- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الحدود، باب حدِّ السرقة (5)
جدول المحتويات
باب حدِّ السرقة
..... أنَّ قريشًا أَهَمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سَرَقَتْ [1].
اتِّصال رواية عائشة وحكم مُرسل الصحابي
"عنها" أي: عن عائشة رضي الله عنها.
"أنَّ قريشًا" هذه القصة هل شهدتها عائشة رضي الله عنها أم لم تشهدها؟
على كل حالٍ هي تحكي القصة، والقصة في الصحيحين، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تحكي هذه القصة، سواءٌ كانت شهدتْ هذه القصة أو رَوَتْها عن غيرها ممن شَهِدَها من الصحابة فالحُكْم سِيَّان.
وغاية ما يُقال في مثل هذا: أنَّها إن لم تَشْهَدِ القصة فيكون مُرْسَل صحابيٍّ، فتكون رَوَتْها عن صحابيٍّ آخر.
واحتمالٌ أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام حَدَّثَها بذلك، فتكون القصة متَّصلةً.
وعلى أقلِّ الأحوال أن تكون من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حُجَّةٌ بالاتِّفاق.
يقول الحافظ العراقي:
أما الذي أرسله الصحابي *** فَحُكْمُه الوَصْل على الصواب [2]
مكانة بني مَخْزُوم وسَتْر اسم المرأة المَخْزُومية
"أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة المخزومية" بنو مَخْزُومٍ قبيلةٌ كبيرةٌ، لها شأنٌ في الجاهلية وفي الإسلام؛ ولذا شأن هذه المرأة منهم أَهَمَّ قريشًا وأَزْعَجَهم.
"شأن المرأة المخزومية التي سَرَقَتْ" ما اسم هذه المرأة؟
المرأة لم تُسَمَّ في شيءٍ من طُرُق الحديث، وهذه عادة أهل الحديث: أنَّهم في مثل هذا الموطن لا يُسَمُّون المُبْهَم؛ سَتْرًا عليه، ولو سُمِّيَتْ لَتَدَاول الناسُ خبرها، وَافْتُضِحَتْ بينهم، وإن كانت إقامة الحدِّ وقطع يدها يُبين عن ذلك، ولَحِقَ العارُ ولدَها من بعدها، لكن يُقال: امرأةٌ، من باب السَّتْر عليها، كما هو الغالب في شأن مَن أُبْهِمَ من الرُّواة إذا كان في توضيح اسمه وتمييز اسمه تشهيرٌ به.
شفاعة أسامة وإنكار النبي
"أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سَرَقَتْ" هذا دليل الجمهور الذين يقولون: إنَّ قَطْعَ يدها من أجل سرقتها، لا من أجل جَحْدِها المتاع، كما سيأتي في آخر القصة.
"فقالوا: مَن يُكلِّم فيها رسولَ الله ؟" ابْحَثُوا عن شخصٍ يكون قولُه مقبولًا عند النبي ، فيكون أقرب إلى أن يُؤثِّر عليه عليه الصلاة والسلام.
وهذا موجودٌ في الناس إلى اليوم؛ إذا أرادوا أمرًا من شخصٍ إنَّما يبحثون عن أقرب الناس إليه، وأحبِّ الناس إليه؛ لِيَشْفَع لهم عنده.
مَن يُكلِّم فيها رسولَ الله من أجل العفو عنها؟
"فقالوا: ومَن يَجْتَرِئُ عليه إلَّا أسامة" بن زيدٍ "حِبُّ رسول الله ؟" أي: محبوبه، وابن حِبِّه، زيدٌ حِبُّ النبي ، فأبوه كان يُقال له: زيد بن محمدٍ، فلمَّا نزل قوله جلَّ وعلا: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الأحزاب:5]، قيل: زيد بن حارثة، حِبُّ النبي ، ونزل أيضًا: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب:40].
"فَكَلَّمه أسامة " جاؤوا إلى أسامة يطلبون الشفاعة منه عند رسول الله ، فكلَّم النبيَّ عليه الصلاة والسلام يطلب العفو عن هذه المرأة المخزومية التي أَهَمَّ قريشًا شأنُها.
بيان حكم الشفاعة في الحدود
"فَكَلَّمه أسامة " يعني: فَكَلَّم رسولَ الله أسامةُ، فقال رسول الله : أَتَشْفَعُ في حدٍّ من حدود الله؟!
يقول العلماء: هذا الإنكار -لأنَّ الهمزة للاستفهام الإنكاري- قالوا: لأنَّ أسامة يعرف الحُكْم، وأنَّه لا تجوز الشفاعة في الحدود إذا رُفِعَتْ إلى السلطان: أَتَشْفَعُ في حدٍّ من حدود الله؟!
ولكن ما المانع أن يكون أسامة لا عِلْمَ له بالحكم؟
لأنه لو كان يعلم الحكم، وأنه حرامٌ، لا يُظَنُّ به أن يَشْفَع، وإن قال الشُّرَّاح ما قالوا، ويكون قوله: أَتَشْفَعُ والتَّغليظ في الأسلوب على أسامة؛ لأنه حِبُّه، ومن باب بيان الحكم، والزجر لِمَن يسمع هذا الإنكار يُغْتَفر فيه ما يُظَنُّ أن النبي عليه الصلاة والسلام أَغْلَظَ على أسامة في أمرٍ يجهله، وإلَّا فالمقام مقام تعليمٍ، لكن أحيانًا إذا كان الحكم يحتاج إلى قوةٍ في البيان والأسلوب لا مانع، وإن كان جاهلًا.
الرفق بالجاهل هو الأصل، لكن فَرْقٌ بين جاهلٍ لا علاقة بينك وبينه، وجاهلٍ بينك وبينه علاقةٌ، يعني: الابن إذا أخطأ خطأً، وإن كان يجهل الحكم، لكنَّ الخطأ كبيرٌ، ما المانع أن يُغْلَظ عليه من باب الزجر؟ من أجل ألَّا يعود هو أو غيره ممن يريد التَّشبُّه بفعله؛ لأنه لا يُظَنُّ بأسامة أنه يعلم الحكم، وأنه لا تجوز الشفاعة في الحدود، ثم يشفع عند النبي عليه الصلاة والسلام.
والنبي عليه الصلاة والسلام جَرَتْ عادتُه أن يَرْفُقَ بالجاهل، وأن يُعَلِّمَه بِرِفْقٍ ولِينٍ، لكن لمَّا تعارض هذا مع هذا لا مانع أن يكون هذا الحِبُّ والقريب من قلبه عليه الصلاة والسلام يَتَحمَّل منه في جانب مصلحةٍ عظيمةٍ، وهي: أن الشفاعة في الحدود تُؤدِّي إلى تعطيل الحدود لو قُبِلَتْ، فأُرِيدَ من ذلك حَسْم المادة؛ ألا يشفع أحدٌ.
أَتَشْفَعُ في حدٍّ من حدود اللَّه؟! مفهومه: أنه لو كان الذنب ليس فيه حدٌّ، وإنما فيه تعزيرٌ، أنه لا مانع من الشفاعة؛ لأن التَّعزير موكولٌ إلى الحاكم، موكولٌ تنفيذه وتقديره إلى الحاكم، والحاكم ينظر في المصلحة.
وأما الحدود فلا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت السلطان؛ ولذا جاء: "فإذا بَلَغَتِ السلطان فإن عَفَا فلا عَفَا الله عنه"، فإذا بَلَغَتِ السلطان لا يجوز العفو فيها، لا بد من تنفيذها: أَتَشْفَعُ في حدٍّ من حدود الله؟!
خطبة النبي وبيانه سبب هلاك الأمم
"ثم قام" النبي عليه الصلاة والسلام "فَاخْتَطَبَ"، عندنا اجْتَرَأَ، واخْتَطَبَ، الأصل مَن يَجْرَأُ، ثم قام فخطب، وزيادة التَّاء هنا في الموضعين لا مانع منها.
"ثم قام" الأصل في الخُطْبَة القيام، ولا تكون خُطْبَةٌ من جلوسٍ، الأصل في الخُطْبَة القيام، وكانت عادتُه عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يَخْطُب قام.
"ثم قام فَاخْتَطَبَ فقال: أيها الناس" يَلْفِتُهم ويَلْفِتُ أنظارَهم إليه عليه الصلاة والسلام، يُنَادِيهم بأن يَنْتَبِهوا إلى ما يقول.
أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم من الأُمم السابقة، إنما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه لِشَرَفِهِ ومنزلته، وقد تكون وراءه عشيرةٌ وقومٌ يُدافعون عنه.
وإذا سَرَقَ فيهم الضعيفُ الذي لا ناصر له أقاموا عليه الحدَّ، وفي هذا جَوْرٌ، وهو مُنَافٍ للعدل.
وفيه أيضًا تعطيلٌ للحدود التي أمر الله بإقامتها، وبإقامتها تستقيم الأمور، وتنتظم الأحوال، وبتعطيلها وتَرْكِها تنتشر الفوضى.
لو افترضنا أن الشفاعة في الحدود تجوز، فسرق هذا فَشُفِعَ فيه، وذاك سَرَقَ فَشُفِعَ فيه، وهذا سَرَقَ ولأنه شريفٌ تُرِكَ، وهكذا، فيصير الناس لا يأمنون على أموالهم.
وقد يزيد الأمر فَيَتَعدَّى إلى الدماء؛ لأن اللصَّ مَظنَّة أن يُدَافَعَ، وصاحب المال مَظنَّة أن يُدَافِعَ عن ماله، فتجد اللصَّ يحمل سلاحًا يُدافع به عن نفسه؛ فيحصل القتل، وفي هذا من ضياع الأمور ما نشاهد مثله في بعض الدول التي عَطَّلَتِ الحدود، وعَطَّلتْ شرع الله، وعملت بأقوال البشر، وقَدَّمَتْها على شرع الله.
ولذا جاء التَّشديد في الحكم بغير ما أنزل الله، فَوُصِفَ فاعلُه بالكفر، وَوُصِفَ فاعلُه بالظُّلم، وَوُصِفَ فاعلُه بالفِسْق.
ولا شكَّ أن الحكم بغير ما أنزل الله أمره عظيمٌ، وما الذي أدَّى بكثيرٍ من أقطار المسلمين إلى الفوضى والضياع إلَّا تَرْكُ الحكم بما أنزل الله؛ فضاعوا وأضاعوا، والله المُستعان.
فقال: أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وَايْمُ الله قسمٌ، والنبي عليه الصلاة والسلام الصادق المصدوق، مُصَدَّقٌ بغير قسمٍ، لكن المقام يقتضي التأكيد، وإن كان لا يُشَكُّ فيه، فيجوز الحلف من غير استحلافٍ في الأمور المهمة كهذا.
عدل النبي وتأكيده المُساواة في الحدود
وَايْمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وسيدة نساء أهل الجنة.
لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها [3] بهذا تستقيم الأحوال، على الإمام أن يبدأ بأقرب الناس إليه في المُخالفات، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام.
وفي خُطبة حجَّة الوداع: كل ربًا موضوعٌ، وأول ربًا أَضَعُه ربا العباس [4]، ربا عمِّه عليه الصلاة والسلام، ما قال: نبدأ بفلانٍ وعِلَّانٍ، ونترك الأقارب، لا.
الناس ما يَمْتَثِلون ولا يَنْصَاعون لأوامر الإمام حتى يُطبِّق أحكام الله على نفسه وأقرب الناس إليه، أمَّا إذا كان يُطبِّق على البعيد، والقريبُ يُتْرَك، الناسُ ما يَهَابُونه.
وإذا دَخَلَتِ المُخصِّصات في الأحكام، ولو كانت دنيويةً من الأحكام التي تجب فيها الطاعة لِوَليِّ الأمر، إذا دَخَلَتْها المُخصِّصات ضَعُفَتْ، كما هو الشَّأن في الأوامر الشرعية العامَّة إذا دَخَلَتْها مُخصِّصات ضَعُفَتْ، فكيف بأوامر البشر، وهي وإن كانت واجبةً، لكنها إذا خُصَّ فلانٌ، واسْتُثْنِي فلانٌ تضيع.
لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ سَرَقَتْ وحاشاها من ذلك لَقَطَعْتُ يَدَها عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنها وأرضاها.
"مُتَّفقٌ عليهما" يعني: هذا الحديث والذي قبله، واللفظ لمسلمٍ.
رواية الاستعارة والجحد واشتراط الحِرْز في حدِّ السرقة
"وله" أي: لمسلمٍ "كانت امرأةٌ مخزوميةٌ تَسْتَعِير المتاع وتَجْحَدُه، فَأَمَر النبي بِقَطْعِ يَدِها" هل القصة واحدةٌ أو هما قِصَّتان: إحداهما قُطِعَتْ لسرقتها، والأخرى لِجَحْد العارية، أو القصة واحدةٌ، وكان الوصفان تَتَّصِف بهما هذه المرأة: كانت تَسْتَعِير وتَجْحَد، وكانت تسرق فَقُطِعَتْ؟
ولذا قال جمهور العلماء: إنَّ جاحد العاريَّة لا يُقْطَع؛ لأنه لم يسرق من حِرْزٍ، وهذه المخزومية جاء الوصف بأنَّها سَرَقَتْ -كما في الرواية الأولى- وأنه لا بد أن تكون السرقة من حِرْزٍ، وهذا ليس بسرقةٍ: ليس على خائنٍ ولا مُنْتَهِبٍ هذه خائنةٌ كما سيأتي في حديثٍ لاحقٍ؛ فليس عليها قَطْعٌ، ليس على خائنٍ، ولا مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ [5].
قالوا: إن الخيانة في الوديعة، لا في العاريَّة.
قال بعضهم: إنَّ هذه المرأة التي استعارت المتاع سَرَقَتْ من حِرْزٍ.
كيف سَرَقَتْ من حِرْزٍ وهي تَطْرُقُ الباب وتقول لأهله: أنا مُحتاجةٌ كذا عاريَّةً لمدة كذا. ثم تَجْحَد، وأهله يُخْرِجونه إليها في الشارع؟
قالوا: سَرَقَتْ من حِرْزٍ، ذكرتْ بعض الروايات أنه حُلِيٌّ، والحُلِيُّ يُوضَع في أماكن خاصةٍ ويُغْلَق عليه، فَكَون صاحبته أخرجته من هذا المكان -من حِرْزِه- وأعطتها إياه بناءً على ثِقَتِها بها، فكأنَّها أَخَذَتْه من الحِرْز.
وهذا تَكَلُّفٌ بلا شكٍّ، فكون صاحب المتاع يُخْرِجه إلى الشارع قد يراه الناس.
المقصود أنَّه ليس فيه حِرْزٌ، واشتراط الحِرْز على مذهب جماهير أهل العلم، خلافًا للظاهرية الذين قالوا: لا يُشترط الحِرْز؛ عَمَلًا بإطلاق الآية، كما أنَّهم لم يَشْتَرطوا النِّصَاب؛ عملًا بإطلاق الآية.
والآية إذا جاء تَقْييدها في السُّنة وجب العمل بالتَّقييد، فالمُقَيَّد مُقَدَّمٌ على المُطْلَق، كما أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ على العامِّ، واللفظ: وكانت امرأةٌ مخزوميةٌ تَسْتَعِير المتاع وتجحده، فَأَمَر النبي بقطع يدها.
حديث جابرٍ في نفي القطع عن الخائن والمُنْتَهِب والمُخْتَلِس
وعن جابرٍ ، عن النبي قال: ليس على خائنٍ، ولا مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ [6].
قال الجمهور: جاحد العاريَّة خائنٌ؛ فلا قَطْعَ عليه.
والتَّوجيه لحديث المخزومية بهذا.
منهم مَن يقول: إن الحِرْزَ لا بد منه، واستُثْنِي جاحد العاريَّة من ذلك؛ فَيُقْطَع.
هذا قولٌ أو روايةٌ في مذهب أحمد: أنَّ جاحد العاريَّة يُقْطَع، ويكون خاصًّا، يعني: خُصِّصَ جاحد العاريَّة من السرقة من الحِرْز.
ليس على خائنٍ، ولا مُنْتَهِبٍ الخيانة حرامٌ، ومن صفات المنافقين: أنه إذا اؤْتُمِنَ خان، والمُعِيرُ مُؤْتَمِنٌ، ولو شَكَّ فيه ما أعاره، لكنه ائْتَمَنَه وأعطاه المتاع، فخان الأمانة، وهذه من صفات المنافقين.
ولا مُنْتَهِبٍ الذي يأخذ الشيء علانيةً، يأخذ المتاع من صاحبه علانيةً.
ولا مُخْتَلِسٍ يأخذه خُفْيَةً من غير حِرْزِه؛ يستضيفه صاحبُه، فإذا جلس في المجلس، وذهب صاحب البيت يأتي بشيءٍ، وَجَدَ شيئًا، فَوَضَعه في جيبه وخرج، هذا مُخْتَلِسٌ، والذي يأخذ -يَخْطَفُ- هذا مُنْتَهِبٌ.
وكَثُرَ فيما بين الناس اليوم، بين الشباب -هداهم الله- الذين رَقَّتْ ديانتُهم، وتَعَسَّرَتْ أحوالهم، تجد الشابَّ وهو ماشٍ -سواء كان على قدميه أو على دراجةٍ أو شيءٍ من ذلك- وشخصٌ يتكلَّم في الهاتف، فيأتي هذا الشابُّ ويأخذ هاتفه ويهرب، ماذا يُقال لهذا؟
مُنْتَهِبٌ، هذا مُنْتَهِبٌ.
ولا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ.
يقول: "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والنَّسائي والترمذي، وصحَّحَاه" صحَّحَه الترمذي وابن حبان، "وقد أُعِلَّ" الحديث؛ الحديث يرويه جابر بن عبدالله، ويرويه عنه أبو الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس، ويرويه عنه ابن جُرَيجٍ، عن أبي الزبير.
أَعَلَّه أبو داود والنَّسائي بأنَّ ابن جُريجٍ لم يَسْمَعْه من أبي الزبير، لكن رواه النَّسائي في "الكبرى" [7]، وفيه تصريحُه بالسماع منه، في رواية النَّسائي في "الكبرى" تصريح ابن جُريجٍ بالسماع من أبي الزبير.
كذلك رواه الدارميُّ وعبدالرزاق [8]، وله شواهد من حديث عبدالرحمن بن عوف، ومن حديث أنسٍ وابن عباسٍ ، فالحديث صحيحٌ.
حديث أبي أُمية المَخْزُومي وحكم التَّلقين في إقرار السارق
"وعن أبي أُميَّة المخزومي: أن النبي أُتِيَ بِلِصٍّ" اللصُّ هو السارق.
"أن النبي أُتِيَ بِلِصٍّ، وقد اعترف اعترافًا" يعني: أنه سَرَقَ، اعترف بأنه سَرَقَ.
"ولم يُوجد معه متاعٌ" ليس معه متاعٌ، ويُحْتَمَل أنه ذَهَبَ به إلى رَحْلِه، أو وَضَعَه عند فلانٍ من الناس أو فلانٍ، لكن هذا الذي جاء لِيَعْتَرف بسرقته هل يُحْتَمل أن يكون قد أَخْفَى المسروق، أو يأتي به معه، أو يكون سَلَّمَه لصاحبه؟
"أُتِيَ بِلِصٍّ قد اعْتَرَف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال النبي : ما إخالُكَ سَرَقْتَ".
من البداية: الحديث ضعيفٌ، وكل ما جاء في التَّلْقِين ضعيفٌ.
جاء في حديثٍ: "أَسَرَقْتَ؟ قُلْ: لا" [9]، هل يصير هذا؟
ما يصير، فَكُلُّ ما جاء في التلقين ضعيفٌ.
ما إخالُكَ سَرَقْتَ لا أظُنُّك سَرَقْتَ.
طيب، الآن الذي تَضِيق به الدنيا -وهذا كثيرٌ في مِلَلِ الكفر- فَيَنْتَحِر وينتهي، لكن هل الذي تضيق به الدنيا يُقَدِّم يدَه لِتُقْطَع؟
لا، ما استفاد إلَّا زيادة العذاب، وعلى حَدِّ زَعْمِه أنه ينتهي إذا انْتَحَرَ، وأمره أشدُّ من ضيق الدنيا؛ ينتقل من ضيق الدنيا إلى ضيق الآخرة، نسأل الله العافية.
ما إخالُكَ سَرَقْتَ ما أظنُّك سرقتَ، "قال: بلى. فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فَأَمَر به فَقُطِعَ".
النبي عليه الصلاة والسلام عَرَّضَ لِمَاعزٍ.
ماعزٌ في حديثه الذي اعترف فيه على نفسه بالزنا، قال ماعزٌ: إنِّي زَنَيْتُ. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لعلك قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ، أو نَظَرْتَ [10] أو شيئًا من هذا، فاعترف اعترافات، أربع مراتٍ، وأنَّه فَعَل كما يفعل الرجل مع امرأته، فَأُمِرَ به فَرُجِمَ.
ليس في ذلك تعريضٌ، هنا يقول: ما إخالُكَ سَرَقْتَ، فَأَمَر به فَقُطِعَ، وجيء به، فقال: اسْتَغْفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: اللهم تُبْ عليه ثلاثًا [11]. رواه أحمد، وأبو داود -وهذا لفظه- والنسائي، وابن ماجه، لكن في إسناده أبو المنذر مولى أبي ذَرٍّ، قال الذهبي: لا يُعْرَف. يعني: مجهولٌ، والمجهول معروفٌ أنه من قسم الضعيف.
وقال ابن حجر: مقبولٌ.
والمقبول يُقْبل أو ما يُقْبل؟
نعم يُقْبل إذا تُوبِعَ، وهنا لم يُتَابَع، فيكون لَيِّنَ الحديث.
ابن حجر يقول: مَن لم يكن له من الحديث إلا القليل، ولم يَثْبُت في حقِّه ما يُتْرَك حديثه من أجله؛ فإن تُوبِع فمقبولٌ، وإلا فَلَيِّنٌ.
هذا لم يُتَابَعْ، هل يصير مقبولًا؟ كيف يَحْكُم عليه ابن حجر بأنه مقبولٌ ولم يُتَابَع؟
ابن حجر ما نظر إلى هذا الحديث بعينه، يُمكن له أحاديث كثيرةٌ تُوبِع عليها، ويصير حكمه حينئذٍ مقبولًا، واضحٌ؟
ولذا هذه القاعدة التي قرَّرها ابن حجر، والكتاب الذي هو "التقريب" في الرواة، لا في المرويات، وتقرير ابن حجر في هذه القاعدة للمرويات، لا للرواة؛ ولذا ليست على قاعدته ولا على .....
حاولنا طويلًا أن نُوجِد مَخْرَجًا من هذا الإشكال فَمَا أَمْكَن؛ لأنه يقول في راوٍ واحدٍ: إنْ تُوبِع فمقبولٌ، وإلا فَلَيِّنٌ.
هذا الذي معنا مقبولٌ؟
قال عنه ابن حجر: مقبولٌ. ولم يُتابَع، ماذا تقول؟ ماذا يصير؟
يصير لَيِّنًا، وحينئذٍ الذي يقرأ في "التقريب" عن هذا الراوي أنه مقبولٌ من غير أن ينظر في أفراد رواياته بِمَ يَحْكُم على الحديث؟
يَقْبَلُه.
وعلى كل حالٍ، الحديث لم يُتابَع عليه أبو المنذر مولى أبي ذَرٍّ، فهو ضعيفٌ.
حديث رافع بن خَدِيج في نفي القطع عن الثَّمر والكَثَر
ثم قال رحمه الله: وعن رافع بن خَدِيجٍ قال: سمعتُ رسول الله يقول: لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ [12].
الثَّمر المقصود به: المُعلَّق على الشجر، سواءٌ كان تَمْرًا أو عِنَبًا أو تِينًا، أو ما أشبه ذلك على الشجر، ما فيه قَطْعٌ؛ لأنه ليس بِحِرْزٍ.
هذا إذا كان الشجر في مكانٍ مفتوحٍ، ليس عليه سورٌ، لكن إذا تسلَّق السور وأكل من هذا الثَّمر لا يدخل في الحديث.
لا قَطْعَ في ثَمَرٍ؛ لأنه ليس من حِرْزٍ، ولا كَثَرٍ الكَثَرُ هو الجُمَّار الذي هو شَحْم النَّخل، وما زال معروفًا عندنا بهذا الاسم: جُمَّار، والجُمَّار مكانه خَفِيٌّ في النخل، ليس بظاهرٍ، فإمَّا أن يَقْطَع العِذْقَ كاملًا، ويكون الجُمَّار في أسفله، أو يَنْقُر النخلة من تحت العِذْقِ ويأكل ما فيها.
لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنَّسائي، وأبو حاتم، ورجاله رجال الصحيحين.
والثَّمَر إذا كان على رؤوس النخل أو على رؤوس الشجر لا قَطْعَ فيه، ولا أَدَبَ، ولا تَعْزيرَ إذا أخذ بفمه.
ليس معناه: أن يأكل بِفَمِه من الشجر، لا، يعني: أخذ بيده وأكل، لا شيء عليه إلا إذا كان مَحُوطًا -كما قلنا- إذا أخذ بفمه، ولم يتَّخذ خُبْنَةً، يعني: ما وضع في جيبه، أو في كيسٍ، أو شيءٍ من هذا وخرج به، إنما أخذ بفمه وأكل، مَرَّ بشجرةٍ فأخذ منها بفمه؛ لا شيء عليه، غير مُتَّخذٍ خُبْنَةً.
وإذا أخذ أكثر من ذلك، والبستان عليه نوعُ احتياطٍ وحراسةٍ أو شيءٍ من ذلك؛ فإنه يَغْرَم قيمة المِثْلَين، ويُضْرَب جَلْدَاتٍ نَكَالًا؛ لأنه أخذ من مال امرئٍ مسلمٍ من غير طِيب نَفْسٍ منه، حتى يُؤْوِيَه الجَرِينُ، فإذا آواه الجَرِين ففيه القطع.
يعني: إذا جُذَّ النخل أو غيره من الثِّمار التي كانت مُعلَّقةً، ووُضِع في المكان الذي يُحْفَظ فيه، ووُضِع في حِرْزِه، فهو كغيره من الأموال المُحَرَّزَة، إذا بَلَغ ما يأخذه نِصَابًا؛ لأنه صار في حِرْزِه، حتى يُؤْوِيَه الجَرِينُ، وهو المكان الذي يُوضَع فيه الثَّمَر حتى يَيْبَسَ، ويرى سبيله: إمَّا أن يبيعه هكذا، أو يَكْنِزَه؛ لأن الجَرِين حِرْزٌ، ففيه القطع.
حديث: «لا يَغْرَم صاحب سرقةٍ إذا أُقِيم عليه الحدُّ»
قال: "وعن المِسْوَر بن إبراهيم، عن جدِّه عبدالرحمن بن عوفٍ" المِسْوَر بن إبراهيم بن سعد بن عبدالرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله قال: لا يَغْرَمُ صاحبُ سرقةٍ إذا أُقِيمَ عليه الحَدُّ [13]، رواه النَّسائي، وقال: "هذا مُرسلٌ، وليس بثابتٍ"؛ لأن الراوي المسور بن إبراهيم يرويه عن جدِّه عبدالرحمن بن عوف ، ولم يسمع منه، فالحديث مُرسلٌ، يعني: مُنقطعًا.
معنى الحديث المُرسل واختلاف العلماء في حُجِّيته
المُرسل يُطلق على ما يَرْفَعُه التَّابعيُّ، ويُطْلَق على ما فيه انقطاعٌ وعدم اتِّصالٍ في إسناده.
يعني: هذا إطلاقٌ عند المُحَدِّثين والأُصُوليين وغيرهم.
الأصوليون والفقهاء يستعملون المُرْسَل فيما يُقابل المُتَّصل، وعند أهل الحديث اصطلاحٌ خاصٌّ، كما يُطلقونه على المُنْقَطع، يقولون: وَصَلَه فلانٌ، وأرسَلَه فلانٌ، هذا مثل قول الفقهاء والأصوليين:
مرفوعُ تابعٍ على المشهور *** مُرْسَلٌ أو قَيِّدْهُ بالكبير [14]
الذي قيَّده بالكبير.
ذكر ابن عبدالبَرِّ أنَّ مرفوع التابعي الكبير مُرسَلٌ باتِّفاق أهل العلم؛ لأنه أخصُّ الصور، ولا ينفي أن تكون الصور الأخرى مُرْسَلَةً، لكن هذا محلُّ اتِّفاقٍ عند ابن عبدالبرِّ، والذي قَيَّد قبول المُرْسَل بأن يكون مُرْسِلُه من كبار التابعين، مع شروطٍ أخرى اشترطها الإمام الشافعي في كتاب "الرسالة":
- أن يكون المُرْسِل من كبار التابعين.
- وأن يكون إذا سَمَّى مَن أَرْسَلَ عنه سَمَّى ثِقَةً.
- وأن يكون له شاهدٌ من قرآنٍ أو سُنَّةٍ موصولةٍ، أو مُرْسَلٌ آخر رجاله غير رجال المُرْسَلِ الأوَّل.
هذه شروطٌ اشترطها الإمام الشافعي لقبول المُرْسَل، والجمهور على رَدِّ المراسيل، ومالكٌ وأبو حنيفة يَقْبَلان المراسيل:
واحتجَّ مالكٌ كذا النُّعْمان *** وتابِعُوهما به ودَانُوا
ورَدَّهُ جماهِرُ النُّقَّاد *** للجهل بالسَّاقط في الإسناد
وصاحب "التَّمهيد" عنهم نَقَلَه *** ومسلمٌ صَدْرَ الكتاب أَصَّلَه [15]
"والمُرْسَل عندنا وعند أهل العلم بالآثار ليس بِحُجَّةٍ" قولُ مسلمٍ رحمه الله.
"وصاحب "التَّمهيد" عنهم نَقَلَه" عن الجمهور، "ومسلمٌ صَدْرَ الكتاب أَصَّلَه".
إذا كان الجمهور يَرُدُّون المراسيل، ومالكٌ وأبو حنيفة يَقْبَلانها، والشافعي يقبلها بشروطٍ، كيف يستقيم أن يُقال: الجمهور يَرُدُّون المراسيل؟ أليس هذا إشكالًا؟
مالكٌ وأبو حنيفة يَقْبَلانها، والشافعي بالشروط.
أحد الطلاب: المُحَدِّثين.
الشيخ: يعني: أنت ما تَعْتَبر ... إذا قلتَ: من المُحدِّثين، مَن تُخْرِج من الأئمة؟
على كل حالٍ، هذا كلامٌ من إمامٍ مُطَّلِعٍ، ومسلمٌ أَصَّل الكلام في "صحيحه".
وعلى كل حالٍ، المراسيل كانت تُقْبَل عند الصَّدْر الأول؛ لِقِلَّة رجال الإسناد، وقد يكون المُرْسِل من التابعين الذين لا يَرْوُون إلا عن الصحابة، وأمَّا بعد تَأَخُّر الأزمان، وتتابُع الرواة، فقد يكون المُرْسِل تابعيًّا، وهذا هو الأصل في الإرسال، لكنه رواه عن تابعيٍّ، والتابعي رواه عن تابعيٍّ، والتابعي رواه عن تابعيٍّ، ستةٌ -مثلًا- أو خمسة تابعين، فَحُذِفُوا كلهم، وحُذِفَ الصحابيُّ، ألا يَتَّجِه القول بِرَدِّ المُرْسَل؟
لأنَّ من هؤلاء التابعين ... يعني: لو جَزَمْنا أنَّ هذا التابعي رواه عن صحابيٍّ، وأَسْقَطَه فقط؛ لا يوجد إشكالٌ؛ لأنَّ الجهالة بالصحابي لا تَضُرُّ، لكن يُحْتَمل أن يكون هذا التابعي رواه عن تابعيٍّ، والتابعي رواه عن تابعيٍّ، والتابعيُّ ... إلى ستةٍ من التابعين يروي بعضُهم عن بعضٍ؛ ولذلك تَوَجَّه القول بِرَدِّ المراسيل.
نَكَارة حديث: «لا يَغْرَم صاحب سرقةٍ إذا أُقيم عليه الحدُّ» وبيان بُطْلَان معناه
رواه النَّسائي، وقال: هذا مُرْسَلٌ، وليس بثابتٍ.
وقال أبو حاتم: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ.
لو اكتَفَى بِمُرْسَلٍ -يعني- قلنا: الحنفيَّة يَقْبَلونه، والمالكية يَقْبَلونه، لكنَّ المشكلة في النَّكارة، والنَّكارة من أين جاءتْ؟
لا يَغْرَمُ صاحبُ سَرِقَةٍ إذا أُقِيم عليه الحَدُّ صاحب المال ما الذي استفاده وهو الذي سُرِقَ مالُه؟
افترضْ أنَّ هذا السارق سرق مليونًا، وقُطِعَتْ يده، لكن المسكين صاحب المال ... هذا مُنافٍ لجميع النصوص التي تأمر بحفظ الحقوق.
لا يَغْرَمُ طيب، يضيع المليون، وتُقْطَع يده فقط! فيقول: لا تقطعوا يده، أريد دراهمي.
لأنَّ السرقة فيها حقَّان: حق المخلوق الذي هو المال، وحق الله جلَّ وعلا، وهو انتهاك هذا الجُرْم الذي فيه هذا الحَدُّ.
فإذا استُوفِيَ الحقُّ الإلهيُّ بالقطع بَقِيَ حقُّ المخلوق، فلا يجوز التَّساهل بحقِّ الله، كما أنه لا يجوز التَّساهل بِحَقِّ المخلوق.
نَفَرٌ من الأجانب غير المسلمين سَرَقَ واحدٌ منهم، فَحُكِمَ عليه بالقطع، فاجتمع هؤلاء النَّفَر وقالوا: اليد دِيَّتُها نصف الدِّية، هذه نصف الدِّيَة نُعطيكم إياها. فَاشْتَرَوْها بنصف الدِّية، ماذا فعل الحاكم؟
أخذ الثَّمن، وقطع اليدَ، وأعطاهم إياها، وقال: اشتريتُم اليدَ، وما اشتريتُم الحدَّ، والحدُّ ما يُباع، هذا حقُّ الله.
حديثٌ مُنْكَرٌ ..... وقال أبو حاتم: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ، وهو مُرْسَلٌ. لماذا؟
مثلما قيل سابقًا؛ لأنَّ الراوي لم يَسْمَعْه من جدِّه عبدالرحمن بن عوف ، المِسْوَر بن سعد بن عبدالرحمن بن عوف لم يسمعه من جدِّه، فهو مُرْسَلٌ من جهةٍ، ومعناه مُنْكَرٌ، والتَّضعيف لا يُكْتَفَى فيه بضعف السَّند، فقد يصحُّ السَّند، ويُضَعَّفُ المتن؛ لمُخالفته ما هو أقوى منه، وقد يصحُّ المتن -معناه- والسَّند ضعيفٌ؛ لوجود ما يشهد له من أدلةٍ أخرى.
وتكلم فيه ابن عبدالبر والبيهقي وغيرهما.
فلا تلازم بين ضَعْف السَّند وصحة المتن؛ لأنه قد يُرْوَى بسندٍ ضعيفٍ، ويأتي من طرقٍ أخرى صحيحًا، كما أنه لا تلازم بين صحة السَّند وضعف المتن؛ لأنه قد يصحُّ السَّند، ويُضَعَّف المتن؛ لمُخالفته في المعنى ما هو أقوى منه، ويُحْكَم عليه حينئذٍ بالنَّكارة إذا كان راويه ضعيفًا، ويُحْكَم عليه بالشُّذوذ إذا كان راويه ثقةً، وخالف مَن هو أوثق منه:
وذُو الشُّذُوذ ما يُخالِف الثِّقَهْ *** فيه المَلَا فالشافعيُّ حَقَّقَهْ [16]
"وذُو الشُّذوذ ما يُخالِفُ الثِّقَهْ فيه المَلَا" يعني: الجماعة "فالشافعي حَقَّقَهْ" بهذا الأمر مع قَيْد المُخالفة.
ومنهم مَن يرى أنَّ التَّفرُّد شُذوذٌ ولو لم تُوجد المخالفة.
وما يَرْويه الراوي ويتفرَّد به، إن كان هذا الراوي مما يُحْتَمل تَفَرُّدُه لقُوَّته فهو صحيحٌ.
وقد جاء في الصحيحين من أحاديث الأفراد الشيء الكثير، أوله حديث: إنما الأعمال بالنيات [17]، وآخره حديث: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم [18]، تَفَرَّدَ بروايته أبو هريرة ، وفيه التَّفرُّد في أربع طبقاتٍ من سنده، كما هو شأن حديث: إنما الأعمال بالنيات.
فمجرد التَّفرُّد ليس بضعفٍ إلَّا إذا كان الراوي ليس فيه من الثِّقة والضبط والإتقان ما يُحْتَمل معه تَفَرُّدُه، وحينئذٍ يُحْكَم عليه بالشُّذوذ؛ لأنَّ تفرُّد هذا الراوي لا يُعْطِي غَلَبَة ظَنٍّ أنه ضبطه وأتقنه، ولو كان مضبوطًا مُتْقَنًا لَوَافَقَه عليه غيره.
أما إذا كان من الرواة الحُفَّاظ الضابطين الذين فيهم من الأوصاف ما يعود إلى الضبط والإتقان، وما يعود إلى الديانة والعدالة، إذا كان فيه ما يُحْتَمل معه تَفَرُّدُه، فَمِثْل هذا يُعَدُّ في مقام رواةٍ، وبعضُ الرُّواة يُرجَّح على مَن هو أكثر منه ممن هو دونه.
ولذا سمَّى الله جلَّ وعلا إبراهيم الخليل أُمَّةً: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]، فيه من الصفات ما يقوم مقام أُمَّةٍ.
وكذا بعض الرواة فيهم من الصفات التي تعود إلى التَّوثيق من العدالة والضبط ما يقوم مقام راويَيْن فأكثر، والأصل أنَّ العدد أولى بالحفظ من الواحد، وهذا قَرَّرَه أهل العلم، لكنَّ هذا الأصل تخرج عنه مُفرداتٌ، ولكلِّ قاعدةٍ شواذٌّ.
يقول الحافظ ابن عبدالبر في "الاستذكار" -لأنه قال: "تكلم فيه ابن عبدالبر"-: "هذا ليس بالقوي عندهم، والمِسْور بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف -أخو سعد بن إبراهيم وصالح بن إبراهيم- لم يسمع من عبدالرحمن بن عوف، ولو ثَبَتَ هذا الحديث لَوَجَبَ القول به، ولكنَّه عندهم غير ثابتٍ؛ لأنَّه مُنقطعٌ".
وقال الحافظ الذهبيُّ في "الميزان": "المِسْور بن إبراهيم أرسَلَ عن جَدِّه، لا يُعْرَف حالُه، وحديثه مُنْكَرٌ، أخرجه النَّسائي، وَوَهَّاه من رواية أخيه سعدٍ عنه في أن السارق إذا حُدَّ لا يَغْرَم".
قول الإمام ابن عبدالبر: "ولو ثَبَتَ هذا الحديث لَوَجَبَ القول به"، لم يلتفت إلى نكارة المتن، وأنَّ المَجْنِي عليه -وهو المسروق منه المال- يُصبح غنيًّا من الأثرياء، وفي لحظةٍ يُصبح من أفقر الناس، يُسْلَب ماله بالكليَّة، ونقول له: ما لك شيءٌ!
ما الذي يستفيده هو من القطع؟
نعم، الأُمَّة بكاملها تستفيد من القطع؛ يَرْتَدِع به أُلوفٌ إذا قُطِعَتْ يدُه، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنَّ اليد تُعَلَّقُ في عنقه، ويمشي بين الناس ويده في عنقه؛ ليراه الناس.
ولهذا جاء الفرق بين حَدِّ السرقة وحَدِّ الزنا.
قال قائلٌ: إذا قُطِعَت اليدُ في السرقة، لماذا لا يُقْطَع الذَّكَر في الزنا؟
قيل بهذا، لكن هل تتحقق الحكمة من الحدِّ إذا قُطِعَ الذَّكَر؟ يَرْتَدِع الناس إذا قُطِعَ الذَّكَر؟
ما يَرْتَدِعون، وأيش يُدْرِيهم؟ فهو لا يمشي عاريًا، ولن يُعلَّقَ ذَكَرُه في عنقه.
المقصود أنَّ هذا الاعتراض مَردودٌ من أصله، والحكمة في قَطْع اليد وتعليقها في عُنُقه -أو بدون تعليقٍ-: إذا مشى بين الناس بدون يدٍ يَعْتَبر الناس ويَرْتَدِعون؛ لأنَّ النتيجة قاسيةٌ عليه.
وحقوق الإنسان ومَن يُطبِّل لها أو ينشر أقوالها يقولون: قَطْع اليد وحشيَّةٌ، ولو سَرَقَ رُبُعَ دينارٍ تُقْطَع يَدُه!
كما جاء في كلام المَعَرِّي سابقًا: هذه وحشيَّةٌ؛ ولذلك أَلْغَوا الحدود، وبَقِيتْ هذه البلاد -ولله الحمد- ثابتةً، صامدةً، نرجو لها دوام الثبات على دين الله، وأنْ يهدي ولاة المسلمين لِمَا يُحِبُّه ويَرْضَاه.
| ^1, ^3 | رواه البخاري: 3475، ومسلم: 1688. |
|---|---|
| ^2 | "ألفية العراقي": ص105. |
| ^4 | رواه مسلم: 1218 بلفظ: وربا الجاهلية موضوعٌ، وأول ربًا أَضَعُ رِبَانَا؛ ربا عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوعٌ كله. |
| ^5 | رواه أبو داود: 4393، والترمذي: 1448، والنسائي: 4971، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 4606. |
| ^6 | رواه أبو داود: 4393، والترمذي: 1448، والنسائي: 4971، وابن ماجه: 2591، وأحمد: 15070، وابن حبان: 3908، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5402. |
| ^7 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 7420. |
| ^8 | رواه الدارمي في "مسنده": 2356، وعبدالرزاق في "مصنفه": 18859. |
| ^9 | رواه عبدالرزاق في "مصنفه": 18920 عن عمر بن الخطاب . |
| ^10 | رواه البخاري: 6824. |
| ^11 | رواه أبو داود: 4380، والنسائي: 4877، وابن ماجه: 2597، وأحمد: 22508. |
| ^12 | رواه أبو داود: 4388، والترمذي: 1449، والنسائي: 4960، وابن ماجه: 2593، وأحمد: 15804، وابن أبي حاتم في "العلل": 1372، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7545. |
| ^13 | رواه النسائي: 4984. |
| ^14 | "ألفية العراقي": ص104. |
| ^15 | "ألفية العراقي" ص: 104. |
| ^16 | "ألفية العراقي": ص107. |
| ^17 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^18 | رواه البخاري: 6682، ومسلم: 2694. |