تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ محمد بن علي آدم الأتيوبي
فضيلة الشيخ محمد بن علي آدم الأتيوبي

كتاب المناسك- من قوله: "باب الرجل يُهِلُّ بالحجِّ ثم يجعلها عُمرةً"

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهْدِهِ الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْيُ محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

هذا فقد أخذنا فيما مضى من "سُنن الإمام أبي داود"؛ سليمان بن الأشعث السِّجِسْتانِيِّ رحمه الله، بسندنا المُتصل إليه، من أول كتابٍ إلى أن وصلنا إلى قوله في أثناء الحج: "كتاب المناسك".

القارئ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

باب الرجل يُهِلُّ بالحجِّ ثم يجعلها عُمرةً

فبالسند المُتصل إلى الإمام الحافظ الحُجَّة أبي داودَ السِّجِسْتانِيِّ رحمه الله تعالى، ونفعنا الله جميعًا بعلومه وعلومكم آمين.

قال:

باب الرجل يُهِلُّ بالحجِّ ثم يجعلها عُمرةً
وبسندٍ مُتصلٍ إليه، قال:
حدَّثنا هنَّادٌ، يعني: ابن السَّرِيِّ، عن ابن أبي زائدةَ، أنه قال: أنبأنا محمد بن إسحاقَ، عن عبدالرحمن بن الأسودِ، عن سُلَيْمِ بن الأسودِ: أن أبا ذَرٍّ كان يقول فيمن حَجَّ، ثم فَسَخَها بعُمرةٍ: لم يكن ذلك إلا للرَّكْبِ الذين كانوا مع رسول الله . [1].

الشيخ: يعني: هذا الرجل يُهِلُّ بعُمرةٍ، ثم يقلبها إلى الحج، يجعلها عُمرةً، يعني: يُهِلُّ بحجٍّ، ثم يجعلها عُمرةً، يعني: إهلالٌ مفتوحٌ، ثم يصرفها إلى أيِّها شاء؛ فهذا جائزٌ.

فأخرج حديث أبي ذَرٍّ : أنه كان يقول فيمن حَجَّ ثم فَسَخَ بعُمرةٍ: لم يكن ذلك إلا للرَّكْبِ الذين كانوا مع رسول الله .

وهذا رأيٌ رآه أبو ذَرٍّ ، وخالفه غيرُه من الصحابة، والصحابة أقوالهم لا تكون حُجةً إلا عند الإجماع، أما إذا تخالفوا فيُنظَر إلى الأدلة، ولما نظرنا إلى الأدلة، فالأدلة تدل على أنه ليس خاصًّا بذلك الرَّكْب فقط.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ، قال: أخبرنا عبدالعزيز، يعني: ابن محمدٍ، قال: أنبأنا ربيعةُ بن أبي عبدالرحمنِ، عن الحارث بن بلال بن الحارثِ، عن أبيه ، أنه قال: قلت: يا رسول الله، فَسْخُ الحَجِّ لنا خاصةً أو لمَن بعدَنا؟ قال: بل لكم خاصةً. [2].

الشيخ: فهذا الإسناد ليس صحيحًا، ضعيفٌ، وكذلك المثال الأول، فهذا مرفوعٌ. أما هذا فلا يَصِحُّ، النبي ما قال هذا.

القارئ: قال رحمه الله:

باب الرجل يَحُجُّ عن غيره

باب الرجل يَحُجُّ عن غيره
وبه إليه قال:
حدَّثنا القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: كان الفضل بن عباسٍ رضي الله عنهما رَدِيفَ رسول الله ، فجاءته امرأةٌ من خَثْعَمَ تستفتيه، فجعل الفضلُ ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله يَصْرِف وجه الفضل إلى الشِّقِّ الآخر، فقالت: يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يَثبُت على الراحلة، أفأحُجُّ عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع [3].

الشيخ: هذا الحج عن الغير جائزٌ مطلقًا، سواءٌ أكان رجلًا أو امرأةً، الرجل عن الرجل، والمرأة عن المرأة، والرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل؛ جائزٌ كله، مثل دليل هذا الحديث.

فهذه المرأة جاءت من خَثْعَمَ تسأل رسول الله في حجة الوداع، ووقفته وقالت: يا رسول الله، إن أبي شيخٌ كبيرٌ أدركتْه فريضة الحج، ولا يستطيع أن يركب الراحلة، فهل ينوب عنه أن أحجَّ عنه، جائزٌ؟ قال: حُجِّي عن أبيكِ [4]، فدلَّ على أن حَجَّ الغير جائزٌ، يجوز ذلك، لكن شرْطُ العلماء في ذلك يقول: أن يكون حَجَّ أولًا عن نفسِه، أدى فريضة الحج، ثم يَحُجُّ عن غيره، وبعض أهل العلم ما يشترط ذلك.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ، ومُسْلِمُ بن إبراهيم، بمعناه، قالا: أخبرنا شعبةُ، عن النعمان بن سالمٍ، عن عمرو بن أوسٍ، عن أبي رَزِينٍ -قال حفصٌ في حديثه: رجلٌ من بني عامرٍ- أنه قال: يا رسول الله ، إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحج والعُمرة ولا الظَّعْن، قال: اُحْجُجْ عن أبيك واعْتَمِرْ [5].

الشيخ: قال: احجُجْ عن أبيك واعتمِرْ، كذلك أيضًا عُمرةٌ، اعمل له عُمرةً، اعمل له حجًّا، جائزٌ نيابة، النيابة في الحج جائزةٌ لهذا الحديث، والحديث صحيحٌ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل الطالْقانِيُّ، وهنَّادُ بن السَّرِيِّ -المعنى واحدٌ- قال إسحاقُ: أخبرنا عَبْدَةُ بن سليمانَ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرُمةَ، قال: مَن شُبْرُمةُ؟ قال: أخٌ لي -أو قال: قريبٌ لي- قال: حَجَجْتَ عن نفسِكَ؟ قال: لا، قال: حُجَّ عن نفسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عن شُبْرُمةَ[6].

الشيخ: هذا هو الذي ذكرناه سابقًا، وهو أن النيابة عن الغير لا بُدَّ أن يؤدي فريضة الإسلام عن نفسه، فإذا لم يَحُجَّ فريضة الإسلام لا يجوز أن ينوب عن غيره، يَحُجُّ عن نفسه أولًا، ثم يَحُجُّ عن المنوب عنه، هذا هو الصحيح. وأما الذين يرون جواز ذلك مطلقًا فهؤلاء ليس عندهم دليلٌ، نعم، والحديث صحيحٌ.

القارئ: قال رحمه الله:

باب كيف التلبية

باب كيف التلبية
وبه إليه قال:
حدَّثنا القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن عبدالله بن عُمرَ رضي الله عنهما: أن تلبية رسول الله : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال: وكان عبدالله بن عُمرَ رضي الله عنهما يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل [7].

الشيخ: هذه التلبية، كيفية التلبية التي لزمها رسول الله من أوله إلى آخره، هي هذه: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". هذه هي الصيغة، وأما غيره من الصحابة فكانوا يزيدون، ومنهم ابن عُمرَ رضي الله عنهما، كان يزيد على ذلك: "لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل"، هذه زيادةٌ، وكذلك الصحابة الآخرون يزيدون زياداتٍ، والنبي يسمع كلًّا منهم ولا يُغيِّر عليهم، فدلَّ على أن الزيادة في التلبية جائزةٌ، وإنما تلبية النبي هي هذه.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، قال: أخبرنا جعفرٌ، قال: أخبرنا أبي، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أنه قال: أَهَلَّ رسول الله ، فذَكَرَ التلبية مثل حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي يسمع، فلا يقول لهم شيئًا [8].

الشيخ: هذا أيضًا صحيحٌ، وهو أن النبي يسمع بعض الصحابة يزيدون: لبيك ذا المعارج، ولا يُغيِّر عليه، ولا يمنعه عن ذلك، فدلَّ على أن الزيادة في صيغ التلبية جائزةٌ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن عبدالملك بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشامٍ، عن خَلَّاد بن السائب الأنصاريِّ، عن أبيه : أن رسول الله قال: أتاني جبريلُ ، فأمرني أن آمُرَ أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، أو قال: بالتلبية؛ يريد أحدهما [9].

الشيخ: يعني: من السُّنة رفع الصوت بالتلبية، فإن النبي قال: أتاني جبريلُ، فأمرني أن آمُرَ أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإن هذا شعار النُّسُك، شعار الحَجِّ والعُمرة.

فينبغي رفع الصوت به، وهذا في حق الرجال ما فيه خلافٌ، وهو السُّنة، رفع الصوت بالتلبية مأمورٌ به، ومنهم مَن أوجبه إذا لم يرفع لا يجوز، ولو مرةً واحدةً. وأما النساء كذلك أيضًا مُختلَفٌ فيه: فجمهور الفقهاء لا يرون رفع الصوت لها، لكن إذا كان عندها أجانب لا ترفع صوتها؛ خوفًا من الفتنة، وأما بدون ذلك من بعيدٍ، فترفع صوتها، وكانت عائشةُ رضي الله عنها ترفع صوتها بالتلبية، ويسأل معاويةُ: مَن هذه؟ فيقولون: هذه عائشةُ.

القارئ: قال رحمه الله:

باب متى يقطع التلبية؟

باب متى يقطع التلبية؟
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا وكيعٌ، قال: أخبرنا ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن الفضل بن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله لبَّى حتى رمى جمرة العقبة [10].

الشيخ: هذه نهاية التلبية، التلبية منذ أنشأ من الميقات يُلبِّي، كلما صعد مُرتفَعًا، أو نزل واديًا، أو لقي ركبًا، أو وهو في المساجد في محل الصلاة؛ يرفع صوته ويُلبِّي، فهذا يستمر إلى أن يرمي جمرة العقبة، فإذا رمى جمرة العقبة انتهى وقت التلبية.

لكن هل جمرة العقبة بأول جمرةٍ أم بآخر جمرةٍ؟ فيه روايتان مُختلفتان في "ابن خُزيمةَ"، يدل على أنه في آخر الجمرة، والأحوط هذا.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا عبدالله بن نُمَيْرٍ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن عبدالله بن أبي سَلَمَةَ، عن عبدالله بن عبدالله بن عُمرَ، عن أبيه رضي الله عنهما، أنه قال: غدونا مع رسول الله مِن مِنًى إلى عرفاتٍ؛ مِنَّا المُلبِّي ومِنَّا المُكبِّر [11].

الشيخ: معنى ذلك: أن التلبية ليست مقصورًا عليها، بل التكبير والتهليل والتسبيح مشروعٌ في ذلك الوقت، "مِنَّا المُلبِّي ومِنَّا المُكبِّر"، فدلَّ على أن الخلط يعني مع التلبية: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ ينبغي أن يعمل به؛ لأنه السُّنة، هكذا ثَبَتَ عن الصحابة .

القارئ: قال رحمه الله:

باب متى يقطع المُعتمِر التلبية؟

باب متى يقطع المعتمر التلبية؟
وبه إليه قال:
حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال: يُلبِّي المُعتمِر حتى يستلم الحجر، قال أبو داود: رواه عبدالملك بن أبي سليمانَ، وهمامٌ، كلاهما عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما موقوفًا [12].

الشيخ: متى يقطع التلبيةَ المُعتمِرُ، متى يقطع؟ يقطع عند بداية الطواف، هذا هو السُّنة.

وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا؛ لأن فيه ابن أبي ليلى وهو ضعيفُ الحفظ؛ لكن العمل عليه.

القارئ: قال رحمه الله:

باب المُحرِم يؤدِّب غلامه

باب المُحرِم يؤدِّب غلامه
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: ثنا (ح) وحدَّثنا محمد بن عبدالعزيز بن أبي رِزْمَةَ، قال: أنبأنا عبدالله بن إدريسَ، قال: أنبأنا ابن إسحاقَ، عن يحيى بن عبَّاد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماءَ بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنها قالت: خرجنا مع رسول الله حُجَّاجًا حتى إذا كنا بالعَرْجِ نزل رسولُ الله ، ونزلنا، فجلستْ عائشةُ رضي الله عنها إلى جنب رسول الله ، وجلستُ إلى جنب أبي ، وكانت زِمَالة أبي بكرٍ وزِمَالة رسول الله واحدةً مع غلامٍ لأبي بكرٍ ، فجلس أبو بكرٍ ينتظر أن يَطْلُعَ عليه، فطَلَعَ وليس معه بعيرُه، قال: أين بعيرك؟ قال: أضللتُه البارحةَ، قال: فقال أبو بكرٍ : بعيرٌ واحدٌ تُضِلُّه؟! قال: فطَفِقَ أبو بكرٍ يضربه، ورسول الله يتبسَّم ويقول: انظُروا إلى هذا المُحرِم ما يصنع!.
قال ابن أبي رِزْمَةَ: فما يزيد رسول الله
على أن يقول: انظُروا إلى هذا المُحرِم ما يصنع! ويتبسَّم [13].

الشيخ: معنى ذلك: أن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله حُجَّاجًا، حتى إذا كنا بالعَرْجِ: اسم موضعٍ، يعني: نزلنا، نزل رسول الله ونزلنا معه، فجلستْ عائشةُ إلى جنبه، وجلستُ أنا إلى جنب أبي -أبي بكرٍ- ، وكانت زِمالة أبي بكرٍ وزِمالة رسول الله ، يعني: التي حملتْ أمتعتَهم؛ واحدةً، وكانت مع غلامٍ لأبي بكرٍ ، فانتظره أبو بكرٍ ولم يأتِ، وأخيرًا جاء، فقال له وليس معه شيءٌ: أين الزِّمالة؟ قال: أضللتُها البارحةَ، ما هو الآن من البارحة أضللتُها، فعند ذلك قام أبو بكرٍ يضربه، زِمالةٌ واحدةٌ ما تحافظ عليها وتُضيِّع علينا؟! والنبي يتبسَّم، وينظر إليه ويقول: انظروا إلى هذا المُحرِم ماذا يصنع!، مُحرِمٌ يضرب الناس، يعني: استنكر عليه، ولكنه ما نهاه عن ذلك التأديب؛ لأن هذا تأديبٌ، فدلَّ على أن تأديب الغلام وهو مُحرِمٌ لا يضر بالإحرام.

القارئ: قال رحمه الله:

باب الرجل يُحرِم في ثيابه

باب الرجل يُحرِم في ثيابه.
وبسندٍ مُتصلٍ إليه، قال:
حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: أنبأنا هَمَّامٌ، قال: سمعتُ عطاءً، قال: أنبأنا صفوانُ بن يعلى بن أُميةَ، عن أبيه : أن رجلًا أتى النبي وهو بالجِعرانةِ، وعليه أَثَرُ خَلُوقٍ -أو قال: صُفْرةٍ- وعليه جُبَّةٌ، فقال: يا رسول الله ، كيف تأمرني أن أصنع في عُمرتي؟ فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي الوحي، فلما سُرِّيَ عنه، قال: أين السائل عن العُمرة؟ قال: اغسل عنك أثر الخَلُوق، أو قال: أثر الصُّفْرة، واخلع الجُبَّة عنك، واصنع في عُمرتك ما صنعتَ في حَجَّتِك [14].

الشيخ: يعني: جاء رجلٌ للنبي وهو لابسٌ جُبَّةً مُتلطِّخًا بطيبٍ، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في عُمرتي، وأنا هكذا، فعند ذلك جاءه وحيٌ، فغشي عليه، فلما سُرِّيَ عنه، قال: أين السائل؟ فقال: هأنذا، قال: اغسل عنك أثر الخَلُوق، وانزع الجُبَّة عنك، وافعل في عُمرتِك ما تفعله في حجَّتِك، هكذا لا فرق بينهما، وإنما هما شيءٌ واحدٌ، إحرامٌ إحرامٌ.

فهذا دليلٌ على أن مَن أَحرَم في ثيابه العادية، ولم يلبس ثوبَي الإحرام، فهذا نقول له: لماذا ما تلبس؟ قال: أنا ما أعرف، جهلتُ حكمهما، نقول له: الآن أخرجهما، انزعهما والبس ثوبَي الإحرام، وليس عليه شيءٌ، هذا هو الصحيح.

وأما قول الفقهاء مُختلَفٌ فيه؛ يقولون: إذا نزعه من رأسه يجب عليه فديةٌ، إذا نزعه من رأسه وإن كانت ضرورةً، وإذا شقَّه وأخرجه، كذا يعني يختلفون، لكن ما قال النبي : شُقَّه، وإنما قال: أَخرِجه، فأَخرَجه ولم يُوجِب عليه شيئًا؛ لأنه جاهلٌ، فدلَّ على أن النسيان والجهل حكمهما يختلف عن العمد، فمَن لبس مُتعمِّدًا محيطًا، أو مخيطًا ومحيطًا، فهذا يجب عليه فديةٌ، وأما من نَسِيَ أو جَهِلَ، فلا شيء عليه، بل لا يستمر على ذلك، فإن استمر بعد العلم عالمًا يجب عليه الفدية.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا محمد بن عيسى، قال: أخبرنا أبو عوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن عطاءٍ، عن يعلى بن أُميةَ ، وهُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءٍ، عن صفوانَ بن يعلى، عن أبيه ؛ بهذه القصة، قال فيه: فقال له النبي : اخلع جُبَّتَك، فخلعها من رأسه، وساق الحديث [15]".

الشيخ: فصرَّح هذا قال: خلعها من رأسه ما شقَّها، خلعها من رأسه، ومع ذلك ما أوجب عليه فديةً؛ لأنه جاهلٌ، ناسٍ جاهلٌ، فدلَّ على أن النسيان يختلف.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا يزيد بن خالد بن عبدالله بن مَوْهَبٍ الهَمْدانيُّ الرمليُّ، قال: حدَّثنا الليث، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن يعلى ابن مُنْيَةَ، عن أبيه بهذا الخبر، قال فيه: فأمره رسول الله أن ينزعها نزعًا، ويغتسل مرتين أو ثلاثًا، وساق الحديث [16].
وبه إليه قال:
حدَّثنا عُقبةُ بن مُكْرَمٍ، قال: أخبرنا وَهْبُ بن جريرٍ، قال: أخبرنا أبي، قال: سمعتُ قيسَ بن سعدٍ يُحدِّث عن عطاءٍ، عن صفوانَ بن يعلى بن أُميةَ، عن أبيه : أن رجلًا أتى النبي بالجِعرانة، وقد أَحرَم بعُمرةٍ، وعليه جُبَّةٌ، وهو مُصَفِرٌّ لحيته ورأسه، وساق هذا الحديث [17].

باب ما يَلبَس المُحرِم

قال رحمه الله:

باب ما يَلبَس المُحرِم
وبه إليه قال:
حدَّثنا مُسدَّدٌ، وأحمد بن حنبلٍ، قالا: أخبرنا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه ، أنه قال: سأل رجلٌ رسولَ الله ما يترك المُحرِم من الثياب؟ فقال: لا يَلبَس القميص، ولا البُرْنُس، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مسَّه وَرْسٌ ولا زَعفرانٌ، ولا الخُفَّيْن إلا لمن لا يجد النَّعْلَيْن، فمن لم يجد النَّعْلَيْن فليَلبَس الخُفَّيْن، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين [18].

الشيخ: هذا ما يلبسه المُحرِم من الثياب، وما لا يلبسه، يعني: سأله عما يلبس وما يتركه المُحرِم، قال: لا يَلبَس القميص، ولا البُرْنُس، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مسَّه وَرْسٌ ولا زَعفرانٌ، ولا الخُفَّيْن، ما يُلبَس إلا لمن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين، فليَلبَس الخُفَّيْن، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، هكذا هذه الرواية رواية ابن عُمرَ رضي الله عنهما أنه قال: وليقطعهما حتى يكونا أسفل، وحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما سيأتي، فإنه ما أمره بالقطع وهو مُتأخرٌ، وهذا في المدينة، يعني: وهو على المنبر، وذاك كان في عرفةَ أو في المشاعر، فدلَّ على أن هذا مُتأخرٌ، فلا يجب عليه القطع.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عبدالله بن مَسلمةَ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما، عن النبي بمعناه [19].
وبه إليه قال:
حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا الليثُ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما، عن النبي بمعناه وزاد: لا تنتقب المرأةُ الحرامُ، ولا تَلبَس القُفَّازين [20].
قال أبو داود: وقد روى هذا الحديثَ حاتمُ بن إسماعيلَ، ويحيى بن أيوبَ، كلاهما عن موسى بن عُقبةَ، عن نافعٍ، على ما قال الليثُ، ورواه موسى بن طارقٍ، عن موسى بن عُقبةَ موقوفًا على ابن عُمرَ رضي الله عنهما، وكذلك رواه عبيدالله بن عُمرَ، ومالكٌ، وأيوبُ موقوفًا، وإبراهيم بن سعيدٍ المدينيُّ، كلهم عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال: المُحرِمة لا تنتقب، ولا تَلبَس القُفَّازين.
قال أبو داود: إبراهيم بن سعيدٍ المدينيُّ: شيخٌ من أهل المدينة ليس له كبيرُ حديثٍ [21].

الشيخ: يعني: هذا اختُلف في رفعه ووقفه، والصحيح: أنه مرفوعٌ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعيدٍ المدينيُّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال: المُحرِمة لا تنتقب، ولا تَلبَس القُفَّازين [22] ".

الشيخ: هذا صحيحٌ، أخرجه البخاري، نعم.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا يعقوبُ، قال: أخبرنا أبي، عن ابن إسحاقَ، أنه قال: فإن نافعًا مولى عبدالله بن عُمرَ حدَّثني عن عبدالله بن عُمرَ: أنه سمع رسولَ الله نهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازين والنقاب، وما مَسَّ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثياب، ولتَلبَس بعد ذلك ما أَحبَّتْ من ألوان الثياب مُعَصْفَرًا أو خَزًّا أو حُلِيًّا أو سراويلَ أو قميصًا أو خُفًّا».
قال أبو داود: رَوَى هذا عن ابن إسحاقَ، عن نافعٍ: عَبْدَةُ ومحمدُ بن سَلَمةَ، كلاهما عن محمد بن إسحاقَ، إلى قوله: وما مَسَّ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثياب، ولم يذكرا ما بعده [23].
وبه إليه قال:
حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: أخبرنا حمَّادٌ، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما: أنه وجد القُرَّ، فقال: ألقِ عليَّ ثوبًا يا نافعُ، قال: فألقيتُ عليه بُرْنُسًا، فقال: تُلقِي عليَّ هذا وقد نهى رسولُ الله أن يَلبَسه المُحرِم؟! [24].

الشيخ: البُرْنُس: هذا ثوبٌ طويلُ الرأس.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا سليمان بن حربٍ، قال: أخبرنا حمَّاد بن زيدٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أنه قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: السراويل لمن لا يجد الإزار، والخُفُّ لمن لا يجد النعلين [25].

الشيخ: هذا هو، وما أمره بالقطع.

القارئ:

قال أبو داود: هذا حديثُ أهل مكةَ، ومَرجِعه إلى البصرة إلى جابر بن زيدٍ، والذي تفرَّد به منه ذكر السراويل، ولم يذكر القطع في الخُفِّ.
وبه إليه قال:
حدَّثنا الحسين بن جُنَيْدٍ الدامَغانيُّ، قال: أخبرنا أبو أسامة، قال: أخبرني عمر بن سويد الثقفيُّ، قال: حدَّثتني عائشةُ بنت طلحةَ، أن عائشةَ أم المؤمنين رضي الله عنها حدَّثتها، قالت: كنا نخرج مع النبي إلى مكةَ، فنُضَمِّد جباهنا بالسُّكِّ المُطَيَّب عند الإحرام، فإذا عَرِقَتْ إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي فلا ينهاها [26].

الشيخ: يُضمِّدون يعني: يُلطِّخون وجوههم، بالسُّكِّ يعني: نوعٌ من الطيب المُطَيَّب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، بالعرق، يعني، فيراه النبي فلا ينهانا؛ لأنه قبل الإحرام.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا ابن عَدِيٍّ، عن محمد بن إسحاقَ، أنه قال: ذكرتُ لابن شهابٍ، فقال: حدَّثني سالمُ بن عبدالله، أن عبدالله يعني: ابن عُمرَ رضي الله عنهما كان يصنع ذلك، يعني: يقطع الخُفَّين للمرأة المُحرِمة، ثم حدَّثَتْه صفيةُ بنت أبي عُبَيْدٍ: أن عائشة رضي الله عنها حدَّثَتْها: أن رسول الله قد كان رخَّصَ للنساء في الخُفَّيْن؛ فترك ذلك [27].

الشيخ: يعني: عائشة رضي الله عنها أخبرته بأن النبي رخَّصَ للنساء بلبس الخُفِّ، فلماذا تأمر بقطع النساء؟! فترك بعد ذلك.

القارئ: قال رحمه الله:

باب المُحرِم يحمل السلاح

باب المُحرِم يحمل السلاح
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا محمد بن جعفرٍ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، أنه قال: سمعت البراءَ يقول: لمَّا صالَحَ رسول الله أهل الحُديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلا بجُلُبَّانِ السلاح، فسألتُه: ما جُلُبَّانُ السلاح، قال: القِرابُ بما فيه [28].

الشيخ: يعني: لمَّا صالحهم أن يأتوا في العام القادم ويعتمروا ويخرجوا، صالحهم على أن يأتوا لا يدخلها بالسلاح إلا بجُلُبَّانِ بالقِراب، مستورًا يعني.

القارئ: قال رحمه الله:

باب في المُحرِمة تغطِّي وجهها

باب في المُحرِمة تغطِّي وجهها
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا يزيد بن أبي زيادٍ، عن مُجاهدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنها قالت: كان الرُّكبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله مُحرِماتٌ، فإذا حاذَوْا بنا؛ سَدَلَتْ إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه [29].

الشيخ: هكذا لكن الحديث هذا لا يصح؛ لأن يزيدَ بن أبي زيادٍ ضعيفٌ؛ ولذلك يعني وإن قال به بعض الفقهاء، هذا ما يصح.

القارئ: قال رحمه الله:

باب في المُحرِم يُظلَّل

باب في المُحرِم يُظلَّل
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا محمد بن سَلَمَةَ، عن أبي عبدالرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسةَ، عن يحيى بن حُصَيْنٍ، عن أم الحُصَيْنِ رضي الله عنها، أنها حدَّثته قالت: «حَجَجْنا مع النبي حَجَّةَ الوداع، فرأيتُ أسامةَ وبلالًا رضي الله عنهما، وأحدهما آخذٌ بخِطامِ ناقة النبي ، والآخر رافعٌ ثوبَه ليستره من الحرِّ، حتى رمى جمرة العقبة [30].

الشيخ: يعني: ظلَّله، التظليل جائزٌ للمُحرِم.

القارئ: قال رحمه الله:

باب المُحرِم يحتجم

باب المُحرِم يحتجم
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، وطاوس، كلاهما عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي احتجم وهو مُحرِمٌ [31].

الشيخ: فدلَّ على جواز أن المُحرِم يحتجم، له جائزٌ ذلك.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، قال: أخبرنا يزيد بن هارونَ، قال: أنبأنا هشامٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله احتجم وهو مُحرِمٌ في رأسه من داءٍ كان به [32]".

الشيخ: معناه: أن المُحرِم يحتجم، جائزٌ له ذلك.

القارئ:

حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا عبدالرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ : أن رسول الله احتجم وهو مُحرِمٌ على ظهر القدم من وجعٍ كان به.
قال أبو داود: سمعتُ أحمد قال: ابن أبي عَرُوبةَ أرسله، يعني: عن قتادةَ [33]".

قال رحمه الله:

باب يكتحل المُحرِم

باب يكتحل المُحرِم.

الشيخ: جائزٌ يكتحل.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن أيوبَ بن موسى، عن نُبَيْهِ بن وهبٍ، أنه قال: اشتكى عُمر بن عبيدالله بن مَعْمَرٍ عينيه، فأرسل إلى أَبَانَ بن عثمانَ، قال سفيانُ، وهو أمير المَوْسِم: ما يصنع بهما؟ قال: اضمِدْهُما بالصَّبِر، فإني سمعتُ عثمانَ يُحدِّث ذلك عن رسول الله [34].

الشيخ: يعني: أنه لما رَمَدَتْ عيناه أمره أن يضمدهما بالصَّبِر، والصَّبِرُ: هذا شيءٌ مُرٌّ، يعني: يداوي العين، فقال جائزٌ؛ لأنه ليس من الطِّيب.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن نُبَيْهِ بن وهبٍ بهذا الحديث [35].

باب المُحرِم يغتسل

قال رحمه الله:

باب المُحرِم يغتسل
وبه إليه قال:
حدَّثنا عبدالله بن مَسْلَمةَ، عن مالكٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن إبراهيم بن عبدالله بن حُنَيْنٍ، عن أبيه: أن عبدالله بن عباسٍ والمِسْوَرَ بن مَخْرَمةَ، رضي الله عنهم جميعًا، اختلفا بالأبواء، فقال: ابن عباسٍ يَغسِل المُحرِم رأسَه، قال المِسْوَر: لا يَغسِل المُحرِم رأسَه، فأرسله عبدالله بن عباسٍ إلى أبي أيوبَ الأنصاريِّ، فوجده يغتسل بين القَرْنَين وهو يُستَر بثوب، قال: فسلَّمتُ عليه، فقال: من هذا؟ قلتُ: أنا عبدالله بن حُنَيْنٍ، أرسلني إليك عبدالله بن عباسٍ أسألك كيف كان رسول الله يَغسِل رأسَه وهو مُحرِمٌ، قال: فوضع أبو أيوبَ يدَه على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسُه، ثم قال لإنسان يَصُبُّ عليه: اصبُبْ، قال: فصَبَّ على رأسه، ثم حرَّك أبو أيوبَ رأسَه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيتُه يفعل [36].

الشيخ: هذا يعني أن المُحرِم يغتسل، ويَغسِل رأسه. واختلف بالأبواء: اسم موضعٍ، ابنُ عباسٍ والمِسْوَرُ بن مَخْرَمةَ : هل يغسل أم لا؟ ابن عباسٍ قال: يَغسِل رأسَه، والمِسْوَر قال: لا، لا يَغسِل رأسَه، فأرسلوا عبدالله بن حُنَيْنٍ إلى أبي أيوبَ ، فوجده يغتسل، فقال: من هذا؟ قال: عبدالله بن حُنَيْنٍ، قال: لماذا جئتَ؟ قال: أرسلني ابن عباسٍ والمِسْوَرُ، يعني: كيف رأيتَ النبي يغتسل؟ فطأطأ ذلك الحجاب الذي كان بينه وبين الناس، وبدا لي رأسُه -أظهره- ثم قال لإنسان يَصُبُّ عليه الماء: صُبَّ عليَّ، فصَبَّ على رأسِه، فحرَّكه وغسله، فقال: هكذا رأيتُ النبي يفعل، فدلَّ على المسألة المُرسَل لها، وهي غسل المُحرِم رأسَه، ثانيًا: كيف يغسله؟ تبيَّن لهم بهذه الصفة.

القارئ: قال رحمه الله:

باب المُحرِم يتزوج

باب المُحرِم يتزوج
وبسندٍ مُتصلٍ إليه، قال:
حدثنا القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن نُبَيْهِ بن وهبٍ؛ أخي بني عبدالدارِ: أن عُمرَ بن عُبيدالله أرسل إلى أَبَانَ بن عثمانَ بن عفَّانَ يسأله -وأَبَانُ يومئذٍ أميرُ الحاجِّ- وهما مُحرِمان: إني أردتُ أن أُنكح طلحةَ بن عُمرَ؛ ابنةَ شيبةَ بن جُبيرٍ، فأردتُ أن تَحضُر ذلك، فأَنكَرَ ذلك عليه أبانُ، وقال: إني سمعتُ أبي عثمانَ بن عفَّانَ ، يقول: قال رسول الله لا يَنكِح المُحرِمُ، ولا يُنكِح [37].

الشيخ: هذا حديثٌ يدلُّ على أن المُحرِم لا يَنكِح ولا يُنكِح، ولا يَخطُب أيضًا، هذا هو الصواب من أقوال العلماء، في مذهب الحنفية جائزٌ، لماذا؟ لحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: تزوَّج النبيُّ ميمونةَ وهما مُحرِمان، وقد اتفق العلماء على أن هذا خطأٌ من ابن عباسٍ، إلا إذا أوَّلناه وهما مُحرِمان، أي: داخلان في الحَرَمِ، وليس الإحرام بالحج، بهذا ممكنٌ أن يتخلص منه، وإلا فلا يَصِحُّ هذا الحديث، وقد أنكر عليه أصحابه؛ لأن هذا ما يَصِحُّ.

وهذا الحديث أصرحُ شيءٍ، وهو أن عُمرَ بن عُبيدالله أرسل إلى أبانَ بن عثمانَ، وكان أمير الحجِّ في ذلك الوقت، فقال: أنا أريد أن أُزوِّج فلانًا فلانةً، فأُحبُّ أن تَحضُر الزواج، فأَنكَرَ عليه ذلك، وقال: سمعتُ أبي عثمانَ يقول: قال رسول الله : لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكِح، ولا يكون شاهدًا ولا خطيبًا، ولا.. ما يجوز ذلك، فدلَّ أن هذا نصٌّ صريحٌ على أن المُحرِم لا يتزوج؛ ولذلك لما اختلف حديث ابن عباسٍ رجعوا إلى هذا الحديث، قالوا: هذا أصرح شيءٍ في النهي عن نكاح المُحرِم وإنكاحه.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، أن محمدَ بن جعفرٍ حدَّثهم قال: أخبرنا سعيدٌ، عن مطرٍ، ويعلى بن حكيمٍ؛ كلاهما عن نافعٍ، عن نُبَيْهِ بن وهبٍ، عن أبانَ بن عثمانَ، عن عثمانَ : أن رسول الله ذَكَرَ مِثلَه، زاد: ولا يَخطُب [38].

الشيخ: أيضًا زاد: "ولا يَخطُب"؛ لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكِح ولا يَخطُب، فلا يجوز له الخِطبة أيضًا.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: أخبرنا حمَّادٌ، عن حَبيبِ بن الشهيدِ، عن ميمونِ بن مِهْرانَ، عن يزيدَ بن الأصمِّ؛ ابن أخي ميمونةَ رضي الله عنها، عن ميمونةَ رضي الله عنها، أنها قالت: تزوَّجني رسولُ الله ونحن حلالانِ بسَرِفَ [39].

الشيخ: هذا هو الصحيح، هذه صاحبة القضية، وهي ميمونةُ نفسها قالت: "تزوَّجني رسول الله ونحن حلالانِ"، فبعد هذا ولا يُنبِّئك مثل خبيرٍ، من يعني يُحدِّثك؟! فدلَّ على أن ما قاله ابن عباسٍ خطأٌ، ما يجوز، يعني: أن النبي تزوَّج وهو مُحرِمٌ، وإنما هما حلالانِ، بسَرِفَ: اسم موضعٍ قريبٍ من مكةَ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: أخبرنا حمَّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي تزوَّج ميمونةَ رضي الله عنها وهو مُحرِمٌ [40]".

الشيخ: وهذا الحديث وإن كان مُتفَقًا عليه، أخرجه البخاريُّ ومُسلمٌ، لكن كما قُلنا: إنه خطأٌ؛ وإنما هما حلالانِ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدالرحمن بن مهديٍّ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أُميةَ، عن رجلٍ، عن سعيد بن المُسيَّبِ، أنه قال: وَهِمَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في تزويج ميمونةَ رضي الله عنها وهو مُحرِمٌ [41].

الشيخ: هذا صحيحٌ كلام سعيد بن المُسيَّب أخصِّ أصحاب ابن عباسٍ، ومع ذلك قال: وَهِمَ؛ أي: أخطأ ابنُ عباسٍ، فإن النبي ما تزوَّجها إلا وهما حلالانِ.

القارئ: قال رحمه الله:

باب ما يَقتُل المُحرِم من الدوابِّ

باب ما يقتل المحرم من الدواب
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا سفيانُ بن عُيَيْنةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه أنه قال: سُئِلَ النبيُّ عما يَقتُل المُحرِم من الدوابِّ، فقال: خمسٌ لا جُناحَ في قَتْلِهِنَّ على مَن قَتَلَهُنَّ في الحِلِّ والحرمِ: العقرب، والغُراب، والفأرة، والحِدَأة، والكلب العَقُور [42]".

الشيخ: خمسُ فويسقٍ هذه لا جُناحَ على من قَتَلَهنَّ في الحج، يعني: في الحرم والإحرام مُطلقًا.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عليُّ بن بحرٍ، قال: أخبرنا حاتمُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثني محمد بن عجلانَ، عن القعقاع بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ : أن رسول الله قال: خمسٌ قَتْلُهُنَّ حلالٌ في الحَرَمِ: الحية، والعقرب، والحِدَأة، والفأرة، والكلب العَقُور [43].
وبه إليه قال:
حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أنبأنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي نُعْمٍ البَجَلِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ : أن النبي سُئِلَ عما يَقتُل المُحرِم، قال: الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغُراب ولا يَقْتُله، والكلب العَقُور، والحِدَأة، والسبع العادي [44]".

الشيخ: لكن هذا الحديث ضعيفٌ، ويعني قوله: يرمي الغُراب، ما يَثبُت؛ لأن يزيدَ بن أبي زيادٍ ضعيفٌ.

القارئ: قال رحمه الله:

باب لحم الصيد للمُحرِم

باب لحم الصيد للمُحرِم
وبه إليه قال:
حدَّثنا محمدُ بن كَثِيرٍ، قال: أنبأنا سليمانُ بن كَثِيرٍ، عن حُمَيْدٍ الطويلِ، عن إسحاقَ بن عبداللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، وكان الحارثُ خليفةَ عثمانَ على الطائف، فصنع لعثمانَ طعامًا فيه من الحَجَلِ واليَعاقيبِ ولحمِ الوَحْشِ، فبَعَثَ إلى عليٍّ فجاءه الرسول وهو يَخْبِطُ لأَباعِرَ له، فجاء وهو يَنفُضُ الخبطَ عن يدِه، فقالوا له: كُلْ، فقال: أَطْعِموه قومًا حلالًا؛ فإنَّا حُرُمٌ، فقال عليٌّ : أَنْشُدُ اللهَ مَن كان هاهنا من أَشْجَعَ؛ أتعلمون أن رسول الله أُهدِيَ إليه رِجْلُ حِمارِ وَحْشٍ وهو مُحرِمٌ، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم [45].

الشيخ: فأبى أن يأكله؛ لأنه مُحرِمٌ، يعني: هذه المسألة مسألةٌ فيها تفصيلٌ؛ وهو: أن الحلال إذا صاد صيدًا بنِيَّة المُحرِم لا يجوز أن يأكله المُحرِم. أما إذا صاده لنفسه وذبحه، ثم جاء ببعض لحمه وأهداه إلى المُحرِم: جائزٌ، كما سيأتي أنه قَبِلَ ذلك، فدلَّ على أن الصيد بنِيَّة المُحرِم لا يجوز، وأما الصيد لنفسه ثم إهداء بعض اللحم منه للمُحرِم جائزٌ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا أبو سَلَمَةَ، موسى بن إسماعيلَ، قال: أخبرنا حمَّادٌ، عن قيسٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أنه قال: يا زيدَ بن أرقمَ، هل عَلِمْتَ أن رسول الله أُهدِيَ إليه عضوُ صيدٍ فلم يَقْبَلْه، وقال: إنا حُرُمٌ، قال: نعم [46].

الشيخ: وهذا محمولٌ على أنه كان صاده بنِيَّتِهم؛ فلذلك قال: لا، نحن حُرُمٌ، يعني: وليس صاده لنفسه.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا يعقوبُ -يعني: الإسكندرانيَّ القَارِيَّ- عن عَمرٍو، عن عبدالمطلبِ، عن جابرِ بن عبدالله رضي الله عنهما، أنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: صيد البَرِّ لكم حلالٌ، ما لم تَصِيدُوه أو يُصَدْ لكم [47].

الشيخ: ما لم تَصِيدُوه أنتم، أو يُصَدْ لكم، أي: لأجلكم.

القارئ: وبه إليه قال:

قال أبو داودَ: إذا تنازَعَ الخبرانِ عن النبيِّ يُنظَر بما أَخَذَ به أصحابُه .

الشيخ: يعني: هذه المسألة مما تنازَعَ فيه الخبران، قبل بعض لحم الصيد، رَدَّ بعضُ لحم الصيد تنازُعَه؛ فإذن ننظر إلى ما يفعله أصحابُه.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عبدالله بن مَسْلَمةَ، عن مالكٍ، عن أبي النضرِ مولى عُمرَ بن عبيدالله التَّيْمِيِّ، عن نافعٍ مولى أبي قتادةَ الأنصاريِّ ، عن أبي قتادةَ : أنه كان مع رسول الله ، حتى إذا كان ببعض طريق مكةَ تخلَّف مع أصحابٍ له مُحرِمين، وهو غير مُحرِمٍ، فرأى حِمارًا وحشيًّا فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابَه أن يناولوه سَوطَه فأَبَوْا، فسألهم رُمحَه فأَبَوْا، فأخذه ثم شَدَّ على الحِمار فقتلَه، فأكل منه بعضُ أصحاب رسول الله ، وأَبَى بعضُهم، فلما أدركوا رسول الله سألوه عن ذلك، فقال: إنما هي طُعْمةٌ أَطعمكموها الله تعالى [48].

الشيخ: هذا هو أبو قتادةَ الأنصاريُّ ، كان مع النبيِّ ، فبينما هو في بعض الطريق سمع النبيُّ بعض حركات العدوِّ، فأمر أبا قتادةَ أن يتجه إلى تلك الجهة، ويتبيَّن الخبر ويتجسس الأخبار، فالناس كلهم أَحْرَمُوا، وهو ما أَحْرَمَ، فبينما هم كذلك إذ رأى حِمارًا وحشيًّا، فلما رأى الحِمار الوحشيَّ هو ما رآه، رآه أصحابُه وتضاحكوا، قال: لماذا يتضاحكون؟! فلما رفع رأسه رأى حِمارًا وحشيًّا قريبًا منه، قال فركب فرسَه، فسقط سوطُه، قال: أعطوني، ما نعطيك، لا نُعينك على الصيد، رُمحه قالوا: لا، ما نعطيك، وغضب عليهم، ونزل وأخذ ذلك، وركب مرةً ثانيةً، وذهب وطَعَنَه فأَثْبَتَه وقَتَلَه، فجاء به يجرُّه، فقال لهم: كُلُوا، فأكل بعض الصحابة، وبعضهم قال: لا، نحن مُحرِمون.

والمهم أنه أخذ ما بقي من اللحم حتى وصلوا إلى النبي ، فأخبروه القضية، فقال: إنما هي طُعْمةُ أَطعمكموها الله تعالى [49] كُلُوا واجعلوا لنا منه، فأهدَوْا له ما بقي من اللحم، هذا هو قَبولُ لحم الصيد، وهذا الحديث السابق كان ردَّ بعض لحم الصيد.

فإذن؛ ننظر إلى ماذا؟ إلى النية، فإذا صاده بنِيَّة نفسه ثم أهداه لهم جائزٌ أن يأكلوه ويقبلوا الهدية، وإذا صاده بنِيَّتهم وذبحه لأجلهم، فهذا ما يجوز.

القارئ: قال رحمه الله:

باب الجراد للمُحرِم

باب الجراد للمُحرِم
وبسندٍ مُتصلٍ إليه قال:
حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: أخبرنا حمَّادٌ، عن ميمونِ بن جابانَ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ ، عن النبي أنه قال: الجرادُ من صيدِ البحر [50].

الشيخ: معناه: أن الجراد يجوز أن يأكله المُحرِم، ويصيده المُحرِم؛ لأنه من صيد البحر.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: أخبرنا عبدالوارث، عن حبيبٍ المُعَلِّم، عن أبي المُهَزَّمِ، عن أبي هريرةَ ، قال: أَصَبْنا صِرْمًا من جرادٍ، فكان رَجُلٌ يَضرِب بسوطِه وهو مُحرِمٌ، فقيل له: إن هذا لا يَصلُح، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ، فقال: إنما هو من صيد البحر [51].

الشيخ: جائزٌ يعني أن يضربه.

القارئ: قال الراوي:

سمعتُ أبا داودَ يقول: أبو المُهَزَّمِ ضعيفٌ، والحديثان جميعًا وَهْمٌ.
وبه إليه قال:
حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: أخبرنا حمَّادٌ، عن ميمونِ بن جابانَ، عن أبي رافعٍ، عن كعبٍ، أنه قال: الجراد من صيد البحر [52].

الشيخ: وهذا أيضًا ضعيفٌ.

القارئ: قال رحمه الله:

باب في الفدية

باب في الفدية
وبه إليه قال:
حدَّثنا وهبُ بن بَقِيَّةَ، عن خالدٍ الطَّحَّانِ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجْرَةَ : أن رسول الله مَرَّ به زمنَ الحُديبيةِ، فقال: قد آذاك هَوَامُّ رأسِك؟ قال: نعم، فقال النبي : احلِقْ، ثم اذبح شاةً نُسُكًا، أو صُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو أَطْعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ من تمرٍ على ستةِ مساكينَ [53].

الشيخ: وزِّعْ على ستةِ مساكينَ ثلاثةَ آصُعٍ، وهذا فديةٌ، يعني: فدية الأذى جائزةٌ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: أخبرنا حمَّادٌ، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجْرَةَ : أن رسول الله قال له: إن شئتَ فانسُكْ نسيكةً، وإن شئتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وإن شئتَ فأَطْعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ من تمرٍ لستةِ مساكينَ [54].

الشيخ: وزِّعها على ستةِ مساكينَ.

القارئ:

حدَّثنا ابن المُثنَّى، قال: أخبرنا عبدالوهاب (ح) وحدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: أخبرنا يزيدُ بن زُرَيْعٍ، وهذا لفظ ابن المُثنَّى، عن داودَ، عن عامرٍ، عن كعبِ بن عُجْرَةَ : أن رسول الله مَرَّ به زمنَ الحُديبيةِ، فذَكَرَ القصة، فقال: أمعكَ دَمٌ؟ قال: لا، قال: فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو تصدَّقْ بثلاثةِ آصُعٍ من تمرٍ على ستةِ مساكينَ بين كل مسكينين صاعٌ [55].
وبه إليه قال:
حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدثنا الليثُ، عن نافعٍ، أن رجلًا من الأنصار أخبره، عن كعبِ بن عُجْرَةَ ، وكان قد أصابه في رأسِه أذًى، فحَلَقَ، فأمره النبيُّ أن يُهدِيَ هَدْيًا بقرةً» [56].

الشيخ: لكن هذا ضعيفٌ، فيه مجهولٌ، وقوله: البقرة مُنكَرٌ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا محمد بن منصورٍ، قال: أخبرنا يعقوبُ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، أنه قال: حدَّثني أَبَانُ؛ يعني: ابنَ صالحٍ، عن الحَكَمِ بن عُتيبةَ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجْرَةَ ، أنه قال: أصابني هوامُّ في رأسي، وأنا مع رسول الله عامَ الحُديبيةِ، حتى تخوَّفتُ على بصري، فأنزل الله فيَّ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ [البقرة:196] الآية، فدعاني رسول الله فقال لي: احلِقْ رأسَك، وصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو أَطْعِمْ ستةَ مساكينَ فَرَقًا من زبيبٍ، أو انسُك شاةً، فحَلَقْتُ رأسي، ثم نَسَكْتُ [57].

الشيخ: هذا "من زبيبٍ" هذا مُنكَرٌ، والمشهور: أنه من تمرٍ.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا عبدالله بن مَسْلَمةَ القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن عبدالكريم بن مالكِ الجَزَرِيِّ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجْرَةَ ، في هذه القصة زادَ: أيَّ ذلك فعلتَ أجزأَ عنكَ [58]".

الشيخ: هذا وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية رغبتنا، ولا تسلِّط علينا من لا يخافك.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه أبو داود: 1807، وقال عنه الألباني: حديثٌ موقوفٌ صحيحٌ، ولكن لا حُجَّةَ فيه؛ "صحيح سنن أبي داود": 1586.
^2 رواه أبو داود: 1808، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 315.
^3 رواه أبو داود: 1809، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1587.
^4 رواه الترمذي: 885، والنسائي في "السنن الكبرى": 3600، وأحمد في "المسند": 3049، وصححه مُحقِّقو المسند.
^5 رواه أبو داود: 1810، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1588.
^6 رواه أبو داود: 1811، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1589.
^7 رواه أبو داود: 1812، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1590.
^8 رواه أبو داود: 1813، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1591
^9 رواه أبو داود: 1814، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1592
^10 رواه أبو داود: 1815، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1593
^11 رواه أبو داود: 1816، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1594
^12 رواه أبو داود: 1817، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 316.
^13 رواه أبو داود: 1818، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1595
^14 رواه أبو داود: 1819، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1596
^15 رواه أبو داود: 1820، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1597، دون قوله: "من رأسه" فإنه مُنكَرٌ.
^16 رواه أبو داود: 1821، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1598.
^17 رواه أبو داود: 1822، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1599.
^18 رواه أبو داود: 1823، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1600.
^19 رواه أبو داود: 1824، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1600.
^20, ^21 رواه أبو داود: 1825، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1601.
^22 رواه أبو داود: 1826، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1602.
^23 رواه أبو داود: 1827، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1603.
^24 رواه أبو داود: 1828، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1604.
^25 رواه أبو داود: 1829، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1605.
^26 رواه أبو داود: 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود: 1606".
^27 رواه أبو داود: 1831، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1607.
^28 رواه أبو داود: 1832، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1608.
^29 رواه أبو داود: 1833، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 317.
^30 رواه أبو داود: 1834، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1609.
^31 رواه أبو داود: 1835، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1610.
^32 رواه أبو داود: 1836، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1611.
^33 رواه أبو داود: 1837، وقال عنه الألباني: وهذا إسنادٌ ظاهِرُه الصحة، فإن رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، لكن أعلَّه المُصنِّف تبعًا لشيخه الإمام أحمد بمُخالَفة سعيد بن أبي عَرُوبةَ؛ فإنه أرسله؛ "صحيح سنن أبي داود": 1611.
^34 رواه أبو داود: 1838، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1612
^35 رواه أبو داود: 1839، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1612
^36 رواه أبو داود: 1840، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1613.
^37 رواه أبو داود: 1841، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1614.
^38 رواه أبو داود: 1842، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1615.
^39 رواه أبو داود: 1843، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1616.
^40 رواه أبو داود: 1844، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1617.
^41 رواه أبو داود: 1845، وقال عنه الألباني: حديثٌ مقطوعٌ صحيحٌ، واستدلَّ به أحمدُ؛ "صحيح سنن أبي داود": 1618.
^42 رواه أبو داود: 1846، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1619.
^43 رواه أبو داود: 1847، وقال عنه الألباني: إسناده حسنٌ صحيحٌ؛ "صحيح سنن أبي داود": 1620.
^44 رواه أبو داود: 1848، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 319.
^45 رواه أبو داود: 1849، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1621.
^46 رواه أبو داود: 1850، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1622.
^47 رواه أبو داود: 1851، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 320.
^48 رواه أبو داود: 1852، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1623.
^49 سبق تخريجه.
^50 رواه أبو داود: 1853، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 321.
^51 رواه أبو داود: 1854، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 322.
^52 رواه أبو داود: 1855، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 322.
^53 رواه أبو داود: 1856، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1624.
^54 رواه أبو داود: 1857، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1625.
^55 رواه أبو داود: 1858، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1626.
^56 رواه أبو داود: 1859، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود": 323.
^57 رواه أبو داود: 1860، وقال عنه الألباني: إسناده حسنٌ؛ لكن قوله: "فَرَقاً من زبيبٍ" شاذٌّ، والمحفوظ بلفظ: "ثلاثة آصُعٍ من تمرٍ"؛ "ضعيف سنن أبي داود": 324
^58 رواه أبو داود: 1861، وصحَّحه محققو "مسند الإمام أحمد": 18016.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©