تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد آل خنين
فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد آل خنين

آداب الصيام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين.

آداب الصيام

فإن الحديث اليوم سيتناول آداب الصيام وأحكامًا أخرى، فالصيام له آدابٌ؛ منها:

السحور، وتأخيره

استحباب السحور وتأخيره أيضًا، وقد قال النبي : تَسَحَّروا؛ فإن في السَّحُور بركةً [1] والنبي كان يُؤخِّر السحور إلى قرب أذان الفجر، وكان ما بين انتهائه من سحوره وبين الأذان قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آيةً، كما ثبت ذلك في الحديث [2]، وهذا يدل على مشروعية السحور، وعلى مشروعية تأخيره.

الفطور، وتعجيله

وكذلك من آداب الصيام المستحبة: الفطور، ويُستحبُّ أيضًا المُبادَرة به، وقد قال النبي في استحباب الفطور: لا يزال الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر [3].

وكان النبي يُفطِر على رُطَباتٍ، فإن لم يجد فتَمراتٍ، فإن لم يجد حَسَا حَسَواتٍ من ماءٍ، وقد حدَّث أنسُ بن مالكٍ بذلك، فقال: "كان رسول الله يُفطِر على رُطَبات قبل أن يُصلِّي، فإن لم يكن رُطَبات، فتَمرات، فإن لم يكن تَمرات حَسَا حَسَواتٍ من ماءٍ" [4].

والإنسان إذا لم تتوفَّر له هذه الأشياء، كل هذا على وجه الاستحباب، أو على أي شيءٍ مُباحٍ أفطر؛ أجزأه، فأقول: الإنسان إذا لم تتوفَّر له هذه الأشياء: الرُّطَب ثم التَّمر ثم الماء، فإنه يُفطِر على ما تيسَّر، وإن لم يجد نوى الإفطار بقلبه منذ غروب الشمس واختفاء قرصها، وكان النبي عند فِطره يدعو بقوله: اللهم لك صُمْتُ، وعلى رزقك أَفْطَرْتُ [5].

قراءة القرآن

وكذا مما يُستحبُّ في شهر رمضان: قراءة القرآن، فإذا كان القرآن مُستحبًّا في سائر العام، كما تدلُّ عليه الأحاديث، ومن ذلك قوله : اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه [6]، ويقول : الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: منعتُه الطعامَ والشرابَ فشَفِّعْني فيه، ويقول القيام: منعتُه النومَ فشَفِّعْني فيه؛ فيشفعان [7].

والمسلم مأجورٌ في قراءته للقرآن الكريم في كل حينٍ وفي كل آنٍ، كما قال ابن مسعودٍ: قال رسول الله : مَن قرأ حرفًا من كتاب الله؛ فله به حسنةٌ، والحسنة بعَشْرِ أمثالِها، لا أقول (الم) حرفٌ؛ ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ [8]".

والمسلم إذا قرأ القرآن يحرص على ترتيله وتدبُّر معانيه، فالله يقول: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4]، وابن مسعودٍ يقول: "لا تَهُذُّوا القرآنَ هَذَّ الشِّعْر، ولا تَنْثُروه نَثْرَ الدَّقَل، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب" [9].

فالإنسان عند قراءته للقرآن يتدبَّره ويتفهَّمه، ويستفيد من مواعظه وأحكامه وزواجره ومبشراته، ويجعل قلبه حاضرًا بتفهُّم المعاني، لا أن يكون مُجرَّد أحرُفٍ يُردِّدها، ولا عدد تلاواتٍ وختماتٍ يُباهي بها، وهو مُنصرِفٌ عن تدبُّر معانيه، مع قُدرته على ذلك.

والنبي كان يُدارِس جبريل القرآن في شهر رمضان، كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "كان رسول الله أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضانَ فيُدارِسه القرآن" [10]، وكان جبريل يدارسه القرآن في كل ليلةٍ، "فلَرسولُ الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المُرسَلة" [11]، فدلَّ ذلك دلالةً ظاهرةً على أن المسلم يقرأ القرآن، ويُحافظ على قراءة القرآن في رمضانَ، وأنه يتفَّهم معانيه.

المُحافظة على الواجبات والفرائض الشرعية

وكذلك من الآداب في شهر رمضان، بل من الآداب الواجبة: المُحافظة على الواجبات والفرائض الشرعية، ومن أظهرها الصلاة؛ فإن الله قال في كتابه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43]، وهي ركنٌ من أركان الإسلام ومبانيه العظام، فيجب على المسلم المُحافظة عليها في شهر رمضانَ، وفي غيره من شهور العام.

وقد جاء التحذير بتركها والإعراض عنها عمدًا، أو تكاسُلًا، فالله يقول: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، وغَيٌّ هذا: وادٍ في جهنمَ -نسأل الله أن يُعيذنا وإياكم منه- فهذه الآية فيها تهديدٌ ووعيدٌ لمن يتخلَّف عن أداء الصلاة.

وقد قال النبي : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر [12]. وهذا يدل على خطورة الإعراض عن أداء الصلاة في رمضان، أو في غيره؛ لأنها فريضةٌ لازمةٌ يُحافظ عليها المرء المسلم، وقد قال بعض التابعين: لم يكن أصحاب رسول الله يَرَوْنَ شيئًا من الأعمال تَرْكُه كفرٌ غير الصلاة.

والصلاة -أيها الإخوة- يُحافظ عليها المسلم، ويُؤدِّيها جماعةً مع المسلمين في المسجد، فالله يقول: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، ويقول: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة:18]، وعمارتها كما تكون ببنائها وصيانتها تكون بالصلاة فيها؛ لأن ذلك هو الغرض الأسمى من بناء المساجد، واتخاذها، إنما هو لإقامة الصلاة فيها.

ومما يدلُّ على وجوب صلاة الجماعة: أن رجلًا أعمى جاء إلى النبي ، وذكر له من حاله أنه أعمى، وليس له قائدٌ يقوده إلى المسجد، وطلبه أن يُرخِّص له بالصلاة في بيته، فرخَّص له، فلما انصرف دعاه النبي ، وقال: له هل تسمع النداء؟ -يعني: هل تسمع الأذان؟- قال: نعم، قال: فأجب" [13]، فهذا رجلٌ أعمى، فكيف بحال الأصحاء الذين قد عافاهم الله ؟! كيف بهم يتهاونون عن أداء هذا الواجب العظيم؟!

والنبي هَمَّ أن يُحرِّق على أُناسٍ بيوتهم؛ لأنهم كانوا يتخلَّفون عن الصلاة، جماعة صلاة العشاء والفجر، والتحريق عقوبةٌ عظيمةٌ لا يكون إلا على أمرٍ تَرْكُه من فرائض الدِّين. وإنما نؤكِّد على ذلك؛ لأن بعضًا من الناس في هذه الأعصار -هداهم الله- يصوم، ولكنه ربما نام من الفجر حتى المغرب، وفوَّت أداء صلاة الظهر وصلاة العصر، حتى خرج وقتها، فضلًا عن التفريط في صلاتها جماعةً مع المسلمين! وهذا فيه من الخطورة ما فيه على المرء المسلم؛ لأنه ترك أعظم فريضةٍ وركنٍ بعد الشهادتين، ألا وهي الصلاة، فلْيَحْذَرْ مِن هذا الفعل مَن يقع فيه، فإن مَغبَّته عظيمةٌ عليه.

اجتناب ما حرَّم الله من الأقوال والأفعال

وكذلك من الآداب التي على المسلم أن يفعلها في رمضانَ، أو في غيره، ولكن في رمضانَ آكد: اجتناب ما حرَّم الله عليه من الأقوال والأفعال، والنبي يقول: مَن لم يَدَعْ قولَ الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه [14].

نتأمَّل هذا الحديث مَن لم يَدَعْ قولَ الزور... فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه، فدلَّ ذلك على أن المسلم يجتنب ما حرَّم الله عليه من الأقوال والأفعال، ومن الزور المنهي عنه المسلم في كل حينٍ وفي كل آنٍ، ويتأكد ذلك في رمضانَ حال الصيام: الكذب، وأعظمه الكذب على الله ، وعلى رسوله، هذا يحصل بأن يتهاون الإنسان أحيانًا ويتكلم في الأحكام الشرعية من غير علمٍ، وهذا افتراءٌ على الله، والله يقول: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

وهذا بيانٌ واضحٌ في كتاب الله من أن الإنسان يجتنب الخوض فيما لا يعلمه من مسائل الشرع، وأن تعمُّد الحديث في ذلك من غير علمٍ؛ فهو افتراءٌ على الله وكذبٌ، والنبي يقول: مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار [15].

ومن الأمور المُحرَّمة التي تدخل في قول النبي : مَن لم يَدَعْ قولَ الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه [16]: الغِيبة، والغِيبة عرَّفها النبي بأن قال: هي ذكرُك أخاك بما يكره [17]، كأن يُقال: فلانٌ أعرجُ، أو أعورُ، أو بخيلٌ، أو غير ذلك من الصفات التي يكرهها، فهذا غِيبةٌ.

والغيبة مُحرَّمةٌ، وهي من قول الزور، والله يقول: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12].

هذا نهيٌ واضحٌ وتشبيهٌ أيضًا بمَثَلٍ مُنفِّرٍ، أرأيتم لو قيل للشخص: كُلْ لحمَ هذا الآدميِّ الميت، هل يقبل ذلك؟! لا يقبل ذلك، وسوف تَنفُرُ نفسُه منها أشدَّ النَّفْر؛ ولذلك عليه أن يتَّعِظ مِن هذا المَثَل، ويعرف أن الغِيبة أمرُها عظيمٌ، فيُسارع إلى اجتنابِها.

وقد بيَّنَ النبي مَغَبَّة فعلِها في قوله : مررتُ لمَّا أُسرِيَ بي بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ، فرأيتم يَخْمُشُون بها وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناس، ويقعون في أعراضِهم [18].

أرأيتم كيف عاقبة الذي يفعل مثل هذا الفعل، يغتاب أخاه؟! ما هي عاقبتُه؟ وهل يرضى أحدٌ بأن تكون عاقبتُه في الدارِ الآخرة كالحال التي رآها النبي لما أُعرِجَ به؟! لا أحد يرضى هذا ولا يقبله.

إذًا؛ كُفَّ عليك لسانك، واحذرْ أن يؤدي بك إلى المهالِك، فإن اللسان إذا أطلقتَه من غير حسابٍ أهلكَك في الدنيا وفي الآخرة، وقد قال الشاعر:

احفظْ لسانَك أيها الإنسانُ لا يَلدغنَّك، إنه ثُعبانُ
كم في المقابرِ مِن قتيلِ لسانِه كانت تهابُ لقاءَه الشُجعانُ [19]

وبعض الناس ربما إذا شَرَعَ في النميمة قال: اللهم اغفر لأخي فلانٍ، وأخذ يتكلم في عِرضه! ماذا ينفعك هذا؟! كُفَّ عليك لسانك في الابتداء؛ تغنَمْ وتَفُزْ، واعلمْ أن جوارِحَك مُراقَبةٌ جميعها، والله يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، ويقول سبحانه: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

فالإنسان مُحاسَبٌ ومكتوبةٌ عليه الحسنات والسيئات، فلْيَحْذَرْ من أن تجتمع عليه السيئات، ثم تأتي على حسناته فيخسر، يأتي بصلاةٍ وصيامٍ يوم القيامة، ويأتي وقد ظلم هذا، وأكل مالَ هذا، فيؤخذ من حسناته ويُعطى لهذا، ويؤخذ من حسناته ويُعطى لهذا، حتى إذا فَنِيَتْ حسناتُه، أُخِذ من سيئاتهم، وحُطَّتْ عليه، وأُلقي في النار! السبب: تفريطه بظلم الآخرين، سواءٌ أكان ذلك بالوقوع في أعراضهم، أو بأكل أموالهم، أو بغير ذلك من وجوه الظلم.

وكذا مما يدخل في قول الزور في الصيام: النميمة، الذي يمشي بالنميمة بين الناس، ينقل الكلام على وجه الإفساد، يذهب لهذا وينقل كلام هذا لهذا، وكلام هذا لهذا، ويُفسد بين المسلمين، وهذا عملٌ قبيحٌ. وقد قال النبي : لا يدخل الجنةَ نمَّامٌ [20]، وهذا تهديدٌ للإنسان أن تقع منه هذه، أو هذا العمل السيئ الذي يُفسد بين المسلمين.

وكذلك من قول الزور والعمل به: استماع آلات الغناء من الموسيقى وغيرها، وقد قال النبي : ليكوننَّ من أُمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف [21]، فقد سردها النبي مع جُملةٍ من المُحرَّمات، فدلَّ على تحريمها، وأن المسلم يحرص على صيانة أذنيه من سماع الفواحش، ومنها: الغناء، وهو مُحرَّمٌ بهذا الحديث الذي سمعتم.

اغتنام العشر الأخيرة من رمضان

أيضًا مما أُحب أن نُنبِّه عليه زيادةً على آداب الصيام: فضيلة العشر، العشر الأخيرة من رمضان، هي عشرٌ فضيلةٌ، ولياليها أفضل ليالي السنة عند الله ، واغتنامها والعمل الصالح فيها والقيام فيها مما ثبت عن النبي ؛ فقد كان كما حدَّثت عائشة رضي الله عنها: "يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره" [22]، وكان "إذا دخل العشر..." -يعني: عشر الليالي من رمضان- "... إذا دخل العشر، شَدَّ مِئْزَرَه، وأحيا ليلَه، وأيقظ أهلَه" [23].

شَدَّ مِئْزَرَه: كنايةً عن الاجتهاد في العبادة.

وأحيا ليلَه: إحياء الليل ليس بالضرورة أن يكون كله صلاة؛ صلاةٌ وقراءة قرآنٍ وذِكْرٌ.

وأيضًا في هذا الحديث: "وأيقظ أهله": مما يدل على أن الإنسان أيضًا يهتم بأهله، ومن ولَّاه الله عليهم، فيحضهم على اغتنام هذه الليالي المُباركة العشر الأخيرة من شهر رمضانَ، فيحرص على أن يقومها بصلاةٍ وقراءة قرآنٍ وذِكْرٍ، حتى يتسحَّر ويصبح.

كل ذلك مما ثبت عن النبي كما سمعتَ، هذه العشر المُباركة فيها ليلة القدر التي أثنى الله عليها، وأخبر بما فيها من الأجر لمن اغتنمها في هذه العشر، وأنزل فيها سورةً كاملةً كما في قوله : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1-5].

فهذه الليلة كما أخبر الله : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر:1-2]، السؤال للتعظيم، وأخبر الله أنها مَن وافقها فكأنه قد عَبَدَ الله ألف شهرٍ، وألف شهرٍ: هي مدة ثلاثٍ وثمانين عامًا وأربعة أشهرٍ، إنه لعُمرٌ عظيمٌ، وإنها هبةٌ ونعمةٌ من الله يُسديها لعباده؛ لتعلوَ درجاتُهم.

يجتهد في ليلة القدر من العشر الأواخر من رمضانَ، فيُحصِّل هذا الأجر العظيم لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، فهذا كله يدفع المرء المسلم إلى الاجتهاد وتحرِّي هذه الليلة، وإنما أخفى الله عينَها حتى يجتهد المسلم في سائر العشر، فيُحصِّل أجر هذه الليلة، ويُحصِّل أجر غيرها من الليالي.

وهي تُتحرى في الأوتار من العشر، ليالي العشر الأخيرة، يعني: ليلة إحدى وعشرين، ليلة ثلاثٍ وعشرين، ليلة خمسٍ وعشرين، ليلة سبعٍ وعشرين، ليلة تسعٍ وعشرين، كلها تُتحرى فيها، كما أخبر النبي .

وآكَدُ هذه الليالي هي ليلة سبعٍ وعشرين، وليست على القطع واليقين، بل هي آكَدُها، وقد قال بعض المُحقِّقين: أنها تتنقَّل في أوتار العشر الأخير، فتارةً تكون في ليلة سبعٍ وعشرين، وتارةً في ليلة تسعٍ وعشرين، وتارةً في ليلة خمسٍ وعشرين، وتارةً في ليلة ثلاثٍ وعشرين، وتارةً في ليلة إحدى وعشرين، وهكذا تتنقَّل في أوتار العشر الأخير من رمضانَ، وهذا قول العلَّامة ابن حجرٍ، والعلَّامة ابن بازٍ عليهما رحمة الله جميعًا.

فيحرص المسلم على الاجتهاد في هذه العشر، وعلى تحرِّي ليلة القدر والقيام فيها، ومَن اجتهد في جميع العشر؛ فإنه -ولا شكَّ- سوف يُدركها، وهذا هو المأمور به المسلم.

الاعتكاف في العشر الأواخر

من خصائص هذه العشر، العشر الأواخر من رمضانَ: الاعتكاف فيها، والاعتكاف: هو لزوم المسجد لطاعة الله ، وقد قال الله : وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وقد اعتكف النبي في هذه العشر، واعتكف أصحابُه معه، مما يدلُّ ويؤكِّد مشروعية الاعتكاف.

وإذا عزم المسلم على الاعتكاف فإنه يدخل في أول يومٍ من أيام العشر في صبيحته، وعليه أن يُحقِّق معنى الاعتكاف؛ بأن يكون لزومه للمسجد لطاعة الله : تسبيحٌ، وتهليلٌ، وقراءة القرآن، والذِّكر، والدعاء، ويجتنب القيل والقال أو إضاعة الوقت في غير هذه العبادة العظيمة.

ومما يؤخَذ على الناس -أو بعض الناس-: أنه اتَّخذ المُعتكَف مكانًا للحديث، أو مكانًا لمُطالَعة ما معهم من الجوَّالات، وربما مُتابَعة البرامج، فصار اعتكافه كله أحاديثَ للغير، أو مع الغير، ومُطالَعات مثل هذه البرامج، وليس لهذا شُرِعَ الاعتكاف؛ شُرِعَ الاعتكاف للزوم المسجد لطاعة الله ، فلا يُخرِجه الإنسان من مقصوده.

وأما المُعتكِف، هل يجوز أن يخرج من المسجد أو لا؟ فإنه إن كان الخروج لما لا بُدَّ له منه؛ كطعامٍ وقضاء حاجةٍ ونحوها، فلا بأس بذلك، وإن كان لأمورٍ مُستحبةٍ؛ كزيارة مريضٍ، فإن اشترط ذلك في بداية اعتكافه؛ خرج ولا ضيرَ عليه، كإنسانٍ يعتكف ويعرف أن هناك شخصًا مريضًا يودُّ أن يَعُودَه، يشترط ذلك ويَخرُج بقدر ما يَعُود المريض، ثم يرجع إلى مُعتكَفه. وأما خروجه مع ما يتنافى مع الاعتكاف، كما لو خرج لبيعٍ أو شراءٍ؛ فإن هذا لا يجوز، ولو فعله لأبطل اعتكافه.

فالمسلم يحرص على الاعتكاف، وعلى صحته أيضًا، ولا بأس بالحديث اليسير مع رفيقه أو غيره، أو حتى مُهاتَفة أهله؛ لأن صفيةَ رضي الله عنها كانت تأتي إلى النبي وهو مُعتكِفٌ، فتتحدث معه، ثم تخرج إلى بيتها، وكان النبي يخرج معها ليَقْلِبَها [24]، يعني: ليُوصِلها إلى بيتها.

هذا ما تيسَّر من درس هذا اليوم، أسأل الله أن يُعيننا على الصيام والقيام وسائر القُربات في هذا الشهر الكريم، وأن يتقبَّل ذلك منَّا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، ويُعلِّمنا ما جهلنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا؛ إنه سميعٌ مُجيبٌ.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين.

^1 رواه البخاري: 1923، ومسلم: 1095.
^2 رواه البخاري: 576، ومسلم: 1097.
^3 رواه البخاري: 1957، ومسلم: 1098.
^4 رواه أبو داود: 2356، والترمذي: 696، وأحمد في "المسند": 12676، وقال مُحقِّق "المسند": إسناده صحيحٌ على شرط مسلمٍ.
^5 رواه أبو داود: 2358 ، وحسَّنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1994.
^6 رواه مسلم: 804.
^7 رواه أحمد في "المسند": 6626، والطبراني في "المعجم الكبير": 88، والحاكم في "المستدرك": 2055، والبيهقي في "شعب الإيمان": 1839، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1963.
^8 رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "شعب الإيمان": 1830، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6469.
^9 رواه البيهقي في "شعب الإيمان": 1883.
^10 رواه البخاري: 6.
^11 رواه البخاري: 3220.
^12 رواه الترمذي: 2621، والنسائي في "السنن الكبرى": 326، وابن ماجه: 1079، وأحمد في "المسند": 22937، وقال محقق "المسند": إسناده قويٌّ.
^13 رواه مسلم: 653.
^14 رواه البخاري: 1903
^15 رواه البخاري: 110، ومسلم: 3.
^16 سبق تخريجه.
^17 رواه مسلم: 2589.
^18 رواه أبو داود: 4878، وأحمد في "المسند": 13340، وقال مُحقِّق "المسند": إسناده صحيحٌ على شرط مسلمٍ.
^19 المُستطرَف في كل فن مُستظرَف: 93.
^20 رواه مسلم: 105.
^21 رواه البخاري: 5590.
^22 رواه مسلم: 1175.
^23 وراه البخاري: 2024، ومسلم: 1174 بنحوه.
^24 رواه البخاري: 2035، ومسلم: 2175.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©