تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ طلال بن محمد أبوالنور
فضيلة الشيخ طلال بن محمد أبوالنور

ثناء العلماء على الإمام أحمد

جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا ورسولنا وإمامنا وقدوتنا رسول الله، محمد صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين.

ثم أما بعد:

ثناء كبار المحدثين والفقهاء والزهَّاد على الإمام أحمد

نواصل درسنا في قراءة كتاب "مناقب الأئمة الأربعة " لابن عبدالهادي، ونواصل القراءة في ترجمة رابع الأئمة المترجم لهم في هذا الكتاب، وهو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه.

القارئ: اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

ثناء علي بن المديني وأبي عبيد على الإمام أحمد

يقول المصنف رحمه الله تعالى:

وقال علي بن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبدالله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه كان لا يُحدِّث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة[1].
وعن ابن المديني أنه قال: أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أُحدِّث إلا من كتاب[2]. وعنه أنه قال: أحمد اليوم حجة الله على خلقه[3].
وقال أبو الحسن الميموني: قال لي علي بن المديني بالبصرة قبل أن يُمتحَن عليٌّ، وبعدما امتُحن أحمد بن حنبل وضُرب وحُبس وأُخرج: يا ميموني، ما قام أحدٌ في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل. فتعجبت من هذا عجبًا شديدًا! وقال: وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد قام في الرِّدَّة وأَمْر الإسلام ما قام به. قال الميموني: فأتيت أبا عبيد القاسم بن سلام فتعجبت إليه من قول علي! قال: فقال لي أبو عبيد مُجيبًا: إذًا يخصِمك. قلت: بأي شيء يا أبا عبيد. وذكرتُ له أمر أبي بكر، فقال: إن أبا بكر وجد أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يجد أنصارًا. وأقبل أبو عبيد يُطري أبا عبدالله ويقول: لستُ أعلمُ في الإسلام مثله[4].

الشيخ: هذه الأقوال المنقولة عن الإمام علي بن عبدالله بن جعفر السعدي المديني رحمة الله عليه، وهو -كما قلنا بالأمس- كان أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، وكان بارعًا في هذا العلم على طريقةٍ فاق بها أقرانه.

وعلي بن المديني رحمة الله عليه قرينُ الإمام أحمد وصاحبه، وكما قلنا كان ببغداد هؤلاء الثلاثة مثَّلوا مرجعًا لعلماء الإسلام في علم الحديث: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وكل منهم تميز بشيء عن صاحبيه، وفاق في باب من أبواب هذا العلم.

مكانة الإمام أحمد بين أقرانه

فتقدم الإمام أحمد رحمة الله عليه على صاحبيه في حفظ الحديث وفي فقه الحديث رحمة الله عليه.

وتميز يحيى بن معين في علم الرجال فكان أعلم الناس به، وكان كثير من أهل الحديث غايتهم أن يصلوا إلى بغداد، وأن يعرضوا أنفسهم على يحيى بن معين، فإن قبلهم يحيى بن معين فقد حازوا شهادةً عليا في هذا الباب؛ ولذلك كان بعض مكاتباتهم كان الرجل منهم إذا نزل إلى بغداد وبعد أن يعرض نفسه، يعني: يعرض حديثه على يحيى بن معين، فإن زكَّاه كتب إلى أهله قائلًا: وصلتُ بغداد وقَبِلَني يحيى بن معين والحمد لله. فكانت تعتبر أكبر شهادة في أن يكون للمحدث تزكية من مثل هذا الإمام العلم في علم الجرح والتعديل.

بيان ندرة علم العلل وأئمته

وأما علي بن المديني فقد كان أعلم هؤلاء الثلاثة في علمِ العلل، وعلمُ علل الحديث -كما قلنا- علمٌ إنما يقوم على أمور: يقوم أوَّل ما يقوم على حفظٍ واسعٍ للنصوص بأسانيدها، مع القدرة على استحضار ذلك في أيِّ لحظةٍ استدعاه هذا الإنسان، مع العلم بمخارج هذه الروايات، وهذا أمرٌ لا يُطيقه أيُّ أحد.

ولذلك علماء العلل في كل مرحلة وفي كل قرن نجدهم أفرادًا وليسوا بالكثرة، فالمحدثون كثر، ولكن أصحاب علم العلل قلة، ومن أبرز هؤلاء: علي بن المديني رحمة الله عليه، عالم زمنه وعصره، وما بعد عصره.

ومن علماء علم العلل مثل أبي حاتم الرازي، وأيضًا من أكبر العلماء في هذا الباب: الإمام الدارقطني رحمة الله عليه، الذي ألف كتابًا عظيمًا في العلل، قال عنه ابن كثير: لم يؤلف مثله، وما أظن أحدًا يطيق أن يؤلف مثله، قاله ابن كثير[5]، وإلى يومنا هذا لم يؤلف مثل كتاب الدارقطني في العلل.

فتنة خلق القرآن: مواقف وثبات

فهذا علي بن المديني، وعليٌّ رحمة الله عليه كما قلنا في مسألة فتنة القرآن التي ابتُلي فيها العلماء، فتنة خلق القرآن، فعلي بن المديني لم يُجب في أول الأمر لهذا القول اعتقادًا على أنه قول باطل مبتدع، وأن القرآن كلام الله ​​​​​​​ وليس مخلوقًا، فأخذ كبقية العلماء الذين امتنعوا وجُلد وسجن، فعندما أصابه الضر من هذا البلاء استجاب لهذه الفتنة، وقال بقولة السلطان في أن القرآن مخلوق، فقال ذلك، وأُخرج من السجن. والإمام أحمد رحمة الله عليه أنكر عليه.

وكذلك يحيى بن معين؛ فإنه ابتلي في ذلك وما استطاع أن يصبر، فقال؛ فلذلك بعد أن خرج الإمام أحمد من السجن فإنه امتنع عن مقابلة هذين العَلَمين، وكان في نفسه على أن العلماء إذا لم يثبتوا فمَن الذي يثبت؟! وإذا لم يصبروا فمن الذي يصبر؟! خاصة في الفتن العامة التي يترتب في عدم ثبات العلماء أثرٌ في عامة الناس وقبول لذلك الأمر.

وعي الإمام أحمد بأثر موقفه العام

فلذلك الإمام أحمد رحمة الله عليه عندما علم أن الناس ينتظرون قوله، وينتظرون ماذا يقول؛ ولذلك عندما كان في سجنه، وزاره بعض أصحابه، قال: انظر من النافذة، فنظر وإذا أهل بغداد ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فأدرك أن قوله ليس فقط قضية مرتبطة به، ولكن قضية سيكون أثرها ماذا؟ على الناس، فتحمَّل رحمة الله عليه البلاء والأذى وصَبَر. 

فلذلك كان يرى أيضًا أنه على أمثال علي بن المديني ويحيى بن معين أن يتحملوا، وألا يستجيبوا، فكان علي بن المديني يأتيه ويسلم عليه وهو لا يرد عليه، ويحيى بن معين يدخل وهو لا يرد عليه، فيقول له علي: يا أبا عبدالله، نحن لا نطيق الذي تطيقه أنت. يقول: أنا إنسان ضعيف، لو جُلدت مائة سوط لهلكت. قال: سجنوني في مكان مظلم، حتى خشيت أن أفقد بصري. فهذا ما حصل لعلي؛ فاستجاب إذًا درءًا للأذى الذي وقع عليه.

ردُّ الذهبي على العقيلي في تضعيف علي بن المديني

ومع هذا -كما قلنا- بعض علماء الجرح والتعديل عدَّه لأجل هذا الأمر، وذكروه في كتب الضعفاء على إمامته، وهذا ما فعله العقيلي في "الضعفاء"، العقيلي وهو محدث وعالمُ جرحٍ وتعديل فذكره في الضعفاء لهذا السبب، فدافع عنه الإمام الذهبي رحمة الله عليه وردَّ على العقيلي، وقال: أمَا تعقل يا عقيلي، وانظر عمن تتكلم، إنك تتكلم عن أناس قد حَطُّوا رحالهم في الجنة.

تزكية البخاري لعلي بين المديني

فهذا عليٌّ رحمة الله عليه، والإمام البخاري رحمة الله عليه يقول عنه: "ما استصغرت نفسي أمام أحدٍ إلا أمام علي بن المديني"[6] يعني: عندما جئت إلى علي بن المديني، وجلست بين يديه، أدركت أني الآن طالبٌ بين يدي شيخ، يقول: بينما كل من جالسته أدركت أن ما عندي من العلم أكثر مما عنده. يقول: حتى جلست عند علي، فأدركت عندها أنني طالب بين يدي شيخ.

وهذه تزكية كبيرة جدًّا للإمام علي بن المديني رحمة الله عليه، ومكانته العلمية، لكن نسأل الله أن يغفر له، وهذا ما سيأتينا.

قواعد التعامل مع العلماء وخطورة إسقاطهم

ولذلك قواعد التعامل مع العلماء، وهي من الأمور المهمة، والتي بإذن الله نقف اليوم مع بعض تلك القواعد التي ينبغي لطالب العلم أن يتخذها له منهجًا وطريقًا في التعامل مع العلماء؛ لأن العلماء هم أمناء هذا الدين، وهم ورثة الأنبياء، وهم من يبلغون دين الله .

ومن أكبر المكر الحقيقي الشيطاني بالناس وبطلاب العلم: أن يكون طريق التنافس أو طريق الوقوع في الخطأ طريقًا لإسقاط أهل العلم في نظر الناس، وهذا أمر -حقيقة- يحتاج إلى إدراكٍ واعٍ، وإلى فقه سليم؛ لأنه إذا أُسقط العلماء وإذا أصبح ليس لهم قدر عند الناس، يعني: إذا أُسقط العلماء في نظر الناس؛ يلجأ الناس إلى من؟ ويذهبون إلى من؟ ثم أيضًا لا بد أن ندرك أن الخطأ سيقع، ومَن المعصوم إلا الأنبياء! فالله عصم الأنبياء، أما غير الأنبياء فليسوا بمعصومين.

تأدب العلماء فيما بينهم ومكانة أحمد بينهم

فلذلك أيضًا هنا ميزان لا بد أن يدركه طلبة العلم في هذا الأمر، فهذا علي بن المديني، فنرى كيف كان تعامله رحمة الله عليه مع الإمام أحمد! يعني: هذا إذا نظرنا من جهة علي ، فنرى كيف كان العلماء يتعامل بعضهم مع بعض؟! وكيف كان ينتفع ويستفيد بعضهم من بعض؟! وكيف كان يتأدب بعضهم مع بعض؟! هذا من ناحية العلاقة.

من ناحية أخرى، وهي مكانة أحمد رحمة الله عليه، حيث إن أمثال هؤلاء الكبار يُثنون عليه بهذا الثناء، وأقرانه يعتبرون فعل أحمد رحمة الله عليه -يعني- أمرًا يرون أنه ينبغي أن يتأسوا به وأن يفعلوه، فإذًا هذا أمر.

التعلم علمٌ وأدب

ثم أيضًا قضية أن التعلم ليس فقط هو علمًا ومعرفة، بل معه ما يوازيه وهو الأدب، فكيف كان هؤلاء ينظرون إلى تصرف هؤلاء الكبار! ويتأسون بفعلهم.

فإذًا؛ هذه بعض الأمور التي نأخذها من كلام الإمام علي بن المديني رحمة الله عليه وهو يُثني على الإمام أحمد.

ثم يشير إلى مسألة، وهذه نُؤخِّرها إلى أن يكون هناك لقاء نعرض لقضية الفتنة ونعرض لبعض ما حدث فيها، ثم بعد ذلك ما كان من الإمام أحمد، وما كان له من الأثر في موقف العلماء من الإمام أحمد رحمة الله عليه، ثناء واقتداء وبيانًا لمكانته التي يستحقها في ذلك الموقف العظيم الذي هيَّأه الله له وأعانه عليه، فوقف موقفًا عظيمًا كُتب له من ذلك التاريخ وإلى اليوم، وسيبقى هذا الأمر مكتوبًا للإمام أحمد رحمة الله عليه.

ثناء يحيى بن معين وكبار العلماء على الإمام أحمد

القارئ:

وقال محمد بن الحسين الأنماطي: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وجماعة من كبار العلماء، فجعلوا يُثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون فضائله، فقال رجل: لا تُكثروا، بعض هذا القول. فقال يحيى بن معين: وكثرة الثناء على أحمد بن حنبل تُستنكر! لو جلسنا مجلسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها[7].

الشيخ: جميل، إذًا هؤلاء الموجودون منهم كما قال وعبَّر عنهم الأنماطي: أنهم مِن كبار العلماء، مَن؟

يحيى بن معين بن عون الغَطَفانيُّ مولاهم، وهو -كما قلنا- إمام الجرح والتعديل في عصره وبعد عصره.

أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي، وهو أيضًا ثقة، روى له الإمام مسلم وأكثَرَ، روى له أكثر من ألف حديث في "صحيح الإمام مسلم".

فإذًا هو ذو مكانة، وهو إمام ثقةٌ ثَبَتٌ، وكان أيضًا عالمًا من علماء الجرح والتعديل، وقال جماعة من كبار العلماء: "فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل، وهو ليس معهم، ويذكرونه، ويذكرون مكانته"[8].

وهذا أيضًا يُعطينا دلالةً في مجالس أهل العلم، مجالس أهل العلم هي مذاكرة، ويُذكر فيها العلماء ويُثنَى عليهم، ويُذكَر مكانتهم، ويُعرف قدرهم، فينتفعوا فيما بينهم وتزداد بينهم المحبة، وأيضًا مَن سمعهم ومَن حضرهم فيتأدب بهذا الأدب، وهو آلية التعامل مع العلماء. فذكروا الإمام أحمد وذكروا فضائله.

إذًا؛ هذا من شأن العلماء وهذا من أدبهم؛ أن يُذكر العالم فيُثنى عليه، فبعض مَن حضر قال: "لا تُكثروا"، يعني: قولوا بهذا القول أو ببعضه، لا تبالغوا، فمَن الذي انبرى؟ إمام الجرح والتعديل، يحيى بن معين رحمة الله عليه، فقال متعجبًا: كثرة الثناء على أحمد بن حنبل تُستنكر! يعني: ما هو هذا المنطق الذي تنطلق منه؟! وما هو الأصل الذي تنطلق منه؟ يعني: مثل أحمد يُستنكر أن يُثنَى عليه وأن يذكر بخير وأن تذكر فضائله. ثم يقول: كل ما سمعت ولو استمر مجلسنا في الثناء على أحمد فنحن لن نذكر إلا شيئًا من فضائله ومن علمه ومن مكانته رحمة الله عليه.

ثناء النفيلي والعجلي على الإمام أحمد

القارئ:

وقال أبو جعفرٍ النُّفَيليُّ: كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين[9]. وقال أحمد بن عبدالله العِجْليُّ: أحمد بن حنبل يُكنى: أبا عبدالله السَّدُوسي، مِن أَنْفَسهم[10].

الشيخ: السدوسي مِن أنفَسِهم طبعًا مولاهم، أو مِن أنفُسهم، فهو سَدُوسيٌّ مِن طيِّئ، شَيْباني رحمة الله عليه، من أنفسهم، أي أنه عربي قح، وليس نسبة إلى قبيلة العرب بالولاء، وإنما هو عربي؛ ولذلك كما كان يقول يحيى بن معين -ويحيى بن معين مَوْلًى لغَطَفان- فكان يقول: لم يفتخر علينا أحمد بن حنبل بعربيته أبدًا، ما افتخر بهذا الأمر على أقرانه من العلماء، فيقول: عاشرناه وخالطناه وصاحبناه وسافرنا معه، ولم يفتخر علينا ولا مرة واحدة، ولم يُظهر تميزه بأنه عربي أصلًا وأنهم ليسوا بعرب، يقول: لم يفعل ذلك أبدًا رحمة الله عليه، وهذا من تواضعه رحمة الله عليه.

القارئ:

من أهل خراسان.

الشيخ: من أهل خراسان، قلنا: لأنه كيف كانت النسبة إلى خراسان؟ لا، ليس مَوْلدًا، كيف كانت النسبة إلى خراسان؟ نعم، كان والده يسكن في خراسان، في مَرْو الشَّاهِجَان، وقلنا: إنها أكبر مدن خراسان، فكان والده يسكنها، وإنه خرج منها وأحمد بن حنبل حملٌ في بطن أمه؛ فلذلك صارت نسبته إلى خراسان بهذا الأمر، ثم وُلد ببغداد.

القارئ:

وُلد ببغداد، ونشأ بها، ثقة، ثَبَتٌ في الحديث، نَزِهُ النفس، فقيه في الحديث، متبع يتبع الآثار، صاحب سنة وخير.

ثناء أبي ثور على الإمام أحمد وإمامته في الفقه

وقال المَرُّوذي: حضرت أبا ثور وقد سُئل عن مسألة، فقال: قال: أبو عبدالله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا[11].

الشيخ: طيب المَرُّوذي محمد بن أحمد؛ نسبة إلى مَرْو الرُّوذ، والمَرُّوذي من أصحاب أحمد الذين صاحبوه وتلقَّوْا عنه، ونقل شيئًا كثيرًا من علم الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ لذلك هؤلاء من أكبر أصحابه: المروذي، مهنا بن يحيى الأثرم، ابنه عبدالله وصالح، فكل هؤلاء من طلابه، وممن نقلوا علمه. وكان من أكثرهم مصاحبة له: مهنا بن يحيى الشامي، الذي لزمه ثلاثًا وأربعين سنة، لازم الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يعرف له قدر الصحبة، وكان يصاحبه في أسفاره، حتى إنه خرج معه في سفرته الطويلة التي خرج فيها من بغداد إلى الجزيرة: الحجاز، ثم إلى اليمن، إلى عبدالرزاق الصنعاني، والرجوع إلى بغداد، فكان مهنا بن يحيى ممن صاحبه في هذه الرحلة التي استمرت فترة طويلة.

فيقول هنا المَرُّوذي: حضرت أبا ثور، يعني: إبراهيم بن خالد الكلبي، فقيه مشهور معروف، وكان له أتباع، وظل فترةً من الزمن وقوله مُعتبَر يسير عليه فئة من الناس، فأبو ثور وهو أيضًا معاصر للإمام أحمد أكبر منه سنًّا، أكبر سنًّا من الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقد عُرف بالفقه، فسئل عن مسألة فقال: قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل شيخنا. إذًا هو يقول للإمام أحمد رحمة الله عليه: إنه شيخه، وإنه إمامه، والعبرة هنا بهذا الثناء الذي صدر من أبي ثور.

إذًا عندنا الآن شهادة المحدثين للإمام أحمد؛ هذا يحيى بن معين، هذا علي بن المديني، هؤلاء الكبار، شهادة الفقهاء: الإمام الشافعي إمام الفقه، ثم أبو ثور والشهادة لأحمد في الفقه.

إذًا هذه شهادة من الفقهاء في الفقه، وشهادة من المحدثين في علم الحديث، والشهادات كلها تُعطَى على تَمَيُّزٍ عالٍ، فإذًا هذا أمرٌ يُحفَظ للإمام أحمد رحمة الله عليه ولمكانته.

ثناء مهنا بن يحيى على شمولية الإمام أحمد في العلم والفقه والزهد والورع

القارئ:

وقال مُهَنَّا بن يحيى: ما رأيت أحدًا أجمع لكل خيرٍ من أحمد بن حنبل، ولقد رأيت سفيان بن عيينة، ووكيعًا، وعبدالرزاق، وبقية بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، وكثيرًا من العلماء، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل في علمه، وفقهه، وزهده، وورعه[12].

الشيخ: إذًا هنا الآن المقارنة في قضية الجمع؛ لأن مَن ذُكر أئمةٌ كبار، يعني: سفيان بن عيينة رحمة الله عليه عالِمُ الحرم ومحدث أهل مكة رحمة الله عليه، الذي ذاع صيته؛ ولذلك قالوا في ترجمته: كنا نشك في نية طلاب العلم للحج، طلاب الحديث للحج، حتى مات سفيان، يعني: كنا إذا جاء طلاب الحديث إلى مكة حجاجًا، نشكُّ في نيَّتهم: هل هم جاؤوا للحج أو جاؤوا لأجل سفيان، يقول: حتى مات سفيان، فهذا سفيان رحمة الله عليه، يعني: محدث أهل مكة، وهو إمام ثقة ثبت، وهو كان معاصرًا لمالكٍ رحمة الله عليه في المدينة، فكان مالك محدث أهل مدينة رسول الله ، وكان سفيان محدث الحرم.

فيقول مهنا بن يحيى الشامي السلمي أبو عبدالله، وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه، الذي صحبه، وكان أحمد يُكرمه ويعرف له قدر الصحبة يعني: قدر صحبته، رحمة الله على الجميع، فيقول: خالطت هؤلاء الكبار: سفيان، ووكيع بن الجراح، وعبدالرزاق الصنعاني -وهو مَن هو إمامةً- يقول: لكنني ما وجدت مثل أحمد بن حنبل في جمع تلك المعاقد من العلم، ومما يتعلق بذات الإنسان.

فلذلك في علمه فهو المحدث، وهو الفقيه، لكن في ذاته هو الورع، وهو الزاهد، الورع والزاهد، فيقول: جمع ذلك كله، قلَّ أن وجدت ذلك في غيره. لا يعني أنه في كل فن يتميز عن كل واحد، وإنما هذا الاجتماع بهذه الصفات هي التي يريد مُهَنا أن يذكرها عن الإمام أحمد رحمة الله عليه.

اتفاق أبي عبيد مع الأثرم في تعظيم مكانة الإمام أحمد

القارئ:

وقال أبو بكر الأثرم: قلت يومًا -ونحن عند أبي عبيد في مسألة- فقال بعض من حضر: من قال هذا؟ فقلت من ليس في شرق الأرض ولا غربها أكبر منه، أحمد بن حنبل. فقال أبو عبيد: صدق[13].

الشيخ: نعم، يعني: أبو عبيد القاسم بن سلام رحمة الله عليه، وهو أيضًا ثبت فاضل، كثير التصانيف، وعالم بالعربية، فِطَحْلٌ؛ ولذلك له كتاب "غريب الحديث"، وكان يحب الإمام أحمد كثيرًا، ولقي الإمام أحمد يومًا وقال: والله يا أبا عبدالله لو أردت أن ألقاك على قدر مكانتك عندي لما مضى يوم إلا قابلتك فيه. فقال له: لا تقل هكذا، فإنني ألقى أناسًا لا ألقاهم في العام إلا مرة واحدة، هم أحبُّ وأقرب إلى نفسي ممن أراه كل يوم. فيريد أن يُهوِّن عليه، وأن يخبره بأنه يبادله نفس المحبة والتلاقي.

فهذا أبو عبيد رحمة الله عليه، كان هذا موقفه على مكانته العلمية، وقدرته على التصنيف، إلا أنه كان هذا نظره إلى الإمام أحمد، وثناءه عليه. فهذا أبو عبيد، وهو إمامٌ، عالمٌ في اللغة، وعالم في هذا الباب، وهذا ثناؤه على الإمام أحمد رحمة الله عليه.

ثناء بِشْر الحافي على الإمام أحمد بعد المحنة

القارئ:

وقال عليُّ بن خَشْرَم: سمعت بِشْر بن الحارث وسئل عن أحمد بن حنبل بعد المحنة، فقال: أنا أُسأل عن أحمد بن حنبل! أُدخِل الكِيرَ وخرج ذهبًا أحمر[14]، وقال آخر: قلت لبشر بن الحارث: ألا صنعت كما صنع أحمد بن حنبل؟ فقال: تريد مني مرتبة النبيين، لا يقوى بدني على هذا، حفظ الله أحمد بن حنبل بين يديه، ومِن خلفه، ومن فوقه، ومن أسفل منه، وعن يمينه وعن شماله[15].

الشيخ: الاختيار الذي يسير عليه المؤلف، رأينا ذكر الفقهاء، وثناءهم: ذكر علماء الجرح والتعديل وثناءهم، ذكر المحدثين وثناءهم، ثم الآن انطلَق مع علماء الزهد، علماء الزهد وإذا بهم أيضًا يُسلِّمون لأحمد بالإمامة.

فإذًا كل هؤلاء الآن من كل نوع من هذه الأنواع يأتي بالأئمة المعروفين في هذا الفن، وكيف كان قولهم وثناؤهم عن الإمام أحمد رحمة الله عليه! فالآن يذكر قول بشر بن الحارث، وهو مَن عُرف في هذا الباب بالزهد والورع حتى صار يُضرب به المثل في هذا الجانب، وإذا به نجد هذا موقفه من الإمام أحمد رحمة الله عليه، فماذا يقول بِشْرٌ؟ قال تلك الكلمات الجميلة في الثناء على الإمام أحمد.

فقال: أنا أُسأل عن أحمد بن حنبل! أُدخِل الكِيرَ فخرج ذهبًا أحمر. أي: المقصود بالكير الفتنة، فماذا خرج من بعد الفتنة؟ هل فُتن فيها؟ بل خرج مثل الذهب، أو الشيء الذي يراد أن يُعرف حقيقته، فأُدخِل ذلك المعدن في الكير فتخرج الشوائب ويبقى الصافي النقي، فيقول: الفتنة ما زادت أحمد إلا إلا مكانة، وأظهرته، وأظهرت مكانته، ورفعت من قدره، وبيَّنت من مكانته العلمية، وبينت من صدق إيمانه وقوة عزمه، وثباته وصبره، فيقول: فالفتنة كانت في حقه خيرًا، الأمة كان إنقاذها وخروجها بموقفه رحمة الله عليه، وهو عند العلماء ظهرت مكانته، وظهر تميزه عن غيره ممن لم يستطع أن يثبت في الفتنة.

فإذنْ هذا بِشْر، وإذا كان الزهاد الذين هم في أصلهم ومنهجهم وقضيتهم التي سلكوها قائمة على ماذا؟ على الصبر، وعلى التحمل، وعلى مفارقة الدنيا، وتحمل البلاء والأذى، وإذا به هو يقول في حق الإمام أحمد هذا القول، وإنه يرى أنه لا يستطيع أن يقف مثل موقف الإمام أحمد رحمة الله عليه.

ثم قال في قولته الثانية، قال: قلت لبشر بن الحارث: ألا صنعت كما صنع أحمد بن حنبل أن يكون لك هذا الموقف؟ فقال: تريد مني مرتبة النبيين، لا يقوى بدني على هذا. ما أستطيع، وإن أحمد هيأه لذلك الموقف وأعانه على ذلك.

ثناء عدد من المحدَِّثين على الإمام أحمد

القارئ:

وقال نصر بن علي: كان أحمد بن حنبل أفضل أهل زمانه[16]، وقال الحجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسدٍ أفضل من أحمد بن حنبل[17]. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ، ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبدالله أحمد بن حنبل[18]، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل، فاعلموا أنه صاحب سنة[19].

الشيخ: هنا أيضًا يستمر المؤلف رحمة الله عليه في ذكر أقوال العلماء.

وهنا أيضًا ننبه إلى قضية: وهي قضيةُ أن يَشِيع في الناس الثناء على العلماء؛ لأن عدم إشاعة الثناء على العلماء لا يحفز الناس إلى أن يلجؤوا إليهم عند السؤال، وأيضًا لا يُعطي للناس مناعةً إذا ما ذُكر أحدٌ بسوءٍ من مُغرِض أن يدافعوا عن العلماء وأن يردوا عليه، وهذا منهج -للأسف يعني- ضَعُف في هذه الأزمان، وهو أن يُثنَى على العلماء في الناس، وأن يذكر العلماء بخير، وأن يُعرَف من مواقفهم وأحوالهم.

وهذا طبعًا يحتاج إلى قربٍ من العلماء؛ حتى تُعرف هذه الأشياء عنهم، ثم ماذا؟ ثم أن يُنقَل هذا في الناس، أن ينقل هذا في الناس حتى يصبح الناس ينظرون إلى العلماء بقدر ويعرفون أقدارهم، ويعرفون ما لهم من الحق، ويعاملونهم بهذا التقدير.

فلذلك نجد هذا الكلام، عندما يدور من هذه الفئات كلها وهذه الأصناف من العلماء على اختلاف تخصصاتهم، فهذا الكلام إذا كان هذا ديدنهم. والآن، أين هذا الأمر -للأسف- من طلاب العلم، وهو أن يذكر أهل العلم ومن يتلقون منهم العلم، وأن يُذكَروا بأحسن ما فيهم؟!

فنجد ها هي هذه الأقوال كلها، ويسردها ابن عبدالهادي رحمة الله عليه، يعني لو لم تكن موجودة، من أين سيأتي بها؟ فإذًا هذا منهج.

ثم هنا نجد كلمة الدارمي أعطتنا شيئًا، ما هو؟ وهو أن الإمام أحمد رحمة الله عليه، هذه المكانة كانت منذ الصغر في زمنٍ كان العلماء كثرًا، فأن يكون يُثنَى عليه بهذه المكانة وما زال شابًّا شعره أسود، عبارة أنه ما زال في مقتبل عمره، في أول عمره.

فإذًا هذا الرجل منذ أن نشأ ومنذ أن خرج إلى هذه الدنيا هذا هو طريقه وهذا هو مساره، وأنه أخذ هذا الطريق بجِدٍّ، وأعطى لهذا الطريق كل ما يملك، فالله فتح عليه. فإذًا هذه في كلمة الدارمي أنه وصل إلى ذلك منذ نعومة أظفاره وبداية طريقه.

ثم أيضًا أن هناك شيئًا وهو التخصص أُعطي في هذا الطريق؛ طريقه الأول بابًا وعلمًا، ما هو؟ علم الحديث؛ فلذلك تميَّز فيه.

ثم في كلمة أبي حاتم الرازي -وما أدراك من هو أبو حاتم الرازي!- إذا ذُكر هو وقريبه أبو زُرْعة الرازي- فكانوا أئمة عصرهم، وهو في درجة شيوخ الإمام أحمد رحمة الله عليه، أبو حاتم كان إمامًا، فماذا يقول؟ يقول: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل، فاعلموا أنه صاحب سنة. يعني: في ذلك يخبر عن فترة، وهي فترة خلق القرآن التي انتشرت فيها هذه البدعة وأصبح لها رواج، وأُكرِه الناس عليها، وتمايز الناس إلى قسمين، فيقول: أصبح الإمام أحمد رحمة الله عليه رمزًا في قضية التمييز بين الناس، فمن أحب أحمد فهو صاحب سنة، ومن أبغض أحمد فهو صاحب بدعة.

وهذه مكانة العلماء، وهذا قدر العلماء إذا صاروا فعلًا وقاموا بالحق الذي عليهم، وثبتوا، وبينوا للناس، وتحملوا في طريق البيان، فيصلون إلى أن يكونوا هم الميزان بين الناس، فمن أحبهم فهو صاحب حق، ومن أبغضهم فهو صاحب باطل؛ فأحمد رحمة الله عليه ارتقى إلى تلك المكانة رحمة الله عليه.

أقوال عدد من الأئمة في الدفاع عن الإمام أحمد

القارئ:

قال: وسمعت أبا جعفر محمد بن هارون المخرمي، يقول: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل، فاعلم أنه مبتدع[20]. وقال أبو يعلى الموصلي: سمعت أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيَّ يقول: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء، فاتهموه على الإسلام[21]. وقال أحمد بن سلمة النيسابوري: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: كنت ألتقي بالعراق مع يحيى بن مَعِينٍ وخَلَفٍ -يعني سالمًا- وأصحابنا، وكنا نتذاكر الحديث من طريقتين وثلاثة، ثم يقول يحيى بن معين: وطريق كذا، وطريق كذا، فأقول لهم: ليس قد صح بإجماعٍ منا، فيقولون: نعم، فأقول: ما تفسيره؟ ما مراده؟ ما فقهه؟ فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل، فإنه يتكلم بكلام له قويٍّ[22].

الشيخ: إذًا هنا الآن تَمَيُّزُه عن أقرانه في ماذا؟ في الفقه مِن بين مَن هم معه، وهم مِن المحدثين الكبار، لكنه إذا جاء الفقه فهو أميزهم وهو من يتكلم؛ ولذلك تميز أحمد عن أقرانه الكبار من المحدثين في الفقه رحمة الله على الجميع.

إذًا خرجنا الآن من الزهد والورع إلى أنه ميزانٌ بين أهل السنة والمبتدعة، فحُبُّه رمزيةٌ لأهل السنة، وبغضه رمزية لأهل البدعة، ثم عاد لقضية موقعه من أقرانه في العلم الذي هو منسوب إليه، فالأصل أنه محدث وإمام المحدثين، فما هي منزلته بين المحدثين؟ فإذًا تميز عنهم بأنه محدث فقيه رحمة الله عليه.

ثناء أبي زرعة الرازي على سَعَة حفظ الإمام أحمد وفقهه وزهده

القارئ:

وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب[23].

الشيخ: ذاكرته، طبعًا المذاكرة يعني: المرور العام بالنسبة لنصوص الأحاديث، فكانت هناك مذاكرات بين أحمد رحمة الله عليه وأبي زرعة.

وأبو زرعة الرازي عالم كبير، يكفي في منزلته أن الإمام مسلمًا رحمة الله عليه قال: عرضت كتابي الصحيح بعد أن جمعته على أبي زرعة الرازي، فكل حديث قال لي: أبقه؛ أبقيته، وكل حديث قال لي: اشطبه، شطبته.

يعني: مسلم -هذا الإمام- بعد أن صنف هذا الكتاب يقول: جئت إلى أبي زرعة الرازي لأعرض عليه الأحاديث، فما قال لي: أبقه في الصحيح؛ أبقيته، وما قال لي: اشطبه؛ شطبته.

فإذًا هذه المكانة الكبيرة لأبي زرعة الرازي رحمة الله عليه، فهذا ثناؤه على الإمام أحمد، وبيان سعة حفظ الإمام أحمد: أنه يحفظ ألف ألف حديث، طبعًا هنا المقصود ماذا؟ الأسانيد، المقصود الأسانيد والروايات، فقيل له: ما يدريك أنه يحفظ هذا العدد؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.

القارئ:

وقال: ما أعلم بأصحابنا أسود الرأس أفقه منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه وزهد، وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم والفقه، والزهد والمعرفة، وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه[24].

الشيخ: أيضًا هذا ثناء جميل وراقٍ من أبي زرعة الرازي، تضمن أبرز من قرأ هذه العبارة، ننظر -سبحان الله!- الإنصاف بين العلماء، الإنصاف في هذه الكلمة التي يقول فيها أبو زرعة الرازي: "وهو أحفظ مني"، يعترف بها أبو زرعة الرازي، ويُعلنها مع إمامته والناس يجتمعون حوله ويسمعون له، وهو إمام النقد، وإمام الجرح والتعديل، ومرجع المحدثين في هذا الباب، ثم لا يمنعه ذلك عندما يُسأل عن الإمام أحمد أن يذكر، ولا يسكت عن هذه المعلومة، فيقول: وهو أحفظ مني.

فقضية الإنصاف قضية عظيمة، ولنتعلم كيف كان علماؤنا، عندما قلنا: إظهار التراث؛ لنعرف هذه القدوات، ما يأتي إنسان بعد ذلك ويقول: ماذا تريدون بتلك الكتب القديمة؟ ما الذي تستفيدون مِن أمرٍ مضى؟

إذا لم يكن بمثل هذا الأمر نستفيد، ونتعلم، ونبني أنفسنا، ونشعر بتاريخنا، ونشعر بجهد علمائنا في حفظ الدين، ونشعر بنزاهتهم وزكاء نفوسهم رحمة الله عليهم! كيف بعد ذلك سنطمئن، ونحن نرجع إلى هذا التراث، وإلى هذا الفقه، وإلى هذا العلم، وإلى تلك النصوص النبوية؟!

فإن الوقوف مع مثل هذه الأمور: كم سيرتقي في باب بناء الثقة في نفس طالب العلم، وهو يرجع إلى علم العلماء، ويرجع إلى أقوال العلماء، وينظر إلى العلماء باحترام.

ولذلك يصبح ذاك التنافس الذي صار موجودًا، وذاك الصراع والتعصب الذميم الذي وُجد في مراحل، ووُجد من أشخاص، فنقول: ليس هذا الأصل، ولا نعتبر أن هذا هو الأصل في علمائنا، ولا في تاريخنا، ولا في ديننا، ولا أن ديننا يُنتج مثل ذلك.

فلذلك تُصبح هذه ثُلْمة تُعرف وتُدرك، ويُدرك أن هذا ليس هو الأصل، فإذا كان هؤلاء الأئمة هذه علاقتهم، وهذا الثناء فيما بينهم، وهذا الإنصاف الذي كان بينهم، وهكذا النظرة الصحيحة من بعضهم لبعض، فعندما يأتي بعد ذلك إنسانٌ في فترة متأخرة ويأتي لكي يذم أو يتكلم، أو ينتقص أو يفاضل، أو غير ذلك، هذا هو حال بعضهم مع بعض.

هذا الشافعي يُثني على أحمد، وهذا الشافعي يثني على مالك، ومالك يثني على الشافعي، ونرى هؤلاء الأئمة كيف يتكلم بعضهم في بعض؛ فلِنَعِيَ -ولا يأخذ الإنسان- لذلك أنا أقول: منهج ابن عبدالهادي في هذا المصنف حقيقة منهج عظيم والله، يعني: قضية التأدب بهذه المنهجية في غاية الأهمية، وأحوج ما نحتاجها في زمننا اليوم، نعم.

عبدالله بن أحمد يصف عبادة أبيه واجتهاده في الطاعة

القارئ:

وعنه، قالوا: حزرنا استشهادات أحمد في العلوم، فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث فيما يتعلق بالأحكام[25]، وقال عبدالله بن أحمد: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثَمائةِ ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مائةً وخمسين ركعة، وقد كان قرب من الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سبعًا، يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال، سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو[26].

منهج ابن عبدالهادي وتنويع الشهادات

الشيخ: إذًا الآن فتح بابًا آخر معنا، إذًا ابتدأ بماذا؟ فقهاء، ثم ماذا؟ علماء الجرح والتعديل: علي بن المديني وغيره، ثم محدثين، ثم الزهاد، ثم الزهاد والعُبَّاد أيضًا رفعوه، ثم علماء اللغة أبو عبيد وغيره -أبو عبيد بن سلام-، ثم انتقل إلى جانب المعتقد، كلمة أبي حاتم الرازي وقضية التزامه بالسنة، وقضية أبي يعلى الموصلي، وأبي جعفر، كل هؤلاء في قضية السنة، والسنة هنا بمعنى: التزامه على منهج النبي في جوانب المعتقد، ولمفارقة أهل البدع، عرفتم؟ السنة في مقابل البدعة، فأيضًا جاء الثناء عليه في هذا الجانب، ثم انتقل بعد ذلك إلى قضية العبادة.

يعني: هذا الانتقال اللطيف والمتنوع، يعني: في كل بابٍ يأتي بالمتخصصين، طيب هنا انظر العبادة جاء بمن؟ بابنه، لماذا؟ لأن هذه قضية في البيت؛ فلذلك هم الأدعى لأن يَعْرفوا هذا؛ فلذلك جاء بكلمة عبدالله رحمة الله عليه، فهذا يعطيك الطمأنينة لما تقول: فقيه يجلب لك ثناء من فقيه، تقول: محدث يجلب لك ثناء من محدث، تقول: زاهد وورع يجلب لك ثناء من زاهد وورع، فهذا الأمر والمراعاة؛ لكي يعطيك أنت الطمأنينة.

إذًا هي ليست قضية أنه والله مُحدِّث يُثني على أحمد أنه فقيه، ولكنْ فقيه جاء بأبي ثور، جاء بالشافعي، أئمة، أئمة، ثم المحدثين، قال لك: إذا كان يحيى، عليٌّ، غيرهم، كانوا حاضرين يتكلمون في الحديث، كلٌّ يشارك، إذا جاء الفقه سكتوا، أحمد يتكلم.

إذًا هذا المنهج الذي سار عليه أيضًا -سبحان الله!- لو تأملناه؛ نُدرك  فطنة ابن عبدالهادي في الانتقاء، حتى عندما يأتي بالثناء مِن الذي يذكره، بما يجعل في نفسك هذه الطمأنينة.

صبر أحمد في العسكر وشدة زُهده

القارئ:

وقال أيضًا: مكث أبي بالعَسْكر عند الخليفة ستةَ عشَرَ يومًا، وما ذاق شيئًا إلا مقدارَ ربع سَوِيقٍ، في كلِّ ليلة كان يشرب شربة ماء، وفي كل ثلاثِ ليالٍ يَسْتَفُّ حِفْنةً من السَّوِيق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيت مُوقَيْه قد دخلا في حَدَقَتَيْه[27].

الشيخ: سبحان الله! صبر، إذا كان الإنسان عوَّد نفسه على قضية التقلل من الدنيا؛ ولذلك هذا الزهد، الزهد ما هو؟  الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.

ومن الزهد درجة أرقى، ما هي؟ أن يترك شيئًا نَفْعه في الآخرة أقل لينتقل إلى شيء نفعه أكبر، فيه منفعة لكنها قليلة فيتركها ويذهب إلى غيرها أعلى منها.

فمن ذلك مثلًا: الإنسان ينشغل عن قضية التنعم في أمر المعاش -عَرَفْتَ- إلى أن يقلل؛ مقابل أن يكون ذلك الأمرُ مدعاةً إلى أن ينشغل بشيءٍ غيره، فإذا أراد أن يعيش تلك الحياة المرفهة فيحتاج إلى بَذْلٍ أكبر في طلب العيش، ذلك الوقت الذي يبذله هو يرى أنه لو انشغل به في طلب العلم فإن المنفعة فيه أكبر، فيُعوِّد نفسه على أن يرضى بأقل مستوى في العيش، ويعوِّد نفسه على هذا الأمر.

إذًا هذا أيضًا نوع من الزهد؛ فلذلك هذا الأمر من الأمور التي هيأ الله بها الإمام أحمد، فكان هذا طريقه، فعندما أُخذ للفتنة فكان من الأمور التي تصيبه، وهي  قلة الطعام، وعدم جودته، وإذا به لا يتأثر؛ لأن هذا حاله، ما وجد شيئًا جديدًا، ما فقد شيئًا فيصبح مأسورًا له، يتألم؛ فكان رحمة الله عليه زهده عونًا له في أن يثبت في تلك الفتنة.

ولذلك؛ عندما سُجن كان الحاكم أَذِنَ لأهله أ، يبعثوا له، بعد أن بقي أيامًا فأَذِنَ لأهله أن يبعثوا له بطعامٍ ليرى؛ لأن أهله الآن ما دام غائبًا عنهم وهو مسجون، فعندما يقال لهم: أَحْضروا له طعامه. إذًا يأتون له بما يألفه، وبما هو يحبه، وبما هو يعيش عليه، فعندما بَعَثوا بالطعام قال: قبل أن تذهبوا به لأحمد أَحْضِروه إليَّ. فعندما أحضروه فتحه، وإذا به خبز وزيت وملح، قال: من هذا طعامه لن يستجيب لكم.

إذًا هذه حياته رحمة الله عليه، وهذا من زهده رحمة الله عليه، نعم.

عفة الإمام أحمد ورفضه قبول المال رغم حاجته

القارئ:

وقال أحمد بن حنبل بن الحجاج، عن محمد بن سعيد الترمذي: قَدِمَ صديقٌ لنا من خراسان، فقال: إني اتخذت بضاعةً، ونويت أن أجعل ربحها لأحمد بن حنبل، فخرج ربحها عشرة آلاف درهم، فأردت حملها إليه، ثم قلت: حتى أذهب إليه، فأنظر كيف الأمر عنده. فذهبت إليه، فسلمت عليه، فقلت: فلان، فعرفه، فقلت: إنه أبضع بضاعةً وجعل رِبْحها لك، وهو عشرة آلاف درهم. فقال: جزاه الله عن العناية خيرًا، نحن في غِنًى وسَعَة. وأبى أن يأخذها[28].

الشيخ: سبحان الله! أولًا: نجد قضيةَ هذه الأمة المسلمة التي تعرف قدر علمائها، وتعرف ما هو الحق الذي ينبغي أن يكون عليها نحوهم؛ فلذلك هذا الإنسان يتجه ويريد أن يكون ربح تجارته لعالمٍ من علماء الأمة، يسد به حاجته، ولا يُحْوجه إلى الناس؛ حتى يتفرغ للعلم، وحتى ينفع الناس، وحتى يكون هذا عونًا له أن يثبت عند الفتن.

ولذلك؛ ابن المبارك رحمة الله عليه كان هذا من شأنه، كان تاجرًا، وكان ينفق على عددٍ كبير من العلماء، وكان بعض العلماء لا يعرف أن ابن المبارك ينفق عليه، حتى مات ابن المبارك فانقطعت النفقة، وكان يرسل إلى العالم نفقته لمدة عام، ينتهي العام، مع بداية العام الثاني تأتيه نفقة عام.

وفي المقابل نجد العفة عند العلماء، وعدم التبذل في هذا الأمر والقبول المباشر، لِتَجِدَ واحدًا يَبذُل لِيُعطِيَ، والثاني يترفع ليتزهد، ويبتعد أن يكون للناس يدٌ عليه.

فهذا المنهج، وهذه الطريقة في الأدب، نجد في سيرة الإمام أحمد رحمة الله عليه ما يدل على هذا الأمر، أيضًا هنا بُعْد آخر، وهنا تطبيقٌ لمفاهيم الزهد والورع في حياة الإمام أحمد، التي جعلت الثناء عليه بما سمعنا.

القارئ:

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن موسى بن حماد، قال: حُمِل إلى الحسن بن عبدالعزيز الجروي مِيراثُه من مصر مائة ألف دينار، فحَمَل إلى أحمد بن حنبل ثلاثةَ أكياسٍ، كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبدالله، هذه من ميراثٍ حلال، فخذها، فاستعِن بها على عيلتك. قال: لا حاجة لي بها، أنا في كفاية. فرَدَّها ولم يَقْبل منها شيئًا[29].

الشيخ: سيأتينا أيضًا أقوالٌ في هذا الباب، وهو قضيةُ أن الإمام أحمد رحمة الله عليه اختار لنفسه طريق الزهد، والانشغال بأن يجعل وقته في طلب هذا العلم وبذله للناس، وما ترتب على ذلك: أن يكون المال بين يديه قليلًا، لكنه وطَّن نفسه وهيأها لعيشٍ بحسَبِ هذا القدر.

ومع ذلك قُوبل مِن طُلَّابه ومن أقرانه، ومن الناس، وأيضًا بعد زوال الفتنة من السلطان بأن يُعطى من المال، وأن يُفتَح له هذا الباب، ولكنه لم يرضَ لنفسه بهذا الأمر، بل كان يبعث له السلطان بأن يعطيه، فيرفض، حتى كان بعض أولاده يقول: يا أبي، لو أخذتَ فإننا في حاجة. فكان يرفض.

فكان كما يقول صالح، قال: ثم بعد مدة -يعني: بعد أن جاء هذا العَرْض- قال: يا صالح، لو قبلنا هذا المال؛ لذهب هذا المال، ولكن بقي ذاك العطاء، والمعروف، والأسر للإنسان، أما المال فإنه سيذهب -يعني: التوسع سيذهب- وتبقى المنَّة.

فلذلك اختار لنفسه أن يصبر، ووطَّن نفسه على ذلك، وعوَّدها، وأقنعها، فقنعت نفسه، وأعانه الله على نفسه، فكان منه ما كان رحمة الله عليه.

قوة فقه الإمام أحمد وبراعته في المحاورة العلمية

القارئ:

وقال الخلال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا الأثرم، حدثني بعض من كان يسمع مع أبي عبدالله، أنهم كانوا يجتمعون عند يحيى بن آدم، فيتشاغلون عن الحديث بمناظرةِ أحمدَ: يحيى بن آدم، ويرتفع الصوت بينهما، وكان يحيى بن آدم واحِدَ أهل زمانه في الفقه[30].

الشيخ: إذًا هنا يُريد أن يُثبِت قضيةَ مُكْنَته في الفقه، وهنا مُكْنةٌ عالية؛ ولذلك ليست هي فقط مجرد أنه يفهم ويفقه، بل أنه لا يستطيع أن ينزل للمناظرة والمحاورة والنقاش في بابٍ لعلماء إلا مَن هو مثله ومن هو في عِدَادهم. أما إذا لم يكن هذا الإنسان من أهل هذا الفن، وليست له مُكْنة أصلًا فالعالِمُ لا يرضى أن تكون المناظرة معه.

يعني المناظرة تكون بين الأنداد، بين من هم متقاربون في مستوى العلم، فإذا كان هذا فقيهًا وواحِدَ زمانه في الفقه، ثم يناظر الإمام أحمد رحمة الله عليه، إذًا معنى ذلك أنه وصل عندهم إلى هذه المكانة، وإلى هذه المنزلة في القدرة والمكنة، في علم الفقه منه رحمة الله عليه.

رحلة الإمام أحمد إلى عبدالرزاق الصنعاني وحرصه على السماع منه

القارئ:

وعن سليمان بن حرب أنه قال لرجلٍ: سل أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا، فإنه عندنا إمام[31]. وقال عبدالله بن أحمد: سمعت أبي يقول: قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبدالرزاق، إلى قريته، وتخلَّف يحيى، فلما ذهبتُ أَدُقُّ الباب قال لي بَقَّالٌ تُجَاه دارِه..

الشيخ: يعني أول ما وصلوا يحيى ذهب ليرتاح من السفر، وأحمد ذهب مباشرة إلى عبدالرزاق رحمة الله عليه.

القارئ:

لا تدق؛ فإن الشيخ يهاب. فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج، فوثبت إليه وبين يدي أحاديثُ انتقيتُها، فسلَّمت وقلت: حدِّثني بهذه يرحمك الله؛ فإني رجل غريب. فقال: ومن أنت؟ وزَبَرَني، قلت: أنا أحمد بن حنبل. فتقاصر، وضمَّني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبدالله؟ ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم، فقال للبَقَّال: هلم المصباحَ. حتى خرج وقت المغرب، وكان عبدالرزاق يؤخر صلاة المغرب[32].

الشيخ: إذًا هذا موقفٌ أيضًا على أن سمعة الإمام أحمد رحمة الله عليه بلغت الآفاق في زمنه، وبلغت الآفاق عند شيوخه، ومَن هم في درجةٍ أعلى من حيث السن ورواية الحديث؛ فعبدالرزاق شيخه، ومع ذلك سمعة الإمام أحمد وصلت إلى عبدالرزاق في اليمن والإمام أحمد في بغداد.

وأيضًا نجد كيف كان العلماء يشتاق إلى أن يلقى بعضهم بعضًا، وكيف يفرح بعضهم بلقاء بعض، فيقول: عندما وصل إلى صنعاء ذهب مباشرة إلى قرية عبدالرزاق؛ لأنه هو بغيته، هو مقصوده من السفر، وصل مباشرة إلى مقصوده، أراد أن يطرق الباب، فراعي البقالة قال: الشيخ يهاب، لا أحد يطرق عليه الباب... انتظِر حتى يخرج. فانتظر الإمام أحمد تأدبًا، فعندما خرج مباشرة وثب إليه وطلب منه أن يسمع.

يعني: أن هناك أحاديث بَلَغَتْه عن عبدالرزاق بسندٍ، فهو الآن يريد أن يسمعها منه مباشرة، يأخذها عنه مباشرة، فيكون سنده فيها عاليًا بعد أن كان سنده فيها نازلًا، فقال: مَن أنت؟ وأيضًا يُحنِّن عبدالرزاق، فيقول: أنا رجل غريب، والغريب له حق في الإكرام، وفي القبول، وحتى لو تعدَّى عليك في الوقت؛ فتَقْبله لأنه غريب، ليس من أهل البلد، يعني: ليس هذا وقتًا! فيقبله لأنه رجل غريب، قال: فزبرني، يعني: نفر مني، وكأنه رفع صوته عليه، ثم قال له: من أنت؟ يعني: من أنت الذي تطلب هذا الأمر؟

طيب نكمل إلى الغد، وجزاكم الله خيرًا.

^1 "التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح" لأبي الوليد الباجي: 1/ 320.
^2 "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى: 2/ 134.
^3 ينظر: "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي: ص148.
^4 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 278.
^5 ينظر: "الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث" لابن كثير: ص64.
^6 "السنن الأبين" لمحب الدين ابن رشيد: ص88.
^7 "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: 6/ 102.
^8, ^15, ^16, ^18 المصدر السابق.
^9 "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: 1/ 295.
^10 ينظر: "الثقات" للعجلي: 1/ 194.
^11 "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: 6/ 97.
^12 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 283.
^13 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 286.
^14 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 287.
^17 المصدر السابق: 5/ 290.
^19 المصدر السابق: 5/ 293.
^20 ينظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: 1/ 309.
^21 ينظر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى: 1/ 40.
^22 ينظر: "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: 5/ 185.
^23 "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: 6/ 100.
^24 ينظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: 1/ 294، و"طبقات الشافعيين" لابن كثير: ص108.
^25 "صفة الفتوى" لابن حمدان: ص78.
^26 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 300.
^27 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 301.
^28 "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 5/ 304.
^29 ينظر: "سير السلف الصالحين" لإسماعيل الأصبهاني: 3/ 1060.
^30 "سير أعلام النبلاء" للذهبي: 11/ 189.
^31 "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي: ص99.
^32 ينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 36/ 174.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©