- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
مقومات هذه الأمة وأهمية معرفة سِيَر العلماء

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا ورسولنا وإمامنا وقدوتنا رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
ثم أما بعد:
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأسأله أن يُلهمنا رشدنا، وأن يصلح قلوبنا، وأن يُنير بصائرنا، وأن يختم لنا بالصالحات، وأن يجعلنا من أهل الجنة، فإن ربي هو الجواد الكريم، وإن ربي هو السميع المجيب، ثم أما بعد:
فنرحب بالإخوة في هذه الدورة العلمية التي تُقيمها إدارة التوجيه والإرشاد بالرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، على شرف معالي الرئيس العام، فضيلة الشيخ: عبدالرحمن السديس، وفقه الله لكل خيرٍ.
ولقاؤنا معًا في هذه الدورة إكمالٌ لكتاب "مناقب الأئمة الأربعة"، رضي الله عنهم، للإمام محمد بن أحمد بن عبدالهادي المقدسي رحمة الله عليه.
وقد سبق الوقوف في الدورات السابقة مع ترجمة ثلاثةٍ من الأئمة الأربعة من هذا الكتاب، وهم: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابتٍ، والإمام مالك بن أنسٍ، والإمام محمد بن إدريس الشافعي، رحمة الله عليهم.
ونقف بإذن الله قارئين لما كتبه ابن عبدالهادي في هذا الكتاب، في هذه الدورة، مع ترجمة رابع الأئمة الأربعة: وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسدٍ الذُّهلي الشيباني.
ونقف مع هذه الترجمة سائلين الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يسددنا في القول والعمل، وألا يجري على قلوبنا الزور ولا على ألسنتنا الكذب.
الغاية من دراسة التراجم
وكعادتنا فيما يتعلق بهذه التراجم؛ لأن هناك مقصودًا من قراءة هذه المناقب نجتهد في أن نصل إليه؛ وهو أن يقف طالب العلم من خلال سِيَر هؤلاء الأعلام على منهج وطريقة العلماء في التعامل مع الوحي، وكيف كان دورهم، وكيف كانت العلاقة فيما بينهم، وكيف كانت علاقتهم مع الناس في إبلاغ هذا الدين، وكيف كان حفظهم لوحي الله سبحانه وتعالى.
وقبل أن نقف مع ما ذكره ابن عبدالهادي في ترجمة الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ حتى ندخل في تحقيق تلك الغايات والعقول مستحضرةٌ للمقصود والغاية من قراءة هذه التراجم؛ فأقول: الله له المثل الأعلى، فهو الذي قال في كتابه: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:60]، وهذا الدين لم تُنزله أمَّةٌ، ولم تأت به جماعةٌ من الناس، وإنما هذا الدين تنزيلٌ من عند الله ، أنزله الله ؛ ليُخرج به خير أمَّةٍ، فالدين لم تُوجِده أمَّةٌ، ولكنه وحيٌ من عند الله ؛ ليخرج به خير أمَّةٍ.
خيرية الأمة ووسطيتها
والله جعل هذه الأمة الخاتمة -أمة رسول الله محمدٍ - هي خير أمةٍ أُخرجت للناس، فقال الله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
ولاحِظوا أن إخراج خير أمةٍ كان جَعلًا من الله ، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الأمة الخير، جعلها هي الأمة الوسط، وجعلها هي الشاهدة على الناس، فقال الله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، فكما أن الله جعل آدم خليفةً في الأرض، وكما أن الله جعل إبراهيم إمامًا للناس، وكما أن الله جعل البيت مثابةً للناس وأمنًا؛ فكذلك جعل الله هذه الأمة أمةً وسطًا؛ لتكون وليكونوا شهداء على الناس.
وكلمة "جَعَلَ" إذا ذُكرت في القرآن منسوبةً إلى الرب جل جلاله؛ فقِف عندها متأملًا، واعلم أن ما بعدها أمرٌ كونيٌّ عظيمٌ.
الجعل الإلهي من خلافة آدم إلى إمامة إبراهيم إلى شهادة الأمة
فإذنْ: الله هو الذي جعل -كما قلنا- آدم خليفةً، وجعل إبراهيم إمامًا للناس، وجعل البيت مثابةً للناس، وها نحن نرى أثر كلمة "جعل"؛ فها هو البيت مثابةٌ للناس منذ اليوم الذي وُضع فيه وإلى يومنا هذا، بل لو أن الناس تخلَّفوا عن حَجِّه سنةً واحدةً؛ لقامت عليهم القيامة؛ لأن الله جعل البيت مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا [البقرة:125]؛ أي: وأمنًا للناس، والخليل إبراهيم جعله الله إمامًا.
ومن قرأ القرآن وتتبع سيرة الخليل عليه الصلاة والسلام؛ أدرك حقيقةً عظيمةً كما تأمَّلها وأعلنها ابن القيم رحمة الله عليه، يقول: إن من قرأ القرآن يُدِرك أن الله أراد أن يُشهِر إبراهيم في العالمين؛ لأن الله جعله إمامًا للناس بعد أن ابتلاه؛ كما قال الله : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ، فينشأ عن هذا سؤالٌ: ماذا كان موقف الخليل من ذلك الابتلاء؟ فيأتي الجواب مباشرةً، قال: فَأَتَمَّهُنَّ، فينشأ من ذلك سؤالٌ: ما هي المكافأة للإتمام؟ فيأتي الجواب مباشرةً: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، فينشأ السؤال: كيف يكون إمامًا؟ فرُبط بالبيتِ الإمامِ، فقال الله : وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26]، وقال : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة:127].
فإذنْ هذه كلمة الجَعل، فإذنْ نقول: الله له المثل الأعلى، هذا الدين لم يكن نِتاج أمَّةٍ، وإنما هو تنزيلٌ من حكيمٍ عليمٍ، أنزله الله ليُوجِد خير أمةٍ، خير أمةٍ هي هذه الأمَّة الخاتمة، أمَّة رسول الله محمدٍ ، التي جعلها الله تقوم مقام الشهادة على الناس: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143].
هذه الأمة الوسط التي هي خير الأمم، ما من شكٍّ أن لها مقوِّماتٍ أساسيةً لتحقيق مقتضى ذلك الجعل، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، هذه المقومات الأساسية لهذه الأمّة هي عناصر هويتها التي تُعرف بها.
مقومات هذه الأمة الخاتمة
وهذه المقومات الأساسية أولها وأعظمها: هو هذا الإسلام، دين الله جل جلاله، الذي لا يقبل الله تعالى من الناس دينًا سواه، قال الله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].
القرآن هدى ونور وروح وحياة
وهذا الإسلام إنما هو وحيٌ من الله ، وهذا الوحي هو كتابٌ وسنةٌ.
فالكتاب: قال الله : ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، فحدَّد رسالة هذا الكتاب وقضيته، وهي الهُدى، والخطاب لآدم وهو ينزل من الجنة، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه:123].
والكتاب رسالته وقضيته: الهُدى، فهو محض هُدًى، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].
وهذا الكتاب الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزله، وهو الذي أوحى لرسوله ، قال الله : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى:52].
فإذنْ هذا الكتاب هو وحيٌ من عند الله، أخبرنا الله عن طبيعته، وأخبرنا الله عن رسالته؛ رسالته الهدى، فهو محض هدًى، طبيعته أنه روحٌ وأنه نورٌ، ونُدرك ما مدى حاجة الإنسان في حياته للروح والنور؛ فبالروح هو الإنسان الحي، وبدون الروح هو الإنسان الميت؛ ولذلك قال الله مبينًا هذه العلاقة بين الوحي الذي طبيعته أنه روحٌ، وبين الإنسان الذي بالروح يكون حيًّا وبفقدها يكون ميتًا، قال الله : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122].
فإذنْ هذا الكتاب طبيعته أنه روحٌ، وعرفنا العلاقة بين حياة الإنسان بالروح وبدونها، فمِن هذا الأمر: أنه متى ما فقد الإنسان العلاقة بهذا الوحي الذي هو روحٌ؛ فإن الإنسان ميتٌ وإن كان يتحرك على الأرض، والنور نُدرك علاقته بالإنسان؛ فالإنسان بدون النور لا يرى الأشياء ولا يُميزها، لا يُميز حقائقها، ولا يرى الأشياء بدون النور؛ فلذلك حتى إذا كان الإنسان يسير في طريقٍ مَخوفٍ وأظلم عليه الليل؛ ماذا يفعل؟ يقوم؛ لأنه لو مشى؛ يتعرض للمخاطر؛ كما قال الله وهو يُخبر عن المنافقين ويُبيِّن تلك الصورة التي يظهر فيها كما جاء في سورة البقرة: وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة:20]، ما معنى قَامُوا؟ وقفوا وثبتوا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يستبصروا الأشياء أمامهم.
فإذنْ هذا القرآن طبيعته أنه نورٌ، وأنه روحٌ، وكل بني آدم يُدركون ما هي قيمة الروح للإنسان، وما هي قيمة النور للإنسان، فبفقدهما؛ الروح إذنْ لا حياة، والنور إذنْ لا رؤية ولا استبصار، فالله جعل القرآن بهذه الكيفية، وهذا ما يتعلق بالباطن.
وجُعلت هناك علاقة للظاهر ذكرها النبي : وهي علاقة الجدب والخصوبة في الأرض، فالأرض بدون ماءٍ ماذا تكون؟ هل تكون أرضًا مُرْبِعةً مثمرةً؟ لا تنبت إلا الشوك، وإلا تكون جرداء ليس فيها شيءٌ، فإذا ما تلاقت الأرض مع غيث السماء؛ ماذا يحصل؟ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]؛ فكذلك ظاهرك، وهي جوارحك إذا ما التقت بوحي السماء الذي شبَّهه رسول الله بماذا؟ بالغيث، فقال: مثل ما بعثني الله به كمثل غيثٍ [1].
فإذنْ هذا الجسد الذي مخلوقٌ أصله من طينٍ، مثل تلك الأرض الجرداء التي لا يكون منها إلا الشوك والحنظل ومُرُّ الأشجار، فإذا ما التقى معها ماء السماء المبارك الطهور؛ أنبتت الأرض، وهنا غيث السماء الطهور ما هو؟ وحي السماء، فأنتجت هذه الأعضاءُ العمل الصالح.
فإذنْ هذه العلاقة بين هذا الوحي الهدى وبين هذا الإنسان.
فعرفنا إذنْ ثلاث علاقاتٍ للقرآن مع الإنسان:
- فالأولى: علاقة الحي والميت.
- والثانية: علاقة النور والإبصار.
- والثالثة: علاقة الجدب والخصوبة.
فإذنْ هذا الإسلام قائمٌ على هذا الأصل الأول من الوحي، الذي هو الكتاب، وهذه طبيعته، وهذا أمره.
السنة النبوية امتداد هدى القرآن وضمانة الله للناس
الأصل الثاني: وهو السنة، رسول الله محمدٌ .
ولما كانت قضية الضمانة، وانتبهوا، قضية الضمانة، تعرفون ما معنى الضمانة؟ الكفالة، فالله أعلن ضمانةً للناس مقتضاها: أن من اتبع هدى الله لا يكون ضالًّا، ومن اتبع هدى الله لا يكون شقيًّا، ومن اتبع هدى الله لا يكون حزينًا، ومن اتبع هدى الله لا يكون خائفًا، أين هذه الضمانة؟ في القرآن، قال الله : فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38]، وقال الله : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه:123].
فإذنْ هذه الضمانة المعلنة باتباع الهُدى؛ فعرفنا أن القرآن رسالته الهدى، إذنْ الضمانة متحققةٌ باتباع هُدى القرآن، والنبي مهتدٍ بهُدى القرآن، وممتثلٌ لهدى القرآن، بل امتثل هُدى القرآن على أكمل وجهٍ يُريده الله؛ فهمًا وإيمانًا ويقينًا، عملًا وتطبيقًا، نصرةً وتأييدًا، بلاغًا وتبيانًا، فامتثل في هذه الأمور الخمسة أكمل وجهٍ، فأعلن الله رضاه عن ذلك.
والنبي لما كان هذا أمره وهذه طريقته وهو المُوحى إليه؛ جعله الله هُدًى، فكان هو فرعًا على ذاك الهدى الأصلي الذي هو الكتاب، ولماذا الكتاب هو الأصل؟ لأن رسول الله مضى من عمره أربعون سنةً بدون هذا الوحي، فماذا كان في الناس؟ وما هو أثره في الناس؟ وبعد أن نزل عليه الوحي ما هو أثره في الناس؟ هل أثره بعد الوحي وتأثيره كأثره وتأثيره قبل نزول الوحي؟ الجواب: لا، بيقينٍ، وليس هذا من عندنا، بل هذا كلام ربنا، ماذا قال الله في القرآن في بيان هذا الفارق في التلاقي بين الروح والنور مع قلب النبي ؟ قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل ماذا؟ القرآن، وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: 198].
ما معنى الضَّالِّينَ؟ من يعرف ما معنى الضَّالِّينَ في لغة العرب؟ على غير سبيل الحق.
الضال في لغة العرب: بمعنى المتحيِّر، فهو يدرك بفطرته السوية السليمة التي لم تنحرف بأن ما عليه قريشٌ ضلالٌ، أين المخرج؟ ليس عنده بيانٌ في ذلك، ويرى بقايا الأحناف؛ مثل ورقة وسعيد بن زيد بن نُفَيلٍ، لكنَّ الأمر عندهم ليس على وضوحٍ، فكان متحيِّرًا، وقال الله في سورة الضحى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7].
إذنْ هذا رسول الله ، فعندما صار ذاك التلاقي على أكمل وجهٍ وأتمِّه؛ فإذا به لما كان خُلُقه القرآن؛ صار ماذا؟ صار هو هُدًى، قال الله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].
إذنْ القرآن هُدًى، القرآن يهدي، والنبي يهدي؛ ولذلك أخبرنا الله عن هذا في كتابه.
البيت العتيق هُدًى وآيةٌ للناس
وثلَّث بأصول الهدى لهذا الإنسان: وهو هذا البيت العتيق، آية الله في هذه الأرض، والحق الثابت في هذه الأرض الذي ارتبط به كل الأنبياء، بيت الله الأول في هذه الأرض، البيت العتيق.
فالله جعله أيضًا هُدًى؛ لِمَا جعل فيه من الآيات البينات الحسية والمعنوية، والتي كلها تجتمع في أمرٍ عظيمٍ: وهو الإرشاد والدلالة على الله ، قال الله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96].
إذنْ مَن الذي قال: إن هذا البيت هدًى؟ رب البيت، هل هناك مكانٌ آخر وُصف بأنه هُدًى غير هذا البيت؟
الجواب: لا، فكان هذا من خصائص هذا البيت العتيق.
الأمة الخاتمة وهويتها بين الوحي والاجتهاد العلمي
إذنْ أول أصلٍ تقوم عليه هُوية هذه الأمة التي هي خير أمةٍ أُخرِجت للناس، وستبقى بهذا الوصف إلى يوم القيامة؛ لأنه لا أمَّة بعدها.
فإذنْ هذا الأصل الأول، وهو هذا الإسلام، يُمثِّل الركن الأول في هذه الهوية القائمة على هذا الوحي المنزَّل من عند الله .
فالنبي قال الله عن قِيله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، وقال الله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النور:54]، وقال الله : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].
وكما قال عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما لرسول الله ، وقد كان يكتب كل شيءٍ يقوله النبي ، فعابته قريشٌ وقالوا له: إن رسول الله بشرٌ يكتب في الرضا والغضب، فذهب إلى النبي وقال: يا رسول الله، لقد كنت أكتب كل شيءٍ تتكلم به فعابتني قريشٌ وقالت لي: إن رسول الله بشرٌ يتكلم في الرضا والغضب -أي: لا تكتب كل شيءٍ- فقال له عليه الصلاة والسلام: اكتب؛ فوالذي بعثني بالحق ما يخرج من هذا إلا الحق، وأشار إلى فيه [2].
فإذنْ هذا الأصل الأول الذي تقوم عليه هوية هذه الأمَة التي جعلها الله خير أمةٍ.
وهذا الكلام نقوله لماذا؟ لأنه سيأتينا أول ما يأتينا في ترجمة الإمام أحمد، وهكذا في ترجمة كل إمامٍ، رأينا بماذا يبتدئ العلماء بعد ذكر الاسم، أول ما يبتدئون يبتدئون بذكر من هم الذين رَوى عنهم ذلك الإمام؟ روى عنهم ماذا؟ روى عنهم كلام رسول الله ، وهذه قضيةٌ عظيمةٌ، هذه قضيةٌ مفارقةٌ لكل الأمم، وذات أثرٍ في الحفاظ والبقاء لخير أمةٍ إلى يوم القيامة.
التراث: هل القرآن تراثٌ؟ لا، هل السنة تراثٌ؟ لا، لماذا؟
لأن التراث إنما هو شيءٌ مأخوذٌ من الميراث، ومأخوذٌ من جهد ذلك الإنسان في مسألةٍ علميةٍ، ثم يُنقل ذلك عنه بعد مماته فيكون تراثًا (ميراثًا).
هنا القرآن ليس تراثًا؛ لأنه كلام الله جل جلاله، والسنة ليست تراثًا بهذا المعنى أيضًا، لماذا؟ لأن مردها إلى أنها وحيٌ من عند الله، فكان لهذا الأمر أصلٌ رئيسٌ في بقاء هذه الخيرية وبقاء الدين.
فالتراث يُمثل شيئًا من هوية هذه الأمة، ما هو؟ هو جهد علمائها مع هذا الوحي واجتهادهم في فهمه، واجتهادهم في إنزاله وتطبيقه، واجتهادهم في أخذ ما يُعالج المشكلات التي تمُرُّ بهم، هذا اجتهادٌ أو ليس اجتهادًا؟ اجتهادٌ ونظرٌ من العلماء، هذا الاجتهاد إذا حصل، ذلك الأصل الكتاب والسنة عندما دخل عليه هذا الاجتهاد؛ هل يُغيِّره تمامًا ويُزيل الأصل؟ الجواب: لا، يبقى ذاك الأصل كما هو.
يجتهد الإمام أحمد في نصٍّ من كتابٍ أو سنةٍ، ويبقى النص محافظًا على هويته الأساسية، الاجتهاد ما غيَّره، هو باقٍ، فيأتي عالمٌ آخر -مثلًا الشافعي- ويقول: اجتهاد أحمد في هذا الأمر مثلًا ليس صحيحًا، ويأتي باجتهادٍ على ذلك النص، هل تغير بالاجتهاد الثاني النص الأول؟ لا، هذا الأمر العظيم الذي لا بد أن نَعِيه.
هذه النصوص أليست أنزلها الله ؛ لتُصلح هذه الأمة إلى يوم القيامة؟ أليست بعض تلك الاجتهادات تحتاج إلى أن يُضاف إليها شيءٌ؛ لاحتياج الناس إلى شيءٍ آخر في زمنٍ ما في بعض مسائل العلم؟ إذنْ كل هذا موجودٌ.
فهذا الوحي الذي ضَمِن الله حفظه، ولم يحصل ذلك لأيِّ كتاب نزل قبل القرآن، قال الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فإذنْ هذا الأمر حقيقةً مهمٌ جدًّا إدراكه وفهمه؛ حتى لا يختلط علينا الأمر.
فإذنْ يبقى نظر العلماء منسوبًا إليهم، وهذا يدخل في مسمى "التراث"، ويبقى الوحي له مكانته ومنزلته، وله انضباطه الذي لا يُغيِّره اجتهاد عالمٍ ما.
فالكتاب هو هذه الآيات التي تُقرأ، واجتهادات العلماء حول تلك الآيات متنوعةٌ ومتعددةٌ، بل أحيانًا تصل إلى درجة التضاد، وما غيَّر ذلك في بُنيَة ذلك الوحي المحفوظ بحفظ الله .
إذنْ هذا أصلٌ، ما هو أثره؟ كما قلت ستظهر لنا هذه القضايا عندما نبدأ نقرأ في الترجمة.
اللغة العربية وعاء الدين وحافظة هوية الأمة
ثم أيضًا من معالم تلك الهوية: اللغة العربية، الوعاء الذي اختاره الله لذلك الوحي، اللغة العربية اختارها الله لماذا؟ لأنها اللسان المبين، وغيرها ليس مبينًا البيان الكافي ليُبلَّغ به الرسالة الخاتمة التي تُوجِد خير أمَّةٍ، والتي تستحق البقاء في الناس إلى يوم القيامة، ليس هناك لغةٌ تقوم بهذا الأمر على الوفاء، فاختار الله هذه اللغة لتُحقِّق هذا الأمر؛ فلذلك قال الله مخبرًا في إنزال هذا الكتاب، أنزله بأي لغةٍ؟ قال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]؛ ولذلك هذا اللسان المبين هو الذي بُلِّغ به هذا الوحي؛ ليصل بمراد الله إلى التمام، فقال الله في سورة المائدة -وهي من أواخر ما نزل على النبي ، في تلك الآية التي نزلت على النبي وهو واقفٌ بعرفة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، فتضمنت ثلاث حقائق قرآنيةٍ:
- الأولى: أن الله أتم هذا الدين؛ فلا يَحتاج أن يُزاد فيه شيءٌ.
- الثانية: أن الله أتم هذا الدين؛ فلا يحتاج أن ينقص منه شيءٌ.
- الثالثة: أن الله أتم هذا الدين ورضيه؛ فلا يَسخطه أبدًا إلى يوم القيامة.
إذنْ هذه الحقائق هي ترتبط بكمال الدين من جهة الوحي، وترتبط أيضًا بقضية اللغة التي نزل بها هذا الوحي الكامل التام المَرْضيُّ عند الله، الذي لا يَسخطه الله أبدًا إلى يوم القيامة؛ فاستدعى ذلك أن هذا الكتاب وهذه السنة تستدعي من أهل الإسلام أن يتعلموا اللغة العربية، فأصبح تعلم اللغة دِينًا، ومن الدين تعلم هذه اللغة؛ فكان الكتاب حافظًا لهذه اللغة، ناشرًا لها بانتشاره، مضمونٌ بقاؤها، لا يخاف ما بقي الكتاب.
فاللغة العربية باقيةٌ مهما مكر إبليس، فالكتاب باقٍ واللغة التي نزل بها هذا الكتاب باقيةٌ، يبقى الضعف والخلل والنقص، لكن الأصل موجودٌ محفوظٌ، فالقرآن حافظٌ لهذه اللغة التي نزل بها.
إذنْ هذا أيضًا أصلٌ في هوية هذه الأمة، خير أمةٍ أخرجت للناس.
التراث العلمي للأمة
أيضًا الأمر الثالث: وهو ذاك التراث المستنبط من الوحي أو الخادم له؛ لأنه هو خلاصة تفاعل هذه الأمة -وخصوصًا علماؤها- مع وحي الله ؛ لأن هذا الكتاب كليةً عُظمى، الله جعل فيه الكفاية لإصلاح الناس في كل مكانٍ وفي كل زمانٍ، والناس تُستحدث فيهم أمورٌ، والقرآن فيه الكفاية، ولكنه يحتاج إلى نظر عالمٍ بصيرٍ ليصل إلى تحقيق مراد الله في أمرٍ حادثٍ أو غير ذلك.
فإذنْ هذا التراث الذي دار على هذا الوحي أيضًا يُمثِّل عنصرًا من تلك العناصر في هُوية هذه الأمة؛ لذلك من حِكَم العلماء يقولون: الويل كل الويل لمن نبذ التراث أو نبذه التراث، لمن ترك ذلك الأمر، ولكن ما هي؟ وما بين أيدينا؟ ما هو؟ هو وقوفٌ مع قضيةٍ محوريةٍ في هذا التراث، ما هي؟ قضيةٌ: وهي العلماء الذي كان التراث من نتاجهم، التراث هو ماذا؟ هو نتاج العلماء، وهم ينظرون في وحي السماء تأملًا وتدبرًا، وينظرون إلى واقعهم مدارسةً واستيعابًا، ثم يعودون إلى وحي ربهم ويعرضون عليه ما أدركوا من حالهم؛ ليستخرجوا من وحي الله ما يُصلح ذلك الحال بقدر طاقتهم وجهدهم.
فصار الأمر: هو معرفة مُراد الرب، ومعرفة واقع الخلق، واستخراجٌ من مراد الرب علاجًا لواقع الخلق.
قال شيخ الإسلام: من لم يعرف مراد الرب والواقع في الخلق؛ فإنما يُفسد أكثر مما يُصلح.
إذنْ ما هي قضيتنا مع هذا التراث الذي يُمثِّل عنصرًا رئيسًا في هُوية هذه الأمة التي هي خير أمةٍ أخرجت للناس؟
تُمثِّل عنصرًا رئيسًا في عناصر تلك الخيرية، ثم ما بين أيدينا ونقرؤه يُمثِّل مِن التراث عمدته ومحوره، فإن التراث إنما هو نتيجة جهد علماء هذه الأمة الأخيار، ثم أيضًا مسار العلماء متفاوتٌ، كلما كان الأمر أقرب إلى الزمن الأول؛ فإن الخيرية أعلى، والمكانة أرفع، والتراث الذي يخرج أعظم نفعًا وأكثر بركةً، وأنقى، وأقرب إلى الحق الذي يريده الله.
أهمية معرفة سِيَر العلماء
فمن هنا تظهر لنا قيمة القراءة في تراجم العلماء؛ لأننا سندرك ذاك التراث؛ لأننا الآن نجد ضعفًا، بل للأسف! يُؤلمنا أن نقول: شديدًا، في هذه الأمة، إنها تُدرك قيمة التراث الذي تركه علماؤها الأماجد، والذي دَلَّ على وفائهم، دَلَّ على أمانتهم، دَلَّ على خيريتهم، ودَلَّ على كل وصفٍ حسنٍ، وصرنا في زمنٍ ومرحلةٍ نرى من ينظر إلى التراث وكأنه قضيةٌ تاريخيةٌ ليس لها إلا أن توجد في المتاحف لننظر إليها.
وهذه هي الغاية من هذا الأمر؛ فلذلك الآن -ونحن نستعرض هذه السير- نريد أن نُحضِر قضية التراث في مكانتها اللائقة، ومنزلتها التي ينبغي أن ننظر إليها، ونرى كيف يفعل ذلك في حياتنا، ويكون اتصالٌ بين السابق والحاضر، ويكون بعد ذلك امتدادٌ وانتقالٌ للمستقبل وَفق هذا التلاقي.
فالعلم أساسه البُعد التراكمي، والعقول لا تُبنى من نقطة الصفر، وإنما ذاك الامتداد؛ ولذلك لماذا امتلأ القرآن بذكر القصص؟ لماذا يقول الله لرسوله وهو يُنزل عليه الوحي، يذكر له الأنبياء، ثم ماذا يقول له؟ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]؟
لأن العقل هذه آلية بنائه؛ ولذلك الذاكرة التأريخية في غاية الأهمية؛ لِمَا لها من تأثيرٍ في بناء العقول وسلامتها ونضجها، وأنها تكتسب في ميدان العمل أعمارًا، فإذا تَرك الإنسان التراث فعلًا؛ ويلٌ له! من أين سيبدأ؟! وبأي ذاكرةٍ سيُؤسِّس فكره وعقله وانطلاقه وعمله وفهمه؟!
فلذلك هذه قضية التراث؛ لذلك نحن نريد أن نقرأ ذلك؛ لنقف على أمورٍ تجعلنا نُقدِّم التراث ونحن نُقبِل على هذا التراث ونحن مستشعرون أهميته، مقتنعون، قادرون على إقناع غيرنا.
أما أن تبقى هذه العناية محدودة الأفراد، لا يقف حول هذا الموضوع إلا أفرادٌ إذا ما قُورِنوا بغيرهم؛ فهم قلةٌ؛ فليس هذا بصحيحٍ.
فإذا ما جئنا ووقفنا مع هذه القضية متأملين كيف إذنْ نريد أن ننظر إلى قضية التراث ونضعها في مكانها الصحيح اللائق بها؛ كيف نفهم هذا الموضوع؟
وأقول: لا بد أن يكون واضحًا هذا الكلام كله؛ لكي نصل إلى هذه النتيجة؛ لأنه قد يقول إنسانٌ: ما هي الفائدة أن نقرأ في ترجمة الإمام أحمد أو مالكٍ؟ أُناسٍ تُوفُّوا قبل أكثر من ألف سنةٍ، توفّوا وأنتجوا وأنجزوا، لكن لأُناسٍ كانوا يعيشون حياةً غير الحياة التي نحياها، وينظر الإنسان بنظره السطحي البسيط: كان الناس أدوات نقلهم البهائم؛ من الحمير والبغال والخيل، أما الآن فأصبحنا نركب الطائرات والقطارات، كان الناس سُكناهم تلك البيوت البسيطة، والآن الناس يسكنون في ناطحات السحاب، ويبدأ تلك المقارنات التي تُهيِّئ لهذا الإنسان البسيط الساذج، إذنْ أنا أقرأ هذا فقط للبركة؟! أو أقرأه فقط لأن لنا تاريخًا، وكنا وكنا، لئن كان هذا الأمر فقط؛ لا يستحق أن نقضي دقائق لكي نقرأ تراثًا فقط لكي نعلم أنه كان لنا تاريخٌ، وإنما نقرؤه لأن ما نحن اليوم عليه أحوج ما نحتاج لإصلاح أنفسنا أن نعتمد على ذلك التراث، وأن نجعله عنصرًا رئيسًا مع وحي الله لإصلاح حالنا اليوم.
فإذنْ هو إرجاعٌ إلى المنطقة الآمنة، والاستقاء من النبع الصافي، والوقوف مع أصحاب الفكر النيِّر الوضّّاء الصادق، إذا لم نفهم أن الرجوع إلى كتب التراث يعني هذا الأمر؛ فهذا محل إشكالٍ.
هل التراث معصوم عصمة الوحي؟
ولكن هل ننظر إلى التراث على أنه معصومٌ كعصمة الوحي؟
الجواب: لا، لكن كون أن فيه شيئًا لأن هذه طبيعة البشر، فالإنسان ليس معصومًا، ولكن لا يمكن أبدًا أن يكون التعامل هو عدم الرجوع وعدم الاعتماد عليه في أن نبني عقولنا وفكرنا ونُصلح نفوسنا ونُزكِّيها على علم أولئك العلماء، وأن يكون ذلك مربوطًا بالأصل الرئيس؛ وهو وحي السماء.
فلذلك إذا وقفنا مع التراث؛ فإننا نقف مع العلماء لنرى من خلالهم النموذج؛ نموذج النبي يُمثِّل النموذج الأكمل الأتمَّ، وحتى النفس أيضًا يكون عندها الاستعداد للقيام بذلك الحق، فإنه ليس رسول الله قام بهذا الحق وحده، وإنما نرى في هذه الأمّة الوفية، والتي بعد ذلك، يجد الإنسان أنه يريد أن يكون حلقةً في تلك السلسلة المباركة الذهبية لهذه الأمة عندما يرى في العلماءَ وهو يقف مع التراث.
فيرى قيام العلماء بحفظ الدين، قيام العلماء ببلاغ الدين، قيام العلماء بإعانة الناس على فهم الدين، قيام العلماء على إعانة الناس في تطبيق الدين في حياتهم مع ما يستجد من ظروفهم وأحوالهم، إعانة الناس على موقفهم عند المخالفة، كيف يعودون إلى الحق، ترى كل ذلك.
وأن تقف مع التراث وتراه، ليس في حقبةٍ واحدةٍ، تراه في القرن الأول، في القرن الثاني، في القرن الثالث والرابع والخامس، يقل العدد، يكثر العدد أحيانًا، لكنه لا ينقطع، فتُدرك ما معنى خيرية هذه الأمة، وأن الله عندما جعل هذه الشهادة على الناس جَعْلًا؛ إذنْ ما خَلَت الأمة أبدًا في كل أزمانها ممن قام بهذا الحق.
فالوقوف مع التراث يُوقفك على هذه الحقيقة، إذنْ تُدرك مسؤوليتك، فيا ترى مع من أنت ستكون؟ أنت الآن تمثل حقبةً من حقب هذه الأمة، والأمّة -وأنت تنظر- منها قائمٌ، ومنها تاركٌ، فهل أنت ستكون من القائمين بهذا الحق؟ والتاريخ سيُريك أحوال من قاموا بهذا الحق.
إذنْ هذه فائدةٌ عظيمةٌ في التثبيت، والله أما جعل قصص القرآن قال لرسوله : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32]؟
والوقوف مع التراث سيكون سببًا في تثبيت التراث؛ ولذلك قال العلماء: سِيَر الرجال حياة القلوب؛ إذنْ تثبيت، إذنْ هذا مَعْلَمٌ.
نريد ونحن نقرأ ترجمة الإمام أحمد أن نقف مع هذا المَعْلَم؛ لكي نشعر بقيمة التراث، وحاجتنا إليه: أنه مَعْلَمٌ لنا، أنه مثبِّتٌ لنا، أنه يُعيننا على أن نقف الموقف الجميل من دين الله في كل تلك الميادين كما وقف هؤلاء العلماء عبر التاريخ كله، ما خلت الأرض من قائمٍ بأمر الله منذ بعثته وإلى هذا اليوم؛ إذنْ هذه قضيةٌ.
أيضًا: أن الإنسان وهو يُدرك أن هذا الدين أنزله الله ليصلح؛ لأن الدين من المقصود به؟ الإنسان، فالإنسان مقصودُ رسالات السماء كلها، وأن الله أنزل هذا الدين؛ ليصلح الإنسان، ويُصلحه في كل زمانٍ وفي كل مكانٍ، هذه الحقيقة القرآنية حقيقةٌ علميةٌ، طيب أين واقعها التطبيقي؟ أين تطمئن لها وتشعر بالكفاية بيقينٍ إيمانًا علميًّا وإيمانًا عمليًّا؟ لا يمكن أن تصل إلى ذلك إلا بعد أن تقف مع كتب التراث، فتقف وتصل إلى هذه الحقيقة جامعًا -في بنائها في نفسك- بين البعد العلمي والبعد العملي، وهذه قضيةٌ عظيمةٌ ذات أثرٍ.
أيضًا قضية أن الدين يُعالج ما يستجد في الناس من المشكلات، والتراث يُريك كيف اجتهد العلماء، كيف نظروا، كيف قاسوا، كيف استخرجوا، كيف جربوا الحلول، متى نجحوا، متى لم ينجحوا، لماذا نجحوا، ولماذا لم ينجحوا، هل هذه قيمةٌ سهلةٌ؟! وهل التجربة في مثل ذلك هينةٌ؟! أمرها عظيمٌ لمن يعي؛ فلذلك التراث سيجعلك تقف مع هذا الميدان العظيم في التجارب، في خوض إصلاح هذه الأمة مع تجدُّد ما يحدث فيها من الشرور؛ لأن لها عدوًّا، بل أعداءً يمكرون بهم الليل والنهار، يستحدثون فيهم كل بلاءٍ؛ ليصرفوهم عن الحق، والعلماء هم خط الأمان، هم صمام الأمان؛ لذلك ما وقفوا عن القيام بهذا الحق.
فهل أنت عندما الآن تسعى لإصلاح نفسك والناس، هذه التجربة الثرية التي مارسها العلماء في إصلاح الأمة، ألا تستحق أن تتعلم ذلك وأن تقف مع شيءٍ من ذلك العلم العظيم والتجربة النفيسة؟! إذنْ التراث يوقفك على ذلك.
أيضًا إدراك مفهوم "الإمامة" في الدين، والقدوة التي تُمثِّل طوق نجاةٍ للأمة في كل مرحلةٍ من مراحلها، إذا فَقَدت الأمة العلماءَ الربانيين؛ ضَلَّت؛ لذلك من النُّذُر الخطيرة في هذه الأمّة، ما هي؟ إذا فُقد فيها العلماء، وإذا فُقد فيها العلماء، ولم يوجد فيها العلماء؛ اتجه الناس إلى رءوسٍ جُهَّالٍ، فيسألونهم فيفتونهم بغير علمٍ، فيَضل المفتي والمستفتي.
فلذلك الوقوف مع التراث -أقول لطلاب العلم- هذه من أعظم الفوائد لطالب العلم، أن يتنبأ؛ لكي يكون عالمَ هُدًى، فإن التراث سيُعلِّمه كيف يكون عالمَ هُدًى، عندما يقف ويرى كلام العلماء، ويرى أثر العلماء وفعلهم في ذات أنفسهم، وفعلهم مع الناس، فيُدرك أن الإمامة ليست كلمةً، وليست دعوى، وإنما أمورٌ تقوم بحقها، وتقوم على أصولٍ مُدرَكةٌ، كيف نُدركها؟ إذا رجعنا إلى تراثنا.
أيضًا الوقوف مع التراث يُعيد لهذا العلم الشرعي سلطانه وفرقانه ومكانته؛ فإن هذا العلم كان صمامَ أمانٍ للأمّة، وكان حملتُه هم من كان على أيديهم إخراج الأمة من المآزق، فإذا ما وقف الإنسان مع ذلك؛ أعاد وأدرك ما هي قيمة العلم، وما هي قيمة العلماء، وما هي مكانة العلماء، وما هو أثرهم في الناس، خيرُ أثرٍ وأعظمُ أثرٍ وأبركُ أثرٍ، وما هي قيمة هذا العلم الشرعي في صلاح الناس وإخراج الناس من الأزمات، ونقلهم من حالٍ إلى حالٍ، فإذنْ التراث سيجعل هذه الأمور أكثر وضوحًا.
أيضًا إذا ما وقف الإنسان مع هذا العلم المنقول عن العلماء؛ فإنه يرى مفاهيم الإتقان والإحسان والقيام بخدمة الدين، ويرى قضية الإبداع في إيجاد الحلول للناس.
وليست القضية كما يُدَّعى أنها قضيةٌ محدَثةٌ، فترى كيف كان العلماء يقفون مع كل حادثٍ، وكيف يُوجِدون المخرج والحل، وكيف يجتهدون للمسألة بما يُخرج الناس من الضائقة، فيتعلم طالب العلم اليوم وعالِم اليوم بما فعل مَن سبق مِن علماء هذه الأمّة، وأن ذلك كيف كان منضبطًا بنص الوحي كتابًا وسنةً، وأن يكون ذلك وَفْق قواعد تضمن السلامة للنتائج، فكل ذلك سيكون عونًا للوصول أن يكون حملة العلم الشرعي لهم القِدْح المعلَّى في إصلاح الناس، وفي بقاء عزة هذا الدين ونصرته واتساع دائرته وكثرة حَمَلَته، وأن يُنظر إليهم على أنهم هم الأعلى لا الأدنى.
فإذنْ هذه أمورٌ تَفتح هذا الباب على طالب العلم؛ حتى يَعِي هذه الأمور.
أيضًا الوقوف مع التراث يجعلنا نَعِي الحقيقة التاريخية للتراث، والدور الذي دار حوله في كل حِقبةٍ؛ لنرى ذاك الجو العلمي، وكما قلت: كلما رجعنا إلى الأزمان الأولى؛ نجد ذلك، ننظر سبحان الله! يعني قضية الخلاف الفقهي، وهي قضيةٌ حقيقةً كانت سببًا لأن يُقرَّر هذا الكتاب، كيف عندما ينحرف المسار ويَقِلُّ من يأخذ بذاك الطريق والسير على سير علماء الأمة، وخصوصًا من سلف منهم واقترب من زمن النبوة، كيف تُصبح قضايا التنوع والخلاف الفقهي محلَّ صراعٍ وفُرقةٍ وتشتُّتٍ.
عندما تعود إلى التراث، وخصوصًا في أزمانه الأولى ستقف على الجو العلمي والعلماء، وأن ذلك الخلاف ما جعل بينهم هذا النزاع الذي قد يراه الإنسان، وما أوجد بينهم الفرقة.
وأيضًا ستجد ذاك التبرير والتعليل المقبول، كيف كان هذا الخلاف الفقهي في بعض المسائل نشأ، وكيف تفهم تبريره، ثم كيف يكون التعامل معه التعامل الصحيح، ولا يقع الناس في هرجٍ ومرجٍ وصراعٍ ونزاعٍ وافتراقٍ واتهامٍ، وكلام على العلماء، وإسقاط العلماء، هذا الكلام عندما لا نَعِي ولا نقف وقوفًا صحيحًا مع تراثنا لندرك هذه القضية المهمة؛ فعندها تقع كل تلك الأمور السلبية.
فلذلك سيُوقِفك التراث على الجو العلمي، وأجواء حركة العلم عند السلف، عند الأئمة الأربعة الذين كانت أزمانهم متقاربةً، بل منهم من اختلط بعضهم ببعضٍ، فالشافعي -كما رأينا- أخذ عن مالكٍ، وأحمدُ أخذ عن الشافعي، وهذا يُثني على هذا، وهذا يُثني على هذا.
فأقول أيها الإخوة: هذه القضية الأخيرة التي أقول: إن التراث سيجعل الإنسان يقف ليرى أيضًا- وهو ينظر في هذا المسار، وكما قلنا: العصمة جعلها الله لرسوله -أن هذه الأمة كما أنها وهي تُؤدِّي هذا الحق؛ فإنه عندما يضعف السير على طريق الأولين كيف يقع الانحراف والخطأ والخلل في التعامل.
فعندما نقف مع مثل هذا الكتاب وهو يوقفنا مع الأئمة الأربعة، ونجد كيف أنه اختار وانتقى كما قلنا ذلك في ترجمة الأئمة الثلاثة السابقين، وسنراه في ترجمة الإمام أحمد، انتقى كيف كان العلماء يُقدِّر بعضهم بعضًا، ويحترم بعضهم بعضًا، وينتفع بعضهم من بعضٍ، ويعذر بعضهم بعضًا؛ كل هذا سنجده، مع أنهم كانوا يختلفون، وسيتبيَّن لنا ما هو مبرر الخلاف.
ولكن عندما تأتي حِقَبٌ وفتراتٌ عند أشخاصٍ وفي بيئاتٍ معينةٍ؛ لا تقف مع ذاك المنهج السوي، فيحدث هنا نتاجٌ يُمثِّل ثُلُمةً، أيضًا نقف معه ونقيسه بتلك المواقف الصحيحة السليمة؛ حتى لا نتأثر به، وندرك أن ذلك خطأٌ عندما يصل ذاك التنوع والخلاف الفقهي في بعض المسائل ليصل إلى أن يقف أصحاب وأتباع بعض المذاهب عندما يَصِلون إلى درجة التعصب العجيب، فيأتي ويُخرِج أمورًا غريبةً وأمورًا عجيبةً.
نجد أنه في هذه الأمور على سبيل المثال: أن يقول بعض من ينتسب فرضًا إلى مذهب الأحناف: إنه كان يريد ويرى أن تُفرض الجزية على أتباع الشافعي! الجزية!
إذنْ هذا يمثل يُمثِّل إشكاليةً، ويُنظر هل يجوز أن يتزوج الحنفي من الشافعية، ثم نصل إلى أن يكون في المسجد الواحد يُصلِّي أربعة أئمةٍ.
إذنْ هذه الأمور عندما نقف أين أَخْذُ الاستبصار الصحيح؟ عندما تعود إلى المسار الأول، وهنا قيمة التراث كلما كان متقدِّمًا، هذه أهميته، وهذا دوره في أن يُبيِّن لك بعد ذلك في المسار مَن الذي سار على الصواب، ومن الذي انحرف عن الصواب، بغض النظر عن الدافع، سواءٌ كان هو مخطئًا، أو بأي غرضٍ آخر، لكن العبرة بالنسبة لنا نتأسَّى بماذا؟ ونقتدي بماذا؟ ومن أين نستقي، وهذه تجربةٌ مرَّت، وهل نحن مبرَّءون أن نقع في إشكاليةٍ أخرى أيضًا؟ وتظهر صورةٌ أخرى مشكلةٌ تُعتبر بالنسبة لمن بعدنا هي محل إشكالٍ، ونُخلِّفها لمن بعدنا، فنتعلم من مثل تلك التجربة أمورًا حتى لا نقع في أخطاءٍ.
فلذلك: الوقوف مع مثل هذا العلم حقيقةً له أهميةٌ عظيمةٌ وكبيرةٌ، وهذه حقيقة الهدف من قراءة مثل هذه الكتب للوصول إلى مثل هذه الأمور والاستبصار فيها، وتكون المذاكرة والتذكير بكلام العلماء.
ولذلك سوف نجد أننا نقف مع بعض الأقوال والكلمات في ثنايا ترجمة الإمام أحمد، نستعرض مسار الخلاف الفقهي؛ باعتبار أن هؤلاء أئمةٌ منسوبٌ إليهم المذاهب الفقهية، ما هي المراحل التي مر بها موضوع الخلاف الفقهي منذ زمن النبوة وإلى اليوم؟ هل هناك مسارٌ له معالمه الواضحة؟ وله لكل حِقبةٍ معالم تُميِّزها عن الأخرى.
فإذنْ هذه قضيةٌ نحتاج أيضًا إلى أن نقف معها؛ لنرى من أين جاءت، التأثير السلبي والدخول في تلك القضايا السلبية؛ كيف نشأ ذلك؟
فإذنْ هذه بعض الأمور أحببت أن تكون كمقدمةٍ لقراءة هذه الترجمة؛ حتى نُدرك أنه ليست القضية الوقوفَ السطحي.