تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر

من قوله: "اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الله ​​​​​​​ أثنى على المُتهجِّدين في الليل.." (1)

جدول المحتويات

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

فضل قيام الليل والتهجد

أما بعد:

فهذه قراءة من كتاب "فضل قيام الليل والتهجد" لأبي بكرٍ محمد بن الحسين بن عبدالله الآجُرِّي رحمه الله تعالى.

وفي سند هذه النسخة يقول:

حدثنا أبو داود، قال: حدثنا الحافظ أبو عمرٍو المقرئ، قال: حدثنا أبو القاسم سلمة بن سعيد بن سلمة الإسْتِجِيُّ، وحدثنا أيضًا أبو عمرٍو، قال: حدثنا عبدالله، قال: حدثنا أبو بكرٍ محمد بن الحسين بن عبدالله الآجُرِّي رحمه الله تعالى، قال:
المحمود الله تعالى في كل حالٍ، والمصطفى محمدٌ صلى عليه وسلم وعلى آله أجمعين، وبالله أستعين:
كتاب قيام الليل
اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الله ​​​​​​​ أثنى على المُتهجِّدين في الليل فأحسن عليهم الثناء، ووعدهم أحسن ما يكون من الموعد الجميل، ورغَّب النبيُّ على قيام الليل، وحثَّ أمته عليه، وهكذا العلماء رغَّبوا فيه وحثُّوا على قيامه، ونَبُل عند جميع المسلمين من كان له حظٌّ في قيامٍ.
فنحن نُبيِّن لإخواننا ما فيه من الفضل العظيم والحظِّ الجزيل؛ ليكون الراغب في قيام الليل على بصيرةٍ من أمره، يُتاجِر مولاه الكريمَ بعلمٍ، ويُحسن الخدمة للمولى؛ رجاء القُربة منه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا، وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ.

أما بعد:

نبذة عن الكتاب ومصنفه

فهذا الكتاب "فضل قيام الليل والتهجد" للإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى، كتابٌ عظيم النفع في بابه، وهو معدودٌ في أوائل كتب أئمة السلف رحمهم الله تعالى المفردة في هذا الباب، باب التهجد وقيام الليل.

وقد جمع فيه مصنفه رحمه الله تعالى طَرَفًا مباركًا من النصوص -نصوص الكتاب والسنة- ونقولًا نافعةً عن أئمة السلف رحمهم الله تعالى في بيان شأن قيام الليل والحث عليه والترغيب فيه وبيان عظيم فضله، وأنه أفضل الصلوات التي يُتقرب بها إلى الله بعد المكتوبة التي افترضها الله  على العباد.

وهي عبادةٌ يترتب عليها من عظيم الآثار، وغزير الفوائد، وعميم المنافع في الدنيا والآخرة؛ ما لا يُحصيه إلا الله ، ولها أثرها العظيم على العبد راحةً وأنسًا وطمأنينةً، وانشراحَ صدرٍ، وهناءة عيشٍ، ووضاءة وجهٍ.. إلى غير ذلكم من الثمار والآثار والتي سيأتي شيءٌ منها فيما ساقه رحمه الله تعالى في هذا الكتاب المبارك.

وأما المصنف: فهو الإمام محمد بن الحسين الآجُرِّي رحمه الله، عَلَمٌ من أعلام السلف، وإمامٌ من أئمة المسلمين، عُرف رحمه الله بمصنفاته النافعة، وكتاباته القيمة المحرَّرة المتقنة، مع ما ضمَّنه رحمه الله تعالى مصنفاته من وعظٍ لطيفٍ، ونصحٍ بليغٍ، وتوجيهٍ مسدَّدٍ، بنَفَسِ رجلٍ ناصحٍ، نحسبه كذلك والله حسيبه.

قيام الليل في رمضان وأثره فيما بعده

ثم -معاشر الإخوة الكرام- إن من توفيق الله لنا جميعًا: أن يسَّر لنا في هذا الوقت من آخر هذا الشهر المبارك اقتناء هذا الكتاب والجلوس لمذاكرته ومدارسته، وهذه واللهِ نعمةٌ، واللهُ هو المتفضِّل -جل في علاه- والمانُّ وحده جل وعلا.

والنفوس في هذا الشهر المبارك حصل لها مِرانٌ وعنايةٌ بقيام الليل، وأَخَذَ الكثير من عباد الله تبارك وتعالى حظهم ونصيبهم من قيام الليل، بل إن من وُفِّق لأداء صلاة التراويح ثم التهجد مع الإمام إلى أن ينصرف؛ كُتب له قيام ليل رمضان كله؛ كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلةٍ [1].

فمن كان مواظبًا؛ فإنه قد كُتب له -بإذن الله - قيام رمضان كله، وقد جاء في الحديث عن نبينا أنه قال: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تقدَّم من ذنبه [2].

وهذا القيام الذي وُفِّق له العبد في هذا الشهر المبارك يُعَدُّ حسنةً عظيمةً يسَّرها الله لعبده ومَنَّ عليه بها؛ فلا ينبغي لعبدٍ أكرمه الله هذا الإكرام، ومَنَّ عليه بهذا المن؛ أن يكون آخر عهده بقيام الليل هو شهر رمضان، فيكون حاله في عبادته أو قيام الليل: أنه لا يعرف قيام الليل بين يدي ربه تبارك وتعالى إلا في رمضان.

وهذا أمرٌ لا ينبغي للعبد؛ لأن رمضان -في الحقيقة- زادٌ للشهور التي بعده، ومِعوانٌ على الطاعة للشهور التي بعده، وما يحصل للعبد فيه من مِرانٍ وصبرٍ -لأنه شهرُ صبرٍ، وتعويدٍ للنفس على الطاعة والعبادة والتقرُّب لله - لا ينبغي أن ينقضي حظُّ العبد منه وينتهي نصيبه بانقضاء الشهر، فيكون حاله كحال من قال عنهم بعض السلف: "لا يعرفون الله إلا في رمضان"، فبعض الناس لا يعرف قيام الليل إلا في رمضان، كما أن بعضهم لا يعرف الصيام إلا في رمضان، ورَبُّ الشهور واحدٌ جل وعلا.

فينبغي على العبد أن يجعل ما يُسِّر له في رمضان من قيامٍ زادًا له لما بعد رمضان، ويأخذ نفسه بعد رمضان مأخذ الحزم والعزم، ويجعل له نصيبًا -وإن قلَّ- من قيام الليل، سواءٌ في أول الليل أو في وسط الليل أو في آخر الليل، لكن لا بد أن يجعل له نصيبًا من قيام الليل.

وقيام الليل هو أفضل الصلوات التي يُتقرَّب بها إلى الله بعد الصلاة المكتوبة، وسيأتي في ذكر فضائل قيام الليل من النصوص والنقول العظيمة مما ساقه المصنف رحمه الله تعالى.

أقول: إنَّ تيسُّر قراءة هذا الكتاب في هذه الأيام من آخر هذا الشهر، نرجو الله الذي يسَّر ذلك أن يُيَسِّر الانتفاع والعمل، وأن يكون هذا المجلس في قراءة هذا الكتاب -كتاب "قيام الليل والتهجد" للإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى- عونًا لنا أجمعين؛ ليكون لنا حظٌّ ونصيبٌ من قيام الليل لا ننقطع بعد رمضان.

الحاصل: أن هذا كتابٌ مباركٌ ونافعٌ جدًّا في بابه، ونسأل الله أن يجزي مصنفه الإمام محمد بن الحسين الآجُرِّي رحمه الله خير الجزاء، ونسأله تبارك وتعالى أن يُوفِّقنا لحسن الانتفاع، وأن يجعلنا من عباده المتقين وأوليائه المقربين الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:18]، جعلنا أجمعين بمنه وكرمه وفضله وجوده وإحسانه منهم تفضُّلًا منه ، لا حول لنا ولا قوة إلا به جل في علاه.

شرح مقدمة المصنف

بدأ رحمه الله تعالى كتابه المبارك "قيام الليل" بقوله: "اعلموا رحمنا الله وإياكم".

"اعلموا": هذا أمرٌ يُراد به التنبيه، ويُؤتى به بين يدي الأمور المهمة العظيمة التي يَحتاج أن يتيقَّظ لها المرء ويتنبه، وفي القرآن مواضع مبدوءةٌ بذلك؛ منها قول الله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد:19].

ثم أيضًا بدأ بهذه الدعوة: "رحمنا الله وإياكم"، دعا للقارئ والواقف على هذه المضامين بالرحمة، وهذه الدعوة جاءت في موضعها؛ لأن العناية بالصلاة عمومًا وبقيام الليل هذا باب من أبواب الرحمة ونيلها، أرأيتم كيف أن المصلِّي إذا دخل المسجد؛ شُرع له أن يقول: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك" [3]؟ لأنه دخل بابًا عظيمًا للرحمة، وهو هذه الصلاة، فالصلاة بابٌ عظيمٌ من أبواب نيل الرحمة، رحمة الله جل وعلا التي خَص بها أولياءه، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43].

قال: "اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن الله أثنى على المُتهجِّدين في الليل".

"المُتهجِّدين في الليل": أي الذين أخذوا حظًّا ونصيبًا من صلاة الليل.

التهجُّد: القيام للصلاة والمناجاة والإقبال على الله .

قال: "أثنى على المُتهجِّدين في الليل، فأحسن عليهم الثناء، ووعدهم أحسن ما يكون من الموعد الجميل": أي أن كتاب الله تضمَّن الثناء على المُتهجِّدين، وتضمَّن أيضًا ذكر الثواب الجميل الذي أعدَّه الله لهم؛ مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ.

"ورغَّب النبيُّ على قيام الليل، وحثَّ أمَّته عليه"، وسيأتي عند المصنف رحمه الله جملةٌ من أحاديث النبي الكريم في ذلك.

"وهكذا العلماء رغَّبوا فيه وحثُّوا على قيامه"، وأيضًا سيأتي عند المصنف رحمه الله تعالى شيءٌ من الآثار المروية عن السلف رحمهم الله تعالى في ذلك.

"ونَبُلَ عند جميع المسلمين من كان له حظٌّ من قيامٍ".

"نَبُلَ" أي: عظم شأنه، وعلت مكانته، وارتفع قدره، مَن عُلم أن له حظًّا من قيام الليل؛ لإدراك المسلمين عِظَم شأن قيام الليل ورفيع مكانته، فمن عُرف بقيام الليل؛ نَبُل أمره، وعظُم قدره عند المسلمين.

قال: "فنحن نبيِّن لإخواننا ما فيه من الفضل العظيم والحظ الجزيل؛ ليكون الراغب في قيام الليل على بصيرةٍ من أمره"، وهذا فيه تنبيهٌ من المصنف رحمه الله إلى أن وقوف المرء على فضائل قيام الليل وما فيه من مثوبةٍ عظيمةٍ وأجرٍ جزيلٍ وبركاتٍ متعددةٍ ومتنوعةٍ على من يقوم الليل؛ أكبر عونٍ له على العناية بهذه العبادة العظيمة المباركة.

"ليكون الراغب في قيام الليل على بصيرةٍ من أمره، يُتاجِر مولاه الكريمَ بعلمٍ".

يعني: يكون متاجرًا بهذه العبادة، عبادة قيام الليل، "بعلمٍ" أي: تحرَّك لهذه العبادة في ضوء الأدلة التي وقف عليها، والنصوص التي حركته لأداء هذه العبادة، والله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف:10]، فهذه متاجرةٌ مع الله بعبادته وطاعته وامتثال أمره ، ومن ذلكم المتاجرة بقيام الليل، وهي التجارة الرابحة الغانمة التي لا خسارة فيها.

"يتاجر مولاه الكريم بعلمٍ، ويُحسن الخدمة للمولى".

والمراد بقوله: "الخدمة"، أي: التعامل مع الرب بحسن عبادته وحسن التقرب إليه جل وعلا.

قال: "رجاءَ القُرب منه": أي أنه يفعل ذلك ابتغاء الوسيلة، التي هي القُرب من الله ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ[الإسراء:57].

الأدلة من كتاب الله في فضل قيام الليل وعظيم مكانته

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

فأما ما وصف الله ​​​​​​​ به المتقين من أخلاقهم الشريفة في الدنيا التي أعقبتهم عند الله ​​​​​​​ شرف المنازل في دار السلام، فأثنى عليهم بما تفضل به عليهم ووفقهم له، فله الحمد على ذلك.
قال الله ​​​​​​​: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ۝آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ۝كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:15-18]، فوصفهم -جل ذكره- بقلة النوم، أنهم أكثر ليلهم قيامًا إلى السحر، ثم أخذوا عند السحر بالاستغفار؛ لِمَا سلف منهم مما لا يُرضيه، وإشفاقًا منهم على أعمالهم الصالحة ألا ترضيه، أفَتَرَى الكريم لا يُجيبهم؟! بل يُجيبهم وهو أكرم من ذلك.
ثم قال -جل ذكره- فيما وصف به عباده من الأخلاق التي شرفهم بها: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۝وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64].
فوصفهم -جل ذكره- أنهم في مبيتهم في ليلهم ليس هم كغيرهم من سائر الناس؛ وذلك أن أكثر الخلق يتلذَّذون بالنوم، وهؤلاء استأثروا الخدمة لمولاهم الكريم.
ثم وصفهم -جل ذكره- في موضعٍ آخر فقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16]، وقال الله ​​​​​​​: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9].

الشيخ: نعم، هذا سَوقٌ من المصنف رحمه الله تعالى للأدلة من كتاب الله ​​​​​​​ في فضل قيام الليل، وعظيم مكانته، وجزيل مثوبة أهله عند الله، وثناء الله عليهم.

أخلاق المتقين الشريفة في الدنيا

قال رحمه الله تعالى: "فأما ما وصف الله ​​​​​​​ به المتقين من أخلاقهم الشريفة".

فالمراد بالأخلاق هنا: الأوصاف؛ أوصاف الفضل والخير والكمال، وهي أعم من الخُلُق الذي هو طِيب المعاملة وكريم التعامل؛ لأن الخُلُق يُطلق ويُراد به الدين كله، مثلما قال غير واحدٍ من السلف في معنى قول الله ​​​​​​​: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، أي: دينٍ كاملٍ، فالمراد بـ"أخلاقهم": أي ما تحلَّوا به من أوصافٍ كاملةٍ، ومن ذلك عبادة الليل.

عبادة الليل هذه من خُلُق المسلم، والخُلق نوعان:

  • خلقٌ بين العبد وبين الله.
  • وخلقٌ بين العبد وبين الناس.

ومن كان لا يُحسن الخُلُق في التعامل مع ربه تبارك وتعالى، ثم يُعامل الناس المعاملة الجميلة؛ فهو في الحقيقة عديمٌ لأصل الخُلُق الذي عليه يقوم.

إبطال دعوى أخلاق الكفار

ولهذا ينبغي أن يُعرف في هذا الباب، ولا بد من التنبُّه له: أن الكفار الذين يُنقل عن بعضهم أن معاملته جيدةٌ وأخلاقه عاليةٌ، هم في الحقيقة عديمو الأخلاق.

أين الخُلُق عند رجلٍ خلقه الله وأمدَّه بالسمع والبصر والصحة والعافية ثم يعبد غير الله ؟! أو يُنكر مثلًا وجود الله؟! أو مثلًا يقول في الله القول العظيم؟! أو يجحد دين الله الذي شرعه لعباده؟! أين الخُلُق؟!

فمن كان غير مستقيمِ الخُلُق فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى؛ لا تنفعه أخلاقه وإن جَمُلت بينه وبين الناس، وقد جاء في "الصحيح" أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن عبدالله بن جُدْعَان، قالت: كان يقري الضيف، ويفُكُّ العاني، وكانت تُعدِّد من أخلاقه وتعاملاته الجميلة، أينفعه ذلك عند الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا؛ إنه لم يقل يومًا قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين [4]؛ أي: إن هذه الأعمال لم يُقدِّمها قُربةً لله وطلبًا لما عند الله ، وإنما قدَّمها لشيءٍ يرجوه في الدنيا، لا لشيءٍ يرجوه عند الله.

مِثل ذلك: قول النبي لعدي بن حاتمٍ  لما سأله عن والده حاتمٍ الذي يُضرب به المثل في السخاء والكرم والبذل، قال: كان والدي يفعل كذا وكذا، يذكر من أعماله ومن كرمه، أينفعه ذلك؟ فقال له النبي : لا -ما ينفعه- قال: إن أباك أراد أمرًا فأدركه [5]؛ أي: الشهرة في الدنيا.

وفعلًا، شهرته بلغت الآفاق، وأصبح الناس كلما أرادوا أن يضربوا المثل بالكرم؛ قالوا: "كرمُ حاتمٍ"، أخذ شهرةً، لكن لما سأله عَديٌّ ، سأل النبي : هل ينفعه ذلك؟ قال: لا، ما ينفعه؛ لأنه أراد شيئًا فناله، يعني شيئًا في الدنيا، ما قدَّم ذلك قُربةً لله .

الحاصل: أن الخُلُق أمره أعظم وأوسع من مجرد التعامل بين الناس، المعاملة الرفيقة الطيبة هذه من الخُلُق، لكن الخُلُق معناه أوسع من ذلك.

معنى قول الله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾

قال: "أما ما وصف الله به المتقين من أخلاقهم الشريفة"، يعني: أوصافهم الرفيعة العالية، ومن ذلك قيام الليل، فقيام الليل هذا من أخلاق المسلم الشريفة ومن أوصافه العظيمة.

"من أخلاقهم الشريفة في الدنيا التي أعقبتهم عند الله ​​​​​​​ شرف المنازل في دار السلام، فأثنى عليهم بما تفضَّل به عليهم ووفقهم له، فله الحمد على ذلك"، ثم ساق الآيات، قال: "قال الله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" اللهم يا رب اجعلنا منهم "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ۝آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15-16]"، هذا الأخذ متى؟ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ في الدنيا أم في الآخرة؟ تحتمل الآية هذا وهذا؛ تحتمل: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ؛ أي: من أوامر وطاعاتٍ وعباداتٍ في هذه الحياة الدنيا، آخِذِينَ تلك الأوامر مأخذ الامتثال والطواعية لله والانقياد، فهم آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ أي: مأخذ الامتثال والطاعة والعبادة له جل وعلا، فيكون هذا الأخذ في الدنيا.

وتحتمل أن المراد بقوله: آخِذِينَ أي: في الآخرة، مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ أي: من النعيم؛ مما قرت به عيونهم، وطابت به نفوسهم، وحصل به كمال لذَّتهم يوم لقاء الله ودخول الجنات، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ أي: النعيم الذي آتاهم الله سبحانه ومَنَّ عليهم به.

وهذا المعنى الثاني هو الأقرب، وهو الألصق بالسياق: أن الأخذ في الآخرة، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ؛ أي: النعيم الذي يمُنُّ الله  عليهم به في جنات النعيم.

آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ، وهذا مما يُقوِّي أن هذا هو المراد؛ لأنه لمَّا ذكر أخذهم للثواب؛ ذكر سبب أخذ الثواب، وهو ما حصل منهم من طاعةٍ وعبادةٍ وإحسانٍ في الحياة الدنيا.

إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ، قَبْلَ ذَٰلِكَ: إشارةٌ إلى النعيم الذي أخذوه في الجنة.

إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ: أي قبل ذلك النعيم الذي أخذوه في الجنة، مُحْسِنِينَ أي: في الدنيا، محسنين في التعامل مع الرب، ومحسنين في التعامل مع الخلق؛ لأن الإحسان يكون في عبادة الخالق، ويكون في معاملة المخلوق.

إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ: أي نزلوا في الحياة الدنيا منازل الإحسان في عبادتهم لربهم وتعاملهم مع عباد الله.

قيام الليل والاستغفار بالأسحار

ثم ذكر شيئًا من إحسانهم بل من جميل إحسانهم، قال: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]، هذا من جملة إحسانهم، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ: أي إنهم يقومون الليل، وهجوعهم، الذي هو نومهم وراحتهم، هو قليلٌ من الليل.

كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ۝وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]، أي: يعتنون في الليل بالقيام بين يدي الله صلاةً ومناجاةً، ثم يختمون ذلك بالاستغفار، وهذا الاستغفار من رؤية التقصير في العمل رجاء الغفران من الله ، فهم يُحسنون ويستغفرون، وغيرهم يسيء ولا يستغفر، هم يُحسنون في عبادة الخالق ، ثم يختمون الإحسان بالاستغفار في آخر الليل، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار [آل عمران:17]، يستغفر؛ لأنه يرى أنه مقصِّر، وهذا شأن المؤمن المكمِّل للإيمان، جمع الله له بين الإحسان في العمل والمخافة؛ يُحسن ويخاف، يخاف أن يكون مقصِّرًا، وأن عمله هذا الذي قام به ليس مقبولًا عند الله؛ فيخاف ويستغفر من تقصيره، قال الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمن جمع بين إحسانٍ ومخافةٍ، والمنافق جمع بين إساءةٍ وأمنٍ".

قال: "فوصفهم -جَلَّ ذكره- بقلة النوم، أنهم أكثر ليلهم قيامًا إلى السحر، ثم أَخَذوا عند السحر في الاستغفار؛ لِمَا سلف منهم مما لا يُرضيه، وإشفاقًا منهم على الأعمال الصالحة ألا تُرضيه".

فهذه هي رؤية التقصير التي لأجلها لزموا في السحر الاستغفار، والاستغفار: طلب الغفران، يطلبون من الله أن يغفر ذنوبهم، أن يغفر تقصيرهم.

يقول المصنف: "أفترى الكريم لا يُجيبهم؟!": أفترى الكريم لا يُجيبهم واستغفارهم في أفضل أوقات الاستغفار، حيث يقول الله في ذلك الوقت: من يسألني فأُعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟، جاء في "الصحيح" عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلةٍ في ثلث الليل الآخر، فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، ثم يقول جل وعلا: من يسألني فأُعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ [6]، فهذا أفضل أوقات الاستغفار، فهم في عبادةٍ ومناجاةٍ، ثم في وقت السحر يُكثرون من الاستغفار، والله لا يردهم، بل يُجيبهم فيغفر لهم ذنوبهم، ويُعطيهم سُؤلهم، ويرفع درجاتهم عنده .

"أَفَتَرَى الكريم لا يُجيبهم؟! بل يُجيبهم، وهو أكرم من ذلك"، بل يجيبهم.

أوصاف عباد الرحمن

ثم قال جل ذكره فيما وصف به عباده من الأخلاق التي شرَّفهم بها، فقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۝وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64]".

 "عباد الرحمن": هذه إضافة تشريفٍ، أضافهم الله ​​​​​​​ إلى نفسه تشريفًا لهم، وأضافهم إلى نفسه بذكر اسمه "الرحمن"، وهذا فيه إيماء إلى حظهم العظيم ونصيبهم الوافر من رحمة الله .

وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا: أي بلا كِبْرٍ ولا عُجْبٍ ولا غرورٍ ولا رؤيةٍ للنفس، يمشون على الأرض هونًا.

وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ: أي مخاطبة الجهل والسَّفَه، إذا خاطبهم الجاهلون؛ قَالُوا سَلَامًا، لا يردون على الجاهل بمثل جهله، بل يُعرضون عن الجاهلين، ولا يردون سَفَه الجاهل بسَفَهٍ مثله، بل بالإعراض عنه، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

"وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۝وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا[الفرقان:63-64]"، هذا موضع الشاهد، ذكر الله ، قيام الليل في أوصاف عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا: أي يُكثرون من القيام وصلاة الليل، هذا معنى قوله تعالى: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، يُقال: بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، سواءٌ نام أو لم ينم، هذا هو البيات والمبيت، يُقال: بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، سواءٌ كان نائمًا أو مستيقظًا.

فهم يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا أي: يُكثرون من الصلاة في الليل قيامًا بين يدي الله ، ومناجاةً له جل في علاه.

"فوصَفَهم -جل ذكره- أنهم في مبيتهم في ليلهم"، ليس المراد في مبيتهم: أي نومهم؛ لأن المبيت هو إدراك الليل، سواءٌ كان نائمًا أو مستيقظًا.

"فوصفهم -جَلَّ ذكره- أنهم في مبيتهم في ليلهم ليس هم كغيرهم من سائر الناس".

الناس لهم في الليل شأنٌ، وهؤلاء لهم في الليل شأنٌ آخر، الناس لهم في الليل شأنٌ، والناس في الليل ما بين رجلين: رجلٍ نائمٍ، أو رجلٍ سهران فيما لا منفعة فيه، أو فيما فيه مضرةٌ عليه، أما هؤلاء فشأنهم في الليل شأنٌ آخر؛ كما قال رحمه الله: "ليس هم كغيرهم من سائر الناس؛ وذلك أن أكثر الخلق يتلذذون بالنوم، وهؤلاء استأثروا الخدمة لمولاهم الكريم"، والمراد بالخدمة: المعاملة في عبادة الخالق .

معنى قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾

"ثم وصفهم -جل ذكره- في موضعٍ آخر فقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]".

ما معنى تَتَجَافَى؟ أكثر الناس تلتصق جنوبهم في المضاجع التصاقًا، ولا يقوم من مضجعه إلا بشِقِّ، إلا بجهدٍ جهيدٍ، إلا هو ملتصقٌ في المضجع تمامًا، مستلذٌ بالنوم ولا يقوم، حتى إن من الناس من يُدعى إلى فريضة الله التي افترضها الله عليه ولا يقوم، حتى إن بعض الناس -وهذه حالٌ مؤلمةٌ مؤسفةٌ جدًّا- على فراشه نائمٌ، ويُحَرَّك على فراشه، ويُهَزُّ: الصلاة الصلاة، قم صلِّ، يُحرَّك، وما يقوم من شدة الْتِصاقه بالفراش، جسمه ملتصقٌ تمامًا بالفراش، حتى إنه يُدعى للفريضة، ويقال له: صلِّ، تسمع الصلاة؟ نعم أسمع، ويلتصق أكثر بالفراش، والله مصيبة عظيمةٌ جدًّا! كيف يلتصق بفراشه وفريضة الله قائمةٌ يُدعى إليها؟! الشباب والأبناء، لا بد أن ينتبهوا، لا بد أن يتيقَّظوا.

وبهذه المناسبة أقول: لا يكون فعلًا معظِّمًا للصلاة تمام التعظيم؛ إلا من يقوم لها بدون أن يُوقَظ، لكن أن يصل الحال بالمرء إلى أن يُحرَّك مرارًا وكراتٍ على فراشه وما يقوم، وهو يُدعى إلى فريضةٌ؛ فهذه مصيبةٌ عظيمةٌ جدًّا وبلية كبيرة!

فهؤلاء العُبَّاد الأجلاء الأفاضل الصفوة، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، ما معنى تَتَجَافَى؟ أي: ترتفع وتنبو عن المضاجع، تجده يتقلَّب، وراءه أمرٌ عظيمٌ جدًّا يخشى أن يفوته، وهذا يحصل لبعض الناس تمامًا في المواعيد الدنيوية المهمة، هذا يحصل، الإنسان الذي عنده موعدٌ دنيويٌّ مهمٌّ جدًّا تجده فعلًا يتجافى عن المضاجع، يحصل له هذا التجافي، تجده كل وقتٍ قليلٍ يستيقظ وينظر في ساعته، أتى الموعد أم لا؟ خشيةً على الموعد الدنيوي أن يفوت.

ففي الأمور الدنيوية تتجافى جنوب كثيرٍ من الناس عن المضاجع؛ لإدراك قلوبهم عِظَم ذلك الأمر الذي يريدونه، والعُبَّاد قلوبهم أدركت عِظَم الصلاة وعِظَم المثوبة التي بها عظَّموا الصلاة وعظَّموا مكانة الصلاة، فكانت جنوبهم كذلك تتجافى عن المضاجع، تنبو عن المضاجع، ترتفع عن المضاجع.

أروي لكم قصةً مفيدةً جدًّا يذكرها لي أحد الأفاضل من الدعاة، يقول: كان جارٌ لي من العُبَّاد -يقول: أحسبه والله حسيبه- جرى بيني وبينه نقاشٌ، وبحث في بعض الأمور من صلاة الليل والفجر وكذا، يقول: قلت له: الحمد لله، أنا عندي المنبه أضعه عند رأسي وأستيقظ لأُصلِّي ما يسر الله من قيام الليل، فقال لي متعجبًا: وهل قيام الليل يحتاج إلى منبه؟!

وفعلًا إن نظرت إلى حال الأولين، السلف ما كان عندهم المنبهات هذه، ويقومون عند ساعةٍ معينةٍ، يقوم للصلاة في الساعة المعينة لا يُفَوِّتها، مواظبون عليها، ومن يسأل كبار السن؛ يروون له من هذه الأخبار والقصص الشيء الكثير، والآن في الصلاة المكتوبة بعضهم يضع ربما سبع منبهاتٍ -بزعمِه؛ حتى لا تفوته صلاة الفجر- وأيضًا يوجد كسلٌ وتفريطٌ وعدم عنايةٍ بهذه الصلاة.

ثَمَّة في الأمر مشكلةٌ، والمشكلة راجعةٌ أولًا وأخيرًا إلى القلب، المشكلة راجعةٌ إلى القلب، القلب فيه ضعفٌ، القلب فيه وهنٌ، هذه هي المشكلة، المشكلة هنا ترجع، وإلا فالقلب إذا عظَّم هذه الصلاة، وعظُمت مكانة الصلاة، وعَظُمت العبادة في القلب، وتحرك اهتمامًا بها؛ تتوالى الخيرات كلها، وتتيسر الأمور بإذن الله  .

تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، خوفًا من العقوبة، وطمعًا في المثوبة، فهُم بين الرجاء والخوف، يقومون عبادةً لله، راجين خائفين، يرجون رحمته ويخافون عذابه، وهذه حال المؤمن بين الرجاء والخوف.

وهذا فيه: أن كل عبادةٍ تتقرب بها إلى الله تعالى لا بد أن تكون قائمةً على الرجاء والخوف، تَعبُد الله؛ ترجو الرحمة وتخاف من العذاب، كما أنك تعبد الله حبًّا فيه ، وهذه يسميها العلماء "أركان التعبد القلبية": الحب والرجاء والخوف؛ ثلاثةٌ، كل عبادةٍ تتقرب بها إلى الله لا بد أن تكون قائمةً على هذه الأركان، تعبد الله حبًّا فيه، ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه .

فضل القنوت بالليل

قال: "وقال الله ​​​​​​​: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ" القنوت: دوام العبادة.

"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ" هذه مقابلةٌ بين أهل العمل بطاعة الله ومن سواهم، هل يستوون؟

"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9]"، وهذا فيه: أن حقيقة العلم العمل بطاعة الله، أن حقيقة العلم ليست مجرد تصورات ومعارف يستكثر بها المرء، وإنما حقيقة العلم: العمل بطاعة الله .

قال: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9]".

شدة خوفهم مع كثرة أعمالهم

القارئ:

قال محمد بن الحسين رحمه الله: تدبروا -رحمكم الله- ما تسمعون من مولاكم الكريم، كيف يُخبر بكثرة سجودهم وطول قيامهم وحُسن خدمتهم، ثم أخبر عنهم بعد هذا الكَدِّ الشديد أنهم على حذرٍ مما حذَّرهم من عظيم شأن الآخرة وشدة أهوالها، وأن الغالب على قلوبهم شدة الخوف والوجل، مع المسارعة فيما يُرضيه. وكذلك وصفهم في موضع آخر من كتابه، فقال ​​​​​​​: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ۝وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ۝ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ۝أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57-60]، وقال : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113]، فأخبر ​​​​​​​ عن تلاوتهم للقرآن في الليل تارةً قيامًا وتارةً لله سُجَّدًّا!

الشيخ: يقول رحمه الله تعالى: "تدبُّروا -رحمكم الله- ما تسمعون من مولاكم الكريم، كيف يُخبر بكثرة سجودهم وطول قيامهم وحُسن خدمتهم!"، أي: معاملتهم في عبادتهم لربهم سبحانه.

"ثم أخبر عنهم بعد هذا الكَدِّ الشديد أنهم على حذرٍ مما حذَّرهم من عظيم شأن الآخرة وشدة أهوالها، وأن الغالب على قلوبهم شدة الخوف والوجل، مع المسارعة فيما يُرضيه".

أي: إن هؤلاء العباد الأخيار الأفاضل مَنَّ الله عليهم بحسن العبادة وحسن العمل، وفي الوقت نفسه خوف القلب ووجله من الوقوف بين يدي الله والحساب، فهم مُشفقون من الوقوف بين يدي الله مع إحسانهم في العمل، وإشفاقهم أورثهم حسن عمل: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ۝ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:26-27].

فإشفاقهم من الله وخوفهم أثمر فيهم حسن عملٍ وحسن تقرُّبٍ إلى الله ، وأثمر فيهم أيضًا عدم اغترارٍ بالعمل وإن كثر، لا يغترُّ الواحد منهم بعمله، بل مع كثرة عمله وحسنه هو خائفٌ، مثلما جاء في الآيات التي ساقها رحمه الله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ۝وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:57-59].

يُؤْتُونَ مَا آتَوْا أي: يُقدِّمون ما يُقدِّمون من عباداتٍ وقُرُباتٍ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي: خائفة أن تُرَدَّ عليهم أعمالهم ولا تُقبل كما ذلك في المسند وغيره: أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي عن معنى الآية، قالت: يا رسول الله، أهو الرجل يسرق ويقتل ويخاف أن يُعذَّب؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يُصلِّي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يُقبل [7]، هذا معنى قوله: يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، أي: يُقدِّمون ما يُقدِّمون من طاعاتٍ وقلوبهم خائفةٌ أن تُرَدَّ عليهم أعمالهم ولا تُقبل منهم طاعاتهم، وهذا شأن الكُمَّل من عباد الله، يُحسنون في العمل، ويخافون ألا يُقبل منهم عملهم، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61].

تلاوتهم القرآن في الليل

قال: "وقال الله ​​​​​​​: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113]"، لا يستوي من كان كذلك ومن هو مُفرِّطٌ مُضيِّعٌ، نظير ذلك ما مرَّ في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ [الزمر:9]، "فأخبر عن تلاوتهم للقرآن في الليل تارةً قيامًا وتارةً لله سُجَّدًا".

وصف ابن المبارك لأهل التهجد

القارئ:

قال عبدالله بن المبارك فيما وصف به أهل التهجُّد في الليل، فقال:
قد حمَّلوا الليل أبدانًا مذلَّلةً وأنفُسًا لا دَنِيَّاتٍ ولا دُونَا
وراوَحوا بين أقدامٍ لهم صُبُرٍ وأوجهٍ عفَّروا منها العَرَانينا
يتلون في محكم الفرقان أَمْنَتَه وتارةً سُجَّدًا لله يبكونا
تُمْرِي قوارعُ في القرآن أعينَهم مَرْيَ المُرَايِي أكُفَّ المستدِرِّينا
وقال ابن المبارك أيضًا:
إذا ما الليل أظلم كابَدُوه  فيُسفِر عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطار الخوفُ نومهمُ فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هُجُوع
الشيخ: ذَكَر هنا هذه الأبيات للإمام العابد الزاهد عبدالله بن المبارك، من خيار أئمة السلف رحمه الله تعالى في وصف أهل التهجد في الليل.

فيصفهم في هذه الأبيات أنهم حمَّلوا الليل أبدانًا مُذلَّلةً.

"أبدانًا مُذلَّلة" أي: مُطاوِعةً ومُمتثِلةً ومُنقادةً، متعبدةً لله ، ذلَّت أبدانهم خضوعًا لله .

"أبدانًا مذلَّلة وأنفسًا لا دَنِيَّاتٍ ولا دونَ": يعني هذه الأنفس التي أقامت عبادةً لله وتذلُّلًا ليست نفوسًا دنيةً، وليست بنفوس أهل الدون، وهم أهل القصور وأهل النقص، بل هي أنفسٌ ذلَّت لله، وانقادت لطاعة الله ، وقامت بين يدي الله جل وعلا تذلُّلًا ومناجاةً.

وهم في قيامهم يُكابدون القيام ويُراوحون بين الأقدام.

"صُبُرٍ": جمع صبورٍ وصابرٍ.

"صُبُرٍ، وأوجهٍ عفَّروا منها العَرَانين": العرانين: الأنوف، فعفَّروا أنوفهم، يعني: وضعوها في العَفُور، الذي هو التراب، لله تذلُّلًا وخضوعًا.

"يتلون في محكم القرآن أَمْنته، وتارةً سُجَّدًا لله يبكون": فهم يتلون كلام الله ، ويُناجون الله ​​​​​​​، وهم بين تلاوةٍ لكلامه وسجودٍ بين يديه وتذلُّلٍ له .

"تُمْرِي": أي تُسِيل بالدمع أعينهم.

"تُمْرِي قوارعُ في القرآن أعينَهم": يعني عندما يمرُّون بالقوارع والعقوبات والتهديد والتخويف وذكر النار وما إلى ذلك؛ تسيل عيونهم؛ أي خوفًا وخشيةً من عقوبة الله .

"مَرْيَ الْمُرَايِي أَكُفَّ المستَدِرِّين": المستدِرُّ: هو من يضع يده على ضرع الناقة ويُحرِّك الضرع حتى يُدِر ما في ضرعها من حليبٍ، فمثلما أن من يستدر الناقة بوضع يده على ضرعها ويُحرِّك يده على ضرعها؛ فإن قوارع القرآن تُدِر أعين هؤلاء بالدموع، بكاءً وإشفاقًا وخوفًا من الله .

قال في البيتين الآخرين: "إذا ما الليل أظلم كابدوه، فيُسفر عنهم وهم ركوع" لله ، أما من سواهم فإنهم هُجوعٌ في الليل ونيامٌ.

"أطار الخوف نومهم فقاموا، وأهل الأمن في الدنيا هُجوع": أي نيامٌ لم يأخذوا حظًّا ولا نصيبًا من القيام لله .

مَدُّوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار

القارئ: قال:

حدثنا بهذا أبو محمدٍ عبدالله بن العباس الطيالسي، قال: سمعت محمد بن علي بن شَقيقٍ قال: سمعت أبي يقول: قال عبدالله بن المبارك..، وذكر هذه الأبيات.
حدثنا أبو محمدٍ يحيى بن محمد بن صاعدٍ، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا عبدالله بن المبارك، قال: أخبرنا مبارك بن فَضَالَة عن الحسن في قول الله ​​​​​​​: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]، قال: قليلٌ من الليل ما ينامون، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]، قال: مَدُّوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار.

الشيخ: ثم أَورَد هذا الأثر عن الإمام الحسن البصري رحمه الله في معنى قوله تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]، أن نومهم بالليل قليلٌ، ويُمضون أكثره صلاةً لله سبحانه، ثم مَدُّوا الصلاة إلى السحر، ثم أخذوا في السحر بالاستغفار، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

الأدلة من السنة النبوية في فضل قيام الليل

القارئ: 

قال محمد بن الحسين: وقد رُوي عن النبي في الحث على قيام الليل، ورغَّب فيه أمَّته، وأخبر أنه لا صلاة بعد صلاة الفريضة أفضل من قيام الليل:
حدثنا أبو جعفرٍ أحمد بن يحيى الحُلواني، قال: حدثنا يحيى بن عبدالحميد الحِمَّاني، قال: حدثنا أبو عَوانة عن عبدالملك بن عميرٍ، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي (ح)، قال الحلواني: وحدثنا الحماني، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي  قال: أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة: صلاة الليل [8].

أفضل الصلاة بعد المفروضة

الشيخ: لما أنهى رحمه الله ذِكر الآيات في الحث على قيام الليل؛ شرع في ذكر الأحاديث عن النبي ، وبدأها بهذا الحديث -حديث أبي هريرة - وهو في "صحيح مسلمٍ"، عن النبي  قال: أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة: صلاة الليل [9].

فهذا فيه عِظَم شأن صلاة الليل، وأنها أفضل الصلوات التي يُتقرَّب بها إلى الله بعد الصلاة المكتوبة، وهذا يُفيدنا: أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب، وأفضل من صلاة الضحى، وأفضل من غيرها من الصلوات التي يُصلِّيها، فأفضل الصلاة بعد صلاة المكتوبة: صلاة الليل.

وهذا يدل على عِظَم شأن صلاة الليل، والحديثُ رواه الإمام مسلمٌ من طريق أبي بشرٍ عن حُميدٍ به.

فوائد قيام الليل

القارئ: قال:

حدثنا أبو عبدالله أحمد بن الحسن بن عبدالجبار الصوفي، قال: حدثنا يحيى بن معينٍ، قال: حدثنا عبدالله بن صالحٍ، عن معاوية بن صالحٍ، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن أبي أمامة  قال: قال رسول الله : عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقُرْبةٌ إلى الله ​​​​​​​، ومَكْفَرَةٌ للسيئات، ومَبْرَأَةٌ من الإثم، ومَنْهَاةٌ عن الإثم [10].

الشيخ: ثم أورد حديث أبي أمامة ، وهو حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ على جملةٍ من الفوائد والثمار العظيمة لقيام الليل، مع الحثِّ عليه والترغيب فيه وبيان عظيم مكانته، يقول عليه الصلاة والسلام: عليكم بقيامِ الليل، أي: الزموه وحافظوا عليه واعتنوا به.

قيام الليل دأب الصالحين وقربة إلى الله

عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأْبُ الصالحين؛ أي: نهجهم وطريقهم وصفتهم وحليتهم.

فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم؛ أي: كان الصالحون قبلكم أهل قيامٍ للَّيل.

فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقُرْبةٌ إلى الله يعني: من أعظم ما يُتقرَّب إلى الله به في باب الصلوات بعد الصلاة المكتوبة: صلاة الليل، وقربةٌ إلى الله.

قيام الليل تكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم

ومَكْفَرَةٌ للسيئات أي: فيه تكفيرٌ للسيئات، ومَبْرَأَةٌ من الإثم أي: يُبرِّئ صاحبه من الإثم، فيه براءةٌ له من الإثم، ومَبْرَأَةٌ لصاحبه من الإثم، ومَنْهَاةٌ عن الإثم.

وهذا فيه: أن صلاة الليل معونةٌ للعبد في ترك الآثام وتجنبها، وأنه ما دام يُصلِّي الليل؛ فإن صلاته من الليل تنهاه بإذن الله ، وتكون سببًا في صلاح أمره.

والحديث رواه الترمذي والحاكم وابن خزيمة وغيرهم من طريق معاوية بن صالحٍ به، وهو حديثٌ حسنٌ.

القارئ: قال:

حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا يزيد بن عبدالله بن رُزَيقٍ، قال: حدثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن سليمان، عن الأعمش، عن أبي العلاء العَنَزي، عن سلمان الفارسي ، عن رسول الله  قال: عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وهو قُرْبٌ من الله ​​​​​​​، وتكفيرٌ للسيئات، ومَنْهَاةٌ عن الإثم، وَمَطْرَدَةٌ للداء عن الجسد [11].

قيام الليل مطردة للداء عن الجسد

الشيخ: ثم أورد هذا الحديث عن سلمان الفارسي، وهو بمعنى حديث أبي أمامة رضي الله عنهما الذي قبله، وفيه زيادةٌ: وهي قوله : مَطْرَدَةٌ للداء عن الجسد.

مَطْرَدَةٌ للداء يشمل ما تقدَّم في الحديث الذي قبله: مَنْهَاةٌ عن الإثم...

يعني: مَطْرَدَةٌ للداء: يعني داء الذنوب، ما في الجسد من أدواءٍ، التي هي الذنوب، ويشمل أيضًا الداء الذي هو المرض، أمراض البدن، فهو فيه عافيةٌ للمرء من الأمراض البدنية وأمراض القلوب، يشمل هذا وهذا.

قال: وَمَطْرَدَةٌ للداء عن الجسد؛ لأن الذنوب داءٌ، والبدن يُصاب بأمراضٍ تتعلق بالبدن نفسه، وأمراض الذنوب تتعلق بالقلب، وقيام الليل فيه -بإذن الله- العافية من هذا وهذا، وما يكون في الليل من مناجاةٍ واستغفارٍ وإلحاحٍ على الله تتحقق به من العافية والشفاء والخير والبركة ما الله به عليمٌ.

وإسناد هذا الحديث فيه عنعنة الأعمش، وكذلك جهالة أبي العلاء العَنَزي، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، حديث أبي أمامة .

المتهجدون وبهاء الوجوه

القارئ: قال:

حدثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشِّكْلي، قال: حدثنا أيوب بن سليمان الصَّفَدي، قال: حدثنا ثابت بن موسى، قال: حدثنا شريف بن عبدالله، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كَثُرت صلاته بالليل؛ حَسُن وجهُه بالنهار [12].
قال: وحدثنا أبو الفضل الشِّكْلي أيضًا، قال: حدثنا علي بن موفقٍ..

الشيخ: نعم، هنا سقط في الأصل المخطوط.

القارئ: 

 ما بالُ أهل الليلِ حِسانُ الوجوه؟ قال: لأنهم قَرُبُوا من الله ​​​​​​​، فكساهم من نوره.

الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : من كثُرت صلاته بالليل؛ حسُن وجهُه بالنهار [13].

وهذا فيه: أن من ثمار قيام الليل وضاءة الوجه وبهاؤه وحُسنه، وهذه ثمرة الطاعة عمومًا، طاعة الله وحُسن التقرب إلى الله، ولقيام الليل في هذا الباب مزيد شأنٍ.

في إسناد هذا الحديث: ثابت بن موسى، وهو الضَّبِّيُّ، ضعيف الحديث، وبعض العلماء بيَّن أن هذا الحديث حديثٌ موضوعٌ، يعني لا يكفي أن يُقال فيه ضعيفٌ، وإنما هو موضوعٌ، ومثَّلوا بهذا الحديث لـ"الموضوع غير المقصود"؛ لأن الموضوع المكذوب على رسول الله  على نوعين:

  • موضوعٌ تعمُّدًا، من كذب عليه متعمدًا.
  • وموضوعٌ غير مقصودٍ: لم يتعمد، يعني: من وضعه لم يأتِ به تعمُّدًا، وإنما جاء خطأً، يعني: كان وضعه جاء خطأً لا عن تعمُّدٍ.

ولهذا يذكرون في سبب..، وهذا ثابت بن موسى الضبي كان عابدًا وزاهدًا، معروفًا بالعبادة والزهد وقيام الليل، فدخل مجلس شَريك بن عبدالله وهو يروي أحاديث عن الرسول ، فدخل مجلس شريك بن عبدالله وهو يقول: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ، يريد أن يروي حديثًا، فكان هذا على دخول ثابت بن موسى، وكان وجهه وضيئًا وهو صاحب عبادةٍ، فلما رآه قال: "من كثرت صلاته بالليل؛ حَسُن وجهه بالنهار"، وصادف أنه قال هذه الكلمة متى؟ يعني: "قال: قال رسول الله :.."، فتوقّف لمَّا رأى الرجل دخل، قال: "من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار"، فرواه ثابت حديثًا عن النبي ، فلهذا عدَّه أهل العلم من الموضوع غير المقصود، لم يضعه متعمدًا، وإنما جاء عن غير قصدٍ.

الحاصل: أن الحديث لا يثبت عن النبي ، وإنما هو من قول شريكٍ، قاله لمَّا رأى ثابت بن موسى ووضاءة وجهه، قال: "من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار"، لكنه ليس حديثًا، ليس من كلام الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وسقط بقية الإسناد: قال: "ما بالُ أهل الليل..؟"، هو من قول الحسن هذا؟

القارئ: سيأتي، الأثر الذي بعده يُوثِّق ويبين..

الشيخ: نعم، إذنْ اقرأ.

القارئ: قال:

حدثنا أبو عبدالله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا عبدالعزيز بن عباد، أخو حمدون بن عباد الفرغاني، قال محمد بن عبدالحميد، قال: حدثنا شيخٌ من البصريين، عن إسماعيل بن مسلم، قال: قيل للحسن: ما بال المتهجِّدين أحسن الناس وجوهًا؟" قال: لأنهم خلَوا بالرحمن، فألبسهم نورًا من نوره [14].

الشيخ: نعم، هذا الأثر كأنه من كلام الحسن، لكن في الإسناد سقط.

قال: "ما بال أهل الليلِ حِسان الوجوه؟ قال: لأنهم قَرُبوا من الله فكساهم من نوره"، ثم ساق عن إسماعيل بن مسلمٍ قال: "قيل للحسن: ما بالُ المتهجِّدين أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم نورًا من نوره".

وفي الإسناد الشيخ المبهم، الشيخ البصري.

ضحك الله إلى العابد والثابت

القارئ: قال:

أخبرنا أبو بكرٍ جعفر بن محمدٍ الفِريابي، قال: حدثنا أبو كُريبٍ محمد بن العلاء الهَمْداني، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة وأبي الكَنُود، عن عبدالله بن مسعودٍ ، قال: "يضحك الله ​​​​​​​ إلى رجلين: رجلٌ قام في جوف الليل وأهله نِيَامًا، فتطهَّر ثم قام يصلي، فيضحك الله إليه، ورجلٌ لقي العدو فانهزم أصحابه وثبت حتى رزقه الله ​​​​​​​ الشهادة" [15].

الشيخ: ثم أورد رحمه الله هذا الأثر عن عبدالله بن مسعود ، قال: "يضحك الله ​​​​​​​ إلى رجلين". وهذا فيه إضافة الضحك صفة لله، على وجه اللائق لجلاله وكماله، والقول فيه كالقول في سائر الصفات التي تُضاف إلى الله ، وأنها تُمرُّ كما جاءت، ويُؤمن بها كما وردت، ويُنزَّه الله عن مماثلة المخلوقين: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[الشورى:11].

قال: "يضحك الله إلى رجلين: رجلٌ قام في جوف الليل وأهله نِيام، فتطهَّر ثم قام يُصلي". فانظروا مكانة هذا الشخص وعظيم منزلته، وأن الله يضحك إلى رجل هذا وصفه، وهذا ضحكٌ يتضمن الرضا والمحبة من الله ، وما يترتب على ذلك أيضًا من إنعام وإكرام.

"يضحك الله إلى رجلٍ قام في جوف الليل وأهله نيامٌ، فتطهَّر ثم قام يصلي، فيضحك الله إليه"، وهذا الضحك كما قدمت: الرضا والمحبة، وأيضًا ما يترتب على ذلك من مثوبةٍ وإكرامٍ.

"ورجلٌ لقي العدوَّ فانهزم أصحابه وثبت حتى رزقه الله ​​​​​​​ الشهادة".

الأول نام أهل البيت، وهذا قام من بين أهل البيت، قام وحده، تسلَّل من فراشه وقام يُناجي ربَّه ، فضحك الله إليه.

والآخر في صفِّ ملاقاة العدو، فر أصحابه وثبت، بقي ثابتًا، فضحك الله إليه، وهذا -كما تقدم- ضحكٌ يتضمن الرضا والمحبة وما يترتب على ذلك من مثوبةٍ وإنعامٍ.

وإسناد هذا الأثر صحيحٌ، ورواه جماعةٌ من الأئمة مرفوعًا إلى النبي  [16]؛ منهم: الإمام أحمد والحاكم وابن خزيمة والبيهقي.

صفات أصحاب الغرف العظيمة في الجنة

القارئ: قال:

حدثنا أبو جعفرٍ محمد بن صالح بن ذَرِيحٍ العُكْبَرِي، قال: حدثنا هنَّادٌ، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبدالرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعدٍ، عن علي بن أبي طالبٍ  قال: قال رسول الله : إن في الجنة غرفًا يُرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها، قال: فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: هي لمن طيَّب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نِيامٌ [17].

الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث عن علي بن أبي طالبٍ  أن رسول الله قال: إن في الجنة غرفًا يُرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها -أي من صفائها ونقائها وجمالها وحسنها- فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: هي لمن طيَّب الكلام -أي: حافظ على التكلم بالكلام الطيب، وأيضًا طَيَّب الكلام في محادثة الناس ومحاورته معهم.

وأطعم الطعام؛ أي: بذل الطعام صدقةً وإنفاقًا في سبيل الله تبارك وتعالى، وطلبًا لمرضاته جل وعلا، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان:8-9].

وأفشى السلام: وهذا فيه فضل إفشاء السلام، وهو إلقاؤه وإشاعته بين الناس، ويلقى إخوانه به.

وصلى بالليل والناس نِيَام: فهذا الموضع هو الشاهد من الحديث، ففيه فضل قيام الليل، وأنه من موجبات دخول هذه الغرف العظيمة في الجنات.

الإسناد فيه: عبدالرحمن بن إسحاق، وهو الواسطي، ضعيفٌ، والنعمان بن سعدٍ مقبولٌ، فالإسناد ضعيفٌ، لكن الحديث له شواهد تُقوِّيه من حديث عبدالله بن عمرٍو [18]، ومن حديث أنسٍ [19]، وحديث أبي هريرة [20]، وغيرهم [21].

جزاء المتقين وما أخفاه الله لهم من نعيم

القارئ: قال:

حدثنا الفِريَابي، قال: حدثنا مِنجاب بن الحارث، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، قال: قال عبدالله، يعني ابن مسعودٍ : إن في التوراة مكتوبًا: لقد أعطى الله ​​​​​​​ الذين تتجافى جنوبهم ما لم ترَ عينٌ، ولا تسمع أُذنٌ، ولم

^1 رواه أبو داود: 1375، والترمذي: 806، والنسائي: 1364، وابن ماجه: 1327، وصححه الألباني.
^2 رواه البخاري: 37، ومسلم: 759.
^3 رواه مسلم: 713، بلفظ: قال رسول الله : "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: ‌اللهم ‌افتح ‌لي ‌أبواب ‌رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
^4 رواه مسلم: 214، بنحوه.
^5 رواه أحمد: 18262، وابن حبان: 4416، وصححه ابن حجر العسقلاني في موافقة الخبر الخبر (1/ 195).
^6 رواه البخاري: 1145، 7494، ومسلم: 758، وأحمد: 16218، من أوجه عدة.
^7 رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وأحمد: 25705، واللفظ له، وصححه الألباني.
^8 رواه مسلم: 1163، بنحوه.
^9, ^13 سبق تخريجه.
^10 رواه الترمذي: 3549-م2، وابن خزيمة: 1135، والطبراني: 7466، والحاكم: 1167.
^11 رواه الطبراني: 6154، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4079.
^12 رواه ابن ماجه: 1333، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (4644): موضوع.
^14 رواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم: 133.
^15 رواه عبدالرزاق: 21353، وابن السني في عمل اليوم والليلة: 773، بنحوه.
^16 رواه أحمد: 3949، وأبو يعلى: 5361، وابن خزيمة في التوحيد (2/ 895)، وابن حبان: 4729، والطبراني: 10383، والحاكم: .2560، والبيهقي في السنن الكبرى: 17988، ورواه أبو داود: 2536، مقتصرا على شطره الثاني، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان: 2548.
^17 رواه الترمذي: 1984، وأحمد: 6615، بنحوه، وصححه الألباني.
^18 رواه أحمد: 6615، وابن حبان: 738، والحاكم: 272، 1213.
^19 رواه ابن أبي الدنيا في الصمت وآداب اللسان (ص 176).
^20 رواه الترمذي: 1854، وأحمد: 7932، وابن حبان: 195.
^21 رواه البيهقي في البعث والنشور (ص 553)، من حديث جابر بن عبدالله، وفي شعب الإيمان: 8375، من حديث عبدالله بن سلام، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 118)، من حديث عبدالله بن عباس، والطبراني في مسند الشاميين: 1247، من حديث عبدالله بن عمر، وابن حبان: 741، وابن أبي الدنيا في الصمت وآداب اللسان (ص 175)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 65)، من حديث أبي مالك الأشعري .

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©