تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر

من قوله: "ينبغي لمن كان له حظٌّ من الليل أن يدوم عليه .." (2)

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فيقول الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن عبدالله الآجُرِّي رحمه الله تعالى، في كتابه "فضل قيام الليل والتهجد": 

وصيةٌ لمن كان له حظٌّ من الليل

"ينبغي لمن كان له حظٌّ من الليل أن يدوم عليه، ويراعيه، قلَّ ذلك أو كثُر، ويتحذَّر من فتور النفس، فإن النفس ربما فترت، واستلذت النوم في وقت القيام، فزيَّن لها الشيطان النوم لينام عن القيام؛ حسدًا منه للمؤمن، فينبغي لمن أحس بذلك من نفسه أن يُكثر الذكر لله ​​​​​​​ عند استيقاظه، وينضح الماء على وجهه؛ فإنه ينطرد عنه ما أمَّله الشيطان من الفتور عن القيام، والله أعلم".

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا، وأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

أما بعد:

الحث على المداومة على قيام الليل

فيقول الإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى، في وصيته، لمن وفَّقه الله ​​​​​​​ وأكرمه بأن كان له حظٌّ من قيام الليل ونصيبٌ: ألا يفوته في أي ليلة، بل يحرص على المواظبة عليه، والمداومة، وأن يكون عملًا ثابتًا مع مَرِّ الأيام، يعنى به: مواظبةً وعنايةً واهتمامًا.

يقول رحمه الله تعالى: "ينبغي لمن كان له حظٌّ من الليل أن يدوم عليه، ويراعيه، قلَّ ذلك أو كثُر"، وهنا لننتبه -معاشر الكرام- أن قليلًا من القيام تواظب عليه ولو، ثلاث ركعات، أو خمس ركعات، بحيث لا تنقطع عنه، خيرٌ لك من كثيرٍ تفعله مرةً أو مرتين ثم تنقطع، وأحب العمل إلى الله تبارك وتعالى أدومه، وإن قلَّ [1].

ولهذا يُنصح المرء -ولا سيَّما في مبتدأ قيامه لليل- ألا يُحمِّل نفسه في أول الأمر شيئًا كثيرًا قد تفتر النفس عنه، وقد تُصاب بالملل منه، لكن يأخذها بالتدرج، فإن علم منها مزيد نشاطٍ زاد، ويجعل من نيته وعزمه مستعينًا بربه تبارك وتعالى أن يداوم على هذا النصيب، وينظر من حاله إن كان يعلم من نفسه تمكنًا من القيام في آخر الليل؛ فهو أولى وأفضل وأكمل، وإن كان يعلم من نفسه عدم القدرة من ذلك جعل صلاته من الليل في أول الليل، والمهم في هذا الأمر أن تكون المواظبة والمداومة على القيام.

التنبيه إلى فتور النفس واستلذاذها النوم

قال: "ويتحذَّر من فتور النفس"، ومن المعلوم أن النفس لها إقبالٌ وإدبارٌ، قد يصيبها فتورٌ في بعض الوقت، فربما تخلَّت عن عمل خيرٍ واظبت عليه بسبب فتورٍ أصابها. فينبغي على العبد أن يواظب على قيام الليل، وأن يحذر من فتور النفس، فإن النفس ربما فترت واستلذت النوم في وقت القيام، فزيَّن لها الشيطان النوم لينام عن القيام حسدًا منه للمؤمن، لا يريد الشيطان أن يُحصِّل المؤمن هذا الخير العظيم، فحسدًا منه يثبطه ويفتره عن القيام، ويُحسِّن له البقاء على الفراش والمنام؛ حتى يُضيِّع على المؤمن هذا الخير حسدًا منه لعباد الله المؤمنين.

قال: "ربما فترت، واستلذت النوم في وقت القيام، فزيَّن لها الشيطان النوم لينام عن القيام حسدًا منه للمؤمن"، فينبغي لمن أحس بذلك من نفسه -يعني: وقت القومة- أن يُكثر من ذكر الله؛ ليكون إكثاره من ذكر الله مطردةً للشيطان، والشيطان ينطرد بذكر الله، فيكون إكثاره من ذكر الله ​​​​​​​ أولًا: معونة له على القيام، وثانيًا: مطردةً للشيطان الذي يثنيه عن القيام.

وسائل عمليةٌ لطرد الفتور والكسل

قال: "أن يُكثر الذكر لله ​​​​​​​ عند استيقاظه، وينضح الماء على وجهه"، وهذه وسيلةٌ نافعةٌ لطرد الفتور والكسل، لو أخذ قليلًا من الماء، ورشَّه على وجهه؛ نشط، وزال عنه فتوره وكسله.

قال: "وينضح الماء على وجهه، فإنه ينطرد عنه ما أملَّه الشيطان من الفتور عن القيام"، أي: إن نضح الماء على الوجه فيه هذه الفائدة، يُذهب عن الجسم ما فيه من فتورٍ. نعم.

التحذير من تثبيط الشيطان عن قيام الليل

القارئ: قال:

حدَّثنا أبو بكر عبدالله بن محمد بن عبدالحميد الواسطي، قال: حدَّثنا محمد بن أبي عبدالرحمن المقرئ، قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : إذا نام أحدُكم عَقَدَ الشيطان على رأسه ثلاثَ عُقدٍ، يضرب كل عقدةٍ عليك ليلٌ طويلٌ، أي ارقد، فإن استيقظ فذكر الله؛ انحلت عقدةٌ، فإن توضأ؛ انحلت عقدةٌ، فإن صلى؛ انحلت العُقد كلها، قال: فيصبح طيب النفس نشيطًا، وإلا أصبح خبيث النفس كسلانَ [2].

معنى العُقد.. وبيان أنها حقيقيةٌ

الشيخ: أورد رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : إذا نام أحدُكم عَقَدَ الشيطان على رأسه ثلاثَ عُقدٍ، والعُقد: معروفةٌ، يعني: يَعقِد بمعنى: يَربِط ثلاث عُقدٍ على قافية الرأس، وهذه العُقد المراد بها: تثبيط الإنسان عن القيام والنهوض لطاعة الله ​​​​​​​، فهذه العقد تُثقل الرأس، وتُثبط الإنسان عن القيام، فإذا نام أحدُكم عقد الشيطان على رأسه ثلاثَ عُقدٍ، ماذا من شأن هذه العُقد؟

قال: يضرب على كل عقدةٍ عليك ليلٌ طويلٌ، أي ارقد، فكل عقدةٍ من هذه العُقد الثلاث فيها تثبيطٌ وتثقيلٌ للرأس، وتأجيلٌ للنوم، أو بقاءٌ على الفراش، وتلذذٌ بالنوم.

فيعقد ثلاث عُقدٍ، والصحيح: أنها عُقدٌ حقيقيةٌ يعقدها، مثل ما سيأتي بالحديث الذي بعده: ضرب على سماخه بجريرٍ مُعقَّدٍ، جرير، أي: حبل،ٌ فيربط حبلًا في قافية الإنسان، يعقده ثلاث عُقدٍ. ويضرب على كل عقدةٍ عليك ليلٌ طويلٌ، فالمراد من هذه العقد: تثقيل الرأس، وتثبيط الإنسان عن القيام؛ هل هذه لكل أحدٍ؟

قال أهل العلم: يُخَصُّ من ذلك من ليس للشيطان عليهم سبيلٌ، قال الله إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:65]، وقبلها قال: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا۝ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الإسراء:64، 65]، مما قيل في معنى الآية: أي الذين يذكرون الله.

فالذي يأوي إلى فراشه مُطيعًا لله، ذاكرًا لله، مُعتنيًا بأذكار النوم؛ لا مجال للشيطان عليه، ولا مدخل للشيطان عليه؛ لأنه مُحصَّنٌ بالذكر، وفي حِرزٍ مكينٍ وحصنٍ حصينٍ، يقيه بإذن الله من الشيطان الرجيم.

المُعينات على قيام الليل

وهذا فيه أن من الأمور المُعينة على قيام الليل: المواظبة على أذكار النوم، والعناية بها؛ لأنه ينام ولا سبيل للشيطان عليه، ومن ذلكم آية الكرسي، في الحديث إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح [3]، فهذه الأذكار تُعَدُّ حصنًا حصينًا للمسلم، تقيه وتحميه بإذن الله من كل جانبٍ.

والأذكار -ومنها أذكار النوم- وقايةٌ للمرء من الشيطان من كل جهاته؛ لأن الشيطان يأتي للمرء من كل جهاته، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17] يأتيه من كل الجهات، والذكر لله يُعَدُّ حصنًا للمسلم، وحرزًا وحافظًا له من كل جهاته.

وأشير هنا إلى لطيفةٍ أذكرها؛ لما أرى فيها من فائدةٍ ومنفعةٍ، عن جدي -رحمه الله تعالى وغفر له، وكان من الذاكرين أحسبه أعلى الله قدره ورفع درجته في عليين- قال لي مرةً: كنت في المنام، فانهدَّت عليَّ سباعٌ من جهاتٍ مختلفةٍ، وكلما جاءت من طريقٍ رجعت، حتى سلَّمني الله تبارك وتعالى منها، قال لي: وتأولتُ ذلك ذكر الله ، وأن هذه السباع شياطين، وأن ذكر الله يقي العبد ويحميه بإذن الله من الشياطين.

الحاصل: أن ذكر الله ​​​​​​​ حِرزٌ للمسلم، لا يقربه شيطانٌ، ولا سبيل للشيطان عليه، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:65].

قال: إذا نام أحدُكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عُقدٍ، يضرب كل عقدةٍ عليك ليلٌ طويلٌ، فارقد. إذن؛ هنا ليست عقدةً واحدةً، بل ثلاث عُقدٍ وكل عقدةٍ مُثبِّطةٌ ومُثقِلةٌ للرأس عن النهوض والقيام لطاعة الله عليك ليلٌ طويلٌ فارقد.

قال: فإن استيقظ فذكر الله؛ انحلت عقدة، وهذا فيه التحريض على المبادرة إلى ذكر الله، أول ما يستيقظ المرء من نومه يبادر، وأول ما يقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني... [4]، فيحمد الله ​​​​​​​، ثم يُهلِّل ويُسبِّح ويُكبِّر، فيبادر أول ما ينهض إلى ذكر الله ، فإن ذكر الله انحلت عقدةٌ أي: واحدةٌ من هذه العقد الثلاث، فإن توضأ انحلت عقدةٌ أي: انحلت العقدة الثانية، فإن صلى -ولو ركعتين- انحلت عُقده كلها.

وهذا الحديث أورده البخاري رحمه الله، وهو مُخرَّجٌ في "الصحيحين"، الإمام البخاري أورده في باب عقد الشيطان على قافية العبد إذا لم يُصَلِّ من الليل.

ومعنى ذلك: أن العقد تبقى كما هي، يصبح والعقد ما انحلت، باقيةً كما هي لم تنحل، فيتحول الثقل الذي كان عند النهوض إلى كسلٍ وخمولٍ، فيقوم كسولًا خاملًا؛ ولهذا قال: فإن صلى انحلت العُقد كلها، قال: فيصبح طيب النفس نشيطًا، فيجتمع له النشاط في البدن وطيب النفس، أي: ذهب عن النفس خبثُها، فأصبحت نفسًا طيبةً، مُقبلةً على الخير، مُنشرحة الصدر.

فيصبح طيب النفس نشيطًا، وإلا أصبح خبيث النفس كسلانَ، يعني: يبقى والعُقد كما هي، فيتحول ذلك إلى خُبثٍ في النفس، وكسلٍ في البدن.

نعم.

القارئ: قال:

وحدَّثنا أبو عبدالله لله محمد بن مخلدٍ العطار، قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن سعيدٍ الأصبهاني، قال: حدَّثنا بكرُ بن بكارٍ، قال: حدَّثنا قرةُ عن عطيةَ بن سعدٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدري أنه قال: قال رسول الله : ما أحدٌ ينام إلا ضُرب على سِماخِه بجريرٍ مُعقَّدٍ، فإن استيقظ وذكر الله؛ حُلت عقدةٌ، فإن استيقظ فتوضأ؛ حُلت عقدةٌ أخرى، فإن قام يصلي؛ حُلت العُقد كلها. فإن هو لم يستيقظ ولم يتوضأ ولم يُصلِّ؛ أصبحت العقد كلها كهيئتها، وبال الشيطان في أذنيه [5].

الشيخ: ثم أورد هذا الحديث، لكن قبله أنقل فائدةً لابن عبدالبر تتعلق بالحديث الأول في كتابه "التمهيد"، قال رحمه الله: "وفي هذا الحديث حضٌّ على قيام الليل؛ لأن فيه أن يصبح طيب النفس نشيطًا، بعد ذكر الوضوء والصلاة" [6]. فالحديث فيه حضٌّ على قيام الليل، وأن من فائدة قيام الليل: أن العبد يقوم إذا أصبح طيب النفس، نشيط البدن، مُنشرح الصدر، وهذه من الثمار والفوائد التي يجنيها من يكرمه الله بقيام الليل.

أورد رحمه الله تعالى حديث أبي سعيدٍ ، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، قال: قال رسول الله : ما أحدٌ ينام إلا ضُرب على سِماخه بجريرٍ، سِماخه: تُقال بالسين وتُقال أيضًا بالصاد: سِماخ وصِماخ. والصماخ: هو ما بداخل الأذن مما هو قريبٌ من الدماغ في عمق الأذن، يُقال له: سِماخٌ، ويقال له: صِماخٌ؛ وهذا تمكُّن العُقد، وانظر: أين تُضرب هذه العُقد؟ في داخل السماخ، في سماخ المرء، داخل الأذن قريبًا من الدماغ، عند دماغه.

يقول: إلا ضُرب على سِماخه بجريرٍ مُعقَّدٍ جرير، أي: حبلٌ مُعقَّدٌ، أي: فيه عُقَدٌ، مثل ما مرَّ معنا في الحديث الذي قبله، وهذه العُقد مرَّ معنا في الحديث الأول: أن الشيطان يضرب على كل عقدةٍ منها عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فمراد هذه العقد: تثبيط المرء، وتثقيل رأسه عن القيام لطاعة الله.

قال: فإن استيقظ وذكر الله؛ حُلت عقدةٌ، فإن استيقظ فتوضأ؛ حُلت عقدةٌ أخرى، فإن قام يصلي؛ حُلت العُقد كلها، وهذا بمعنى الحديث الذي قبله؛ يعني: إن ذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت العقدة الثانية، وإذا قام يصلي انحلت العقدة الثالثة.

قال: فإن قام يصلي حُلت العقد كلها، فإن هو لم يستيقظ ولم يتوضأ ولم يُصَلِّ؛ أصبحت العقد كلها كهيئتها يعني: يُصبح والعُقد كما هي، فيصبح -كما مرَّ معنا في الحديث الذي قبله- خبيث النفس كسلان.

قال: وبال الشيطان في أذنه، سبحان الله! من يرضى أن يبول الشيطان في أذنه؟! من يرضى أن يكون في أذنه بول الشيطان القذر؟! من يرضى ذلك؟! فقال: يصبح وقد بال الشيطان، والشيطان يبول حقيقةً، يبول في أذنه حقيقةً، كما أخبر نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، فانظر هذه الحال ما أشنعها! يصبح وقد بال الشيطان في أذنه بولًا حقيقيًّا، يبول الشيطان بوله القذر في أذن المرء!

قال: وبال الشيطان في أذنه، لماذا يبول في الأذن؟ لماذا مثلًا لم يَبُل في يده، ولا في رجله، ولا في موضعٍ آخر من بدنه؟ قال العلماء: لأن الأذن هي حاسة الانتباه، الأذن هي حاسة الانتباه في التيقظ من النوم؛ ولهذا فإن أصحاب الكهف قال: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِم... [الكهف:11]؛ لأن الأذن هي حاسة الانتباه، ولهذا فالنائم يستيقظ بالصوت، الأصوات التي يسمعها توقظه وتنبهه من نومه، فيضرب على الأذن، أو يبول في الأذن التي هي حاسة الانتباه.

قال: وبال الشيطان في أذنه، الحديث يشهد له ما قبله، إسناده فيه كلامٌ؛ لأن بكر بن بكارٍ ضعَّفه غيرُ واحدٍ من أهل العلم، وعطية بن سعدٍ صدوقٌ يُخطئ كثيرًا، والسند هنا سند حديث أبي سعيدٍ  فيه كلامٌ، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، وما يتعلق ببول الشيطان في الأذن يشهد له ما في "الصحيحين"، من حديث عبدالله بن مسعودٍ قال: "ذُكر عند النبي رجلٌ نام ليلةً حتى أصبح، قال: ذاك رجلٌ بالَ الشيطانُ في أذنيه [7].

قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، وكما أشرت هذا البول بولٌ حقيقيٌ، يصبح وقد بال الشيطان حقيقةً في أذنه، ومَن هذا الذي يرضى لنفسه أن يستيقظ الصباح وفي أذنه بول الشيطان، ويصبح خبيث النفس كسلان؟ أعاذنا الله أجمعين وأهلينا وذرياتنا من الشيطان الرجيم. وحول هذا المعنى، جاء عن ابن مسعودٍ أنه قال: "حسب المرء من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه".

نعم.

التعاون بين الزوجين على قيام الليل

القارئ: قال:

حدَّثنا أبو بكر بن عبدالحميد، قال: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن عجلانَ، قال: حدَّثني القعقاع بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسول الله رحم الله رجلًا قام من الليل فصلَّى، وأيقظ امرأته فصلَّت، فإن أبتْ نضح في وجهها من الماء. ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه من الماء [8].

الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى حديث أبي هريرةَ قال: قال رسول الله : رحم الله رجلًا قام من الليل فصلَّى، وأيقظ امرأته فصلَّت؛ فإن أبتْ يعني: أبتْ أن تنهض، نضح في وجهها من الماء، يعني: يأخذ بيده شيئًا يسيرًا من الماء ويرشه، لا يَصبُّ الماء صبًّا، وإنما يأخذ في يده رشاشٌ من الماء يرشه عليها.. سبحان الله! يعني: مثل ما مرَّ معنا في كلام المُصنِّف، قال: "وينضح الماء على وجهه، فإنه ينطرد عنه ما أملَّه الشيطان من الفتور"؛ لأن رشاش الماء يوقظ البدن، ويُذهب عنه الفتور الذي فيه ينشط.

قال: فإن أبت نضح في وجهها من الماء، نضح الماء يكون قليلًا من الماء، فيحرك يده إلى الإمام، فيُصاب بدنها من وجهٍ ونحوه برشاش الماء، فهذا يُنبِّه الإنسان.

قال: ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت، ثم أيقظت زوجها؛ فإن أبى نضحت في وجه الماء وهذا المراد به: التعاون في البيت على هذه العبادة العظيمة، وأن يكون ثمة تعاونٌ على هذه العبادة العظيمة؛ عبادة قيام الليل، وأن يكون الرجل مُعينًا لزوجه، والمرأة أيضًا مُعينة لزوجها، ويكون بينهما هذا التعاون الذي أرشد إليه النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. 

في بعض البيوتات المشكلة ليست في قيام الليل، المشكلة في القيام لصلاة الفجر، يعني: بعض النساء الصالحات تعاني من زوجها أنه ما يقوم لصلاة الفجر، وتحركه وتناديه ولا يقوم لصلاة الفجر، وقد قلت فيما سبق: ثمة مشكلةٌ عظيمةٌ في هذا الباب وكثُرت في هذا الزمن، ولكثرتها سببٌ ليس بخافٍ: وسائل اللهو والإضاءة في المدن كثُرت، ولهذا كثُر السهر الذي نهى عنه، السهر كثُر في اللهو، وكثُرت الملهيات. وهذا السهر جنايته على المرء جنايةٌ عظيمةٌ جدًّا، ليس في قيام الليل؛ بل في صلاة الفجر الفريضة.

ولهذا من أهم المهمات في المواظبة على قيام الليل: النوم المبكر، وترك السهر مع هذه المُلهيات والمُشغلات التي أهلكت الصحة والأبدان والأفكار والعقول والأعصاب، وأضرت بالناس ضررًا عظيمًا.

نعم.

القارئ: قال:

وحدَّثنا إبراهيم بن موسى الجوزي، قال: حدَّثنا العباس بن محمد الدوري، قال: حدَّثنا عبيدالله بن موسى، قال: حدَّثنا شيبان بن عبدالرحمن عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلمٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري أنه قال: قال رسول الله : من استيقظ من الليل وأيقظ أهله، فصلَّيا ركعتين جميعًا؛ كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات[9]

الشيخ: ثم أورد رحمه الله هذا الحديث عن أبي سعيدٍ الخدري ، وهذا الحديث مُفسِّرٌ للآية الكريمة في سورة الأحزاب: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، متى يُكتب المرء من الذاكرين الله كثيرًا؟ هذا الحديث من الأحاديث المُفسِّرة للآية، فمن الأسباب التي يُكتب بها المرء من الذاكرين الله تبارك وتعالى كثيرًا: أن يكون بهذا الوصف.

قال: من استيقظ من الليل، وأيقظ أهله، فصلَّيا ركعتين جميعًا، صلَّيا ركعتين جميعًا: إما أن يكون هو إمامًا وهي مؤتمةً به، أو يصلي كل واحدٍ منهم على حدةٍ، صلَّيا جميعًا، أي: كلٌّ منهما صلى وقام للصلاة، سواء أكان هو إمامًا وهي مؤتمةً أو كلٌّ منهما على حدةٍ؛ فالحديث يتناول هذا ويتناول هذا.

فصليا ركعتين جميعًا؛ كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أي: مِن الذين أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا، ومن اعتنى بهذا العمل: استيقظ وأيقظ أهله؛ كُتب من هؤلاء الذاكرين الله كثيرًا، أي: الذاكرين الله بالكثرة .

متى يُكتب المرء من الذاكرين الله كثيرًا؟

وهذه المسألة لأهل العلم فيها بحثٌ: متى يُكتب المرء من الذاكرين الله كثيرًا؟

حاصل كلام أهل العلم في ذلك: أن مَن واظب على الأذكار الموظَّفة الراتبة؛ كأذكار النوم، وأذكار اليقظة من النوم، وأذكار الدخول والخروج والركوب، وأذكار الطعام والشراب، وأذكار الصلوات وأدبار الصلوات؛ هذه الأذكار الموظَّفة مَن واظب عليها وكان له شيءٌ من النصيب من الذكر المُطلق؛ كُتب من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات؛ لأن هذه الأذكار الموظَّفة تربط المسلم بذكر الله ​​​​​​​ ربطًا مستمرًا بتكرر الأحوال والأزمنة والأوقات، من صباحٍ ومساءٍ، ونومٍ ويقظةٍ، ودخولٍ وخروجٍ، وركوبٍ ونزولٍ، فكل هذه التحركات له فيها ذكرٌ.

فمن كان مواظبًا على هذه الأذكار، وله نصيبٌ من الذكر المُطلق؛ كُتب -بإذن الله - من الذاكرين الله كثيرًا، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث: أن يستيقظ من الليل ويصلي ما تيسَّر ويوقظ أهله، فإنه يُكتب هو وإياهم من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

نعم.

التحذير من كثرة النوم

القارئ: قال:

وأخبرنا حامد بن شعيبٍ البلخي، قال: حدثنا أبو عمر المقرئ، قال: حدَّثنا سُنيد بن داود، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أنه قال: قال رسول الله : قالت أم سليمان بن داود: يا بُني، لا تُكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم بالليل يترك الرجل فقيرًا يوم القيامة[10].

الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : قالت أم سليمان بن داود: يا بُني، لا تُكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم بالليل يترك الرجل فقيرًا يوم القيامة، المعنى: اجعل لك نصيبًا من صلاة الليل، من قيام الليل، اجعل لك نصيبًا وحظًّا من قيام الليل، لا تستغرق الليل نومًا، لكن اجعل لك حظًّا من القيام والصلاة والذكر لله في الليل.

قالت: فإنه يترك الرجل فقيرًا يوم القيامة، والمراد بالفقر هنا: فقر الحسنات، وأن قيام الليل من أعظم أبواب ورفعة الدرجات يوم لقاء الله .

لكن الإسناد ضعيفٌ؛ فسُنيد بن داود ضعيفٌ، ويوسف بن محمد بن المنكدر ضعيفٌ.

نعم.

المباهاة بالعبد القائم

القارئ: قال:

حدَّثنا أبو سعيد المفضَّل بن محمد الجَنَدي في المسجد الحرام، قال: حدَّثنا صامت بن معاذٍ، قال: قرأنا على أبي قُرة موسى بن طارقٍ، قال: ذكر زمعة بن صالحٍ، عن زياد بن سعدٍ، عن أبان بن عياشٍ، عن أنس بن مالكٍ أنه قال: قال رسول الله : إن العبد إذا صلَّى حتى يدركه النعاس وهو ساجد؛ فإن الله ​​​​​​​ يباهي به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي نفسه عندي، وجسده في طاعتي [11].

الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى حديث أنسٍ قال: قال رسول الله : إن العبد إذا صلَّى حتى يدركه النعاس وهو ساجد؛ فإن الله ​​​​​​ يباهي به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي، نفسه عندي، وجسده في طاعتي.

يعني: في هذا الحديث أنه إذا أدركه النعاس، وقد جاء في الحديث وفي "الصحيحين" عن أنسٍ، وسبقت الإشارة إليه: أن النبي قال: إذا نعس أحدُكم في صلاته فلينصرف وليرقد [12]، وهذا يفيد أن نعاسه في صلاته ليس محل ثناءٍ ومباهاةٍ.

ولهذا فإن الحديث الذي بين أيدينا في متنه نكارةٌ، وسنده ضعيفٌ؛ فإن أبان بن عياشٍ متروكٌ، وزمعة بن صالحٍ ضعيفٌ، والمتن فيه شيءٌ من النكارة.

نعم.

وصف حال القائمين بالليل

القارئ: قال محمد بن الحسين رحمه الله:

"فيما ذكرتُه واختصرتُه بلاغٌ لمن منع نفسه لذة النوم، فآثر القيام، وراوح بين الأقدام، وتنعَّم بتلاوة القرآن، يرجو بذلك رضا الرحمن . فلو شهدتَه -يا أخي- في الليل المُظلم، فقلبه لما يتلو من القرآن مُتدبِّرٌ، وبأمثاله مُعتبِرٌ، وفيما حكى مُتفكِّرٌ، وبالوعد والوعيد لنفسه مُذكِّرٌ، فالقلب من ذكر الموت خائف مُقلِقٌ، ولما عمل من الحسنات مُشفِقٌ، فالاستغفار شعاره، وهجوم الظلام سروره، وحسن الظن بالله الكريم آماله، والله ولي التوفيق".

الشيخ: نعم، يقول رحمه الله: "ما ذكرتُه واختصرتُه"، أي: فيما سبق من نصوصٍ وأدلةٍ ونُقولٍ، بلاغٌ، أي: فيه كفايةٌ.

"لمن منع نفسه لذة النوم، فآثر القيام، وراوح بين الأقدام": والمراوحة بين الأقدام تكون عن طول القيام.

"وتنعَّم بتلاوة القرآن، يرجو بذلك رضا الرحمن".

ثم يحضر رحمه الله تعالى صورة هذا العبد واعظًا بالتفكر في هذه الصورة الشريفة العالية، فيقول: "لو شهدتَه -يا أخي- في الليل المظلم، فقلبه لما يتلو من القرآن مُتدبِّرٌ" لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29].

"وبأمثاله مُعتبر" أي: يأخذ العبرة والعظة بأمثال القرآن وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].

"وفيما حكى مُتفكِّرٌ" أي: يتفكَّر فيما ذُكر في القرآن، من الأخبار والقصص.

"وبالوعد والوعيد لنفسه مُذكِّرٌ": يُذكِّر نفسه بآيات الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والرجاء والخوف.

"فالقلب من ذكر الموت خائفٌ مُقلِقٌ" يعني: مُنزعجٌ خائفٌ من ذكر الموت.

"ولما عمل من الحسنات مُشفِقٌ": هل تُقبل أو تُرد؟ لا يدري هل قيامه هل صلاته تُقبل؟ فهو يعمل وهو خائف، إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57] إلى قوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ... [المؤمنون:60] أي: خائفة.

"فالاستغفار شعاره": يُكثر من الاستغفار.

"وهجوم الظلام سروره": لأنه موطن الخلوة والمناجاة لله

"وحسن الظن بالله الكريم آماله، والله ولي التوفيق".

نعم.

قصة الشيخ المُتعبد الذي فتر عن وِرده

القارئ: قال محمد بن الحسين:

بلغني عن شيخٍ من المُتعبِّدين أنه كان له وِردٌ من الليل يقومه، ففتر عن وِرده ذات ليلةٍ، قال: فإذا أنا بجاريةٍ قد وقفتْ على رأسي، كأن وجهها قمرٌ، وبيدها رَقٌّ، وفيه مكتوبٌ، فقالت: أيها الشيخ، أتقرأ؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ ما في هذا، فأخذتُه، فقرأتُه، فإذا فيه:
أَلْهَتْكَ لَذَّةُ نَوْمَةٍ عَنْ خَيْرِ عَيْشٍ مَعَ الْخَيِّرَاتِ فِي غُرَفِ الْجِنَان
تَعِيشُ مُخَلَّدًا لا مَوْتَ فِيهَا وَتَنْعُمُ فِي الْجِنَانِ مَعَ الْحِسَان
تَيَقَّظْ مِنْ مَنَامِكَ إنَّ خَيْرًا مِنَ النَّوْمِ التَّهَجُّدُ بِالْقُرْانِ [13]

قال: فما ذكرتُها ساعةً إلا ذهب عني النوم.

قول أهل السُّنة في المنامات

الشيخ: ثم أورد رحمه الله تعالى هذا الخبر، أورده بلاغًا، قال: "عن شيخٍ من المُتعبِّدين"، وإن صحَّ هذا الخبر فهو من جملة المنامات، والمنامات قول أهل السُّنة فيها: أنه لا يؤخَذ منها أحكامٌ إطلاقًا، لكن تكون للبشارة والنذارة، يعني: يكون في المنام مثلًا نذارةُ شخصٍ كان يواظب على عبادةٍ، فانقطع عنها، فيأتيه منامٌ فيه نذارةٌ له، أو مثلًا: أقبل على عبادةٍ، فتأتيه في المنام بشارةٌ له.

فهذه المنامات ليس فيها أعمالٌ جديدةٌ، وأحكامٌ جديدةٌ، وتعبداتٌ وأذكارٌ؛ وإنما هي إما بشارةٌ أو نذارةٌ؛ ولهذا فإن المنامات تكون للبشارة والنذارة، أما تقرير الأحكام فلا. وهذا المنام من هذا القبيل، ليس فيه تقرير حكمٍ، هذا المنام الذي هنا من هذا القبيل، ومن مثل هذا القبيل يحصل كثيرًا، يعني: في المنام بشارةٌ للمؤمن، أو نذارةٌ له.

مما ذكر أحد أهل العلم حول مسألة النذارة: أن أحد الشبان كان صالحًا غاضًّا لبصره، فمرةً كان في محل يبتاع شيئًا، فجاءت فتاةٌ حسناءُ، وأخذ ينظر إليها، وما كانت هذه من عادته، فلما نام رأى نفسه في المحكمة وقرأ القاضي الآية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ... [النور:2] فزنا العين النظر [14].

فمثل هذه الأخبار أو المنامات ليس فيها أحكامٌ، وإنما فيها نذارةٌ، وهي تكون للصالحين المعتنين بعبادة الله  يأتيه في منامه ما يكون بشارةٌ له لخيرٍ واظب عليه، أو نذارةٌ له من زلة قدمٍ وقع فيها، وهفوةٍ وقع فيها، فمثل هذا هو من هذا القبيل.

قال: "بلغني عن شيخٍ من المُتعبِّدين: أنه كان له وِردٌ من الليل" يعني: مُواظبٌ عليه، رجل مُواظبٌ على قيام الليل.

"ففتر عن وِرده ذات ليلةٍ، قال: فإذا أنا بجاريةٍ" يعني: في المنام.

"فإذا أنا بجاريةٍ قد وقفت على رأسي كأن وجهها قمرٌ" أي: من حُسنها وجمالها.

"وبيدها رَقٌّ" أي: صحيفةٌ، وفي القرآن: فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:3].

"وبيدها رَقٌّ وفيه مكتوبٌ، فقالت: أيها الشيخ أتقرأ؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ ما في هذا" أي: الرق.

"فأخذته، فقرأته، فإذا فيه: ألهتك لذة نومةٍ عن خير عيشٍ": لذة النوم ألهتك عن خير عيشٍ؛ أي: عيش الآخرة، ونعيم الأخرة.

"مع الخيرات" جمع خيرةٍ، أي المُراد: الحور العين.

"مع الخيرات في غرف الجنان تعيش" أي: في تلك الغرف في الجنان مُخلَّدًا، لا موت فيها، وتنعم في الجنان مع الحسان.

تيقَّظ من منامك إن خيرًا *** من النوم التهجدُ بالقرانِ

فكانت هذه مثل الموقظة له، قال: "فما ذكرتها" أي: هذه القصة، وهذا الخبر، أو هذا المنام "ساعةً إلا ذهب عني النوم".

الحاصل: أن هذه القصة إن صحَّت، فهذا هو المراد بها.

نعم.

باب: من كان له وِردٌ من الليل فنام عنه

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

باب: فيمن كان له وِردٌ من الليل يقومه، فشغله عنه مرضٌ أو عذرٌ، ونام عنه، ومن نيته القيام.
حدَّثنا أبو العباس أحمد بن سهلٍ الأشناني، قال: حدَّثنا عبدالله بن عمرَ بن أبانٍ الكوفي، قال: حدَّثنا حسين بن عليٍّ الجُعْفي، عن زائد بن قدامةَ، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عَبْدَةَ بن أبي لبابةَ، عن سُوَيد بن غفلةَ، عن أبي الدرداء يبلغ به النبي  قال: من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من ربه ​​​​​​​​​​​​ [15].
حدَّثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدٍ، قال: حدَّثنا سليمان بن يوسف الحراني، قال: حدَّثنا محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، قال: حدَّثنا أبو جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن الأسود بن يزيدَ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : من كان له صلاةٌ يصليها من الليل، فنام عنها؛ كان ذلك صدقةً تصدَّق الله ​​​​​​​ عليه، وكتب له أجر صلاته [16].
قال محمد بن الحسين: هذا -والله أعلم- على قدر شدة الأسف على ما فاته من ليلته: كيف شُغِل عنه حتى فاته القيام؟ فقد أخذ نفسه بالتحرز فيما يستقبل؛ خوفًا أن يفوته وِرده ثانيةً.

الشيخ: قال المُصنِّف رحمه الله: "باب: فيمن كان له وِردٌ من الليل يقومه فشغله عنه مرضٌ أو عذرٌ ونام عنه، ومن نيته القيام" أي: إن مَن كان مواظبًا، وعند نومه عاقدًا العزم على القيام، لكن غلبته عينه، ومن عادته المواظبة؛ فإنه يُكتب له هذا الذي عقد العزم عليه، وغلبته عينه، فنام عن وِرده الذي كان عازمًا على القيام به، ويكون نومه صدقةً، يُكتب له القيام، ويكون نومه صدقةً تصدَّق الله بها عليه، وكتب له القيام الذي كان من نيته أن يقوم به.

وعمومًا؛ قد جاء في الحديث عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام: إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا [17]، يعني: أحيانًا بعض كبار السن تجده مواظبًا على قيام الليل وعلى أعمال صالحة، ثم يوهن البدن، ويضعف العقل، ويبقى بعضهم عشر سنواتٍ وهو في هذا الضعف، لا يستطيع أن يقوم؛ لكن كل العشر السنوات يُكتب له فيها قيام الليل، وهذا فضل الله .

والمواظب على العبادات له كراماتٌ، وله مِننٌ، وله عطايا جزلةٌ من رب العالمين يتفضل الله جلَّ وعلا بها عليه. ومن ذلك: الشخص المواظب على قيام الليل، ونام ليلةً من الليالي، ومن نيته أن يقوم عاقدًا العزم على القيام، لكن غلبته عينه؛ يُكتب له قيام تلك الليلة، ويكون النوم صدقةً من الله تصدَّق بها عليه، مثل الصائم إذا نسي وطعم، هذه صدقةٌ من الله تصدَّق بها عليه، إنما أطعمه الله وسقاه وصيامه ماضٍ وتامٌّ، وهذا الذي نام ومن نيته أن يقوم، لكن غلبته عيناه؛ فإنه يُكتب له ذلك.

وأورد في الباب حديثين: حديث أبي الدرداء، وحديث عائشة، قال في حديث أبي الدرداء: عن النبي  أنه قال: من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من ربه [18]، والحديث صحَّحه الشيخ الألباني رحمه الله في "الإرواء" برقم أربعمائةٍ وأربعةٍ وخمسين، وذكر له شواهدَ كثيرةً تدل على صحته، ومنها حديث عائشة، الذي أورده المُصنِّف بعده؛ فهو شاهد لحديث أبي الدرداء: قالت: قال رسول الله : من كانت له صلاةٌ صلاها من الليل... هذا يدل على المواظبة، وأن هذا الأمر إنما هو خاص في المواظب من كانت له صلاةٌ صلاها من الليل، فنام عنها؛ كان ذلك صدقةً تصدَّق الله ​​​​​​​ عليه، وكتب له أجر صلاته [19].

نبَّه المصنف هنا تنبيهًا مفيدًا، قال: "هذا -والله أعلم- على قدر شدة الأسف على ما فاته من ليلته، كيف شُغِل عنه حتى فاته القيام، فأخذ نفسه بالتحرز فيما يستقبل؛ خوفًا أن يفوته، ورده ثانيةً"، فيُكتب له؛ لأنه عازمٌ ابتداءً على القيام، ولمَّا قام وقد فاته تألَّم ألمًا شديدًا، وحصل له أسفٌ وحزنٌ؛ فُيكتب له. أما الشخص الذي ليس بمواظبٍ، وإذا أصبح لا يأسف على شيءٍ أصلًا، ولا يتألم لشيءٍ أصلًا، فهذا شأنه آخر، لكن هذا الذي هو مواظب: ففي أول الليل عازمٌ، ولما أصبح وقد نام عن قيام الليل تألَّم وتأسَّف، فهذا الذي يُكتب له قيام ليلةٍ، وتكون نومتُه صدقةً من الله تصدَّق بها عليه.

نعم. 

أبيات سعد بن يزيد في مُعاتبة نفسه لتركه قيام ليلة

القارئ: قال:

حدَّثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشِّكْلي، قال: حدَّثنا محمد بن منصورٍ الزاهد، قال: كان لسعد بن يزيدَ وِردٌ من الليل يقومه، ففتر عن وِرده ذات ليلةٍ، فأصبح حزينًا وأنشأ يقول:
ألا في سبيل الله عُمْرٌ رُزِيتُه وطولُ ليالٍ فات منها نعيمُها
أأعبُر أيامي فما أستطيعها وتذهب عيني ليلةً لا أقومها؟!
وتنقطع الدنيا ويَذهب عيشُها ويغتنم الخيراتِ منها حكيمُها
أعاود جهلًا بعد خيرٍ وصبوةٍ تمر بأيامي فتبقى رسومُها
الشيخ: ثم أورد رحمه الله هذه المعاتبة لأحد العُباد، سعد بن يزيد يعاتب نفسه بأبياتٍ من الشعر على ليلةٍ واحدةٍ فتر عن قيامها؛ فتألَّم لذلك، وأصبح حزينًا متألمًا أن فاته قيام تلك الليلة، فأخذ يعاتب نفسه بهذه الأبيات، ويتألم من هذه المصيبة التي حصلت له تلك الليلة.

"ألا في سبيل الله عُمْرٌ رُزِيتُه" أي: أُصبت فيه، وابتُليت فيه بمصيبةٍ.

"وطول ليالٍ فات منها نعيمُها" والمراد بنعيمها: ما يكون فيها من قيامٍ وتهجدٍ وعبادةٍ لله .

"أأعبر أيامي فما أستطيعها" يعني: أأمضي في أيامي أعبر، وتمر بي الأيام تلو الأيام، "فما أستطيعها": ما أستطيع أن أغنم ما فيها من خيرٍ وتعبُّدٍ وقيامٍ لله ، هكذا تمر أيامي؟!

"أأعبر أيامي فما أستطيعها وتذهب عيني ليلةً لا أقومها؟!": يتحسر ويتألم كيف تمر ليلةٌ واحدةٌ دون أن يكون له حظٌّ من قيامها، وعلى كل هذا الحسرة التي بعد النومة والعزم الذي قبل النومة، مرَّ معنا أنها تُكتب له بإذن الله.

هذه الحسرة والألم الذي في نفوس العباد والصالحين بعد النومة والعزم الذي قبل النومة، هذا مُوجبٌ لكتبها قيام ليلةٍ، وتكون نومتُه صدقةً من الله تصدَّق بها عليه.

قال: "وتنقطع الدنيا ويذهب عيشها *** ويغتنم الخيرات منها حكيمُها"

الحكيم في الدنيا هو الذي يغنم خيرات الدنيا، وإلا فكثيرٌ من الناس تذهب دنياه سبهللا، وتمضي سُدًى، لا ينتفع من لياليه، ولا من أيامه.

"أعاود جهلًا بعد خيرٍ وصبوةٍ *** تمر بأيامي فتبقى رسومُها"

يعني: ما يليق بمثلي، بعد أن منَّ الله عليه بالخير والإقبال على العبادة، أن تمر الأيام ويبقى من الأيام الرسوم دون أن يُحصِّل ما فيها من خيراتٍ وبركاتٍ.

ثم وقع في هذه النسخة تكرارٌ للحديث نفسه، فنتجاوزه لما بعده.

رؤيا أحد المُتعبدين بعد فوات وِرده

القارئ: قال:

حدَّثنا أبو الفضل الشِّكْلي أيضًا: قال لي محمد بن عبدالعزيز السائح: حدَّثني أبي، قال: "كان فتًى من المُتعبدين له وِردٌ من الليل يقومه، ففتر عن وِرده ذلك، قال: فبينما أنا ذات ليلةٍ راقدٌ، رأيتُ في منامي كأن فتًى وقف عليَّ، فقال لي:
تيقظ لساعاتٍ من الليل يا فتًى لعلك تُحبَى في الجنان بِحُورِها
فتنعم في دارٍ يدوم نعيمُها محمدُ فيها والخليلُ بِدُورِها
فقم فتيقَّظ ساعةً بعد ساعةٍ عساك تقضي ما بقي من مهورها [20]

الشيخ: ثم أورد هذا المنام، وهو بنحو المنام الذي سبق في آخر الترجمة الماضية، ومثل هذه المنامات أشرت إلى أنها داخلةٌ في باب البشارة والنذارة، وهذا حدود نطاق المنامات، أما أن تؤخَذ منها أحكامٌ وتعبداتٌ فلا، فالمنامات للبشارة والنذارة، أما تقرير الأحكام فلا.

"فكان فتًى من المُتعبدين له وِردٌ من الليل يقومه، ففتر عن ورده ذلك، قال: فبينما أنا ذات ليلةٍ راقدٌ رأيتُ في منامي كأن فتًى وقف عليَّ، فقال لي -يعني في المنام- هذه الأبيات:
تيقَّظ لساعاتٍ من الليل يا فتًى *** لعلك تُحبَى في الجنان بِحُورِها"
تُحبَى: من الحبوة، يعني: يَحْبُوك الله بها، يَمُنُّ عليك بها ويتفضَّل، تُحبَى في الجنان بِحُورِها.
"فتنعم في دارٍ يدوم نعيمُها *** محمدُ فيها، والخليل بِدُورها"
الخليل بِدُورِها، أي: دُور الجنة، وهذا هو الرفيق وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]

"فقُم فتيقَّظ ساعةً بعد ساعةٍ *** عساك تقضي ما بقي من مهورها"

أي: مهور الحور العين في الجنة، وهي عبادة الله، ومن ذلكم قيام الليل.

نعم.

خبر عبدالعزيز بن سلمان العابد

القارئ: قال: 

حدَّثنا أبو عبدالله محمد بن مَخْلدٍ العطار، قال: حدَّثنا عبدالرزاق بن عقيل بن عيسى الأصبهاني، قال: حدَّثني أحمد بن عبدالرحمن بن سلامٍ، قال: حدَّثني يحيى بن عيسى بن ضرارٍ السعدي، عن عبدالعزيز بن سلمان العابد -وكان يرى الآيات والأعاجيب- قال: حدَّثني مُطهر السعدي -وكان قد بكى شوقًا إلى الله ​​​​​​​ ستين عامًا- قال:
"رأيت كأني على ضفة نهرٍ يجري بالمسك الأَذْفَر، حافتاه لؤلؤٌ ونبتٌ من قضبان الذهب، فإذا أنا بجوارٍ مُزيَّناتٍ يَقُلْن بصوتٍ واحدٍ: سبحان المُسبَّح بكل مكانٍ سبحانه، وسبحان المُوحَّد بكل مكانٍ سبحانه، سبحان الدائم في كل الأزمان سبحانه.
فقلت: من أنتن؟
فقلن: نحن خلقٌ من خلق الرحمن سبحانه.
فقلت: فما تصنعن ها هنا؟
فقلن:
ذَرَأنا إلهُ الناس ربُّ محمدٍ لقومٍ على الأطراف بالليل قُوَّمُ
يناجون رب العالمين إلهَهم  فتسري هُيومُ القوم والناس نُوَّمُ
قلتُ: بَخٍ بَخٍ، فهؤلاء مِن هؤلاء، قد أقرَّ الله الكريم أعينَهم بِكُنَّ.
قلن: أوَما تعرفهم؟
قلت: لا، والله ما أعرفهم.
قلن: بلى، هؤلاء المتهجدون أصحاب السهر بالقرآن .

الشيخ: قلت: "بخٍ بخٍ، فهؤلاء"، هل معك نسخة أخرى؟ لعلها: "بخٍ بخٍ هؤلاء، مَن هؤلاء؟" كما تفضَّلت؛ لأنه قال: قد أقرَّ الله الكريم أعينَهم بِكُنَّ، فهؤلاء، مَن هؤلاء؟ قد أقر الله الكريم أعينَهم بِكُنَّ، أوَما تعرفهم؟ يعني: في سؤال مَن هؤلاء؟

أورد رحمه الله تعالى هذا الخبر عن عبدالعزيز بن سلمان العابد، وكان يرى الآيات والأعاجيب، قال: حدَّثني مُطهر السعدي، وكان قد بكى شوقًا إلى الله ستين عامًا، قال: "رأيت كأني على ضفة نهرٍ يجري بالمسك الأَذْفَر"، والمسك الأَذْفَر: هو أجود المسك وأطيبه.

"حافتاه لؤلؤٌ ونبتٌ من قضبان الذهب، فإذا أنا بجوارٍ مُزيَّناتٍ يقلن بصوتٍ واحدٍ: سبحان المُسبَّح بكل مكانٍ، تُسبِّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وسبحان المُوحَّد بكل مكانٍ، وسبحان الدائم في كل الأزمان، هو الأول والآخر، فقلت: مَن أنتن؟ فقلن: نحن خلقٌ من خلق الرحمن سبحانه، فقلت: فما تصنعن ها هنا؟ فقلن: ذَرَأنا إلهُ الناس" أي: خَلَقنا وأوجدنا إله الناس رب محمدٍ .

"لقومٍ على الأطراف" أي: على الأقدام.

"بالليل قُوَّمٌ على الأطراف" أي: أطراف أقدامهم، قيامٌ لله يصلون.

"يناجون رب العالمين إلهَهم ** فتسري هيوم القوم..." هيوم القوم، أي: حُبُّ القوم وشوقهم.

"والناس نُوَّمُ، قلت: بخٍ بخٍ، فهؤلاء مَن؟ أو مَن هؤلاء؟ قد أقرَّ الله الكريم أعينَهم بِكُنَّ، قلن: أوَما تعرفهم؟" يعني: الموصوفين بهذه الأبيات.

"قلت: لا، والله ما أعرفهم، قلن: بلى، هؤلاء المتهجدون أصحاب السهر بالقرآن".

والإسناد فيه مَن هو مجهولٌ، يعني: الإسناد غير مستقيمٍ، والقصة أيضًا فيها ما فيها من المُبالغات، مثل: يرى الآيات والأعاجيب، وبكى شوقًا إلى الله ستين عامًا، ونحو ذلك. وأصلًا الإسناد فيه مَن لا يُعرف، مثل: أحمد بن عبدالرحمن، ويحيى بن عيسى.

نعم.

أثر تميم الداري رضي الله عنه

القارئ: قال:

حدَّثنا ابن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا عبدالرزاق، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا يونس..

 الشيخ: عبدالرزاق هو المُتقدم في الإسناد، قبله ابن عقيل بن عيسى، وأحمد أيضًا هو المتقدم: أحمد بن عبدالرحمن بن سلامٍ، وأشرت إلى أنه لا يُعرف.

نعم.

القارئ: قال:

حدثنا يونس بن المدني، عن المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه: أن تميمًا الداري نام ليلةً لم يقم يتهجد فيها، فقام سنةً لم ينم فيها، ولم يغمض للذي صنع.

الشيخ: ثم أورد هذا الخبر عن تميم بن أوس الداري قال: "إنه نام ليلةً لم يقم يتهجد فيها، فقام سنةً لم ينم فيها ولم يغمض" أي: لم يغمض جفنٌ "للذي صنع" يعني: لما حصل منه في تلك الليلة.

وهذا لا يخلو من مبالغةٍ أيضًا، والإسناد غير ثابتٍ، يعني: فيه أحمد، مرَّت الإشارة إلى أنه لا يُعرف، والمنكدر بن محمد ليِّنُ الحديث، الإسناد غير ثابتٍ.

نعم.

القارئ: قال:

وحدَّثنا ابن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمد بن حسان بن فيروز الأزرق، قال: حدَّثنا الوليد بن مسلم، قال حدثني..

الشيخ: العذر لهؤلاء الأئمة في إيراد مثل هذه الأشياء: أولًا: أنهم أسندوا، يعني: ذكر الإسناد فأعطاك الخبر بإسناده، وعادةً مثل هذه الأجزاء، يعني: تُفرد لجمع ما في الباب، وإذا أسند فقد أحال وبرأت ذمته، أعطاك الإسناد، وأنت تنظر في الإسناد في ضوء قواعد أهل العلم في الرجال، ومعرفة من يُقبل منهم ومن لا يُقبل، الضعيف من غيره، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: لم تُذكر هذه الأخبار ليُعتمد عليها لعمدة الأحاديث الصحيحة، والآيات المتقدمة التي بنى عليها الكتاب، لكن هذه الأشياء تُذكر ضمنًا، لا على وجه الاعتماد، الاعتماد إنما هو على الأحاديث والنصوص التي مرَّت، ولهذا لم يُبْنَ على هذه الأشياء أي حُكمٍ، يعني: ربما يكون ذكرها من باب الاستئناس بها، ونحو ذلك. أما الاعتماد إنما هو على الآيات والأحاديث والأخبار الصحيحة التي تقدَّم ذكرها.

نعم.

أثر عطاء الخرساني في قيامه في العزو

القارئ: قال:

وحدَّثنا ابن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمد بن حسان بن فيروز الأزرق، قال: حدَّثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: حدَّثني عبدالرحمن بن يزيد بن جابرٍ، قال: كنا نغازي مع عطاء الخرساني، فكان يُحيي الليل صلاةً، فإذا مرَّ من الليل ثلثه أو أكثر نادانا ونحن في فساطيطنا: يا عبدالرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، ويا هشام بن الغاز؛ قوموا فتوضؤوا وصلُّوا، فقيام الليل وصيام هذا النهار أيسر من مقطعات الحديد، وشراب الصديد، الوحاء الوحاء، النجاء النجاء، ثم يُقبل على صلاته.

الشيخ: ثم أورد هذا الخبر عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابرٍ، قال: "كنا نغازي مع عطاءٍ الخرساني" أي: نخرج معه في المغازي.

"فكان يحيي الليل صلاة، فإذا مرَّ من الليل ثلثه أو أكثر نادانا ونحن في فساطيطنا": جمع: فسطاط، وهو بيت الشعر.

"يا عبدالرحمن بن يزيد، يا يزيد بن يزيد، يا هشام بن الغاز": ينادي أصحابه ورفقاءه، يحثهم على النهوض لقيام الليل.

"قوموا فتوضؤوا فصلُّوا، فقيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من مقطعات الحديد وشراب الصديد"، أي: النار، وشراب الصديد، هذا تخويف للنفس بالنار، وأخذ النفس مأخذ الحيطة والحزم بالعبادة والطاعة لله حتى في باب النوافل؛ لأن النوافل تجبر النقص، وتعلو بها الدرجة، ويرتفع بها قدر المرء عند الله حتى في النوافل.

ومن القصص التي مرت عليَّ في هذا الباب: مما كُتب، يعني: بعد وفاة الإمام ابن عثيمين رحمة الله عليه، ثم أحد الأشخاص يذكر أنه دخل المسجد، وكان الشيخ وحده جالسًا ينتظر الإشراق، فكأنه غلبه النعاس، مال رأسه، وما انتبه الشيخ -على حد قول الراوي، والله أعلم بصحة الخبر- فضرب الشيخ محمد على فخذ نفسه، وقال: يا محمد، النار النار.. يا محمد، النار النار، يعني: التذكير بالنار والعقوبة، وأن الإنسان ينشط ويعبد الله، ويعتني بالنوافل، ويعتني بالعبادات، ويجاهد نفسه على طاعة الله .

فتذكُّر النار والعقوبة والوعيد من الأمور التي تجعل العبد يُقبل ويُواظب على العبادة؛ فرضها ونفلها: الفرض؛ لكون الله أوجب عليه، والنفل؛ لأنه يجبر النقص والخلل، وترتفع به الدرجات عند الله .

"الوحاء الوحاء" يعني: السرعة السرعة، يقال: توحَّيتُ، أي: أسرعت، والوحاء: هو السرعة، الوحاء الوحاء، أي: السرعة السرعة، لا تتوانوا، ولا تكسلوا، يقول لهم: الوحاء، أي: أسرعوا وبادروا.

"النجاء النجاء" أي: أدركوا أنفسكم بما تكون به نجاتكم عند الله .

"ثم يُقبل رحمه الله على صلاته".

نعم.

خبر العابد الذي أجنب واغتسل في ليلةٍ باردةٍ

القارئ: قال:

حدَّثنا أبو الفضل الشِّكْلي، قال: سمعت علي بن موفقٍ يقول: قال داود بن رشيدٍ: كان فتًى من المُتعبدين له وِردٌ من الليل، فأجنب ذات ليلةٍ، فقام واغتسل والماء باردٌ، فاشتد عليه، فبكى، فنودي: أنمناهم فأقمناك، وتتباكى علينا! أو كما قال أبو الفضل.

الشيخ: ثم ختم هذا الباب بهذا الخبر فيما رواه داود بن رشيدٍ، قال: "كان فتًى من المُتعبِّدين له وِردٌ من الليل، فأجنب" يعني: أصابته جنابةٌ ليلةً من الليالي في الليلة الشاتية.

"فقام واغتسل والماء باردٌ، فاشتد عليه، فبكى، فنودي: أنمناهم فأقمناك، وتتباكى علينا!" في هذا: أن قيام الليل وتيسُّر قيامه هذا مِنَّةٌ إلهيةٌ وفضلٌ، والناس رقودٌ، ثم يختص الله ​​​​​​​ بعض عباده، ويصطفيهم لهذه المناجاة ولهذه الخلوة بينهم وبين الله .

وفيما يتعلق بنوم الشتاء، والقومة منه، القومة من نوم الشتاء، يحصل للمرء نوعان من التألم، يحتاج أن يكابد نفسه ويجاهد نفسه للخلاص منهما:

  • الأول: تألُّم النفس في القيام من الفراش في شدة البرد، فمعروفٌ: أن الإنسان إذا كان مُتلحفًا باللحاف، والليل باردٌ والجو بارد، وهو في الدفء، مُتدفئ باللحاف، فإذا أزال اللحاف عن نفسه وأراد أن يقوم، وإذا الجو باردٌ؛ فهذا يحتاج إلى مكابدةٍ، ويتألم لمفارقة هذا الدفء، ومواجهة هذا الجو البارد، هذه واحدةٌ.
  • التألم الثاني: ما يحصل له عند الوضوء، وأشد منه عندما يكون الغسل، ومن أعظم أسباب رفعة الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وهذا هو إسباغ الوضوء على المكاره، تجد الماء فيه برودةٌ، ويتحمل الإنسان مع الجو البارد؛ حتى تحصل لبدنه الطهارة، ثم يقوم بين يدي الله .

 

^1 رواه البخاري: 6464، ومسلم: 2818.
^2 رواه البخاري: 1142، ومسلم: 776.
^3 رواه البخاري: 3275.
^4 رواه أبو داود: 5049، والترمذي: 3417، والنسائي: 10629، وابن ماجه: 3880، وأحمد: 23286، وصححه محققو "المسند".
^5 رواه الدارقطني في "أطراف الغرائب": 2/ 227، وقال عنه: "تفرَّد به بكر بن بكار عن قرة مسندًا".
^6 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 19/ 47.
^7 رواه البخاري: 3270، ومسلم: 774.
^8 رواه أبو داود: 1308، والنسائي: 1610، وابن ماجه: 1336، وأحمد: 7410، وقال محققو "المسند": إسناده قوي، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3494.
^9 رواه أبو داود: 1451، والنسائي في "السنن الكبرى": 11342، وابن ماجه: 1335، والحاكم في "المستدرك": 1202، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 333.
^10 رواه ابن ماجه: 1332، والطبراني في "المعجم الصغير": 337، والبيهقي في "شعب الإيمان": 4417، وضعَّفه الألباني في "ضعيف الجامع": 4070.
^11 قال عنه محقق الكتاب: إسناده ضعيفٌ جدًّا وفيه نكارةٌ، وضعَّفه الألباني في "السلسلة الضعيفة": 953.
^12 رواه البخاري: 212، ومسلم: 786.
^13 صفة الصفوة: 2/ 527.
^14 رواه البخاري: 6612، ومسلم: 2657
^15 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 1463، وابن ماجه: 1344، والبيهقي في "السنن الكبرى": 4786، والحاكم في "المستدرك": 1181، وقال عنه: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه"، وصححه الألباني في "السراج المنير": 1425.
^16 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 1462، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1685.
^17 رواه البخاري: 2996.
^18, ^19 سبق تخريجه.
^20 غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: 2/ 503.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©