- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
- الشيخ:
- فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر
من قوله: "باب ذكر ما يستحب أن يفعله القائم المتهجد" (3)

جدول المحتويات
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيقول الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن عبدالله الآجُرِّي رحمه الله تعالى في كتابه "فضل قيام الليل":
باب: ذكر ما يُستحب أن يفعله القائم المتهجد
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدْنا علمًا، وأصلح لنا شأننا كله، ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا طَرْفةَ عين.
أما بعد:
السنن والآداب عند القيام للتهجد
فهذا الباب عقده الإمام الآجري رحمه الله تعالى لبيان ما يُستحب أن يفعله القائم للتهجد، وذكر رحمه الله تعالى تحت هذه الترجمة جملة من السنن والآداب التي يُستحب لمن أكرمه الله بالقيام للتهجد ليكون له نصيب من صلاة الليل أن يبدأ ذلك بهذه السنن والآداب، وذكرها رحمه الله تعالى قال: "أُحب لمن أراد القيام من النوم للتهجد أن يتسوك وأن يتطهر، وإن أمكنه أن يتطيب فليفعل، ويذكر الله".
هذه أربع سنن ومستحبات يُشرع لمن أراد أو لمن قام من النوم للتهجد أن يفعلها، ويضاف إليها أمر خامس ذكره فيما سيأتي في الآثار: وهو الثوب النظيف، اللباس الطيب. فهذه خمسة أمور.
السِّواك والطهارة والطِّيب
السواك، يَشُوص فاه بالسواك؛ وذلك لتذهب عن الفم الرائحة الكريهة التي تنبعث من الجوف وتكون في الفم عند القَوْمة من النوم، وإذا قُدِّر أنه جالَس أحدًا أو تحدث مع أحد فإن هذه الرائحة الكريهة تُؤذي من حوله، لكن إذا شاص فاه بالسواك فإن هذه الرائحة تذهب. والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، حتى وإن كان لن يُلاقي أحدًا سيقف بين يدي الله في عبادة، والملائكة يَدْنون ويقتربون منه ويستمعون إلى تلاوته، وسيأتي معنا أن المَلَك يضع فاه على فيه.
فيعتني بالسواك والطهارة؛ هذا الأمر الثاني.
ويعتني بالطِّيب، يمس ما تيسر من طِيبه حتى تكون رائحة بدنه رائحة طيبة في هذا الوقوف بين يدي الله .
ذكر الله عند الاستيقاظ
ويذكر الله جل وعلا بالأذكار المشروعة المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أول ذلك عند القومة مباشرة يحمد الله: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور[2]، يبدأ بحمد الله ، يتلو قول الله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ... [آل عمران:190] إلى تمام السورة من آخر "آل عمران"، ويُكثر من ذكر الله؛ يُسبِّح ويُهلِّل ويحمد الله جل وعلا ويُمجِّد الله ويُثني عليه، يُكثر من ذكر الله جل وعلا.
قال: "إن تيسر الطِّيب فليفعل، ويذكر الله ويُمجِّده ويحمده بما كان النبي يذكره ويفعله عند القيام من منامه ويحفظه"؛ أي: يحفظ المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن المأثور تميز بميزات عظيمة جدًّا أهمها أمران:
- الأول: السلامة من الخطأ، الأذكار المأثورة عن النبي كلها معصومة ليس فيها أيُّ خطأ ولا زلل، أما أدعية غيره والأذكار التي تُروى عن غيره فإنها قد تكون سليمة، وقد يكون فيها شيءٌ من الخطأ أو القصور أو النقص، أما الذكر المأثور عن النبي فهو كله معصوم.
- الناحية الثانية مما تتميز به الأذكار المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنها اشتملت على المطالب العالية والمقاصد العظيمة وخيري الدنيا والأخرة بما أوتيه عليه الصلاة والسلام من جوامع الكلم؛ ولهذا حَثَّ على حفظ المأثور، قال: "ويحفظه؛ فإنه بابٌ شريفٌ حسنٌ لمن وفقه الله، يسيرٌ على من يسره الله له".
دعاء الاستفتاح في قيام الليل
ثم أورد حديث ابن عباس رضي الله عنهما فيما كان رسول الله يقول إذا قام من الليل يتهجد، في بعض الروايات ما يدل على أنه كان يستفتح به صلاته من الليل، قال: كان رسول الله إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيِّم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ولقاؤك حق، ومحمد حق، اللهم بك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، ولا آله غيرك[3]، وهذا الحديث الذي ساقه رحمه الله تعالى مخرَّجٌ في الصحيحين في البخاري ومسلم.
ومِن أجمع الألفاظِ -ألفاظ هذا الحديث- ما جاء في الصحيحين أن النبي كان يقول: اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله[4].
وهذا السياق مشتملٌ على اثنتين وعشرين جملة من الثناء على الله والتمجيد له والتعظيم له ، وذكر أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، والإقرار بعظمته وتدبيره للأمور، وأنه الحق في أسمائه وصفاته وربوبيته، وأنه المعبود بحق لا معبود بحق سواه، وأن كلامه حق ووعده تبارك وتعالى حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، وهذه أصول الإيمان التي لا إيمان إلا بالإيمان بها، يستفتح المرء صلاته من الليل بتجديد إيمانه بهذا الكلام العظيم المأثور عن النبي .
والإيمان يحتاج إلى تجديد، والأذكار المأثورة عن النبي أكبر عونٍ للعبد على تجديد الإيمان، وقد جاء في الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن الإيمان لَيَخْلَقُ في جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوب؛ فاسألوا الله أن يُجدِّد الإيمان في قلوبكم[5].
فالإيمان يحتاج إلى أن يُجدِّده صاحبه كل يوم، هذه الأذكار العظيمة أكبر معين لك، وهذا الذكر على وجه الخصوص عندما يأتي به العبد في سكون الليل وهَجْعة الناس وهدوء الكون يقف متطهِّرًا متطيِّبًا مستاكًا، ثم يبدأ بهذه المناجاة وهذا الثناء وهذا الإقرار وهذا الإيمان؛ هذا من أعظم ما يكون في باب تجديد الإيمان.
وهذا الحديث يُعَدُّ متنًا جامعًا في العقيدة؛ اشتمل على أمهات أصول الاعتقاد، فإذا حفظه المسلم وحافظ عليه كل ليلة مع فهمه؛ كان أكبر عون له -بإذن الله- على ترسيخ الاعتقاد وتقويته وتمتِينه وتجديده كل يوم.
وقد يسر الله جل وعلا وكتبتُ في شرح هذا الاستفتاح العظيم رسالةً مطبوعةً بعنوان "المقالة المفيدة شرح حديث جامع في العقيدة"، وبينت أن في هذا الحديث مضامين عظيمة جدًّا، وأوضحت أن هذا الحديث جمع فيه النبي أمهات أصول الاعتقاد كلها، جمعها النبي في هذا الدعاء أو هذا الاستفتاح العظيم المبارك، أودعت ذلك في رسالة أسميتها "المقالة المفيدة شرح حديث جامع في العقيدة".
يقول المصنف رحمه الله تعالى: "ينبغي لمن كان له حظ من قيام الليل أن يحفظ هذا"؛ أي: يحفظ هذا الاستفتاح العظيم المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: "وإنما أحثُّه على حفظه ليستعمله"؛ يعني ليُواظب عليه كل ليلة من حفظه.
وأزيد على وصيته رحمه الله أن يزيد على حفظه لهذا الاستفتاح العظيم فَهْم معناه ومعرفة مدلوله ومقصوده، لا يكتفي بالحفظ المجرد، بل يفهم ما يقول من ذكر لله وتمجيدٍ وثناءٍ.
والرسالة التي أشرت إليها فيها معونة -بإذن الله - على تحقيق هذا المقصد، وقسمت الشرح بحسب ترتيب جمل الحديث جملةً جملة، اثنتين وعشرين جملة؛ الأولى، الثانية، الثالثة، وكل جملة تكلمت عنها على حدة كلامًا مختصرًا فيه توضيح المقصود وبيان المراد وما اشتملت عليه الجملة من إيمان وتعظيم وتوحيد وما إلى ذلك.
فيُعنى بحفظه عن ظهر قلب، ويُعنى بفهمه، ويُواظب عليه كل ليلة، وسيرى بإذن الأثر العظيم عليه في عنايته كل ليلة بهذا الاستفتاح المبارك.
أعيد الوصية، ولنبدأ بداية عملية من هذا اليوم، من لا يحفظه يبدأ من اليوم بحفظه، والمتن الذي أرشِّحه هو المتن الذي أودعته في الرسالة؛ لأنه متنٌ أجمع بعد النظر في رواية الحديث في المصادر وألفاظه والمتن الذي أثبتُّه يتكون من اثنتين وعشرين جملة، تحفظ هذا المتن عن ظهر قلب حفظًا متقنًا، وتُراجع شرحه حتى تكون المعاني مفهومة، وتُواظب عليه كل ليلة.
ولعلنا نستعين بالله اعتبارًا من اليوم، نحفظ هذا المتن ونواظب عليه اعتبارًا من هذه الليلة بإذن الله سبحانه وتعالى، نستفتح به صلاتنا من الليل، حتى لو لم يكن لك من الليل إلا ركعتين مع الوتر، اعتنِ بهذا الاستفتاح المبارك، لا تفوت على نفسك ما اشتمل عليه من خير عظيم وفائدة ثمينة جدًّا أنت بأمس الحاجة إليها؛ لتجدد كل ليلة إيمانك بالله ، وبأصول الإيمان وحقائق الدين التي أمرك الله بها.
قال رحمه الله تعالى: "وكذلك ينبغي لكل مسلم أن يحفظه ممن لا حظ له في قيام الليل".
أولًا أوصى من يقوم الليل أن يحفظه، ثم عاد رحمه الله وأوصى حتى من لم يحافظ على قيام الليل أن يحفظه. لماذا؟ والله كلامه عظيم جدًّا، وجميل، وفيه نصحٌ بالغ، لماذا من لا يقوم الليل يحفظ هذا الدعاء؟
اسمع كلامه: "وكذلك ينبغي لكل مسلم أن يحفظه ممن لا حظَّ له في قيام الليل؛ فيدعو به رجاء أن يُوفِّقه مولاه الكريم لقيام الليل". حفظك له وعنايتك به يُشوِّقك لقيام الليل ويُرغِّبك في قيام الليل ويكون معونة لك بإذن الله على قيام الليل والتلذُّذ بهذه المناجاة وهذه الأذكار في جوف الليل، مجدِّدًا بها إيمانك مقويًّا بها صلتك بربك ، قال: "رجاء أن يُوفِّقه مولاه الكريم لقيام الليل إن شاء الله تعالى".
ونسأل الله الكريم بمَنِّه وكرمه -وهو جل وعلا لا يرُدُّ مَن دعاه- أن يوفقنا أجمعين لقيام الليل، وأن يجعل لنا حظًّا ونصيبًا من قيام الليل، وألا يجعل آخر حظنا من قيام الليل هو هذا الشهر العظيم المبارك، نسأل الله أن يُعيننا أجمعين، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
فوائد السواك عند القيام للتهجد
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله هذا الحديث -حديث حذيفة بن اليمان في السواك- عندما يقوم من النوم ليتهجَّد في بيان هذه السنة العظيمة -ألا وهي استعمال السواك- عندما يقوم من النوم من أجل أن يتهجد، فأورد هذا الحديث من طريقين، والحديث في الصحيحين -صحيحي البخاري ومسلم- عن حذيفة ، من طريق أبي وائل عن حذيفة قال: كان رسول الله إذا قام للتهجد أي: قام ليُصلِّي من الليل يشُوص فاه بالسواك[8].
الشوص: هو الدلك، يشُوص؛ أي: يُدلِّك فاه بالسواك، وأكثر أقوال أهل العلم أن الشوص للفم بالسواك يكون بالعرض، يعني من طرف الفم الأيمن إلى الأيسر وهكذا، هذا أكثر أقوال العلم فيما قيل في معنى شوص الفم بالسواك؛ أن يحرك السواك من اليمين إلى الشمال، والشمال إلى اليمين، وهكذا يشوص فاه بالسواك.
وكان أيضًا للسان نصيبٌ من هذا الشوص، يعني ليس الأسنان فقط، وإنما الذي يُشاص بالسواك الأسنان واللسان أيضًا؛ لأن اللسان تعلق بالرائحة الكريهة التي تنبعث، فإذا شاص وحرك السواك عليه فإن هذه الرائحة تذهب بإذن الله ؛ قال: يشوص فاه، ما قال: يشوص أسنانه بالسواك، فـيشوص فاه يشمل الأسنان وما تيسر من الفم حتى تذهب الرائحة الكريهة وتبقى مكانها رائحة السواك الطيبة، وكلما كان السواك غضًّا طريًّا جديدًا فإنه أحسن وأبلغ وفي الفائدة.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث عن علي بن أبي طالب وساقه من طريقين وهو يُروى موقوفًا ومرفوعًا، وقد أورده الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" برقم ألف ومائتين وثلاثة عشر[10]، وسبق أن مر معنا هذا الحديث عند المصنف بالإسناد نفسه في كتابه "أخلاق حملة القرآن"، ومرَّت الإشارة إلى أن هذا الحديث له شواهد، منها ما رواه البيهقي في "الشعب"[11] -والضياء في "المختارة"[12]- من حديث جابر وهو بنحو هذا الحديث.
وأيضًا يشهد له ما جاء عن الزهري مرسلًا وساقه المصنِّفون، وأيضًا تقدم سوق المصنف له في كتابه "أخلاق حملة القرآن"، فهذا الحديث ثابتٌ عن النبي بما له من شواهد، وفصَّلها الشيخ الألباني رحمه الله في الموضع الذي أشرت إليه في "السلسلة الصحيحة".
وحاصل ما جاء في هذا الحديث: أن المسلم إذا قام من الليل فليتسوَّك؛ فإنه إذا قرأ القرآن دنا الملك منه، إذا قرأ القرآن -يعني في صلاته- دنا الملك منه ثَمَّ لم يزل يدنو حتى يضع فاه على فيه.
وفي الحديث قال: حتى يضع فاه على فيه، فما يَلفِظُ من آية إلا دخلت جوفه[13]، فما يلفظ من آية إلا دخلت جَوْفَ الملك، فإذا كانت رائحةُ الفمِ كريهةً فإنَّ المَلَك يتأذَّى من الرائحة الكريهة مثلما يتأذى بنو آدم من الرائحة الكريهة؛ ولهذا جاء في الرواية الأخرى: إذا قام ولم يَتسَوَّك طاف به الملك ولم يجعل فاه على فيه[14]، لماذا؟
لأن رائحة الفم كريهة، فلم يجعل فاه على فيه؛ فيُحرَم من هذه الفضيلة: قُرب الملك ودُنوِّه منه، ووضعه فاه على فيه.
ومثل هذه الأمور الإيمانية المأثورة عن النبي ، لم يذكرها عليه الصلاة والسلام إلا لمزيدٍ من التشويق للعبد في القيام، والسواك، والعناية بالنظافة، وطهارة الفم ونقائه، وذهاب الرائحة الكريهة عنه.
الآن عندما تستشعر مثلًا أن عزيزًا لديك ستجلس بعد قليل معه، قريبًا منه، وتتخاطب معه مباشرة؛ تجد أنك تُراعي سلامة رائحة فمك، فتعتني بنظافة الفم وتطييب رائحته حتى لا تُؤذيه إذا اقتربت منه بتلك الرائحة الكريهة، فتجد أنك تعتني بالسواك أو بالمعجون أو غير ذلك، حتى تبقى الرائحة طيبة.
فإذا استشعرت أنك إذا قمت تُصلِّي أن الملك يدنو ويقرب حتى يضع فاه على فيك؛ هذا مما يُقوِّي همتك وعنايتك واهتمامك بالسواك كلَّ مرة تقوم فيها مِن نومك؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما ذكر ذلك حثًّا للأمة على العناية بالسواك؛ ولهذا فإن وقت القَوْمة من النوم مِن آكَدِ المواضع التي ينبغي أن يعتني المرء فيها بالسواك؛ لأنه يقوم من النومِ والفمُ فيه الرائحة الكريهة، انتشرت في الفم وصارت في جوانب الفم، وإذا اسْتَكْتَ -بإذن الله تبارك وتعالى، ولا سيما بعُودٍ من أراكٍ طيبٍ طريٍّ- تتحول الرائحة إلى رائحة طيبة زكية جميلة.
السواك عمومًا فيه فوائد عظيمة جدًّا، هناك أحد العلماء جمعها -وهو أبو الفتح المقدسي- جمعًا لطيفًا، يقول: "في السواك عشر فوائد: مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ويزيد في فصاحة الرجل، ويشد اللِّثَة، ويفتح المَعِدة، ويُذهب الصُّفرة، ويُطيِّب النكهة، ويَقطع البلغم، ويزيد في الحفظ، ويَحُل عُقْدة اللسان". هذه كلها فوائد في السواك.
التطيُّب ولُبْس النظيف عند القيام للصلاة
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله هذا الأثر عن ابن مسعود إذا قام ليُصلِّي، وهذا يشمل صلاة الليل والفرض والنفل عمومًا، إذا قام يُصلِّي تُعجبه الريح الطيبة، يعني أن يتطيب بأطيب ما يكون عنده من الطِّيب يعجبه ذلك.
ولهذا؛ ينبغي للمسلم عند كل صلاةٍ أن يَمَسَّ الطِّيب، عند كلِّ صلاةٍ ويذهب إلى المسجد أو يقوم يُصلِّي من الليل أن يمس من أطيب الطِّيب الذي عنده، حتى تكون رائحته رائحةً طيبةً. وأيضًا الثوب النظيف، وهذا عملٌ بقول الله : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، والمراد بـعِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ؛ أي: كل صلاة، حتى لو كنت تُصلِّي من الليل وحدك في بيتك ليس عندك أحدٌ: الْبَس ثوبًا طيِّبًا، لباسًا طيِّبًا تقف به بين يدي الله .
أثر ابن مُحَيْرِيز في استعمال الطِّيب
القارئ:
الشيخ: نعم، هنا يحتاج الموضع إلى تصحيح.
أولًا: نبدأ بتصحيح اللفظ، هذا أثرٌ عن ابن مُحَيْريز، لفظه: "كان إذا قام إلى الصلاة دعا بغاليةٍ وضمَّخَ بها ما يردع ثيابه"، "ما يردع ثيابه" انتهى الأثر بذلك.
قوله بعده: "صلاة بين المغرب والعشاء" هذه الكلمة لا علاقة لها بالأثر، الأثر انتهى كما في المصادر عند قوله: "ما يردع ثيابه" انتهى. ما سيأتي من كلامٍ للمصنف وآثارٍ يسوقها: كلها تتعلق بالصلاة بين المغرب والعشاء، وثمة سقطٌ في الأصل، سقطُ كلماتٍ، فأُقَدِّر -والله تعالى أعلم- أن السَّقط ترجمةٌ جديدة، لعله والله أعلم: "باب في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء"، أو نحو ذلك، "باب في الصلاة بين المغرب والعشاء، قال محمد بن حسين" وبدأ يتكلم إلى نهاية الكتاب كله عن الصلاة بين المغرب والعشاء، فهذه ترجمة جديدة.
فالأثر إذًا ينتهي عند قوله: "وضمَّخ بها ما يردع ثيابه"، انتهى الأثر، ثم ننزل في سطر جديد حسب ما يظهر لي -والله أعلم-: "باب: في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء"؛ لأن الذي بقي في المتن بعد سقطٍ لكلمات: كلمة "صلاة بين المغرب والعشاء"، فأُقَدِّر السَّقْط أنه ترجمةٌ جديدةٌ، يكون: "باب في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء".
ختم رحمه الله الترجمة السابقة بهذا الأثر عن ابن محيريز، قال: "كان إذا قام إلى الصلاة دعا بغالية". الغالية: طِيبٌ مُركَّب مِن مِسك وغيره، وهو من نفيس الطِّيب وطَيِّبه، وهذا فيه أنه ينبغي للمرء أن يتطيب بأطيب الذي عنده وأحسنه وأجوده.
فكان إذا قام إلى الصلاة دعا بغالية وضمَّخ بها ما يَرْدع ثيابه، "ما يردع ثيابه"؛ أي: يُغيِّر لون الثياب، يُغيِّره، يكون له شيءٌ من الأثر على ثيابه، الحاصل أنه كان يأتي بأفضل الطِّيب ويضع منه شيئًا على ثيابه حتى تبقى معه الرائحة الزكية الطيبة.
فضل الصلاة بين المغرب والعشاء
ثم عقد رحمه الله ترجمةً في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء.
القارئ:
الشيخ: يوجد سقط هنا.
القارئ:
قيام أول الليل وناشئته
الشيخ: قد يكون السقط والله أعلم: "فإنه يقال: إنها ناشئة الليل التي ذكرها الله في القرآن"، قد يكون هذا؛ لأنه مرَّ معنا شيءٌ من هذا. أين مَرَّ؟ لعله في أول: "ناشئة الليل" مرت معنا؟
أحد الطلاب: فيما سيأتي في الأثر الأربعين.
الشيخ: في الأثر الأربعين، نعم، فيما سيأتي، أحسنت. قال: كان أنس بن مالك يُصلِّي بين المغرب والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. في الأثر الأربعين.
فأقول: لعله -والله أعلم- يكون هذا هو السقط المُقدَّر هنا: "فإنه يقال: إنها ناشئة الليل التي ذكرها الله في القرآن"، وسيسوق فيما بعدُ الأثرَ على ذلك، ومن طريقته أنه يُلخِّص جملةً من المعاني ثم يسوق ما يدل عليها، فلعل السقط هو هذا.
القارئ:
الشيخ: نعم، يوجد سقط آخر.
القارئ:
الشيخ: أعِدْ مِن قوله: "ثم أُحب لمن صلى على هذا النعت".
القارئ:
الشيخ: عقد المصنف الإمام الآجري رحمه الله تعالى هذه الترجمة في بيان فضل الصلاة ما بين المغرب والعشاء، وجماعةٌ من أهل العلم يعدُّونها جزءًا من قيام الليل؛ لأن الليل يبدأ من غروب الشمس، وثبت أن النبي صلى بين المغرب والعشاء، جاء في بعض الأحاديث ذِكرٌ لصلاته عليه الصلاة والسلام بين المغرب والعشاء، من ذلكم: ما جاء في "المسند" وغيره من حديث حذيفة بن اليمان قال: جئت النبيَّ فصليت معه المغرب، فلما قضى الصلاة قام يُصلِّي حتى صلى العشاء[15]. وجاء أيضًا عن غير واحد من الصحابة أنهم كانوا يُصلُّون بين المغرب والعشاء.
والمصنف رحمه الله ساق جملةً من الآثار المروية عن الصحابة في الصلاة بين المغرب والعشاء، ولم يثبت حديث صحيح عن النبي في تحديدِ عددٍ من الركعات تُصلَّى بين المغرب والعشاء، لا أربع، ولا ست، ولا أقل من ذلك، ولا أكثر، لم يثبت.
وأيضًا ما جاء وسيُورده المصنف رحمه الله من أن النبي سماها "صلاة الأوابين"[16]، أيضًا لم يثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي ثبت عنه أن صلاة الأوابين -والحديث في "صحيح مسلم"- حين ترمَضُ الفِصَالُ[17]، في صلاة الضحى، عندما تبدأ الشمس تشتد حرارتها. لكن بين المغرب والعشاء وقت صلاة! وقت تعبُّدٍ لله ، يعني ما بين المغرب والعشاء محلُّ ووقتُ تعبُّدٍ لله .
وأفضل ما يُتعبَّد به لله بين هذين الوقتين: الصلاة، فإنها كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي خيرٌ موضوعٌ، قال: الصلاة خيرٌ موضوع، من استطاع أن يستكثر فليستكثر[18].
قال عليه الصلاة والسلام: الصلاة خيرٌ موضوع ما معنى: خيرٌ موضوع؟ يعني: خيرُ عملٍ وَضَعه للعباد يتقربون له به، الصلاة خيرٌ موضوع يعني: خيرُ عملٍ وضعه الله سبحانه وتعالى لعباده ليتقربوا إليه سبحانه وتعالى به، فجاء في الحديث الصحيح: الصلاة خيرٌ موضوع، من استطاع أن يستكثر فليستكثر.
والوقت بين المغرب والعشاء وقتُ تعبُّدٍ لله، وخيرُ ما يُتعَبَّد لله به الصلاة؛ فلْيُصَلِّ الإنسان ما شاء وما تيسر له من الصلاة بين المغرب والعشاء، لكن لم يأتِ ما يدل على تخصيص عدد معين، لم يثبت تخصيص عدد معين بست ركعات أو أربع ركعات أو نحو ذلك، كل ما ورد في ذلك لم يثبت عن النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قال محمد بن الحسين: "وأُحب أن يديم الرجل على الصلاة فيما بين المغرب والعشاء، فإنه يقال..."، والله أعلم التقدير كما ذكرتُ: "إنها ناشئة الليل التي ذكرها الله في القرآن".
وسيأتي عند المصنف رحمه الله تعالى الأثرُ عن أنس بن مالك أنه كان يقول: "إن هذه ناشئة الليل"، فلعله يُشير هنا إلى ما جاء عن أنس وغيره أن الصلاة بين المغرب والعشاء هي ناشئة الليل التي ذكر الله في القرآن، وهذا قولٌ من الأقوال التي قيلت في معنى الآية.
وقد قيل في قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، قيل: الصلاة بين المغرب والعشاء. وهذا أيضًا مما قيل في معنى الآية، وأنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع بين المغرب والعشاء يُصلُّون محافظةً على الوقت واستعدادًا لصلاة العشاء، تَنْبو جنوبهم وترتفع عن المضاجع جالسين مستعدين، أو يُصلُّون لله حتى يُؤدُّوا صلاة العشاء، ثم من بعد ذلك يكون الهجوع والنوم.
قال: "فمن أحيا ما بينهما" يعني: ما بين المغرب والعشاء "فحظه الوافر أطيب إن شاء الله"؛ مَن أكرمه الله فحظه الوافر أطيب إن شاء الله. ولعل هذا يرجع إلى معنًى مذكور في الموضع الساقط؛ لأن عندنا سَقْطًا هنا، فمَن أحيا ما بينهما فحظه الوافر أطيب إن شاء الله.
قال: "ومن صلى سِتَّ ركعاتٍ فحسنٌ جميلٌ"، وسيأتي ما يتعلق بالأعداد فيما ساقه مِن مَرْويات، والكلام أيضًا على ما يتعلق بأسانيدها.
"ومن صلى أربع ركعات ففيها بالٌ"؛ ومعنى "فيها بالٌ" أي: فيها شأن، يقال: "أمرٌ ذو بالٍ"؛ أي: ذو شأن، ذو مكانة، ذو اهتمام، ففيها بالٌ؛ أي: فيها شأنٌ، إن صلى سِتًّا فحسنٌ جميلٌ، وإن صلى أربع ركعاتٍ ففيها بالٌ؛ أي: فيها شأنٌ.
"ثم أُحب لمن صلى على هذا النعت"؛ أي: بين المغرب والعشاء "أن يتفكر فيما اكتسبه"؛ يعني: أن يجلس مع نفسه جلسة محاسبة بعد أن يُصلِّي ما تيسر له بعد المغرب، يحاسب نفسه: ماذا قدمتِ يا نفسُ في اليوم؟ ما هي أعمالك؟ ينظر في أعماله التي مرَّت حسنها وسيئها، ينظر ما هي أعماله؛ إن كانت الأعمال حسنة حمد الله وشكره على أن وفقه لحفظ يومه بالأعمال الطيبة، وإن كان عنده ذنوب، عنده تقصير، عنده أخطاء؛ أخذ يستغفر من ذنوبه ويتوب إلى الله .
"ثم أُحب لمن صلى على هذا النعت أن يتفكر فيما اكتسبه في يومه الذي مضى عنه، فإن كان فرط فيما لا ينبغي أن يُفرِّط"، يعني وقع في ذنوب، وقع في معاصٍ، وقع في تفريطٍ في جنب الله؛ عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه منه.
"ويعتقد أن لا يعود إلى ما يكره مولاه الكريم"، معنى "يعتقد" أن يعقد العزم ألا يعود، هذا معنى "يعتقد"، أن يعقد العزم ألا يعود، ينظر في أعماله إذا كان فيها ذنوب يستغفر ويتوب إلى الله، ويعقد العزم أنه لا يعود في الأيام الأخرى إلى تلك الذنوب.
"هذا واجب عليه، وينظر فيما اكتسبه من كل خير"؛ أعماله من صلاة وصيام وبِرٍّ وصدقات وإحسان، كل ما يسَّره الله له. "ينظر فيما اكتسبه من كلِّ خيرٍ عَمِلَه، فيُلزم نفسه الشكر لله "؛ أي: على ما تفضل به عليه من توفيق ونعمة.
"فيُلزم نفسه الشكر لله ويتوب إليه منه" عندك شيءٌ؟
أحد الطلاب: نفسه؟
الشيخ: نفسه. هذه تحتاج إلى نظر.
"وينظر فيما اكتسبه من كلِّ خيرٍ عَمِلَه، فيُلزم نفسه الشكر لله سبحانه وتعالى ويتوب إليه منه"؛ يعني: إن كان عنده تقصيرٌ في نفس العمل أو تقصير في شكر لله يتوب مما كان منه من تقصير.
"ويعتقد على ما وفقه لذلك الخيرَ، ويسأله الزيادة والمعونة على شكره؛ فإنه قريبٌ لمَن دعاه وأقبل عليه، ومتعطِّفٌ على مَن أدبر عنه"؛ أيضًا "متعطِّف" تحتاج إلى نظر في الأصل الخطي للكتاب.
ولعل أحد الإخوة يتفضل بالمراجعة والبحث، كلمة "يتوب" تحتاج إلى مراجعة، وكلمة "متعطِّف" أيضًا تحتاج إلى مراجعة.
الآثار الواردة في إحياء ما بين المغرب والعشاء
قال رحمه الله تعالى: "ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الأثر عن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه قال: ما أتيت عبدالله بن مسعود في تلك الساعة إلا وجدته يُصلِّي؛ يعني: الساعة ما بين المغرب والعشاء، فقلت له في ذلك، فقال: نِعْمَ ساعةُ القِبلة. يعني: ما بين المغرب والعشاء؛ يعني: نِعْمَ الساعة التي يجلس فيها المرء مُستقبِلَ القِبلة يُصلِّي ويعبد الله. هذا المعنى، نِعْمَ ساعة القبلة؛ أي: نِعْمَ الساعة التي يستقبل فيها المرءُ القِبلة مُصلِّيًا وداعيًا وذاكرًا لله ؛ يعني: ما بين المغرب والعشاء.
والإسناد هنا فيه عامِرٌ، وهو ابنُ شقيقٍ الذي يَروي عنه سفيان الثَّوري ليِّن الحديث.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله هذا الأثر عن ثابتٍ البُنانيِّ، قال: كان أنس بن مالك يُصلِّي ما بين المغرب والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. هذه ناشئة الليل التي ذكرها الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، وعددٌ من أهل العلم عدُّوا الصلاة بين المغرب والعشاء من ناشئة الليل؛ لأن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني الذي هو الفجر الصادق.
والإسناد هنا فيه عمارة، وهو صدوقٌ كثيرُ الخطأ.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: من أحيا أربع ركعات بعد المغرب كان كالمُعقِّب غزوة بعد غزوة. يعني: الذي يُعقِّب الغزوةَ تِلْوَ الأخرى، يغزو ثم يغزو، يُعقِّب الغزوةَ بالأخرى، ويُتبع الغزوة بالغزوة، فمَن كان يُصلِّي أربعًا بين المغرب كان كالمُعقِّب.
لكن في الإسناد موسى بن عبيدة، وهو ضعيف فهو غير ثابت.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الأثر عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: صلاة الأوابين: الخَلْوة التي بين المغرب والعشاء حتى يَثُوب الناس إلى الصلاة. حتى يقوموا إلى الصلاة؛ أي: صلاة العشاء، حتى يقوموا إلى صلاة العشاء.
والإسناد فيه موسى بن عبيدة، مر معنا في الإسناد الذي قبله أنه ضعيفٌ. وكذلك في الإسناد أخوه؛ لأن موسى بن عبيدة يروي عن أخيه عبدالله بن عبيدة، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: "موسى بن عبيدة وأخوه لا يُشتغل بهما".
وأما صلاة الأوابين فقد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي أنه قال: صلاة الاوابين حين تَرْمَض الفصال[19].
القارئ:
الشيخ: هذا أثرٌ عن أبي عبدالرحمن الحبلي، وإسناده حسنٌ إليه، وكلامه -والله- كلام جميل، ونصيحته نصيحة جميلة جدًّا؛ يقول رحمه الله: "إذا صليت المغرب فقم فصَلِّ صلاة رجل لا يريد أن يُصلِّي تلك الليلة".
"صَلِّ صلاة رجل لا يريد أن يُصلِّي تلك الليلة": يعني يُقدَّر في نفسك أن هذا حظك من صلاة الليل ما بين المغرب والعشاء، يقول: "فإن رُزقت من الليل قيامًا كان خيرًا رُزقته"؛ يعني: خيرًا إلى الخير الذي حصل لك بين المغرب والعشاء، "وإن لم تُرزق قيامًا كنت قد قمت أول الليل" حَصَّلت شيئًا من القيام في ليلك ما بين المغرب والعشاء.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد رحمه الله عن سفيان عن يزيد بن أبي حكيم العدني، قال: سألت سفيان عن قول الله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113]، فحدثني عن منصور -وهو ابن المعتمر- قال: بلغني أنهم كانوا يُصلُّون ما بين المغرب.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد عن أنسٍ في قول الله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجد:16]، قال: بين المغرب والعشاء. هذا الأثر رواه أبو داود في "السنن"[20].
وأُورد بلفظ: كانوا يتيقظون بين المغرب والعشاء يُصلُّون[21]، وهذا مما يُفيد أن الصحابة كانت لهم صلاةٌ بين المغرب والعشاء. لكن لم يَرِدْ في السُّنة الصحيحة عن النبي تحديدٌ لعدد معين، لكن ما بين المغرب والعشاء وقتُ صلاةٍ يُصلِّي فيه المرء ما يسَّر الله تبارك وتعالى له.
القارئ:
الشيخ: ما من؟
القارئ:
الشيخ: لعلها: فإن صلاها سِتَّ ركعاتٍ من غير أن يُكلِّم جليسًا غُفرت له ذنوبه أربعين عامًا.
هذا حديثٌ ساقه رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها في فَضْل صلاة المغرب التي خُتمت بها صلاة النهار واستُفتحت بها صلاة الليل، ولم يَحُطَّها عن مسافرٍ ولا عن مقيمٍ، ثم صلاة ركعتين بعدها.
وأيضًا فضل ما يتعلق بالصلاة بين المغرب والعشاء؛ إما أربع ركعات، أو ست ركعات، لكن هذا الحديث غير صحيح، يعني هذا الحديث غير صحيح في إسناده مجاهيل، وأشار الذهبي رحمه الله في بعض كتبه أنه وُضع على هشام بن عروة؛ فالحديث غير ثابت.
القارئ:
الشيخ: ثم أورد هذا الحديث -حديث أبي هريرة- وفيه تعيين ست ركعات بين المغرب والعشاء: مَن صلَّى سِتَّ ركعات بعد المغرب لا يتكلم بينهن بسوءٍ عَدَلْنَ له كفارة اثنتي عشرة سنة. لكنه غيرُ ثابت، في إسناده عمر بن أبي خثعم، ضعيف.
ونصَّ غيرُ واحدٍ مِن أهم العلم أنه لم يَثبُت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله تعيينُ عددٍ، وكلُّ ما ورد في تعيينِ عددٍ للصلاة بين المغرب والعشاء -إما أربع، أو ست- فهو ضعيفٌ لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ما بين المغرب والعشاء وقتُ صلاةٍ يُصلِّي المرء ما تيسَّر له من الصلاة، لكن ليس هناك في السنة عددٌ معين يترتب عليه ثوابٌ معين يُصلَّى بين المغرب والعشاء، وكل ما ورد من أحاديث في ذلك فهي ضعيفة، كما بيَّن ذلك غيرُ واحد من أهل العلم.
القارئ:
الشيخ: ثم ختم بهذا الأثر عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى في الصلاة بين المغرب: مَن صلى بعد المغرب ركعتين يقرأ في كلٍّ عشرين مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص] بُني له قصرٌ في الجنة، فإذا أصبح قالت الملائكة: انطلقوا بنا ننظر إلى قصر فلان.
وهذا لا يُعَدُّ دليلًا، يحتاج إلى دليل لهذا الكلام، يعني كلام مرسل عن سفيان، وهذا يحتاج إلى دليل، لا يُعَدُّ دليلًا، فلا يُبنى ولا يُعتمد عليه، هذا بعد النظر يحتاج إلى نظرٍ فيه، وفي ثبوته عن سفيان، وإن ثبت عن سفيان الثوري يُنظر في الدليل: إن كان دَلَّ عليه الدليلُ، وإلا ما لا دليل عليه يُترك.
وبه خَتَم رحمه الله تعالى هذه الرسالة النافعة المباركة في قيام الليل والتهجد.
ونسأل الله الكريم أن ينفعنا أجمعين، وأن يجعل هذه المجالس في قراءة هذا الكتاب حجة لنا لا علينا، وأن ينفعنا أجمعين بما علَّمنا، وأن يزيدنا علمًا، وأن يُصلح لنا شأننا كله، وألا يَكِلَنا إلى أنفسنا طَرْفةَ عينٍ.
وقبل أن أختم هذا المجلس، أُنبِّه إلى أنَّ الدرس يتوقف إلى يوم السبت الحادي عشر من شهر ذي القعدة، فيوم السبت الحادي عشر من ذي القعدة أعود للتدريس بعد العصر، وستكون القراءة في "الأربعين" للآجُرِّي رحمه الله، نبدأ بقراءة كتاب "الأربعين" للآجري رحمه الله تعالى.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كلِّ خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كلِّ شرٍّ.
اللهم اغفر لنا ذنبنا كلَّه، دِقَّه وجُلَّه، أوله وآخره، علانيته وسره.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زَكِّها أنت خيرُ مَن زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرُّشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، ونسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.
اللهم إنا نسألك من الخير كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. ونعوذ بك من الشر كله: عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل.
اللهم إنا نسألك من خيرِ ما سألك عبدك ورسولك محمد ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد ، وأن تجعل كلَّ قضاءٍ قضيتَه لنا خيرًا يا رب العالمين.
اللهم أعِنَّا ولا تُعِنْ علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكُر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويَسِّر الهدى لنا، وانصرنا على مَن بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، إليك أوَّاهين مُنِيبين، لك مُخْبِتين، لك مطيعين.
اللهم تقبَّل توبتنا، واغسل حَوْبتنا، وثبِّت واهدِ قلوبنا، وسدِّد ألسنتنا، واسْلُلْ سَخِيمة صدورِنا.
ربَّنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتِنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اللهم يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيوم، نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تختم لنا شهرنا المبارك بغفرانك ورضوانك يا رب العالمين. اللهم اختِم لنا شهرَنا المبارك بغفرانك ورضوانك يا رب العالمين، واجعلنا فيه من عتقائك من النار.
اللهم أَعِدْ علينا هذا الشهر المبارك أعوامًا عديدةً وأزمنةً مديدةً ونحن في أمنٍ وإيمان، وسلامة وإسلام، وعزٍّ وتمكين، يا رب العالمين.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين، ورُدَّنا وإياهم إليك ردًّا جميلًا. اللهم أصلح أحوال المسلمين يا ذا الجلال والإكرام، وجَنِّبنا وإياهم الفتن: ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ارزق المسلمين أينما كانوا: الأمن والإيمان والسلامة والإسلام. اللهم احقِن دماءهم، وآمِن رَوْعاتِهم، واستر عوراتهم، واحفظهم يا رب العالمين بما تحفظ به عبادك الصالحين.
اللهم احفظ إخواننا المسلمين المستضعفين أينما كانوا بما تحفظ به عبادك الصالحين، اللهم احفظهم من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، وعليك بأعداء الدين يا رب العالمين؛ فإنهم لا يُعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نُحُورِهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتَّقَاكَ واتَّبعَ رضاك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك يا رب العالمين أن تُوفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال والأعمال، وأن ترزقه البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين.
اللهم وفِّق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك، واتِّباع سنة نبيك محمد ، واجعلهم رأفةً ورحمة على رعاياهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم يا ربنا تقبل منا صيامنا وقيامنا. اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا. اللهم تقبَّل ذِكرنا ودعاءنا، لا تَرُدَّنا يا حي يا قيوم خائبين.
اللهم تقبَّل من إخواننا المعتكفين اعتكافهم، ومن الصائمين صيامهم، ومن القائمين قيامهم، ومن التَّالِين لكتابك تلاوتَهم، ومن الذاكرين ذِكْرَهم، اللهم تقبَّل منا يا رب العالمين.
اللهم وأعِنَّا على ذِكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل شهرَنا هذا المُبارَكَ زادًا لنا وبلاغًا لطاعتك والقيام بما يُرضيك يا رب العالمين. اللهم وأصلِح لنا شأننا كله، ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم اقسِم لنا مِن خشيتك ما يَحُول بيننا وبين معاصيك، ومِن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنَّتَكَ، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائبَ الدنيا.
اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقُوَّتِنا ما أَحْيَيْتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على مَن عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر هَمِّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تُسلِّط علينا مَن لا يرحمنا.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وآله وصحبه.
القارئ: جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم، وألهمكم الله الصواب، ووفَّقكم للحق.
نفعنا الله بما سَمِعْنا، وغفر الله لنا ولكم وللمسلمين أجمعين، آمين.
| ^1 | رواه البخاري: 1120، ومسلم: 769. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6314. |
| ^3, ^8, ^10, ^13, ^14, ^19 | سبق تخريجه. |
| ^4 | رواه البخاري: 1120 واللفظ له، ومسلم: 769. |
| ^5 | رواه الطبراني: 84، والحاكم: 5، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1590. |
| ^6 | رواه البخاري: 1136، ومسلم: 255. |
| ^7 | رواه ابن ماجه: 286، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2. |
| ^9 | رواه البزار في "مسنده": 603، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1213. |
| ^11 | رواه البيهقي في "الشعب": 1937. |
| ^12 | رواه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة": 580. |
| ^15 | رواه الترمذي: 3781، والنسائي: 8240، وأحمد: 23329، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب":590. |
| ^16 | فقد رُوي عن محمد بن المنكدر: أن النبي قال: مَنْ صَلَّى مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ. رواه ابن المبارك في "الزهد": 1259، ومحمد بن نصر المروزي في "قيام الليل": ص88، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة": 4617. |
| ^17 | رواه مسلم: 748. |
| ^18 | رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده": 480، وأحمد: 21552، والبزار في "مسنده": 4034، والطبراني في "المعجم الأوسط": 243، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 3870. |
| ^20 | رواه أبو داود: 1322، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": 1195. |
| ^21 | رواه أبو داود: 1321، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1194. |
| ^22 | رواه ابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال": 74. |
| ^23 | رواه الترمذي: 435، وابن ماجه: 1167، وضعفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي": 317. |