنه أثنى عليه هذا الثناء العاطر، فماذا قال الشافعي؟

قال: "خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها -أي: ببغداد- أفقه..."، إذًا؛ هذا في الفقه شهادةٌ من الشافعيِّ.

وهذه حقيقةٌ تكفي في بيان مكانة الإمام أحمد في الفقه؛ لأن هناك من ينظر على أن الإمام أحمد وإمامته في علم الحديث وينكس من قدر الفقه.

وهنا نقول: هذه الشهادة من مثل الشافعيِّ يكفي أنها تضع الإمام أحمد رحمة الله عليه في دائرة الفقهاء، والفقهاء أصحاب المكانة العليا؛ لأن مثل شهادة الشافعيِّ ليست بالأمر الهين في هذا الباب، "... أفقه ولا أزهد ولا أوْرَع"، الزهد والورع: وصفان أثنى بهما على الإمام أحمد عددٌ كبيرٌ من العلماء، وهو يُعطي دلالةً على أن هذا كان سمتًا للإمام أحمد رحمة الله عليه.

الفرق بين الزهد والورع

فالزهد، ما معنى الزهد والورع؟ وما الفرق بين الزهد والورع؟

أما بالنسبة للفرق؛ لندرك كلًّا من هذين الأمرين وما يتعلق بهما، فرَّق بينهما شيخ الإسلام رحمة الله عليه، فيقول: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة"، يعني: تترك الشيء الذي لا ينفعك في الآخرة.

طيب الورع؟

"ترك ما يُخشَى ضرره في الآخرة".

لأنه إما شيءٌ ينفعك، وإما شيءٌ يضرك، فأن تترك الشيء لأنه لا يعود من ورائه نفعٌ في الآخرة، هذا ماذا اسمه؟ زهدٌ.

وأن تترك الشيء الذي تخشى أن يضرك في الآخرة، هذا اسمه ورعٌ.

إذًا؛ هذا الفرق بين الزهد والورع.

إذًا؛ هو له ارتباطٌ بالآخرة، فإن كان الشيء تفعله في الدنيا ثمنه أنه في الآخرة لا ينفعك؛ إذًا تزهد فيه، لماذا تفعله وهو لن يُثمِر لك ثمرةً في الآخرة؟!

والشيء الذي تخشى أنه يضرك في الآخرة، فهذا تتورع عنه؛ لذلك نجد الورع أكثر ما يرتبط بالشبهات؛ لأنها هي التي يُخشَى أن الإنسان يُصيبه ضررها في الآخرة، فيتورع عنه الإنسان.

أما الزهد فنجده مرتبطًا بالمُباحات، فالإنسان يزهد فيه؛ لأنه يخشى أنه لا ينفعه في الآخرة، أو أنه فوَّت عليه منفعةً أعظم في الآخرة، فيزهد فيه لهذا السبب.

وهذا طبعًا لأن المؤمن إذا تأمَّل القرآن، فإن القرآن يريد أن يكون المؤمن إنسانًا أُخرويًّا لا إنسانًا دنيويًّا.

المؤمن إنسانٌ أخرويٌّ، نظرته كلها تعود إلى الآخرة.

هل معنى ذلك أن المؤمن لا يعمل في الدنيا؟

لا، ليس المراد هذا، وإنما كل شيءٍ يعمله في الدنيا، ويُعمِّر الأرض عمارةً تعود عليه بالنفع في الآخرة؛ فلذلك كل شيءٍ لا يُثمِر له شيئًا في الآخرة كلما ارتقى في مراتب الإيمان تجده يتخلى عنه؛ لذلك شيخ الإسلام رحمة الله عليه ذكر قانونًا في وزن أعمال الإنسان؛ لأن الإنسان بطبيعته وخِلقته لا يعمل شيئًا إلا يطلب من ورائه منفعةً، والمنفعة ينشأ عنها لذةٌ، فيقول: "كل لذةٍ في الدنيا تُثمِر منفعةً في الآخرة فهي واجبةٌ شرعًا". إذًا، هذا واحدٌ.

ما هو الأول؟ "كل لذةٍ في الدنيا تُثمِر منفعةً في الآخرة فهي واجبةٌ شرعاً".

اثنان: "كل لذةٍ في الدنيا تُثمِر ألمًا في الآخرة فهي مُحرَّمةٌ شرعًا".

ثلاثةٌ، الأول واضح؟ والثاني واضح؟

يعني: لذة الدنيا التي تُثمِر منفعةً في الآخرة؛ أن الإنسان -مثلًا- يتاجر ويسلك في تجارته الطريق الحلال، فيأتيه المال، هذا المال يَسُدُّ به جوعته، فإذا ما أكل من ذاك المال الذي جمعه من حلال، هل يتلذذ بذلك الطعام أم لا يتلذَّذ؟ يتلذَّذ. فلما أنه ما أراد أن يجمع مالًا إلا من حلالٍ، ولا أن يأكل إلا ما هو حلالٌ؛ فحصل له التلذذ بهذا الأمر من جهةٍ، لكن هذا العمل ماذا سيُثمِر له في الآخرة؟ منفعةً أم ما يُثمِر له منفعةً؟ يُثمِر له منفعةً؛ إذًا هو واجبٌ في حقه.

وطبعًا هنا إذا أدرك المؤمن، وتربَّى على الإيمان، فإن أعظم لذَّات الدنيا محبة الله ،​​​​​​​  وليس في الدنيا أحلى ولا أعذب من هذا الحب، ومن هذا القرب، ومن هذا العِلم.

وأيضًا في الآخرة؛ ليس هناك عملٌ يأتي به الإنسان ويترقَّى في مراتب الجِنان ويُمتعه الله بأعظم نعيمٍ، وهو نعيم النظر إلى وجهه، مثل ماذا؟ مثل هذا الأمر وهو العلم بالله، وأن يعيش الإنسان عالمًا بربه، وهي درجة الإحسان، فيُصبح هذا الأمر واجبًا.

الثاني على الضد: كل لذةٍ في الدنيا تُثمِر ألمًا في الآخرة.. إنسانٌ يتلذذ بالربا، يتلذذ بالخمر، يتلذذ بالزنا، إذًا ما حكم هذا؟ وفي الآخرة ما هو موقع هذا العمل؟ أَلَمٌ؛ إذًا ما حكمه في الدنيا؟ مُحرَّمٌ.

الثالث، وانتبهوا له: يقول شيخ الإسلام: "كل لذةٍ في الدنيا لا تُثمِر منفعةً في الآخرة، ولا تدفع ألمًا في الآخرة فهي باطلةٌ".

والبطلان هنا: غير المُحرَّم، بمعنى: أنه نوعٌ من الخسارة؛ لأنك في الآخرة أنت تريد أن تُحقِّق منفعةً، أو أن تدفع عن نفسك ألمًا، فإذا فعلتَ شيئًا في الدنيا وتلذذتَ به، ثم جئتَ في الآخرة، فلا هو الذي حقق لك منفعةً، ولا هو الذي دفع عنك ألمًا؛ فهو من نوع الباطل، وهذا أكبر ما ينطلق على أكثر المُباحات، إذا ما استطاع الإنسان أن يُدخِل عليها النيات الصالحة فهو من هذا النوع.

فلذلك الإمام أحمد -إذًا- عُرِف بالزهد والورع.

قال: "ولا أعلم" -أي: هو يقول- "خرجت من بغداد، وما خلَّفْتُ بها أفقه ولا أزهد ولا أوْرَع ولا أعلم من أحمد بن حنبل".

إذًا؛ هذا ثناء الإمام الشافعي الأول.

ثم يقول أيضًا..

القارئ:

وقال المزنيُّ: "قال لي الشافعيُّ: رأيتُ ببغداد شابًّا إذا قال: حدَّثنا، قال الناس: صَدَقَ. قلتُ: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل"[4].

الشيخ: إذًا هو عندما يتكلم عن بغداد يتكلم عن حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الزمن، الأولى كانت محطَّ العلماء، والناس كُثُرٌ فيها، وطلبة العلم كُثُرٌ، والعلماء كُثُرٌ، فعندما يأتي الشافعيُّ ليقول: "رأيتُ ببغداد شابًّا"، إذًا هذا أمرٌ لافتٌ، ثم ماذا؟ "إذا قال: حدَّثنا، قال الناس.."، مَن المقصود بالناس؟ العلماء، علماء الحديث، قالوا: صَدَقَ. إذًا، هنا فعلًا أمرٌ يستدعي أن يقول المزنيُّ للشافعيِّ: من هذا الشاب؟ فقال: أحمد بن حنبل.

إذًا؛ وصل إلى تلك المكانة، وأن علماء الحديث يقبلون منه، ويسمعون له، ويصغون له، ويحكمون على روايته بالقبول، فهذه مكانةٌ عُليا.

أيضًا هذا ثناءٌ آخر من الشافعيِّ، وهذا أيضًا تكرار الثناء من العالم، بمعنى: أن هذا الإنسان الذي يُثنِي عليه حاضرٌ في ذهنه؛ ولذلك الكلمات مختلفةٌ، إذًا معناه: أنه نطق بها في أكثر من مجلسٍ، وفي أكثر من مجمعٍ للناس.

نعم، وقال أيضًا..

القارئ:

وقال الزعفرانيُّ: "قال لي الشافعيُّ: ما رأيتُ أعقل من أحمد وسليمان بن داود الهاشمي"[5].

الشيخ: إذًا، الآن هذه أوصافٌ الإمام الشافعيِّ، قالها في الإمام أحمد بثناءٍ عاطرٍ عالٍ: الفقه، والزهد، والورع، والإتقان في رواية الحديث، والعقل؛ العقل: الحكمة.

إذًا؛ ليس -أيضًا- هو مُجرَّد حافظٍ للحديث وينقله، بل مع ذلك هناك عقلٌ سليمٌ رشيدٌ، عقلٌ مُتزنٌ، والعالم إذا جمع ذلك كله، فأيُّ مكانةٍ تكون له!

القارئ:

وعن الشافعيِّ قال: "أحمدُ إمامٌ في ثماني خصالٍ: إمامٌ في الحديث، إمامٌ في الفقه، إمامٌ في القرآن، إمامٌ في اللغة، إمامٌ في السُّنة، إمامٌ في الزهد، إمامٌ في الورع، إمامٌ في الفقر"[6].

الشيخ: إذًا؛ هذه ثماني صفاتٍ، الشافعيُّ يقول لكل واحدة منها بالنسبة للإمام أحمد ماذا؟ الإمامة، وليس فقط أن هذا فيه، بل هو إمامٌ في هذا النوع من أنواع العلوم، وهذا -كما قلت- ثناءٌ عظيمٌ من الإمام الشافعيِّ رحمة الله عليه.

وهذا التنوع يُعطي دلالة على أن هذا الثناء كان من الإمام الشافعيِّ في أكثر من موطنٍ، وهو يُعطي دلالةً على مكانة أحمد عند الشافعيِّ.

وكان أحمد يُجِلُّ الشافعيَّ جدًّا، ويُحبه جدًّا، ويعتني بالأخذ عنه، حتى مما ذُكِر أن الإمام أحمد رحمة الله عليه لقي الإمام الشافعيَّ هنا في الحرم وهو داخلٌ على دابته، فجاء من طرف الدابة على اليمين يمشي، والإمام الشافعيُّ على الدابة، وهو يسأله ويسمع منه، فقال له يحيى: بلغني أنك تَبِعْتَ الرجل -يعني: أقرانٌ وبينهم دعابةٌ- قال: بلغني أنك مشيتَ خلف دابَّته، قال: كم كنتُ أتمنى لو جئتَ وكنتَ معي في الطرف الثاني من الدابَّة. لو جئتَ من الطرف الثاني كان خيرًا لك من أن تتكلم هذا الكلام، وتسمع من علم هذا الإمام[7].

هذا سبحان الله! التلقِّي بين العلماء؛ فهذا الشافعيُّ الذي هو الشيخ، ويرى أحمد بهذا الحرص، ثم بعد ذلك يُثنِي، معناه: ليست قضيةَ إلقاء علمٍ وانتهى، بل هناك تلاقٍ ومُدارَسةٌ ومُذاكَرةٌ، حتى جعلَتْه يقول عن الإمام أحمد ويُثنِي عليه بهذا الثناء.

أحمد بماذا يُقابِل ما أخذه عن الشافعيِّ، يقول: "أدعو للشافعيِّ في كل صلاةٍ في البيت"[8]، إذا قام الليل يصلي يدعو للإمام الشافعيِّ ويذكره باسمه؛ لما استفاد منه من العلم.

القارئ:

وقال إسحاق بن راهويه: "سمعتُ يحيى بن آدم يقول: أحمد بن حنبل إمامُنا"[9].

الشيخ: طيب، طبعًا إسحاق الحنظليُّ كما قلنا جمعه بالإمام أحمد:

أولًا: البلد، فكلٌّ منهما -كما قلنا- من "مرو الشاهجان"، سواءً الإمام أحمد أو إسحاق.

وإسحاق كان فقيهًا مشهورًا بالفقه رحمة الله عليه، وصاحبَ الإمام أحمد، وكلٌّ منهما أفاد من الآخر.

أما يحيى بن آدم بن سليمان الكوفيُّ رحمة الله عليه أبو زكريا، وهو ثقةٌ حافظٌ، إمامٌ فاضلٌ، أيضًا كان من أقران الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكان أكبر منه سِنًّا؛ ولذلك بعضهم يَعُدُّه في شيوخ الإمام أحمد.

فهؤلاء أيضًا يُثنون على الإمام أحمد بهذا القول، فكلٌّ منهما قال: "أحمد بن حنبل إمامُنا" أي: قدوةٌ لنا.

القارئ:

وقال قتيبةُ بن سعيدٍ: "أحمد بن حنبل إمام الدنيا"[10].
وقال محمد بن إسحاق بن راهويه: "سمعتُ أبي يقول: قال لي أحمد بن حنبل: تعالَ حتى أُريَك رَجُلًا لم تَرَ مثله، فذهب بي إلى الشافعيِّ"[11].

الشيخ: انظر، سبحان الله! كيف العلماء يدل بعضهم على بعضٍ؟! وكيف أحمد على إمامته لم تكن قضية التنافر والتنافس والتطاحن؟! يعني: هذا أحمد يذهب إلى إسحاق صاحبه، يقول: تعالَ حتى نذهب سويًّا إلى من لَقِيَ الشافعيَّ واستفاد منه، فماذا أراد؟ أراد أن كل من حوله يستفيد من علمه.

يقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "والله ما تعلمتُ فهمًا في آيةٍ من كتاب الله، إلا تمنيتُ كل مسلمٍ أن يعلم ذلك، ولا رأيتُ سحابةً في السماء إلا تمنيتُ كل بلاد المسلمين يُصيبهم من مائها".

هذا الحب في الخير، وهذا الثناء على العلماء، والتعريف بالعلماء، وأن يستفيد الناس من علمهم، ها نحن نرى الإمام أحمد يقول ذلك لفقيه عصره الإمام إسحاق بن راهويه رحمة الله عليه، فيُعرِّفه بالشافعيِّ، وقد كانت هناك بعض المُناقَشات فيما بين الشافعيِّ وإسحاق رحمة الله عليه في هذا الباب.

القارئ:

قال محمد بن إسحاقَ: قال لي أبي: "وما رأى الشافعيُّ مثل أحمد بن حنبل".
قال: وسمعتُ أبي يقول: "لولا أحمد بن حنبل وبذلُ نفسه لِما بذلها له؛ لذهب الإسلام"[12].

الشيخ: إذًا؛ الآن نجد -سبحان الله!- هذا التبادل في معرفة أقدار العلماء، وتقديم كل منهم للآخر، فهذا إسحاق وهو إمامٌ، وإمامٌ ثقةٌ فقيهٌ رحمة الله عليه، فها هو إذًا يأخذه الإمام أحمد إلى الشافعيِّ، فيتلقَّى عن الشافعيِّ.

ثم عندما يأتي، والإمام الشافعي يعرف قدر إسحاق ويُثنِي عليه، لكن هنا ماذا قال إسحاق لولده؟ يُعلِّم ولدَه قيمة أحمد، فيقول: هذا قولُ أحمد لي في مكانة الشافعيِّ، ثم هذه مكانة أحمد عند الشافعيِّ، ثم ماذا يقول بعد ذلك إسحاق عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع؟

هذا تاريخه، إذا وقفنا مع المناقب ونسمع مثل هذا الكلام، هل نقبل بعد ذلك عندما يصل في مرحلةٍ من المراحل، ومن فئةٍ ممن نُسِبَ إلى العلم، ثم يأتي ذاك الصراع والتطاحن والتعصب الذي يصل إلى انتقاص هؤلاء الكبار؟!

لذلك -مثلًا- علي بن المدينيِّ رحمة الله عليه، هذا الجهبذ في عِلم العِلل -كما قلتُ: أصعب علوم الشريعة- في حادثة الفتنة ويأتينا شيءٌ من أخبارها، سُجِنَ وأُوذِيَ، وما استطاع أن يصبر، سُجِنَ، وضُرِبَ، ووُضِعَتِ القيود في رِجْله، ووُضِعَ في غرفةٍ مُظلمةٍ، يقول: حتى خشيتُ أن أفقد بصري، فتراجع. فجاء بعض علماء الجرح والتعديل، وعدَّه لأجل هذا الأمر وإن كان تاب، وهي مسألة خلق القرآن، فخرج مُعترِفًا بلسانه حتى يُنجِّي ويُبعِد نفسه من الضرر، فوضعه العقيليُّ في كتاب الضعفاء، علي بن المدينيِّ! انبرى الذهبي يُدافع قال: "أما تعقل يا عُقيلي؟!"، ما عندك عقلٌ؟! انظر عمَّن تتكلم.

^1 رواه البخاري: 6429، ومسلم: 2533.
^2 طبقات المُحدِّثين، لابن عبدالهادي: 2/ 78.
^3 طبقات الحنابلة، لأبي الحسين ابن أبي يعلى: 1/ 40.
^4 مسند الإمام أحمد: 1/ 73.
^5 المصدر السابق: 1/ 74.
^6 طبقات الحنابلة، لأبي الحسين ابن أبي يعلى: 1/ 10.
^7 انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي: 10/ 86-87.
^8 انظر: حلية الأولياء، لأبي نعيم: 9/ 98.
^9 طبقات الحنابلة، لأبي الحسين ابن أبي يعلى: 2/ 521.
^10 تهذيب الكمال، للحافظ المزي: 1/ 451.
^11, ^12 مسند الإمام أحمد: 1/ 74.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©