تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ محمد بن علي آدم الأتيوبي
فضيلة الشيخ محمد بن علي آدم الأتيوبي

كتاب المناسك- من قوله: "باب في إفراد الحج.."

جدول المحتويات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إنَّ الحمد للَّه، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللَّه من شرور أنفسِنا، ومن سيِّئات أعمالنا. مَن يهْدِه اللَّه فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وحْدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أمَّا بعد: 

فإنَّ أصدَق الحديث كتابُ اللَّه، وخيرَ الهَدي هَديُ محمَّدٍ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

هذا، وقد أَخَذْنا فيما مضَى من سُنن الإمام أبي داودَ السِّجِسْتانِيِّ رحمه اللَّه تعالى بسندِنا المتَّصل إليه من أوَّل كتابٍ إلى أن وصلنا إلى أثناء كتاب المناسك عند قوله: "بابٌ في إِفْرادِ الْحَجِّ".

القارئ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم.

الحمد للَّه ربِّ العالمين، وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبسندٍ متَّصِلٍ إلى الإمام الحافظ الحُجَّةِ أبي داودَ السِّجستانيِّ رحمه اللَّه تعالى ونفعَنا اللَّه جميعًا بعلومه وعلومكم، آمين. قال:

باب في إفراد الحج

بابٌ: في إفراد الحجِّ
وبسندٍ متَّصلٍ إليه، قال:
حدَّثنا عبداللَّه بن مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ رضي اللَّه عنها: أنَّ رسول اللَّه أَفْرَدَ الْحَجَّ[1].

الأنساك ثلاثة: الإفراد والقران والتمتع

الشيخ: هذا "إِفْراد الحجِّ" معناه فيه إشارةٌ إلى أنَّ الْأَنْساكَ ثلاثةٌ: إِفْرادٌ، وتَمتُّعٌ، وقِرانٌ. فهذه الثلاثة -يعني- هي الَّتي شَرعها اللَّه على لسان نبيِّه فِعلًا وقولًا وتقريرًا.

فإفراد الحجِّ عبارةٌ عن أن يأتيَ الحاجُّ مِن بلدِه، ويتجاوزَ الميقات ملبِّيًا بالحجِّ فقط: اللَّهمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ؛ فيسِّره لي، وتقبَّلْه منِّي، لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ.. إلى آخره. هذا يُسمَّى إِفْرادًا.

وأمَّا "الإِقْران" أو "القِران" فمعناه: أن يَقْرِنَ بين الحجِّ والعمرةِ: اللَّهمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ والعمرة؛ فيسِّرْهما لي، وتقبَّلْهما مِنِّي. ثُمَّ يُلبِّي، وهكذا.

وأمَّا "التَّمتُّع" فهو أنواعٌ، منها: أن يأتيَ مِن بلدِه مُفْردًا لِلحجِّ، ثُمَّ يُفْرِدَ الحجَّ في الميقات، ثُمَّ يَدخل مكَّةَ، ثُمَّ يطوف، ويسعَى بين الصَّفا والمروةِ، ويَحْلِق رأسه أو يقصِّر، ثُمَّ يتحلَّل. وهذا هو الَّذي فعَلَه معظَمُ أصحاب رسول اللَّه في عام حجَّة الوداع بأمْرِه [2]، ثُمَّ إذا جاء يومُ التَّرْوية -اليوم الثامن- يبدأ بالحجِّ، ويقول: "لبَّيك اللَّهمَّ حجًّا"، ثُمَّ يُتِمُّ حجَّه، وعليه هَدْيٌ: هَدْيُ التمتُّع. أو معنى ذلك: هذا نوعٌ من أنواع التمتُّع.

ومن أنواع التمتُّع: أن يأتيَ مِن بلدِه مُحْرمًا بالعمرة فقط، ثُمَّ إذا دخل مكَّةَ يَسعَى، ويطوف، ويتحلَّل، ثُمَّ يَنتظِر حتَّى يَجِيء يومُ الترْوِية -اليوم الثامن- فَيُهِلَّ بالحجِّ، وهكذا.

مشروعية الأنساك الثلاثة، وأيُّها أفضل؟

ثُمَّ هذه الثلاثة مشروعةٌ عند جمهور الفقهاء أوَّلًا وآخِرًا، سَلَفًا وخَلَفًا، يعني عندهم: أيُّ نُسُكٍ أنشأه الإنسان له ذلك، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، ثُمَّ اختلفوا بعد ذلك في الأفضليَّة: فمنهم من قال: الأفضل الإفراد، ومنهم من قال: الأفضل القِران، ومنهم من قال: التَّمتُّع.

أمَّا مَن فضَّل القِرانَ فهذا له وَجْهٌ، وهو أنَّه -يعني- قَرَنَ، هذا هو الصحيح من حجِّ النبيِّ أنَّه كان قارنًا؛ فلذلك ما اختار اللَّه لنبيِّه إلَّا أفضَلَ الأنواع، وهذا هو الَّذي يُتَمَسَّك به.

ومنهم من قال: التمتُّع؛ لِأَنَّ النبيَّ أَمَرَ به، وَرَغَّبَ أصحابه وقال: لو أنِّي اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما أَهْدَيْتُ، وَلَتَحَلَّلْتُ[3]، إلى آخر ما قاله .

فبذلك قالوا: التمتُّع تمنَّاه النبيُّ ، وشجَّع أصحابه عليه؛ فهو أفضَل. ومنهم من قال: الإفراد أفضَل، لماذا؟ لِأَنَّ إِفراد العبادة أفضَلُ؛ لِأنَّ معنى الإفراد: أن يُفْرِد الحجَّ، الآن أَفْرَدَ الحجَّ، ثُمَّ إذَا انتهَى ورَجَعَ إلى بلدِه يرجِعُ مَرَّةً ثانيةً بعمرةٍ؛ فإِذَنْ هو عَمِلَ الاثنين، فقالوا: هو -إفرادُ العبادَتَين هذا- أَوْلَى.

لكنَّ الَّذي يَظْهر لنا أنَّ ما اختاره اللَّه تعالَى لنبيِّه هو الْأَوْلَى، وهو أفضَل من غيره.

حديث: «أفردَ الحجَّ» وبيان معناه الصحيح

وأمَّا هذا الحديث: أنَّ رسول اللَّه أفْرَدَ الحَجَّ[4]، هذا مُجْمَلٌ ولم تُبيِّنْه هذه الرواية، وقد بيَّنَتْه الروايات الأخرى: وذلك أنَّ النبيَّ خرج من المدينة مُريدًا الحجَّ، وكلُّ الصحابة لا يعرفون العمرةَ في أَشْهُرِ الحجِّ، فكُلٌّ ناوٍ للحجِّ، ثُمَّ لمَّا حَلَّ بِوادي العَقيق قال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: حجَّةً في عمرةٍ[5]، فأَمَرَه جبريلُ أن يَقْرِن بينهما فَقَرَن، فبَعْد ذلك صار قارنًا، هذا هو آخِرُ أَمْرِه ؛ فلذلك نقول: أفرَدَ أَوَّلَ أَمْرِهِ، كان بدأ بالحجِّ ثُمَّ أَدْخلَ عليه العمرة، هذا هو أَوْلَى ما يُفَسَّر به هذا الحديث، ويُتَمَسَّك به، نعم.

حديث عائشة رضي الله عنها: «من شاء أن يهل بحج فليهل ...»

القارئ: وبِهِ إليه قال:

حدَّثنا سليمان بن حربٍ، قال: أخبرنا حمَّاد بن زيدٍ، ح قال: وأخبرنا موسى بن إسماعيل، قال أخبرنا حمَّادٌ -يعني ابن سَلَمة- ح قال: وأخبرنا موسَى، قال: أخبرنا وُهَيْبٌ، عن هِشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي اللَّه عنها أنَّها قالت: خرَجْنا مع رسول اللَّه  مُوافِينَ هِلالَ ذي الحجَّة، فلمَّا كان بِذِي الحُلَيْفَة قال: مَنْ شاء أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهلَّ، ومَن شاء أن يُهِلَّ بِعمرةٍ فَلْيُهلَّ بعمرةٍ[6].
قال موسى في حديث وُهَيْبٍ: فإنِّي لولا أنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بعمرةٍ[7]. وقال في حديث حمَّاد بن سَلَمَةَ: وأمَّا أنا فأُهِلُّ بِالحجِّ؛ فإنَّ معيَ الهَدْيَ.
ثُمَّ اتَّفَقوا، فكنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمرةٍ، فلَمَّا كان في بعض الطريق حِضْتُ، فدَخَل علَيَّ رسول اللَّه وأنا أبكي، فقال: ما يُبْكِيكِ؟، قلْتُ: وَدِدْتُ أنِّي لم أكُنْ خرجْتُ العامَ. قال: ارْفِضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي[8]. قال موسى: وَأَهِلِّي بِالحجِّ. وقال سليمان: واصْنَعي ما يَصْنعُ المسلمون في حَجِّهم، فلَمَّا كان ليلةُ الصَّدَر أَمَرَ -يعني رسول اللَّه - عبدالرحمن فذَهَبَ بها إلى التنْعِيمِ.
زاد موسى: فأَهَلَّتْ بِعمرةٍ مكان عُمْرتِها، وطافت بالبيت، فَقَضَى اللَّه عُمْرتَها وحَجَّها. قال هشام: ولم يَكُنْ في شيءٍ من ذلك هَدْيٌ. قال أبو داود: زاد موسى في حديث حمَّاد بن سَلَمة: فلَما كانت ليلةُ البَطْحاءِ طَهُرَتْ عائشةُ رضي اللَّه عنها[9].

تحويل نسك عائشة رضي الله عنها إلى قِران بأمر النبي

الشيخ: يعني أنَّ عائشةَ رضي اللَّه عنها مِمَّن حجَّ من أُمَّهات المؤمنين رضي اللَّه عنهنَّ مع النبيِّ عامَ حجَّة الوداع في العام العاشر، ولكنَّها ابْتُلِيَتْ بِحَيْضٍ، لما جاءت إلى (سَرِف) حاضتْ، فلمّا حاضت بَكَتْ، فلما بَكَتْ دخَلَ عليها فقال: ما يُبْكِيكِ؟، قالت: تَمَنَّيْتُ ألا أكون خرجْتُ معك. قال: لَعَلَّكِ حِضْتِ؟، قالت: نعم. قال: إنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّه علَى بناتِ آدَمَ، وَلَيس عليكِ فقط، وإنَّما افْعَلِي ما يَفْعَلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفِي بِالبيت حتَّى تَطْهُرِي[10]فأمَرَها بذلك، وأمَرَها أيضًا أن تَغْتَسِل، وأن تَمْتَشِطَ.

فيه: أنَّ الحائض عند إرادة الإحرام مِن النُّسُك -يعني: في الميقات- عليها أن تغتسل، وعليها أن تمْتَشِط، وتمشط شَعْرَها هذا، وإن كان وقت ليس وقت طهارة، وإنما هذا طهارة نظافة، نظافة فقط؛ فيجِب على الحائض والنُّفَساءِ أن تغتسل عند إرادة الْإِهْلالِ بالحجِّ.

فَأهَلَّتْ بذلك إلى أن كان آخرُ يوم الترْوِيةِ، فعند ذلك طَهُرَتْ، فلمَّا طَهُرَتْ أرسَلَها مع أخيها عبدالرحمن بن أبي بكرٍ  إلى التنعيم فاعتمرَتْ، ثُمَّ أَولًا قال لها لمَّا انتهَتْ: قَضَى اللَّه حَجَّكِ وعُمْرَتَكِ. قالت: يا رسول اللَّه، إنَّ أمَّهات المؤمنين كلَّهُنَّ يَرْجِعْنَ بِحَجَّةٍ وعُمْرةٍ، وأنا أرجع بِحَجَّةٍ فقط ما عندي عمرةٌ. فقال لها: يَكْفِيكِ هذا؛ لأنَّها صارت قارنة، وقال لمَّا جاء يومُ الترْوِية وهي حائضٌ: أَهِلِّي بِالحَجِّ: أَدْخِلِي الحَجَّ علَى العمرة فَتَصِيري قارنةً ويُؤَدِّي اللَّه النُّسُكَيْن بِفِعْلٍ واحدٍ.

فلمَّا أَدَّتْ ذلك قال لها: انْتَهَى، ما هناك شيءٌ، الحَجُّ تَمَّ والعمرةُ تَمَّتْ. قالت: أنا أُرِيد عُمرةً مُفْردَةً كسائِرِ صُوَيْحِباتِي، لكن قال النبيُّ : قَضَى اللَّه حَجَّكِ وَعمرَتَكِ، قالت -يعني-: نعم، لَكِنْ أُريد مُفْردَةً، فَأَرْسَلها -يعني- تَطْييبًا لِخاطِرِها، معناه أنَّه طيَّبَ خاطرَها مع أنَّه أخبرها بأنَّ عمرتَها انقَضَتْ وتَمَّتْ، وتَمَّ عملُها، ولا حاجةَ إلى الثانية. لكن لمَّا أرادت عمرةً مُفردَةً جَبَرَ خاطرَها بذلك، فخَرَجَتْ إلى التنعيم.

فَفِيه دليلٌ على أنَّ مَنْ كان في مكَّةَ وأراد أن يَعْتمِرَ فلا بُدَّ أن يخرج إلى الحِلِّ، وأَدْنَى ذلك الحِلِّ هو التنعيم، فلا بُدَّ، فَلَوْ أَحْرم أحدٌ من بيوت مكَّةَ للعمرة لا تَحِلُّ له، ولا خلافَ في هذا، قالوا: هذا مُجْمَعٌ عليه. وأمَّا حديث: حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ، يعني: يُهِلُّون مِن مكَّةَ، هذا بالنسبة لِلْقِران، وبالنسبة للحَجِّ المفْرَد فقط، وليس للعمرة المفْرَدة، فالعُمرة المفرَدة لا بُدَّ لها أن يخرج الإنسان إلى الحِلِّ، هذا هو المنصوص عليه عند العلماء.

تصحيح النبي لمفهوم الجاهلية حول العمرة في أشهر الحج

القارئ: وبالسَّند المتَّصِل إليه قال:
حدَّثنا القَعْنَبِيُّ عبدالله بن مَسْلَمَة، عن مالكٍ، عن أبي الأسود محمد بن عبدالرحمن بن نَوْفَل، عن عروةَ بن الزبير، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، أنَّها قالت: خرجْنا مع رسول اللَّه عامَ حجَّة الوداع: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرةٍ، ومنَّا مَن أهَلَّ بِحجٍّ وعمرةٍ، ومنَّا مَن أهَلَّ بالحجِّ، وأهَلَّ رسول اللَّه بالحجِّ، وأمَّا مَنْ أهَلَّ بالحجِّ، أو قالت: أو جَمَعَ الحجَّ والعمرة، فَلَمْ يُحِلُّوا حَتَّى كان يوم النَّحْر[11].

الشيخ: يعني الناس انقسموا لمَّا جاء الأمر من اللَّه بأنْ يعتَمِر الناس في تلك السَّنة قَطْعًا، لِما كان عليه الجاهليَّة أنَّ العمرة في أَشْهُر الحجِّ مِن أَفْجَرِ الفجور، هذا مِن مَزاعِم الجاهليَّة، يرون أنَّ العمرةَ في أَشْهُر الحجِّ مِن أَفْجَرِ الفجور، ويقولون: "إذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الْأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ"[12]، هكذا كلامٌ مسجوعٌ، كانوا يقولون ذلك.

فأراد النبيُّ البيان والتأكيد قولًا وفعلًا، فَأَهَلَّ واعتمر، اعْتَمَر وحجَّ في تلك السَّنة، وأَمَر أصحابه بذلك، فلمَّا أَمَرَهم قالوا: أيَّ عُمرةٍ نعتَمِرُ؟ قال: عمرة، قالوا: يا رسول الله. يعني: افْعَلُوا ما أَمَرْتُكُم بِهِ، ففعلوا ما أَمَرَهم به، بعضُهم أَهَلَّ بعمرةٍ، وبعضُهم بِحجٍّ، وبعضُهم قَرَنَ بينهما، ثُمَّ لَمَّا تجاوزوا واقتربوا من مَكَّةَ شَدَّد عليهم، وقال: يعني اقْلِبُوها إلى عمرةٍ، مَنْ كان أَهَلَّ بالحجِّ لازم يُلَبِّي بالعمرة.

فلمَّا كان على رأس المرْوَةِ طافوا سبعةَ أطوافٍ بالكعبة، وسَعَوا بين الصَّفا والمروة سبع مراتٍ، وأَمَرَهم أن يَحْلقوا أو يُقَصِّروا على لزام، فَشَقَّ عليهم ذلك، فلَمَّا شَقَّ عليهم ذلك شَدَّدَ عليهم، يعني لو أنِّي اسْتَقْبَلتُ ما اسْتَدْبَرْتُ من أَمْرِي ما أَهْدَيْتُ، ولا أَهْلَلْتُ بعمرةٍ.

فشَقَّ عليهم ذلك، ولكنَّهم امْتَثَلوا ذلك، فَتَحلَّلوا كُلُّهُم إِلَّا الَّذي معه هَدْيٌ، وَهُمْ أُناسٌ قليلون، منهم النبيُّ ، ومنهم أبو طَلْحَةَ، ومنهم فلانٌ، ومنهم فلانٌ، وغيرُ هؤلاءِ كُلُّهم تَحَلَّلُوا رجالًا ونساءً، وطافوا وسَعَوا وتَحَلَّلوا وقَصَّرُوا، هكذا أَمَرَهُم في الآخِر.

حديث: من كان معه هدي ‌فليهل ‌بالحج ‌مع العمرة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثَنا ابن السَّرْح، قال: أنبَأَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن أبي الأسود، بإسناده مِثلَه زاد: فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَحَلَّ.
وبه إليه قال:
حدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ بن الزبير، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ورضي اللَّه عنها أنَّها قالت: خرَجَنا مع رسول اللَّه في حجَّة الوداع، فَأَهْلَلْنا بعمرةٍ، ثُمَّ قال رسول اللَّه : مَنْ كان مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بالحجِّ مع العمرة، ثُمَّ لا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُما جميعًا.
قالت: فَقَدِمْتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ، ولم أَطُفْ بالبيت، ولا بين الصَّفا والمروة، فَشكوتُ ذلك إلى رسول اللَّه ، فقال: انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحجِّ، وَدَعِي العمرةَ، قالت: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنا الحجَّ أرسلني رسول اللَّه مع عبدالرحمن بن أبي بَكرٍ رضي اللَّه عنهما إلى التنعيم فاعْتَمَرْتُ[13].

الشيخ: وَدَعِي العمرة معناه: أداء العمرة؛ لِأَنَّها وقتها كانت حائضًا، ما فيه عمرة، فلمَّا جاء يوم التروية أدخلت عليها الحج فصارت قارنة، فاكتفت بعمل واحد؛ ففيه دليل على أن القارن يكفيه طوافٌ واحد وسعي واحد.

القارئ:

فقال: هَذِهِ مَكانَ عُمْرَتِكِ. قالت: فطاف الَّذين أَهَلُّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصَّفا والمروة، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طافوا طوافًا آخَرَ بعد أن رجعوا من مِنًى لِحَجِّهِم[14].

الشيخ: هؤلاءِ مُتمتِّعون، المُتمتِّعون طافوا، وسَعَوا أَوَّلَ ما قَدِموا فصارت عمرةٌ وتَحلَّلوا، ثُمَّ لَمَّا قَدِموا مِن عرفةَ ورَمْيِ الجِمار طافوا وَسَعَوا للرُّكن، فمعنَى ذلك: أنَّ المتمتِّع يَلزمه أن يطوف طوافَيْن، ويسعى سَعْيَيْن في الحجِّ والعمرة، وأمَّا القارنُ والمُفْرِد لا فرْق بينهما، إلَّا في مذهب الحنفيَّةِ؛ الحنفيَّةُ يَرَون أنَّ المُفْرِد يخالف القارنَ، المُفْرِد يكفيه طوافٌ واحدٌ، وأمَّا القارنُ عندَهم فلا بُدَّ له من سعْيَيْن وطوافَيْن. وهذا مخالِفٌ لِما في الصحيحَيْن من الأحاديث الصحيحة مِن حديث عائشةَ رضي الله عنها وغيرها[15]: أنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ، نعم.

القارئ:

وأمَّا الذين كانوا جَمَعوا الحجَّ والعمرة فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا[16].
قال أبو داودَ: رواه إبراهيم بن سعدٍ، ومَعْمَرٌ، كلاهما عن ابن شهابٍ نحوَه، لم يذكروا طوافَ الذين أَهَلُّوا بعمرةٍ وطوافَ الَّذين جمعوا الحجَّ والعمرة.

حديث: انسكي المناسك كلها غير ألا تطوفي بالبيت

وبه إليه قال:
حدَّثنا أبو سَلَمةَ موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا حمادٌ، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ رضي اللَّه عنها أنَّها قالت: لبَّينا بالحجِّ حتَّى إذا كنا بِسَرِف حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رسول اللَّه وأنا أبكي، فقال: ما يُبكيكِ يا عائشةُ؟، قالت: فقلت: حِضْتُ، ليتني لم أكن حجَجْتُ. فقال: سبحان اللَّه! إنَّما ذلك شيءٌ كَتَبه اللَّه على بنات آدمَ عليه السلام، فقال: انْسُكِي المناسكَ كُلَّها غيرَ أن لا تطوفي بالبيت، قالت: فلمَّا دخلنا مكَّةَ قال رسول اللَّه : مَن شاء أن يجعلَها عمرةً فلْيَجْعلْها عمرةً، إلَّا مَن كان معه الهديُ، قالت: وذَبح رسول اللَّه عن نسائه البقرَ يومَ النَّحْر[17].

مشروعية الأضحية في السفر

الشيخ: وهذه البقرةُ احْتَجَّ بها مَن رأى مشروعيَّةَ الأضحية في السَّفَر، فإنَّ النبيَّ أَهْدَى -يعني هَدْيًا- من الإبل، ثُمَّ ذَبح عن نسائه، ذَبح بقرةً أضحيةً، فقالوا: الأضحيةُ مشروعةٌ في السَّفَر.

القارئ:

فلمَّا كانت ليلةُ البَطْحاءِ، وَطَهُرَتْ عائشةُ رضي اللَّه عنها، قالت: يا رسول اللَّه، أَتَرْجع صواحبي بِحجٍّ وعمرةٍ، وأرجع أنا بالحجِّ؟ فأَمَرَ رسول اللَّه عبدالرحمن بن أبي بكرٍ رضي اللَّه عنهما، فذهب بها إلى التنعيم فلبَّتْ بالعمرة[18].

حديث: أَمَر رسول الله من لم يكن ساق الهدي أن يحل

وبه إليه قال:
حدَّثنا عثمان بن أبي شَيبةَ، قال: أخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه لا نرى إلَّا أنَّه الحجُّ، فلمَّا قَدِمنا تَطَوَّفنا بالبيت، فَأَمَر رسول اللَّه مَنْ لم يكن ساق الهدْيَ أن يَحِلَّ، فأَحَلَّ مَن لم يكن ساق الهَدْيَ[19].

الشيخ: يعني أبْطَلَ مَزاعم الجاهليَّة: أنَّ العمرة في أَشْهُرِ الحجِّ من أفجر الفجور.

حديث: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا محمد بن يحيى بن فارسٍ، قال: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: أنبأنا يونس، عن الزُّهْرِيِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ رضي اللَّه عنها: أنَّ رسول اللَّه قال: لوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ. قال محمدٌ: أحْسَبُه قال: وَلَحَلَلْتُ مع الَّذين أَحَلُّوا مِن العمرة[20]، قال: أراد أن يكون أَمْرُ الناس واحدًا.

حديث: اغتسلي ثم أَهِلِّي بالحج

وبه إليه قال:
حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا اللَّيث، عن أبي الزبير، عن جابرٍ ، أنَّه قال: أقبلنا مُهِلِّينَ مع رسول اللَّه بالحجِّ مُفْرِدًا، وأقبلَتْ عائشةُ رضي اللَّه عنها مُهِلَّةً بِعُمْرةٍ، حتَّى إذَا كانت بِسَرِف عَرَكَتْ، حتَّى إذَا قدِمْنا طُفْنا بالكعبة، وبالصَّفا والمروة، فأَمَرَنا رسول اللَّه أن يَحِلَّ منا مَن لم يكن معه هَدْيٌ، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ فقال: الحِلُّ كُلُّه.
فواقَعْنا النساءَ، وتَطَيَّبْنا بالطِّيبِ، ولَبِسْنا ثيابَنا، وليس بيننا وبين عرفةَ إلَّا أربعُ ليالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنا يومَ التروية، ثُمَّ دخل رسول اللَّه على عائشةَ رضي اللَّه عنها فوجَدَها تبكي، فقال: ما شأنُكِ؟. قالت: شأْنِي أنِّي قد حِضْتُ، وقد حَلَّ الناس ولم أَحْلِلْ، ولم أَطُفْ بالبيت، والناس يذهبون إلى الحجِّ الآن. فقال: إنَّ هذا أَمْرٌ كتبه اللَّه على بنات آدمَ عليه السلام، فاغْتَسِلي، ثُمَّ أَهِلِّي بالحجِّ. ففعلَتْ، ووقفَت المواقفَ، حتَّى إذَا طَهُرَتْ طافتْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثُمَّ قال: قد حَلَلْتِ مِن حجِّكِ وعمرتِكِ جميعًا. قالت: يا رسول اللَّه، إنِّي أجِدُ في نفسي أنِّي لم أَطُفْ بالبيت حين حجَجْتُ؟ قال: فاذْهَبْ بها يا عبدالرحمن فأَعْمِرْها من التنعيم. وذلك ليلةَ الحَصْبَة[21].

حديث: واصنعي ما يصنع الحاج

وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جريجٍ أنه قال: أخبَرَني أبو الزبير أنَّه سَمِع جابرًا  قال: دخل النبيُّ على عائشةَ رضي اللَّه عنها ببعض هذه القصَّة، قال عند قوله وَأَهِلِّي بِالحجِّ: ثُمَّ حُجِّي، واصْنَعِي ما يَصْنَعُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت، ولا تُصلِّي[22].

حكم قراءة الحائض للقرآن

الشيخ: هذا احتجَّ به بعض أهل العلم على أنَّ الحائض تقرأ القرآن، ووَجْهُ الاستدلال: النبيُّ قال: واصْنَعِي ما يَصْنَعُ الحاجُّ، كلَّ ما يصنعه الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت، ولا تصلِّي، إِذَنْ ماذا بَقِيَ؟ كلُّ شيءٍ ما عدا ذلك مما يفعل الحاجُّ جائزٌ، والحاجُّ قائمًا وقاعدًا وراجعًا وذاهبًا يقرأ القرآن، فاحتجُّوا بهذا، والآخرون لا يَرَون ذلك.

حديث: بل هي للأبد

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَدٍ قال: أخبرنا أبي قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ قال: حدَّثني مَن سَمِع عطاءَ بن أبي رباحٍ قال: حدَّثني جابر بن عبداللَّه رضي الله عنهما قال: أَهْلَلْنا مع رسول اللَّه بالحجِّ خالصًا لا يخالِطُه شيءٌ، فقَدِمنا مكَّةَ لأربعِ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجَّة، فطُفْنا وسَعَينا، ثُمَّ أَمَرَنا رسول اللَّه أن نَحِلَّ، وقال: لولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ.
ثُمَّ قام سراقةُ بن مالكٍ فقال: يا رسول اللَّه، أرأَيْتَ مُتْعَتَنا هذه: أَلِعامِنا هذا أَمْ لِلْأبَدِ؟ فقال رسول اللَّه : بل هي لِلْأَبَدِ[23]، قال الأوزاعيُّ: سمِعْت عطاءَ بن أبي رباحٍ يُحَدِّث بهذا فلم أحفَظْه، حتَّى لَقِيتُ ابن جريجٍ فأَثْبتَه لي.

الشيخ: يعني سراقةُ بن مالكٍ يقول: أَلِعامِنا هذا الاعتمارُ؟ يعني: دخول جواز العمرةِ في أَشْهُرِ الحجِّ: أَلِعامِنا هذا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قال: لا، بلْ لِلْأَبَدِ، دَخَلَتِ العمرة في الحجِّ. هذا هو الَّذي فَهِمَهُ جمهور الفقهاء، وَفَهِمَ بعض العلماء أنَّ المراد بهذا -أي- قَلْب الحجِّ بِعَمَلِ العمرةِ، فَسْخُ الحجِّ بِعَمَلِ العمرة خاصٌّ أَمْ لا؟ قال: لا، بل لِلْأَبَدِ.

فَيَلْزم كُلَّ مَنْ أَهَلَّ بِحجٍّ مُفْرِدٍ جاء مِن بلدِه أو مِن ميقاتِ بلدِه أن يَقْلِبَ ذلك ويَفْسَخَ بِعَمَلِ العمرة، وعلى ذلك مَشَى -يعني- الظاهريَّة، وابنُ تيميةَ، وابنُ القيِّمِ، والشوكانيُّ، إلى آخره، هؤلاء يَرَون هذا دائمًا واجبًا، لكن الّذي يَظْهر أنَّ ما قاله الجمهور -يعني- لا مَرَدَّ له، وهو أنَّ المراد جوازُ العمرة في أَشْهُرِ الحجِّ، وليس فَسْخَ الحجِّ للعمرة، ودليلُ ذلك: أنَّ الصحابة  اختلفوا بعد ذلك بعد موت النبيِّ : منهم مَنْ فَعَل هذا، ومنهم مَنْ فعل هذا؛ فَدَلَّ على أنَّ ذلك ليس مُجْمَعًا عليه.

حديث: اجعلوها ‌عمرة إلا من كان معه الهدي

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا حمادٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن جابرٍ  أنَّه قال..

الشيخ: كنتُ رجَّحْتُ في شرح النسائيِّ هذا القولَ، ثُمَّ تراجَعْتُ في شرح مسلمٍ ومَشَيْتُ مع الجمهور؛ راجِعوه.

 القارئ:

عن جابرٍ  أنَّه قال: قَدِمَ رسول اللَّه وأصحابه لِأَرْبَعِ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجَّة، فلمَّا طافوا بالبيت، وبالصفا والمروة، قال رسول اللَّه : اجعلوها عمرةً إلَّا مَنْ كان معه الْهَدْيُ، فلمَّا كان يومُ التروية أَهَلُّوا بالحجِّ، فلمَّا كان يومُ النَّحْرِ قَدِمُوا فطافوا بالبيت، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة[24].

حديث: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي

وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ قال: أخبرنا عبدالوهاب الثَّقَفِيُّ قال: أخبرنا حبيبٌ -يعني المعلِّمَ- عن عطاءٍ أنَّه قال: حدَّثني جابر بن عبداللَّه: أنَّ رسول اللَّه أَهَلَّ هو وأصحابه بالحجِّ وليس مع أحدٍ منهم يومَئذٍ هَدْيٌ إلَّا النبي وطلحة، وكان عَلِيٌّ قَدِمَ من اليمن ومعه الهَدْيُ، فقال: أَهْلَلْتُ بما أَهَلَّ به رسول اللَّه ، وإنَّ النبيَّ أَمَرَ أصحابه أن يجعلوها عمرةً: يطوفوا، ثُمَّ يُقَصِّروا، وَيُحِلُّوا، إلَّا مَن كان معه الهَدْيُ. فقالوا: أَنَنْطَلِقُ إلى مِنًى وذُكُورُنا تَقْطُر؟ فبَلَغَ ذلك رسول اللَّه فقال: لو أنِّي استَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرتُ ما أَهْدَيْتُ، ولولا أنَّ معي الهدْيَ لَأَحْلَلْتُ[25].

الشيخ: يعني لَتَحَلَّلْتُ معكم بِعَمَلِ العمرة، يعني معناه.

حديث: هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عثمان بن أبي شَيبةَ: أنَّ محمد بن جعفرٍ حدَّثهم، عن شعبةَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ أنَّه قال: هذه عمرةٌ اسْتَمْتَعْنا بها، فَمَنْ لم يكن عِنده هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ الْحِلَّ كُلَّه، وقد دَخَلَتِ العمرة في الحجِّ إلى يومِ القيامة[26]. قال أبو داودَ: هذا مُنْكَرٌ، إنَّما هو قول ابن عباسٍ رضي الله عنهما.

الشيخ: هذا هو ظاهرٌ لِمَ؟ لِأَدلَّة الجمهور الَّذين استفهموا من المسألة أنَّ المراد دخول جواز العمرة في أَشْهُرِ الحجِّ، وليس فَسْخَ الحجِّ إلى العمرة، يعني فَسْخَ الحجِّ إلى العمرة كما فعل الصحابة مأمورٌ به، مَن أراد فَسَخَ ومَن لا فلا، وأمَّا الأمر أنَّ العمرة دخلت في أَشْهُرِ الحجِّ..

حديث: إذا أهل الرجل بالحج ثم قدم مكة فطاف بالبيت...

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عُبَيداللَّه بن معاذٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: أخبرنا النَّهَّاس، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ أنَّه قال: إذَا أَهَلَّ الرجُل بِالحجِّ، ثُمَّ قَدِم مكَّةَ، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة؛ فقد حَلَّ، وهي عمرةٌ[27]. قال أبو داودَ: رواه ابن جريجٍ، عن رجلٍ، عن عطاءٍ، أنَّه قال: دخل أصحاب النبيِّ مُهِلِّينَ بالحجِّ خالِصًا، فجعلها النبيُّ عمرةً.

حديث: أهل النبي بالحج، فلما قدم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة

وبه إليه قال:
حدَّثنا الحسن بن شَوْكَرٍ، وأحمد بن مَنِيعٍ، قالا: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال ابن مَنِيعٍ: أخبرنا يزيدُ بن أبي زيادٍ المعنى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما، أنَّه قال: أَهَلَّ النبيُّ بالحجِّ، فلمَّا قَدِمَ طاف بالبيت، وبين الصفا والمروة. وقال ابن شَوْكَرٍ: ولم يُقَصِّرْ، ثُمَّ اتَّفَقا، ولم يُحِلَّ مِن أجل الْهَدْيِ، وأَمَرَ مَن لم يكن ساق الهَدْيَ أن يطوف، وأن يسعى ويُقَصِّرَ، ثُمَّ يُحِلَّ. زاد ابن مَنِيعٍ في حديثه: أو يَحْلِقَ، ثُمَّ يُحِلَّ[28].

الشيخ: يقول أبو داودَ: منكرٌ، أخرجه مُسلمٌ، فكيف يكون مُنْكَرًا؟، هذا ما يكونُ!

حديث: أن رسول الله نهى عن العمرة قبل الحج

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أحمد بن صالحٍ، قال: أخبرنا عبداللَّه بن وهبٍ، قال: أخبرني حَيْوةُ، قال: أخبرني أبو عيسى الخُراسانيُّ، عن عبداللَّه بن القاسم، عن سعيد بن المسيب: أنَّ رجلًا من أصحاب النبيِّ أتى عمر بن الخطاب  فشَهِد عنده أنَّه سَمِع رسول اللَّه في مَرَضِه الَّذي قُبِض فيه يَنْهَى عن العمرة قبل الحجِّ[29].

الشيخ: أبو عيسى هذا وعبداللَّه بن القاسم مجهولان هؤلاء؛ لذا ما يَصِحُّ.

حديث: هل تعلمون أن النبي نهى أن يُقرن بين الحج والعمرة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا موسى أبو سَلَمَةَ، قال: أخبرنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن أبي شَيْخٍ الْهُنائِيِّ خَيْوانَ بن خَلْدَةَ، مِمَّن قرأ على أبي موسى الأشعريِّ ، من أهل البَصرة، أنَّ معاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه عنهما، قال لأصحاب النبيِّ : هل تعلمون أنَّ رسول اللَّه نَهَى عن كذا وكذا، وعن ركوب جُلود النُّمور؟ قالوا: نعم. قال: فتعلمون أنَّه نَهَى أن يُقْرَنَ بين الحجِّ والعمرة؟ فقالوا: أمَّا هذا فلا. فقال: أَمَا إنَّها مَعَهُنَّ ولكنَّكم نَسِيتُمْ[30].

الشيخ: لكنَّ هذا ما يَصِحُّ، ما يصِحُّ عن غيره، وهذا معاوية بن أبي سفيان.

بابٌ في الْإِقْران

القارئ: قال رحمه الله:

بابٌ: في الْإِقْران

حديث: سمعت رسول الله يلبي بالحج والعمرة جميعًا

وبسندٍ متَّصلٍ إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أنبَأَنا يحيى بن أبي إسحاقَ، وعبدالعزيز بن صُهَيبٍ، وحميد الطويل، كُلُّهم عن أنس بن مالكٍ ، أنَّهم سمعوه يقول: سمعْتُ رسول اللَّه يُلَبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا، يقول: لبَّيكَ عمرةً وحجًّا، لبَّيكَ عمرةً وحجًّا[31].

الشيخ: وهذا هو الصحيح، هذا آخِرُ أَمْرِه هكذا، أَولًا كان حجًّا، ثُمَّ أَدْخَلَ عليها العمرة.

حديث أنس: أن النبي بات بذي الحليفة حتى أصبح، ثم ركب، حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أبو سَلَمَةَ موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا وُهَيْبٌ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن أبي قِلابَةَ، عن أنسٍ ، أنَّ النبيَّ بات بها -يعني بِذِي الحُلَيفةِ- حتَّى أصبح، ثُمَّ رَكِبَ، حَتَّى إذا اسْتَوَتْ به على البيداء حَمِد اللَّه وسَبَّح وكَبَّر، ثُمَّ أَهَلَّ بِحجٍّ وعمرةٍ، وأَهَلَّ الناس بهما، فلمَّا قَدِمْنا أَمَرَ الناس فَحَلُّوا، حتَّى إذَا كان يومُ التروية أَهَلُّوا بالحجِّ، وَنَحَرَ رسول اللَّه سبْعَ بدناتٍ بيده قيامًا[32]، قال أبو داودَ: الَّذي تفَرَّد به -يعني أنسًا - من هذا الحديث: أنَّه بدأ بالحمد والتسبيح والتكبير، ثُمَّ أَهَلَّ بالحجِّ.

الشيخ: هذا أخرجه البخاريُّ[33]، نعم.

حديث علي: أهللت بإهلال النبي

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا يحيى بن معينٍ، قال: أخبرنا حجَّاجٌ، قال: أخبرنا يونسُ، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ رضي اللَّه عنهما، قال: كنت مع عليٍّ حين أَمَّرَه رسول اللَّه على اليمن، قال: فأَصَبْتُ معه أواقِيَ مِن ذَهبٍ، قال: فلما قَدِمَ عليٌّ من اليمن على رسول اللَّه قال: وَجَدْتُ فاطمةَ رضي اللَّه عنها قد لَبِسَتْ ثيابًا صَبِيغًا، وقد نَضَحَتِ البيت بِنَضُوحٍ. فقالت: ما لك؟ فإنَّ رسول اللَّه قد أَمَر أصحابه فَأَحَلُّوا. قال: قلْتُ لها: إنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلال النبيِّ . قال: فأتيتُ النبيَّ ، فقال لي: كيف صنعتَ؟. فقال: قلتُ: أَهْلَلْتُ بإهلال النبيِّ . قال: فإنِّي قد سُقْتُ الهَدْيَ، وقَرَنْتُ. قال: فقال لي: انْحَرْ مِنَ الْبُدْنِ سَبْعًا وسِتِّينَ أو قال: سِتًّا وسِتِّين، وأَمْسِكْ لِنَفْسِكَ ثلاثًا وثلاثين أو قال: أربعًا وثلاثين، وأَمْسِكْ لي مِن كُلِّ بَدَنَةٍ منها بَضْعَةً[34].

الشيخ: يعني معنى ذلك: أنَّ فَتْحَ يعني الحج أو العمرة -الإحرام والإِهْلال مفتوحة- يجوز: "اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به فلانٌ"، ثُمَّ بعد ذلك يَصْرِفُه كيف يشاء: إن شاء قِرانًا، وإن شاء تمتُّعًا، وإن شاء إِفْرادًا، هذا دليله هذا الحديث، وهو أنَّ عليًّا أَهَلَّ مَفْتوحًا بإِهْلالِ النبيِّ ، ثُمَّ جعله قارنًا، قال له: اجعله قِرانًا. فَدَلَّ على أنَّه عَيَّنَه بعد ذلك.

وأبو موسى الأشعريُّ لمَّا جاء قال: كيف أَهْلَلْتَ يا أبا موسى؟ قال: أَهْلَلْتُ بإهلال رسول اللَّه ، مفتوحٍ -يعني- بإهلالِ رسول اللَّه، قال: أمَّا أنا فَأَهْدَيْتُ، وأنت ليس لك هَدْيٌ فَتَحَلَّلْ. فَقَلَبَه إلى عمرةٍ.

فَبِهذا يُسْتدلُّ على أنَّ ابتداء الإهلال وتعْيِينَه ليس لازمًا، إنَّما أخيرًا يجعَلُه إن شاء قِرانًا، وإن شاء تمتُّعًا، وإن شاء إِفْرادًا.

حديث الصُّبَي بن معبد: أهللت بهما معًا. فقال عمر: هُدِيت لسنة نبيك.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، قال: أخبرنا جرير بن عبدالحميد، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، أنه قال: قال الصُّبَيُّ بن مَعْبَدٍ: أَهللْتُ بهما معًا. فقال عمر : هُدِيتَ لِسُنَّة نَبِيِّكَ [35].

الشيخ: يعني مَن تمتَّع -يعني- بالحجِّ والعمرة هذا هُدِيَ إلى سُنَّة محمَّدٍ .

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا محمد بن قدامة بن أَعْيَنَ، وعثمان بن أبي شيبةَ الْمَعنَى، قالا: حدَّثنا جرير بن عبدالحميد، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ: أنَّه قال: قال الصُّبَيُّ بن مَعْبَدٍ: كنت رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، فأسلمْتُ فأتيْتُ رجلًا من عشيرتي يقال له "هُذَيمُ بن ثُرْمُلَةَ"، فقلت له: يا هَناهُ، إنِّي حريصٌ على الجهاد، وإنِّي وجدْتُ الحجَّ والعمرة مَكْتُوبَيْنِ علَيَّ، فكيف لي بأَنْ أجمعَهُما؟ قال: اجْمَعْهما واذْبَحْ ما اسْتَيْسَرَ مِن الهدْيِ. فأَهللْتُ بهما معًا، فلمَّا أتيْتُ العُذيبَ لَقِيَنِي سلمان بن ربيعةَ وزيد بن صُوحانَ وأنا أُهِلُّ بهما جميعًا، فقال أحدُهما للآخر: ما هذا بأَفْقَهَ مِن بَعِيرِه.

الشيخ: هذا الرجل نصرانيٌّ أعرابيٌّ، وهو الصُّبَيُّ بن مَعبدٍ، فأسلم هداه اللَّه للإسلام، ثُمَّ واحدٌ من أقربائه ذهب إليه، فسأله فقال: يا هذا، إنِّي أريد الجهاد في سبيل اللَّه، لكن فيما أرى أنَّ فريضة الحجِّ والعمرة مُتَوَجِّهان إليَّ، فهل يمكن أن أجمع بينهما؟ فقال: اقْرِنْ بينهما، قلْ: "لبَّيْكَ حَجَّةً وعمرةً"، وأَهْدِ ما اسْتَيْسر. فأهديتُ ما استيسر، فبَيْنا أنا أمشي في الطريق، ولَقِيَنِي رجلان من خيار الصحابة، وهما سلمان بن ربيعةَ وزيد بن صُوحانَ، فقالوا: أَتَرى هذا، هل هو أفقه أو البعير الذي يركبه أفقه؟ ما يعرف، قلتُ لهما: يا هذان، لماذا تقولان لي هذا الكلام؟ قال: هذا الفعل الذي تفعله ليس مشروعًا، كيف ليس مشروعًا أنْ أُهِلَّ بالحجِّ والعمرة وقد أَمَرَني أَحَدٌ أعرفُه؟ قالا: لا، هذا ليس مشروعًا، فماذا فعل بعد ذلك؟

القارئ:

قال: فكأنَّما أُلْقِيَ عليَّ جبلٌ، حتَّى أتيْتُ عمر بن الخطاب ، فقلتُ له: يا أمير المؤمنين، إنِّي كنتُ رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، وإنِّي أسلمْتُ، وأنا حريصٌ على الجهاد، وإنِّي وجدْتُ الحجَّ والعمرة مَكْتُوبَيْن عليَّ، فأتيْتُ رجلًا من قومي فقال لي: اجْمَعْهما واذْبَحْ ما اسْتَيسر من الهَديِ. وإنِّي أهللْتُ بهما معًا. فقال لي: عمر : هُدِيتَ لِسُنَّةِ نبِيِّكَ [36].

الشيخ: هذا هو السُّنَّة، يعني معناه بعد ذلك حَيَّرَه؛ جعله أجهَلَ مِن بعيرِه، ثُمَّ ذهب مُتغاضِيًا عنهما، فوجَدَ عمر ، فَحكَى له القصَّة: يا أمير المؤمنين، أنا رجلٌ نصرانيٌّ أسلمت جديدًا، ودخلت، واشتقْتُ للجهاد، ثُمَّ رأيتُ الحجَّ والعمرة مُتَوجِّهَيْن عليَّ، فَأهللْتُ بهما بأمْرٍ مِن أحَدِ أقربائي، فوجدني رجلان منكم فقالَا لي: هذا أضَلُّ مِن بعيره. فماذا تَرَى؟ قال: هُدِيتَ لِسُنَّة نبيِّكَ ، هذا جَمْعُ القِران.

حديث: صل في هذا الوادي المبارك

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ، قال: أخبرنا مِسْكينٌ، عن الأوْزاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن عكرمةَ، أنَّه قال: سمعْتُ ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما يقول: حدَّثَني عمر بن الخطاب : أنَّه سَمِع رسول اللَّه يقول: أتاني اللَّيلةَ آتٍ مِن عندِ ربِّي ​​​​​​​، قال: وهو بالعقيق فقال: صَلِّ في هذا الوادي المباركِ وقُلْ: عمرةٌ في حَجَّةٍ[37].

الشيخ: يعني اقْرِنْ بينهما، أَوَّلًا كان حَجًّا، ثُمَّ قال له: عمرة في حَجَّةٍ، وكُنْ قارِنًا بينهما، فبَعْدَ ذلك قَرَنَ، فحجَّةُ النبيِّ عامَ حجَّةِ الوداع قِرانٌ.

حديث: إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة

 القارئ:

قال أبو داود: رواه الوليد بن مُسلمٍ، وعمر بن عبدالواحد في هذا الحديث عن الأوزاعيِّ، وقلْ: عمرةٌ في حَجَّةٍ. قال أبو داودَ: وكذا رواه عليُّ بن المبارك عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ في هذا الحديث، قال: وقلْ: عمرةٌ في حَجَّةٍ[38].
وبسندٍ متَّصِلٍ إليه قال:
حدَّثنا هنَّادُ بن السَّرِيِّ قال: أخبرنا ابن أبي زائدةَ قال: حدَّثنا عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز قال: حدثني الربيع بن سَبْرةَ، عن أبيه  أنَّه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ، حتَّى إذا كنَّا بِعُسْفانَ قال له سراقة بن مالك المُدْلِجِيُّ : يا رسول اللَّه، اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنَّما وُلِدوا اليومَ، فقال: إنَّ اللَّه ​​​​​​​ قد أَدْخَل عليكم في حجِّكم هذا عمرةً، فإذا قَدِمْتم فَمَن تَطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حَلَّ، إلَّا مَن كان معه هَدْيٌ[39].

حديث: قصَّرتُ عن النبي بمِشْقَصٍ على المروة

وبه إليه قال:
حدَّثنا عبدالوهَّاب بن نَجْدةَ، قال: أخبرنا شُعيب بن إسحاق، عن ابن جريجٍ، وبه إليه قال: حدَّثنا أبو بكر بن خلادٍ، قال: أخبرنا يحيى المعنى، عن ابن جريجٍ أنَّه قال: أخبرني الحسن بن مُسلمٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما: أنَّ معاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه عنهما أخبره قال: قَصَّرت عن النبيِّ بِمِشْقَصٍ على المروة، أو قال: رأيتُه يُقَصِّر عنه على المروة بِمِشْقَصٍ[40]. قال: ابن خلَّادٍ، إنَّ معاويةَ لم يَذكُرْ "أخْبَرَه".
وبه إليه قال:
حدَّثنا الحسن بن عليٍّ، ومحمد بن يحيى، ومَخْلَد بن خالد المعنى قالوا: أخبرنا عبدالرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أنَّ معاوية جميعًا، قال له: أَمَا علمْتَ أنِّي قَصَّرْتُ عن رسول اللَّه بِمِشْقَصِ أعرابيٍّ على المروة؟ زاد الحسن في حديثه: في حجَّتِه[41].

حديث: أهل النبيُّ بعمرة، وأهل أصحابه بحجٍّ

وبه إليه قال:
حدَّثنا عُبيداللَّه بن معاذ، قال: أنبَأَنا أبي، قال: أخبَرَنا شعبةُ، عن مُسلمٍ القُرِّيِّ: أنَّه سَمِع ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما، يقول: أَهَلَّ النبيُّ بعمرةٍ، وأَهَلَّ أصحابه بِحَجٍّ[42].

الشيخ: يعني أوَّلًا كانوا مُتَشتِّتين هكذا، ثُمَّ أخيرًا جَمَعَهُم أنَّهم صاروا قارِنِين ومُتَمتِّعِين.

حديث: تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عبدالملك بن شُعيب بن اللَّيث، قال: حدَّثني أبي، عن عُقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبداللَّه: أنَّ عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: تَمَتَّع رسول اللَّه في حَجَّة الوداع بالعمرة إلى الحج.[43].

الشيخ: "عن جَدِّهِ" لا يوجد.

القارئ: نسخة. وبسندٍ مُتَّصِلٍ إليه قال:

حدَّثنا عبدالملِك بن شُعيب بن الليث، قال: حدَّثني أبي، عن جَدِّي، عن عُقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبداللَّه: أنَّ عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: تَمَتَّع رسول اللَّه في حَجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ، فأَهْدَى وساق معه الهَدْيَ مِن ذي الحُلَيفَة، وبدأ رسول اللَّه فأَهَلَّ بالعمرة، ثُمَّ أهَلَّ بالحجِّ، وتمَتَّعَ الناس مع رسول اللَّه بالعمرة إلى الحجِّ، فكان من الناس مَن أهْدَى فساق الهَدْيَ، ومِنهم مَن لم يَهْدِ، فلما قَدِم رسول اللَّه مكَّة قال للناس: مَن كان مِنْكم أَهْدَى فإنَّه لا يَحِلُّ له مِن شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى يقضيَ حَجَّهُ، ومَن لم يكن منكم أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروة، ولْيُقَصِّرْ، ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ ليُهِلَّ بالحجِّ، وليَهْدِ، فَمَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ وسبْعَةً إذَا رجَعَ إلى أهلِهِ[44].
وطاف رسول اللَّه حين قَدِم مكَّةَ، فاسْتَلَم الرُّكنَ أَوَّلَ شَيءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أَطْوافٍ من السَّبْعِ ومَشَى أربعةَ أطْوافٍ، ثُمَّ رَكَع حين قَضَى طوافَهُ بالبيت عند المقام ركعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرفَ، فأَتَى الصَّفا فطاف بالصفا والمروة سبْعَةَ أطْوافٍ، ثُمَّ لم يحلِلْ مِن شَيْءٍ حَرُمَ منه حتَّى قَضَى حجَّه، ونَحَرَ هَدْيَه يومَ النَّحْر، وأفاض فطاف بالبيت، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَرُمَ منه، وفعَلَ الناسُ مِثْلَ ما فعلَ رسول اللَّه : مَن أَهْدَى وساق الهَدْيَ من الناس[45].

الشيخ: أصحاب الهَدْي لا يتحَلَّلون إلَّا في اليومِ العاشر.

حديث: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، عن حفصةَ زوجِ النبيِّ أنَّها قالت: يا رسول اللَّه، ما شأنُ الناس قد حَلُّوا، ولم تُحْلِلْ أنت من عمرتِك؟ فقال: إنِّي لَبَّدْتُ رأسي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي؛ فلا أحِلُّ حتَّى أَنْحَرَ الهدْيَ[46].

الشيخ: يعني التَّلْبِيدُ هذا لِمَنْ يَطُول إحرامُهُ، يُسَنُّ التلْبِيدُ وهو الصَّمْغُ، يعني يجعلُه على الرأس حتَّى يَتَلَبَّد الشَّعْرُ ولا يَقْمَلُ ولا يَتَّسِخُ. فهذه فائدةٌ لِمَنْ يَطُولُ إحرامُه.

القارئ: قال رحمه الله:

بابُ الرَّجُلِ يُهِلُّ بالحجِّ، ثُمَّ يجعلُها عمرةً.

الشيخ: يَكْفِي هذا، وصلَّى اللَّه وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللَّهمَّ اقْسِمْ لنا من خَشْيَتِكَ ما تَحُولُ به بيننا وبين معاصِيك، ومن طاعتِك ما تُبَلِّغُنا به جنَّتَك، ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا، ومَتِّعْنا في أسْماعِنا وأبْصارِنا وقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا، واجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، واجعل ثَأْرَنا على مَنْ ظَلَمَنا، وانْصُرْنا على مَنْ عادانا، ولا تَجَعَلْ مصيبَتَنا في دينِنا، ولا تجعَلِ الدنيا أكْبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا ولا غايَةَ رَغْبَتِنا، ولا تُسَلِّطْ علينا مَنْ لا يخافُكَ ولا يَرْحَمُنا يا رب العالمين.

سبحانك اللَّهمَّ وبحمْدِك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أَسْتَغْفِرُك وأتوب إِليك.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

^1 رواه أبو داود: 1777. ورواه مسلم بسند آخر: 1211.
^2 فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله  تمتَّع في حجة ‌الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله  فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، ‌فتمتع الناس مع النبي بالعمرة إلى الحج. رواه البخاري: 1691، ومسلم: 1227.
^3 رواه البخاري: 2505، ومسلم: 1211.
^4, ^33, ^45 سبق تخريجه.
^5 البخاري: 1534
^6 رواه بسند آخر: البخاري: 1783، ومسلم: 1211.
^7 رواه البخاري: 1783، ومسلم: 1211.
^8 رواه البخاري: 1691.
^9 رواه أبو داود: 1778، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1559.
^10 رواه البخاري: 294، ومسلم: 1211.
^11 رواه أبو داود: 1779. ورواه بسند آخر: البخاري: 1562، ومسلم: 1211.
^12 رواه البخاري: 1564، ومسلم: 1240.
^13 رواه أبو داود: 1781. ورواه بسند آخر: البخاري: 4395، ومسلم: 1211.
^14, ^16 رواه أبو داود: 1781. ورواه بسند آخر: البخاري: 1556، ومسلم: 1211.
^15 كما رواه البخاري: 1556، 1638، 1639، ومسلم: 1211، 1230، 1279.
^17 رواه أبو داود: 1516. ورواه بسند آخر: البخاري: 294، ومسلم: 1211.
^18 رواه أبو داود: 1782. ورواه أحمد: 25838، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1563.
^19 رواه أبو داود: 1783. ورواه بسند آخر: البخاري: 1561، ومسلم: 1211.
^20 رواه أبو داود: 1784. ورواه بلفظ آخر: البخاري: 7229، ومسلم: 1216.
^21 رواه أبو داود: 1785. ورواه مسلم بسند آخر: 1213.
^22 رواه أبو داود: 1786. ورواه بلفظ آخر: البخاري: 305، ومسلم: 1211.
^23 رواه أبو داود: 1787. ورواه بسند آخر: البخاري: 1785، ومسلم: 1218.
^24 رواه أبو داود: 1788. ورواه بسند آخر: البخاري: 1085، ومسلم: 1211.
^25 رواه أبو داود: 1789. ورواه البخاري بلفظ آخر: 1651.
^26 رواه أبو داود: 1790. ورواه مسلم بسند آخر: 1241.
^27 رواه أبو داود: 1791. وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود: 1572.
^28 رواه أبو داود: 1792. وروى البخاري نحوه: 1762.
^29 رواه أبو داود: 1793، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود": 314.
^30 رواه أبو داود: 1794.
^31 رواه أبو داود: 1795. ورواه مسلم بسند آخر: 1251.
^32 رواه أبو داود: 1796. ورواه البخاري بسند آخر: 1714.
^34 رواه أبو داود: 1797.
^35 رواه أبو داود: 1798، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1578.
^36 رواه أبو داود: 1799، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1578.
^37 رواه أبو داود: 1800. ورواه البخاري بسند آخر: 1534.
^38 رواه أبو داود: 1800.
^39 رواه أبو داود: 1801، والدارمي: 1899، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1580.
^40 رواه أبو داود: 1802. ورواه بسند آخر: البخاري: 1730، ومسلم: 1246.
^41 رواه أبو داود: 1803، والنسائي: 2988، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1582.
^42 رواه أبو داود: 1804، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود: 1583.
^43 رواه أبو داود: 1805، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1583.
^44 رواه أبو داود: 1805. ورواه بسند آخر: البخاري: 1691، ومسلم: 1227.
^46 رواه أبو داود: 1585. ورواه بسند آخر: البخاري: 1566، ومسلم: 1229.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©