- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الصيام- مشروعية الصيام وتعريفه ومن يجب عليه

جدول المحتويات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد:
مشروعية الصيام
فإن الموضوع هو الكلام على شرح "عُمدة الأحكام" من "كتاب الصيام"، وقبل ذلك، بل أُنبِّه على أن تناولنا للحديث عن هذا الشرح سوف يكون عن طريق الشرح الموضوعي؛ بأن نتكلم عن الأحكام جُملةً، ثم إذا اتسع الوقت نقرأ المتن ونُبيِّن ما يندرج النص تحته من هذه الموضوعات، فأولًا نبدأ بمشروعية الصيام.
والصيام: هو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وقد جاءت فرضيته في كتاب الله ، وفي سُنة نبيِّه محمدٍ ، وأجمعت الأُمة على ذلك.
يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، والنبي يقول: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام [1]. فالنبي يُبيِّن في هذا الحديث منزلة الصيام، وأنه أحد أركان الإسلام، وأنه هو الركن الرابع.
وقد أجمعت الأُمة على مشروعية الصيام، وقد فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي تسع رمضاناتٍ ولا زال المسلمون معه، ومن بعده إلى يومنا هذا يُؤدُّون هذه الفريضة العظيمة.
ويتحقق دخول شهر رمضان:
- إما بالرؤية؛ فقد قال النبي : صوموا لرؤيته وأَفْطِروا لرؤيته [2]، وجاء رجلٌ أعرابيٌّ وشهد لدى النبي برؤية هلال رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟، قال: نعم، فأمر المسلمين بالصيام أخذًا بشهادته [3]؛ ولذلك قال العلماء: إن الشهادة في دخول شهر رمضان يكفي فيها ولو شاهدٌ واحدٌ.
- والأمر الثاني الذي يتحقق به دخول شهر رمضان: هو إكمال عِدَّة شعبان ثلاثين يومًا إذا لم تُمكن الرؤية، فدلَّنا النبي إلى طريقٍ آخر: وهو إكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا، وقد قال النبي : فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين يومًا[4].
هذا ما يتعلق بمشروعية الشهر وبدخوله.
تعريف كتاب الصيام
وأما ما يتعلق بكتاب الشيخ، افتتح ذلك بقوله: كتاب الصيام. والكتاب في اللغة: الجمع، فيُقال: اكتتب بنو فلانٍ إذ اجتمعوا، ومنه سُمِّيت الكتابة كتابةً؛ لاجتماع الحروف إلى الحروف، والكلمات إلى الكلمات، فأُخذت من جهة اللغة، وهو الجمع.
وأما في الاصطلاح، فتعريف الكتاب في الاصطلاح: هو اسمٌ لمجموعةٍ من الأحاديث يجمعها موضوعٌ واحدٌ.
والصيام في اللغة: مُجرَّد الإمساك، سواءٌ أكان ذلك إمساكًا عن كلامٍ، أو إمساكًا عن أكلٍ، أو غيره، مُجرَّد الإمساك يُطلَق عليه في اللغة صيامًا. والله يقول: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم:26] على لسان مريمَ عليها السلام، إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا، مُجرَّد إمساكها عن الكلام عَدَّتْ ذلك صيامًا.
وفي ذلك أيضًا: بيت الشعر الذي يقول فيه: "خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ"[5]؛ أي: خيلٌ مُسخلةٌ، وخيلٌ غير مُسخلةٍ؛ دَلَّ ذلك على أن الصيام في اللغة هو مجرد الإمساك.
وهو في الاصطلاح: "إمساكٌ بنِيَّةٍ في زمنٍ مخصوصٍ من شخصٍ مخصوصٍ عن أشياء مخصوصةٍ".
وعن طريق هذا التعريف، نتناول المسائل الأساسية في التعريف، وهي: أولًا: النية ومكانتها للصائم، ثم تحديد زمن الصيام، ثم مَن الواجب عليه الصيام، ثم ما هي مفسدات الصيام.
النية ومكانتها للصائم
أما الإمساك بنِيَّةٍ، فمن المعلوم أن النيَّة شرطٌ في العبادات كلها، وهي التي تُفرِّق بين العمل العادي والعمل العبادي لله ، كما أنها أيضًا تُميِّز العبادات عن بعضٍ، بل بعض فروض العبادة عن البعض الآخر، وهي لازمةٌ، وبدونها لا يُقبَل العمل أو أيُّ عبادةٍ، والله يقول: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، والنبي يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه [6]، فدلَّ ذلك على أهمية النية ومكانتها.
والنية في الصيام الواجب لا بُدَّ من تبييتها من الليل، ولو من جزءٍ يسيرٍ من الليل، فلا بُدَّ أن تُبيَّت النية، ولا صيام في الصيام الواجب إلا بتبييت النية من الليل، فلو أن الإنسان لم يَنْوِ؛ لم يُقبَل منه هذا العمل؛ لأنها أساس العمل، وأيُّ عملٍ بلا نيةٍ فلا حقيقةَ له، ولا يُقبَل عند الله كما أسلفنا، ويدل على ذلك الحديث الصحيح القدسي، قال النبي : قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك معي فيه غيري، تركتُه وشِركه [7].
وتبييت النية في الصيام الواجب شرطٌ أساسٌ لقبوله، فلا يمكن أن يَصِحَّ صيامٌ بدون تبييت النية من الليل.
وأما في الصيام المُستحب فيكفي ذلك ولو من النهار، على شرط أن لا يكون قد تناول مُفطِرًا قبل ذلك، فقد دخل النبي يومًا على أهل بيته فسألهم ما عندهم من طعامٍ، ثم قال: إني صائمٌ [8]، فدلَّ على أن صيام النفل يجوز ولو بعد طلوع الشمس، بعد طلوع الفجر، ولكن الأجر على قدر النية، يكون ثوابه على الصيام منذ نيته؛ لذلك هذا لا ينطبق على الصيام الواجب.
وكان على الإنسان صيامٌ واجبٌ، خلِّنا نقول: في قضاءٍ، قضاء لرمضان، لا صيام نذرٍ أو غيره من الصيام الواجب، فلو أن إنسانًا لما أضحى تذكَّر، وقال: عليَّ يومٌ، أو أيامٌ، أو نَذْرٌ؛ فسوف أصومه عن ذلك اليوم.
نقول له: لا يَصِحُّ ذلك، ولا يُجزئ؛ لأنه لا بُدَّ من تبييت النية في الصيام الواجب من الليل، ولو جزءٌ من الليل قبل الفجر.
زمن الصيام
أما الزمن المخصوص الذي يجب على الصائم الإمساك فيه، قلنا في تعريف الصيام: "إمساكٌ بنِيَّةٍ في زمنٍ مخصوصٍ": فهو من طلوع الفجر الثاني الصادق إلى غروب الشمس، هذا وقت الصيام، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، والله يقول: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].
فأخبر الله في هذه الآية أن الصيام يكون من الفجر الصادق، هذه بدايته، وتدل عليه هذه الآية التي ذكرتُ لكم، وأما الغروب فيَدُلُّ عليه حديث رسول الله : إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم [9]، فدلَّ ذلك على أن مدة الصيام منذ طلوع الفجر الثاني الصادق إلى غروب الشمس.
والفجر الصادق قد ضُبط من قِبَل أهل الاختصاص، وصدرتْ فيه الفتاوى باعتماد توقيت أم القرى؛ ولذلك هو التوقيت المُعتمَد؛ لأنه مبنيٌّ على الرصد الدقيق من قِبَل الخبراء، فلا يُلتفت إلى من يُشوِّش على طلوع الفجر، أو ربما أُناسٌ قد يخالفون في ذلك، فلا يُلتفت لقولهم؛ لأن المَرَدَّ في مثل الأمور العامة إلى علماء الأمة، الذين يُصدِرون الفتوى بعد التحرِّي والتدقيق، ولا ينبغي لأحد أن يُخالفهم، إذا أراد أن يُخالف أو كان عنده وجهة نظرٍ، فليكتب بها إليهم؛ ليتدارسوا الموضوع، ولا شك أنهم سوف يُولُون أيَّ وجهة نظرٍ في الموضوع الدراسة المعمَّقة؛ لأن هذا هو أمرٌ يُهِمُّ المسلمين جميعًا، ولا يُهِمُّ فردًا مُعيَّنًا.
ثم هذا الذي اقترح أو كان له وجهة نظرٍ، بعد ذلك يجب عليه أن يحترم ما يصدر، وأن لا يسعى إلى التهويش أو التشويش على الناس من خلال وجهة نظره في أمرٍ يُخِلُّ بعبادة عموم الناس.
مَن يجب عليه الصيام
قلنا: إن تعريف الصيام: "إمساكٌ بنِيَّةٍ في وقتٍ مخصوصٍ من شخصٍ مخصوصٍ"، هذا الشخص المخصوص الذي يجب عليه الصيام، صيام شهر رمضان أداءً: هو المسلم البالغ العاقل المُعافَى المُقيم القادر الخالي من الموانع، ونتناول ذلك فقرةً فقرةً.
فالمسلم يُخرِج الكافر، فإن الكافر لا صيامَ عليه، ولو صام لما قُبِلَ منه، والله يقول في عموم أعمال الكافرين: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]. وأيضًا الصيام لا بُدَّ له من نِيَّةٍ على نحو ما أسلفنا، ونيَّةُ العبادة لا تصلح من الكافر، أولًا: يُصحِّح أصل اعتقاده، الدخول في دين الله ، ثم ينطلق من هذه النقطة إلى كافة التكاليف الشرعية.
قلنا: إن المسلم البالغ، البالغ يُخرِج الصغير، وهو الصبي دون البلوغ، والنبي يقول: رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ: النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يَبْلُغ، والمجنون حتى يُفِيقَ [10]؛ لذلك الصغير، الصبي الصغير الذي لم يبلغ، لا يجب عليه الصيام، ولكن يُستحبُّ -كما هو فعل الصحابة - إذا كان الصبي مُميِّزًا ويُطيق الصيام، يُستحبُّ أن يُؤمَر به تدريبًا له على العبادة؛ حتى إذا بَلَغَ يسهُل عليه أداؤها، وقد كان الصحابة يُصوِّمون صبيانهم، وما ذلك إلا لتمرينهم على العبادة كما ذكرنا.
علامات البلوغ
والبلوغ يحصل بعلاماتٍ، الذي هو حَدُّ التكاليف الشرعية، ومنها الصيام، ثلاث علاماتٍ للبلوغ:
- خمسة عشر عامًا.
- أو نبات -وهي العلامة الثانية- الشَّعر الخَشِن على القُبُل.
أو بلوغ خمسة عشر عامًا، ونبات الشَّعر الخَشِن على القُبُل.
- أو الإنزال، سواءٌ أكان ذلك باحتلامٍ أو بغيره.
- وتزيد المرأة بشيءٍ رابعٍ؛ ألا وهو الحيض، فإذا حاضت المرأة صارت امرأةً، ووجب عليها التكاليف الشرعية من الصيام وغيره.
ومن هنا يتفطن المرء المسلم مِمَّن ولَّاه الله على أولاده أو مَن كان تحت ولايته، بأن المرأة إذا حاضت بَلَغَتْ، وإذا بَلَغَتْ وجبتْ عليها سائر التكاليف الشرعية، سواءٌ كان ذلك من الصيام، من الصلاة، من الحجاب، وغيرها من الأمور. إذا حاضت المرأة صارت امرأةً، أو بلغت بإحدى علامات البلوغ التي ذكرنا صارت امرأةً، ووجبت عليها سائر التكاليف، سواءٌ كان ما كان مُشتركًا بينها وبين الرجل، أو ما كان خاصًّا بها من نحو الحجاب وإسباغ الجلباب.
والثالث: قلنا: المسلم البالغ العاقل، العاقل يُخرِج المجنون، فالمجنون لا صيامَ عليه؛ لأنه غير مُكلَّفٍ. والقاعدة: أن الله إذا سَلَبَ ما أعطى رَفَعَ ما أوجب، فالإنسان إذا كان مجنونًا جنونه مُطبقٌ -يعني: مُستمرٌّ- فلا صيام عليه، وكذا من أصابه الإغماء مدةً أو فترةً، كانت شهرًا أو بعض الأيام، فهو أيضًا له حكم المجنون، مرفوعٌ عنه القلم؛ للحديث السالف الذي مَرَّ ذكره بالنسبة للمجنون: رُفِعَ القلم عن ثلاثةً: النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يَبْلُغ، والمجنون حتى يُفِيقَ [11]، فالمجنون مرفوعٌ عنه التكليف.
حكم الصيام على مَن كان جنونه مُتقطعًا
ومَن كان جنونه مُتقطِّعًا فإن الصوم يجب عليه في حال إفاقته، ولا يجب عليه في حال جنونه، فلو جُنَّ مثلًا نصف الشهر وأفاق نصف الشهر، نقول: يجب عليه الصيام في الجزء الذي أفاق فيه، ولا يجب عليه الصيام في الجزء الذي أصابه الجنون فيه.
وهل يجب عليه القضاء؟
لا يجب عليه القضاء، وفَرَّع على ذلك العلماء: بأن المجنون لو أنه جُنَّ من أول النهار ثم أفاق آخره، عليه الصيام منذ إفاقته، وإذا لم يكن قد أكل في الفترة الماضية، وهكذا لو أنه أصبح صائمًا ثم انتابه الجنون ساعاتٍ، فإن ذلك أيضًا لا يُفسِد صومه إذا لم يأكل فيه.
والمهم أن الصيام حسب حضور عقله، فإذا حضر عقله وجب عليه في نهار رمضان، ولا يلزمه قضاء ما مضى، وإذا غاب عقله فلا صيام عليه؛ لأنه مجنونٌ مرفوعٌ عنه القلم على نحو ما سمعنا.
حكم الصيام على المُسافر
وقلنا أيضًا بعد ذلك: الذي يجب عليه الصيام المسلم البالغ العاقل المُقيم، فالمُقيم يُخرِج المُسافر، فالمُسافر لا يسقط عنه الصيام، ولكن يجوز له أن يترخَّص بالفطر في شهر رمضان؛ لأن الآية التي أوجبت الصيام بيَّنت العُذر للمُسافر، فجاء قول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:183-184]، يعني: فمن كان مريضًا أو على سفرٍ فأَفْطَرَ، فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ.
وما هو السفر الذي يترخَّص فيه المسلم بالفطر في نهار رمضان؟
هو السفر الذي يَقطع فيه مسافة السفر، قدَّرها العلماء اليوم بالأكيال؛ بأن يُسافر ثمانين كيلًا فما فوق.
وأيضًا الأيام، أن لا تزيد إقامته في البلد الذي سافر إليه على أربعة أيامٍ، فإن زادت على أربعة أيامٍ فله أحكام المُقيم، بمعنى: لا يجوز له أن يُفطِر. فلو أن شخصًا سافر من -مثلًا- نقول: من الرياض إلى مكة ليقيم بها الشهر، أو ليقيم خمسة أيامٍ؛ فنقول: له الفطر في الطريق، ولكن إذا نزل في المدينة، في مكة، وقد عزم على أن يُقيم خمسة أيامٍ فليس له الفطر؛ لأنه تجاوز الفترة المسموح فيها، وهكذا لو كان السفر إلى جدة.
المهم مسافة السفر، ومدة إقامة مسافة السفر -مثل ما قلنا- حوالي ثمانين كيلًا، ومدة الإقامة ألا تزيد على أربعة أيام، فإن زاد على أربعة أيام فهو مُقيمٌ، وليس له أحكام الُمسافر في الترخص بالفطر في نهار رمضان.
إذا كان المسافر يجوز له أن يترخَّص بالفطر في نهار رمضان على التفصيل الذي ذكرنا، فأقول: إذا كان له الترخص فأيهما أفضل في حقه؟ هل الأفضل في حقه أن يُفطِر أو أن يصوم؟
فالجواب: يفعل الأرفق به؛ لأن الرخصة جاءت من الشارع، يعني: هو مُطلَقٌ أن يكون سافر جائزٌ له الفطر، لكن نتحدث في الأفضل.
الأفضل حسب حاله، فإن كان الصيام يشق عليه فالأفضل له الفطر؛ لأن الله يحب أن تُؤتَى رُخَصُه كما يحب أن تُؤتَى عزائمه [12].
فالمسلم إذا كان مُسافرًا وكان عليه مشقةٌ، فالأفضل في حقه أن يُفطِر؛ لأنه لمَّا سافر الصحابة مع النبي ، وكان ذلك في يومٍ قائظٍ شديد الحرارة كما ثبت عنه ، وكان من صحابته من هو مُفطِرٌ، ومنهم من هو صائمٌ، فدلَّ ذلك على جواز هذا وجواز هذا، ولكن المُفطرين هم الذين قاموا بنصب الخيام إلى آخره، وأما الصائمون فكانوا في حالة تعبٍ وإعياءٍ؛ ولذلك قال النبي : ذهب المُفطِرون اليوم بالأجر [13]، مما يدل على فعلهم، وأن الإنسان إذا كان يشقُّ عليه الصيام فإن الأوْلى في حقه الفطر.
وأيضًا النبي لما سافر مع صحابته وأُخبِر بأن بعضًا منهم شَقَّ عليه الصيام وكان صائمًا ، فدعا بقدحٍ من ماءٍ وشرب وهم ينظرون، فلما أُخبِر بأن أُناسًا أصاب منهم الجهد، ومع ذلك لا زالوا صائمين قال : أولئك العصاة، أولئك العصاة [14]؛ لأنهم خالفوا ما أباحه الله لهم، وفعلوا ما يشقُّ عليهم، وكان بإمكانهم أن يترخَّصوا بالرخصة.
طيب، لو إنسانٌ تساوى عنده أن يصوم أو أن يُفطِر، فأيهما أفضل، كلها جائزةٌ، ولكن ما عليه مشقةٌ، وأيضًا الشارع جاء بإجازة الإفطار له، فأيهما أفضل في حقه؟
قال: الأفضل في حقه أن يصوم؛ لأن فيه مُسارعةً إلى أداء الواجب عنه حتى لا يبقى في ذمته.
وأما لو كان الصيام يضر بالإنسان، حيث يُؤدِّي إلى هلاكه، أو إلى تلف عضوٍ منه، أو ضرر عضوٍ منه، أو ضررٍ بالغٍ فيه، فإنه والحال هذا متى ما كان مُسافرًا يجب عليه الإفطار؛ لأنه لا يجوز له إهلاك نفسه، والله يقول: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء:29].
فالمسلم لا يُهلك نفسه، والله أيضًا يقول: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، كل ذلك نهيٌ عن أن يفعل المسلم ما يضر بنفسه، أو يُؤدِّي بها إلى التهلكة، والنبي يقول: لا ضَرَرَ ولا ضِرار[15]، هذا الحديث رواه ابن ماجه والدارقطني، وله طرقٌ يُقوِّي بعضها بعضًا، كما قال الإمام النووي في "الأربعين"، فدلَّ ذلك على أن الإنسان إذا كان الصيام يُؤدِّي إلى هلاكه والإضرار بنفسه وهو مُسافرٌ فإنه يُفطِر.
حكم الفطر للمريض والعاجز عن الصيام
أيضًا قلنا: من الواجب عليه الصيام: المُعافَى، بمعنى: يَخرُج من ذلك المريض، المريض يجوز له الفطر، والدليل على ذلك: ما سلف من الآية: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فهذه الآية دالَّةٌ على أن المريض يترخَّص بالفطر، لكن من هو المرض الذي يترخَّص به؟
يُقال: أحوال المريض ثلاثةٌ:
الأولى: لا يشقُّ عليه ولا يضرُّ، فهذا لا يُسمى مرضًا شرعًا؛ كحالات الزكام الخفيف وما في حكمها، لا يُسمى مريضًا لا شرعًا ولا عُرفًا؛ ولذلك في هذه الحالة ليس له الفطر.
الحال الثانية: أن يشقُّ عليه الصيام ولكن لا يضره، ففي هذه الحالة الأفضل في حقه أن يُفطِر تمتعًا برخصة الله التي أرخصها له، ولأن النبي يقول: إن الله يحب أن تُؤتَى رخصه كما يحب أن تُؤتَى عزائمه [16]، فهو في فسحةٍ، فالأفضل في حقه أن يتمتع بها ولا يشقُّ على نفسه.
الحال الثالثة: أن يضرَّ الصيام بالمريض؛ كأن يُؤدِّي إلى هلاكه، أو يُؤدِّي إلى إضرارٍ بعضوٍ منه، ونحو ذلك، ففي هذه الحالة يجب عليه الفطر؛ لأن ترك الصيام يُؤدِّي إلى هلاكه، أو هلاك عضوٍ منه، ونفس الإنسان أمانةٌ عنده، وسبق أن سمعتم الآيات التي تأمر الإنسان بالإحسان إلى نفسه، كما في قوله : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، وفي قوله سبحانه وتعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وفي الحديث الذي سلف من قول النبي : لا ضَرَرَ ولا ضِرار [17]، دَلَّ ذلك على أن المسلم إذا كان مريضًا في نهار رمضان، فإنه لا يجب عليه الصيام، وتفصيل الحالات في هذا الأمر على نحو ما ذكرنا.
هذا ما يتعلق بهذه الأحوال التي ذكرنا، المسلم البالغ العاقل المُعافى المُقيم.
وقلنا أيضًا: القادر، والمراد بالقادر: الذي يستطيع الصوم، فلو أن شخصًا لا يستطيع الصيام فإنه لا يجب عليه الصيام؛ مثل: ذلك المريض بمرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُه، ولا يستطيع معه الصيام، أو نصحه الأطباء بألا يصوم؛ لأن ذلك يُؤدِّي إلى إهلاك نفسه، وهذا في حالاتٍ يمكن إرجاعها إلى أهل الاختصاص من الأطباء يعرفونها، فإذا كان هذا الشخص مريضًا مرضًا لا يُرجَى بُرْؤُه فإنه يُفطِر، يُفطِر ولا يلزمه القضاء، إذا أفطر المريض مرضًا لا يُرجَى بُرْؤُه، فلا يلزمه القضاء.
طيب، لو أنه مريضٌ مرضًا لا يُرجَى بُرْؤُه؛ مثلًا نقول: الحالات الشديدة في حالات الكُلَى، ثم وفَّقه الله بزراعةٍ وزرعٍ، ونجحت الزراعة، وصار بعد مرحلة الاستشفاء قادرًا على الصيام؛ فيجب عليه الصيام، صار قادرًا على الصيام؛ يجب عليه الصيام.
طيب، ما مضى من الأشهر أو السنين التي أفطرها، هل يلزمه أن يقضيها بعد أن مَنَّ الله عليه بالشفاء؟
نقول: لا، لا يلزمه أن يقضي هذه الأيام التي أفطرها، ولو كانت أشهرًا؛ لأنه في تلك الحال كان مريضًا مرضًا لا يُرجَى بُرْؤُه وقد أفطر.
وأُنبِّه أيضًا إلى أن المريض مرضًا لا يُرجَى بُرْؤُه إذا أفطر فإنه يُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا، بمقدار كيلو ونصفٍ، نصف صاعٍ، ومقداره كيلو ونصفٍ، بعدد الأيام التي أفطرها، إن شهرًا، أو نصف شهرٍ، إلى آخره.
ويدخل في العاجز عن الصيام أيضًا: الشيخ الكبير الذي لا يُطيق بدنُه الصيام، عقله معه ولكن بدنه واهنٌ، لا يقدر ولا يستطيع الصيام، فهذا أيضًا يُفطِر ويُكفِّر، يُطعم على نحو ما ذكرنا، عن كل يومٍ مسكينًا؛ لأنه غير قادرٍ، وقد كَفَّرَ أنسُ بن مالكٍ -أو أَطْعَمَ أنسُ بن مالكٍ- بعدما كبر وضعُف بدنُه وأَفْطَر، كَفَّرَ عن كل يومٍ مسكينًا.
وسواءٌ أخرجه طعامًا، أو صنع طعامًا، فوزَّعه على الفقراء والمساكين وجباتٍ، نقول عن الشهر، مجموعه ثلاثون، ثلاثون وجبةً، أو أطعم كل يومٍ مسكينًا، سواءٌ طعامٌ يصنعه، أو طعامٌ يُوزِّعه على الفقراء والمساكين.
أُشير أيضًا إلى أن الشيخ الهَرِم إنما تلزمه..، الشيخ الكبير الذي وَهَى جسمه مع بقاء عقله إنما يُطعِم إذا كان على هذه الحال، أعني: عقله معه، أما لو كان مع الكبر يفقد العقل أو الذاكرة فإننا نقول هنا: أن لا صيام عليه ولا إطعام؛ لأنه والحال هذه غير مُكلَّفٍ، مثل ما سبق في المجنون والمغمى عليه، لا يلزمه صيامٌ، ولا إطعامٌ؛ لأنه فاقد العقل.
أيضًا مما قلنا: غير معذورٍ، أو سالمٌ من الموانع. من الموانع التي تمنع المرأة المسلمة من الصيام: دم الحيض والنفاس، فالمرأة إذا حاضت أو نَفَسَت، خرج منها الدم، فإنها لا تصوم، تُفطِر، ولا يجوز لها أن تدخل في الصيام؛ لأن النبي يقول: أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ [18]، فدلَّ ذلك على رفع الصيام عن المرأة إذا حاضت أو نَفَست، خرج منها دم الحيض أو النفاس، فإنها والحال هذه لا تصوم، وعليها أن تقضي عِدَّةً من أيامٍ أُخَرَ.
ولما سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما بال المرأة الحائض تُؤمَر بقضاء الصيام ولا تُؤمَر بقضاء الصلاة، أخبرت أن كان ذلك يَحدُث في عهد الرسول ، وكان يأمرنا بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة [19]؛ دَلَّ ذلك على أن المرأة الحائض لا صيام عليها، وإنما عليها القضاء.
هناك تفاصيلُ يذكرها العلماء حول الحيض، متى ما حاضت المرأة ولو قبل غروب الشمس بلحظاتٍ فيفسد صومها، وعليها الإعادة، لو أنها طهُرت من الحيض قبل طلوع الفجر الثاني، خلِّنا نقول: قبل الأذان الثاني بلحظات، أيضًا عليها أن تُمسِك؛ لأنها أصبحت طاهرةً، فعليها أن تُمسِك وتصوم ولو لم تغتسل عن الحيض إلا بعد طلوع الفجر، تغتسل وتُصلِّي.
مما يسأل عنه النساء في هذا الباب: أن المرأة إذا أفطرت وذهبت لتتوضأ فرأت دمًا على ملابسها الداخلية، فما حكم صيامها لهذا اليوم؟
فنقول: إن صيامها لهذا اليوم صحيحٌ؛ لأنها لم تَرَ الدم ولم تتحقق من وقوعه إلا بعد الغروب، والأصل كما هي القاعدة الفقهية: أن الحادث -وهو الحيض هنا- يُنسب إلى أقرب أوقاته، وأقرب أوقاته: حال مشاهدة المرأة له.
حكم الفطر لأصحاب المهن الشاقة
بقي أمران في هذا الباب، وهما: أصحاب المهن الشاقة، كعمال المناجم ومن في حكمهم، هل يجوز لهم الإفطار في نهار رمضان؟
نقول: أولًا: يجب على هؤلاء إذا عرفوا أن أعمالهم شاقةٌ -مهما أمكن- أن يأخذوا إجازةً؛ لأن صيام الشهر مع الإمكان هو الواجب عليهم، أو محاولة تخفيف مدة عدد الساعات إذا كان ذلك مُجديًا.
طيب، ما تمكَّن من أخذ إجازةٍ ولا تخفيف عدد الساعات، أو ربما تخفيف عدد الساعات لا يُزيل ضرر الصيام عليهم؛ فيقال: إن هؤلاء وأمثالهم عليهم أن يتسحَّروا ويُصبحوا صائمين، فإذا بلغ منهم الجهد والعناءَ كُلَّ مبلغٍ؛ جاز لهم أن يتناولوا ما يدفع عنهم الهلكة، كما يتناول الذي أصابته المَسْغَبة أو يَحِلُّ له أكل الميتة فقط، يأخذ بقدر ما تندفع عنه الهلكة، ولا يتخذ ذلك تكأةً لملء بطنه من الطعام أو للإفطار في بقية اليوم؛ لأن هذا ضرورةٌ فقط، وقلنا: إنه يتعين عليه ما أمكن أن يُدبِّر حاله بأن يأخذ إجازة مثلًا، أو يُقلِّل عدد ساعات العمل، وما في حكم ذلك.
حكم الفطر للحامل والمُرضِع
بقي أمرٌ أيضًا يتصل بالموضوع، وهو المرأة الحامل أو المُرضِع إذا أضرَّ بها الصيام، أو شقَّ عليها الصيام، أو شقَّ على جنينها، أو ولدها في حال الإرضاع.
فنقول: بأنه يجوز لها أن تُفطِر، وأن تقضي بعد ذلك عدد الأيام التي أفطرتها، والله يقول: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، تُفطِر وتُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "إنها في المرأة إذا حاضت، وفي الشيخ الكبير إذا شق عليه الصيام"، فيُفطِر ويُكفِّر عنه ويُطعِم عن كل يومٍ يُفطِره. والمرأة إذا كان فِطرها لأجل ولدها فإنها تُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا، أما إذا كان الفطر لأجل نفسها فهي في حكم المريض، يدخل حكم المريض، عليها أن تقضي وليس عليها إطعامٌ.
هذا حاصلُ ما يُتناول في هذه النقطة.
ونُكمل الدرس إن شاء الله، نتوقَّف هنا ونُكمل الدرس -إن شاء الله- في يوم غدٍ في المُفطِرات وشروط الإفطار.
أسأل الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا، وأن يُعيننا على صيام وقيام بقية هذا الشهر الكريم.
ونسأله العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يغفر لنا ولوالدينا، إنه سميعٌ مُجيبٌ.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
|---|---|
| ^2, ^4 | رواه البخاري: 1909، ومسلم: 1081. |
| ^3 | رواه أبو داود: 2340، والترمذي: 691، والنسائي: 2434، وابن ماجه: 1652، والحاكم في "المستدرك": 1555. |
| ^5 | القوافي، لأبي يعلى التنوخي: ص60. |
| ^6 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^7 | رواه مسلم: 2985. |
| ^8 | رواه مسلم: 1154. |
| ^9 | رواه البخاري: 1955، ومسلم: 1101. |
| ^10 | رواه أبو داود: 4402، والترمذي: 1423، والنسائي: 3432، والبخاري مُعلَّقًا بصيغة الجزم قبل حديث: 5269 بلفظ: "وعن الصبي حتى يُدرِك". |
| ^11, ^16, ^17 | سبق تخريجه. |
| ^12 | رواه ابن حبان في "صحيحه": 3568، والطبراني في "المعجم الأوسط": 8032، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب": 1060. |
| ^13 | رواه البخاري: 2890، ومسلم: 1119. |
| ^14 | رواه مسلم: 1114. |
| ^15 | رواه مالك في "الموطأ": 2/ 745، وابن ماجه في "سُننه": 2341، وأحمد "المسند": 2865، والدارقطني في "سُننه": 3079، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7515. |
| ^18 | رواه البخاري: 1951. |
| ^19 | رواه البخاري: 321، ومسلم: 335. |