- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الحدود، باب حد الشرب وباب التعزير (6)
جدول المحتويات
- باب حَدِّ الشُّرب وذِكْر الأشْرِبة
- مفهوم الشُّرب.. وأثر العُرف في معناه
- حدُّ شارب الخمر
- اجتهاد الصحابة في تحديد مقدار حدِّ شارب الخمر
- المُخدِّرات أشدُّ من الخمر في الإفساد والضرر
- قاعدة الإباحة والتحريم.. وتطبيقها على الحشيش
- إقامة الحدِّ على الوليد بن عُقبةَ في عهد عثمانَ
- حكم قتل مُدمِن الخمر
- حقيقة الخمر وماهيتها بين النص واللغة
- ورع عُمرَ رضي الله عنه.. واجتهاده في المسائل المُختلَف فيها
- الآية الحاسمة في تحريم الخمر.. ومذهب الحنفية في تحديد حقيقتها
- كل مُسْكِرٍ خمرٌ.. وكل مُسْكِرٍ حرامٌ
- حكم خلط الثمار في النبيذ.. وبيان مدة حفظه
- باب التعزير
باب حَدِّ الشُّرب وذِكْر الأشْرِبة
القارئ: بسم الله، والحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك اللهم، لا علم لنا إلَّا ما علَّمتنا، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدْنا علمًا، وبارك لنا في شيخنا.
قال ابنُ عبدالهادي رحمه اللَّه تعالى، في كتاب "المُحرَّر":
عن أنس بن مالكٍ : أنَّ النبيَّ أُتِي بِرجلٍ قد شَرِبَ الخمر، فَجلَده بجريدتَين نحو أربعين، قال: وفعَله أبو بكرٍ، فلمَّا كان عُمَر استشار الناس، فقال عبدالرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين، فأَمر به عُمَرُ [1]. مُتفَقٌ عليه، وهذا لفظ مُسلمٍ، وهو أتمُّ.
وقد روى جماعةٌ من الصحابة نحو هذا الحديث.
وقد رُوِيَ من حديث سعدٍ، وعائشةَ، وابن عُمرَ، وعبداللَّه بن عمرٍو، وغيرِهم .
وفي لفظٍ: مَن شرب النبيذ منكم فلْيشربه زبيبًا فرْدًا، أو تمرًا فرْدًا، أو بُسْرًا فرْدًا [9] رواهما مسلمٌ.
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فيقول المؤلِّف رحمه الله تعالى، في كتاب الحدود، بعد أن ذَكَرَ حدَّ الزنا، ثُمَّ أَتْبَعَه بِحَدِّ القذف، ثُمَّ السرقة؛ قال رحمه الله: باب حَدِّ الشُّرب وَذِكْر الأشربة.
مفهوم الشُّرب.. وأثر العُرف في معناه
الشُّرب: إدخال السائل إلى الجوف عن طريق الفم، وذِكر الأشربة، والأصل كلُّ سائلٍ يُدخَل على هذه الصفة إلى الجوف يسمَّى شُربًا، وإذا كان جامدًا ليس بسائلٍ فإنَّه يُسمَّى أكلًا، لكن الذي يُمَصُّ ويَتحلَّل مع الريق، وهو في أصله جامدٌ، لكنَّ انسيابه إلى الجوف يكون سائلًا؛ فهل يُسمَّى أكلًا أو شربًا؟ (شو يصير؟)
الحلوى صُلبةٌ، الحلوى تُمَصُّ حتى تذوب شيئًا فشيئًا، هي في أصلها سائلٌ، يُؤكَل ثُمَّ يَتحلَّل في الفم بواسطة اللُّعاب، وينساب إلى الجوف سائلًا؛ فهل يدخل في المأكول أو في المشروب؟ (ها شو؟)
لا يختلف أحدٌ شَرِبَ كأسًا، وتَشْرَب الماء، يصير شُربًا، فإذا حَلَف ألَّا يَشربَ فامتصَّ قطعةً من الحلوى، فذابتْ في فمه، وانسابتْ إلى جوفه سائلًا؛ فهل يحْنَث أو لا يحنث؟ حَلَف أن لا يأكلَ، ففعل ذلك؛ أيَحْنث أمْ لا يحنث؟ وفي الحال الثاني ما أكل، وحلف ألَّا يأكل؛ فما الجواب؟ (ها شو؟)
الأَيمان والنُّذور مَرَدُّها إلى الأعراف، فما عُدَّ في العُرْفِ أكلًا فهو أَكْلٌ، وما عُدَّ في العُرفِ شُربًا فهو شُربٌ.
أنا سمعتُ من يقول: عنده علاجٌ حبوبٌ، أريد أن أشرب الحبوب؛ كلامه صحيح أم لا؟ لأنَّه لن يُدخلها إلى جوفه إلَّا بواسطة الماء؛ لأنَّ عندنا باب حدِّ الشُّرب وذِكْر الأشربة، وليس هذا من الفضول؛ لأنَّه يترتَّب عليه أحكامٌ، فما عُدَّ في العرف أكلًا فهو أكلٌ، وما عُدَّ في العرف شُربًا فهو شُربٌ.
وقد تختلف الأعراف باختلاف الأزمان وباختلاف الأماكن، فما يَعُدُّه الناس أكلًا يَحْنَث بأكله إذا حَلَف ألَّا يأكل، وما يُعَدُّ في العُرف شُربًا يحنث إذا شَرِبَ ما يُعَدُّ في البلد أو في العُرف شُربًا.
وبعض العلماء يقول: مَرَدُّها إلى النِّيَّة، لا إلى الأعراف.
الأَيمان والنُّذور كلُّها مَرَدُّها إلى الأعراف عند الأكثر، والمالكية يردُّون ذلك إلى نيَّة الحالف.
الشُّرب: يُراد به هنا: شُرْب المُسكِر، الخمر وما في حُكمه، وقد أُلِّف كُتُبٌ في هذا الباب باسم (كتاب الأشْربة)، ومن ذلكم مُصنَّفٌ للإمام أحمد، ولغيره من أهل العلم صنَّفوا في الأشربة، ليس مُرادُهم شُربَ الماء، إنَّما مُرادُهم هذا النوع المُحرَّم الذي جاءت به النصوص، ويترتَّب عليه الحدُّ.
حدُّ شارب الخمر
قال رحمه الله:
الخمر: الأصل: ما خامَرَ العقلَ، وخالَطَه وغطَّاه؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تُخامِر العقل وتُغطِّيه، أو أنَّها تُخمَّر وتُغطَّى حتى تشتدَّ، فتصير حينئذٍ خمرًا.
قوله: "فجلده بجريدتين"، هل ضَمَّ الجريدة الأُولى إلى الثانية، وفي آنٍ واحدٍ يضربه بهما معًا؟ أو أنَّه ضربه بالأُولَى حتى إذا انْكَسَرَت ضربه بالثانية؟
طيِّب؛ الرجل الذي زنا، أو الرُّويْجِل الذي زنا، في حديثٍ سَبَقَ، الضعيف المريض، الذي أُقيم عليه حَدُّ الزنا بِعِثْكالٍ من التَّمْر، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ [ص:44]، يعني في آنٍ واحدٍ يضرب بِعِثْكالٍ فيه مئةُ شِمراخٍ، مئةُ فرعٍ تكون في آنٍ واحدٍ؛ لكن ضرَبَه بجريدَتَين، هل نقول ضرَبَه بجريدَتَين نحوَ أربعين في آنٍ واحدٍ، أو أنَّ واحدةً تِلْوَ الأخرى؟
الذي يظهر: أنهما معًا، نحو أربعين، وهما في حُكْم الضربة الواحدة؛ لكن ما الداعي إلى الجريدَتَين مع إمكان الضرب بواحدةٍ؟ لعلَّ الواحدة ضعيفةٌ، لا تُؤلِم، فضمَّ إليها أخرى.
اجتهاد الصحابة في تحديد مقدار حدِّ شارب الخمر
وقال بعضهم: إنَّه ضرَبَه بجريدَتَين نحو أربعين ليكون العدد ثمانين.
وعلى كلِّ حالٍ؛ فالثابت عنه عليه الصلاة والسلام: أنَّه ضرب شارب الخمر أربعين -كما سيأتي- وفي عهد عليٍّ ، ومثله في عهد أبي بكرٍ ، فلمّا كان عهد عُمرَ استشار الناس نحو أربعين -يعني- جلدةً، قال:
لمَّا وُجِدَ، فـ (كان) هنا تامَّةٌ، فلما وُجِدَ عمر .
ما الذي نصب (ثمانين)؟ عندك (أخفَّ الحدود) كم؟ وعندك؟ ما الذي نصبها؟
لا، التمييز (جَلدةً)، أو (سَوْطًا)، هذا التمييز، أمَّا العدد (ثمانون)، أخفُّ الحدود ثمانون: خبر (أخفُّ).
قَدِّرْ قَدِّرْ هيَّا! حتَّى إنَّ الحدَّ ثمانون، ما تجيء (ثمانين) خبر (إنَّ).
في الاستشارة التي طرَحها عُمرُ ، قال عليٌّ : إذَا شَرِب هَذَى، وإذَا هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى أن يُجلَد حَدَّ الفِرْيَة، وهو: القذف ثمانون جَلدةً، فأَمَر به عُمرُ ، واستقرَّ الأمر على ذلك باجتهاد الخليفة الراشد، بعدما استشار الصحابة، وله في هذا الباب نظائرُ.
على كُلِّ حالٍ؛ فحَدُّ الخمر:
- منهم من يقول: ليس فيه حدٌّ، وإنَّما هو التعزير؛ بدليل أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام جَلَد نحوَ أربعين، قريبًا من أربعين، ما جَلَد أربعين ليُقال هي الحدُّ، وليس بِحدٍّ، إنَّما هو تعزيرٌ؛ ولذا لمَّا كان الأمر في باب التعزير زاده عُمرُ عمَّا فعله النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأبو بكرٍ . ولِوليِّ الأمر إذا تتابع الناس على شُرب الخمر، ولم يَرْدَعْهمُ الحدُّ -الذي هو الأربعون- له أن يزيد كما زاد عُمرُ ؛ بل قالوا: قد يصل إلى مئةٍ، أو أكثرَ، إلى أن يصل إلى حدِّ القتل، كما سيأتي في حديث معاويةَ .
- ومنهم من يقول: هو حدٌّ، واختلفوا؛ فَمِنْهم من يقول: الحدُّ أربعون، ومنهم من يقول: الحدُّ ثمانون على اجتهاد عُمرَ وموافقة الصحابة، ومنهم من يقول: لِفِعْلِه عليه الصلاة والسلام، وفِعْل أبي بكرٍ الحدُّ أربعون، وما زاد على ذلك فهو من باب التعزير.
المُخدِّرات أشدُّ من الخمر في الإفساد والضرر
هناك ما هو أشدُّ من الخمر؛ ما الذي أشدُّ من الخمر؟ وما الذي أخفُّ من الخمر؟
الذي هو أشدُّ من الخمر: المُخدِّرات التي تفتك فتكًا ذريعًا بالناس، وضررُها عظيمٌ، والتخلِّي عنها فيه صعوبةٌ شديدةٌ، وأثَرها في المجتمعات أعظم من السموم، وأعظم من الجيوش الجرَّارة؛ ولذا فالعدوُّ يركِّز عليها ويُصدِّرها إلى بلاد المسلمين؛ لئلا يَتوقَّف شرُّها. وكم أحدثتْ من البلاء في بيوت المسلمين إذا وجد فيهم من يتعاطاها!
إذا كان الخمر يغطِّي العقل ويُخامِره مُدَّةً ويحصل فيه نشوةٌ؛ ملعونٌ شاربه، كما جاء في الحديث [12]؛ فما شأن هذه السموم المُخدِّرة التي تقضي على الأفراد والمجتمعات، والتخلِّي عنها في غاية الصعوبة؟! ولذا صَدَر الحكم بقتل المُروِّج لهذه المُخدِّرات، بخلاف مُروِّج الخمر، فإنَّه لا يُقتَل إذا كان مُدمِنًا على قولٍ، كما سيأتي.
هناك الحشيش الذي ظهر في آخر المئة السادسة، وضرره عظيمٌ، ويقول عنه شيخ الإسلام إنَّه أشدُّ من الخمر، وآثاره سيِّئةٌ جدًّا.
يقول بعض الأطبَّاء إنَّ موت الإنسان أهْوَن ضررًا عليه مِن تَعاطِي الحشيشة.
ويقول شيخ الإسلام إنَّها مُحرَّمةٌ بالإجماع.
وذكر ابن البيطار، في كتابه في الطبِّ، ضررَها على الجسم، وعلى العقل، وعلى الدِّين، وعلى غَيْرة الإنسان على نفسه، وعلى محارمه، وذَكَر الشيءَ العظيم.
قاعدة الإباحة والتحريم.. وتطبيقها على الحشيش
ومُحقِّق كتابٍ من كُتُب المُصطلَح المُختصَرة تكلَّم عن مسألة الأصل في الأعيان: هل هو الإباحة أو الحُرمة؟ فقال بعضهم: الأصل التحريم حتى يَرِدَ دليلٌ على التحليل، وهذه مسألةٌ أصوليةٌ معروفةٌ، وقال آخرون: الأصل التحليل حتى يَرِدَ دليلٌ يُحرِّم، وهذه مسألة أصوليَّة.
فبعضهم يُحرِّم حتى يَرِدَ دليلٌ يُبيح، وبعضهم يُبيح حتى يَرِدَ دليلٌ مُحرِّمٌ.
المُؤلِّف قال: كالحشيش.
وأطال المُحقِّق في التعليق على الحشيشة التي تحدَّثنا عنها، وردَّ على المُؤلِّف مُشدِّدًا عليه، وقال: إنَّ هذا النوع لا يَحتمل الحِلَّ مُطلَقًا، ونقل الإجماع على تحريمه، فهو يظنُّ أنَّ المُؤلِّف يُنزِّل القاعدة على الحشيش الَّذي يُزيل العقول. ومُراد المُؤلِّف: أنَّ هذه عَينٌ، خرجتَ إلى البَرِّ، فأَعجبكَ نوعٌ من الحشيش النابت في الصحراء، رائحته، فأردْتَ أن تأكل منه؛ فما الحكم؟ حلالٌ أَمْ حرامٌ؟
الحشيش الذي ترعاه البهائم، هل هو حلالٌ أم حرامٌ؟
كلٌّ على أصله؛ فالذي يقول: الأصل الحِلُّ، كُلْ حتَّى يَرِدَ دليلٌ يُحَرِّم، والَّذي يقول الأصل الحُرمة يقول: امتنعْ حتَّى يَرِدَ دليلٌ ينصُّ على هذا النبات بأنَّه حلالٌ. فَرْقٌ بين هذا وهذا.
هناك حيواناتٌ من التي تعيش في الصحاري؛ مثل: الزواحف، قد تُعجِب الإنسان، بعضهم يقول: نأكل أو ما نأكل؟
كلٌّ على أصله؛ فالذي يقول: الأصل الحِلُّ، كُلْ حتَّى يَرِدَ دليلٌ يُحرِّم، والعكس عند مَن يرى أنَّ الدليل الحُرمة.
مثَّلْنا في كثيرٍ من المناسبات بأيِّ شيءٍ؟ ها ما أسمع، السَّقَنْقُور، يوجد عندنا في الصحارى بكثرةٍ، وبعض الناس يأكله، وبعضهم يصفه علاجًا، يذْكُر الَّذين يأكلونه أنَّه مفيدٌ لكثيرٍ من الأمراض، ويوجد عند بعض العطَّارين مُجفَّفًا. على كلِّ حالٍ: نأكل أو لا نأكل إذا وجدناه في الصحراء؟
كلٌّ على أصله؛ فالذي يقول: الأصل الحِلُّ، يقول: كُلْ حتَّى يَرِدَ دليلٌ يُحرِّم، والذي يقول الأصل التحريم، يقول: لا تأكل حتَّى تَجِدَ نَصًّا يُبيح.
هذه القاعدة لها فروعٌ كثيرةٌ جدًّا وأمثلةٌ، كالنِّيص.
والنِّيص: معروفٌ، له شوكٌ، إذا أراد أحدهم أن يعتديَ عليه يُطلِق عليه من هذا الشوك، يقول: لو تبحثون عنه في الجوَّالات تجدونه، وفيه فتوى للشيخ ابن بازٍ، وفيه فتوى لأُناسٍ آخرين: هل يؤكَل أو لا يؤكَل؟ وهو فرعٌ من هذه المسألة؛ لأنَّه ليس فيه دليلٌ يخصُّه، فرعٌ من هذه المسألة.
إقامة الحدِّ على الوليد بن عُقبةَ في عهد عثمانَ
وله -يعني: لمُسلمٍ- عن حُضَينِ بن المُنذِر -أبي ساسانَ- قال: شهِدْتُ عثمانَ بن عفَّانَ وأُتِيَ بالوليد..
هل يلزم الإتيان بـ (قد)؟ (الواو) حاليَّةٌ فهل يلزم الإتيان بـ (قد) أو لا يلزم؟
نعم، عند البصريين يلزم أن يُؤتَى بـ (قد).
وأُتِي بالوليد قد صلَّى الصُّبح -صلَّى بالناس- ركعتين، ثُمَّ -لمَّا سلَّم- قال: أزيدكم؟ يكفي ركعتان أو أزيدكم؟ لماذا؟ شَرِبَ الخمرَ.
فشَهِدَ عليه رجلان، أحدهما حُمْرانُ -مولَى عثمانَ - أنَّه شَرب الخمر..
وشهِد آخر -لم يشاهده وهو يشرب الخمر- أنَّه يتقيَّأ، رآه يتقيَّأ الخمر، شَرِبَ أمْ لم يشرب؟ إذَا كان تقيَّأ؛ نعم.
فقال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأ حتَّى شَرِبها.
فقال: يا عليُّ قمْ فاجلدْه، فقال عليٌّ : قمْ يا حسنُ فاجلدْه .
عثمان أمير المؤمنين، له أن يأمر مَن يتولَّى إقامة الحدِّ، وطاعته واجبةٌ، وعليٌّ رأى أن ينوب ولدُه عنه، وله أن يأمر ولدَه، قال: قمْ يا حَسنُ فاجلدْه.
فقال الحَسنُ : ولِّ حارَّها مَن تولَّى قارَّها.
القارُّ: البارد، والحارُّ: مثل هذه الولاية والوكالة، القارُّ: المستفيد.
بعض الناس يكون قريبًا من وليِّ الأمر أو من المسؤول، فتجِده يستفيد منه في أمور دنياه، وبعض الناس بعيدٌ، ما يستفيد أبدًا. ومُتولِّي القارَّ هذا المستفيد البارد، ينبغي أن يكون الغُنْم مع الغُرْم، أو الغُرْم مع الغُنْم، إذا استفاد منه كلَّفَه بما يريد. أمَّا الشخص البعيد ما استفاد شيئًا، ولمَّا جاء الأمر الشديد الذي يمكن أن تُرتَّب عليه أشياءُ، قال: ولِّ حارَّها مَن تولَّى قارَّها.
طيِّب، الحسَن هل أجاب طلب أبيه أو رفضه؟ أو أنَّ هذا الأمر ليس على سبيل الوجوب؟
فَهِمَ الحَسن أنَّ هذا ليس على سبيل الوجوب والتعيين، وأنَّ هذا أمرٌ يُمكِن أن يقوم به أيُّ شخصٍ، بالإمكان أنَّ الإنسان إذا أُمِرَ بشيءٍ، ورأى أنَّ المصلحة لا تَتَرتَّب، أو قد لا تكون في تولِّيهِ بنفسه؛ أن يعتذر عنه، ولا يُلام حينئذٍ إذا اعتذر، إذا خَشِي أن يَترتَّب على ذلك مفسدةٌ، ولو كانت خاصَّةً به، وغَيرُه كثيرٌ، الأمر ما تعيَّن عليه ليكون واجبًا.
فقال: يا عبداللَّه بن جعفرٍ، قمْ فاجلدْه، فَجَلَدَه، وعليٌّ يَعُدُّ.. واحدٌ، اثنان، ثلاثةٌ، ثلاثون، أربعون؛ وعليٌّ يَعُدُّ.
حتَّى بلَغ أربعين، فقال: أمْسِكْ، حَسْبُكَ يكفي.
ثُمَّ قال: جَلَدَ النبيُّ أربعين، وجلَد أبو بكرٍ أربعين، وعُمرُ جلَدَ ثمانين، وَكُلٌّ سُنَّةٌ..
لأنَّه عليه الصلاة والسلام يقول: عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِين الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي [13].
كُلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ، وهذا يعني: الثمانين، آخر مذكورٍ.
يقول عليٌّ : هذا أحبُّ إليَّ؛ لأنَّه رأى من الناس تساهُلًا في شُرب الخمر بعد فتح البلدان، واختلاط الناس بغيرهم من الأمم، فهذا يَردع الناس، يقول: هذا أحبُّ إليَّ.
هل نقول: إنَّ عليًّا فِعْلُ عُمرَ أحبُّ إليه مِن فِعلِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام؟ أو نقول: إنَّ هذه مسألةٌ قابلةٌ للاجتهاد، وفِعلُه عليه الصلاة والسلام في وقته لمَّا كان الشُّراب عددًا محدودًا يناسب الأربعين، وهذا أحبُّ إليَّ في ذلك الوقت، لكن في هذا الوقت الذي كَثُر فيه الشُّرب تكون الثمانون أحبَّ إليّ؟
حكم قتل مُدمِن الخمر
وعن معاويةَ بن أبي سفيانَ رضي الله عنهما: عن النبيِّ قال في شارب الخمر: فإذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه [14] رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، ورواته ثقاتٌ.
وروى جماعةٌ من الصحابة نحو هذا الحديث؛ منهم: أبو هريرةَ، وجريرُ بن عبدالله، وابنُ عُمرَ، والشَّرِيدُ بن سُوَيْدٍ -أبو عَمرٍو-، وعبدالله بن عَمرٍو، وشُرَحْبِيلُ بن أَوْسٍ ؛ كلُّهم رَوَوْا قَتْل الشارِب، ويُراد بذلك: المُدمِن الذي يُؤْتى به ويُقام عليه الحدُّ فلا يرتدع.
والحديث مُصَحَّحٌ مِن قِبَلِ جمْعٍ مِن أهل العلم؛ فهل يُعمل به أو لا يُعمل؟
الترمذيُّ في "جامِعِه" يقول: ليس في كتابي شيءٌ ممَّا أُجْمِعَ على تَرْكِ العمل به إلَّا حديثيَْن، وذَكَر حديث قتْل الشارب، وذَكَر حديثَ الجَمْعِ بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ.
وتَرْكُ العمل معناه: أنَّه منسوخٌ، وذُكِرَ عن الشافعيِّ أنَّه يقول: منسوخٌ.
على كلِّ حالٍ؛ إذا قلنا: بهذا انتهى الإشكال، لكن مِن أهل العلم -وَهُم أهل الظاهر- مَن يَرَوْن أنَّه مُحْكَمٌ، وأنَّه يجب تطبيقه كسائر الحدود، شَرِبَ الرابعة فاضربوا عنقه.
هناك قولٌ لشيخ الإسلام وابن القيِّم والسيوطيِّ أيضًا، ويُرجِّحه الشيخ أحمد شاكر: أنَّه من باب التعزير، فإذا رأى الإمام أنَّ الناس تتابعوا على شُرب الخمر، وأنَّ الحدَّ لا يردعهم؛ فله أن يَقتُل، وليس من الحدِّ اللازم تطبيقه وتمكينه.
والشيخ أحمد شاكر له رسالةٌ، أطال في تخريج الحديث وذِكْر شواهده في تحقيقه على "المسند"، واستَلَّ منه رسالةً سمَّاها: "كلمة الفصل في قتل مُدمِن الخمر".
وجمهور أهل العلم على أنَّه منسوخٌ، وليس بمُحْكَمٍ.
حقيقة الخمر وماهيتها بين النص واللغة
وعن ابن عُمرَ رضي اللَّه عنهما قال: سمعتُ عُمرَ بن الخطاب على منبر رسول اللَّه يقول: أما بعد؛ أيها الناس، فإنَّه نزَل تحريم الخمر، وهي من خمسةٍ؛ من: العنب، والتمر، والعسل، والحِنطة، والشعير.
من خمسةٍ: من العنب والتمر، سيأتي أنَّه نزَل تحريم الخمر وما بالمدينة شرابٌ إلا من تَمْرٍ، كُلُّ هذا يَرُدُّ على الحنفيَّة، الذين يقولون: لا خمر إلَّا من عنبٍ، فغير العنب لا يُسمَّى خمرًا ولو أَسْكَرَ. وليس معنى هذا أنَّهم لا يجلدون الحدَّ، أو يُبيحون شُربه، لا؛ فالمسألة مسألة هل إطلاق الخمر على نبيذ التمر إذا أَسْكَرَ أو الزبيب أو ما عدا العنب؛ هل يُسمَّى خمرًا حقيقةً أو مجازًا؟
عندهم ليس بحقيقةٍ، وصاحب "القاموس" -وهو من أئمَّة اللغة- قال: من العنب والتمر والزبيب، وذكر الخمسة، ومن كلِّ شيءٍ، إذا أَسْكَر يُسمَّى خمرًا.
نزل تحريم الخمر، وهي من خمسةٍ: من العنب والتمر والعسل والحِنطة والشعير.
قاعدةٌ: والخمر: ما خامَرَ العقلَ من أيِّ مادةٍ كانت، إذا خامَرَ العقل وغطَّاه، وجعل شاربه كالمجانين، لا يعقل ما يقول؛ فإنَّه حينئذٍ يُسمَّى خمرًا، هذه حقيقةٌ شرعيةٌ، وعلى كلام صاحب "القاموس" حقيقةٌ لُغويةٌ أيضًا.
ورع عُمرَ رضي الله عنه.. واجتهاده في المسائل المُختلَف فيها
والخمر ما خامَرَ العقلَ، وثلاثةٌ -أيها الناسُ- وَدِدتُ أنَّ رسولَ اللَّه كان عَهِدَ إلَينا فيهنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيه؛ لأنَّ فيها خلافًا بين الصحابة، فيُريد عُمرُ أن يكون فيها نصٌّ قطعيٌّ يرفع الخلاف:
الجَدُّ: ميراث الجَدِّ، ولعلَّه يريد مع الإخوة، فالخلاف فيه بيْن أهل العلم إلى يومنا هذا؛ هل يحجب الإخوة كالأب أو يشاركهم في الميراث؟
مسألةٌ خلافيَّةٌ بين أهل العلم، والمُرجَّح: أنَّ الجَدَّ أبٌ يحجب الإخوة.
والكَلالةُ: مَن لا والد له ولا ولد يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ [النساء:176].
وأبوابٌ مِنْ أَبْوابِ الرِّبا.
وهذا عُمرُ بن الخطاب ، هذا عُمرُ المُلهَم المُحدَّث يقول هذا الكلام!
لو تقول لواحدٍ من متوسِّطي طلَّاب العلم، ما تردَّد في مسألةٍ من هذه المسائل؛ لأن الورع قَلَّ في الناس، عُمرُ إذا نزلت به نازلةٌ، لا يتردَّد صغار الطلَّاب فيها في وقتنا، يجمع لها كبار الصحابة، ومَن بَقِي من أهل بدرٍ، ومَن بَقِي من أهل بيعة الرضوان، يجمعهم يستشيرهم. وهذا دليلٌ على كمال الدين والعَقل، فلماذا أُحَمِّل نفسي وحْدَها عِبء الفتوى في هذه المسائل وأنا أجد مَن يتحمَّلُ معي؟!
مُتَّفَقٌ عليه.
الآية الحاسمة في تحريم الخمر.. ومذهب الحنفية في تحديد حقيقتها
وعن أنسٍ أنه قال: لقد أنزل اللَّه الآية التي حرَّم فيها الخمر إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]..
هذه الآية الحاسمة في تحريم الخمر، نزلت قبل ذلك آياتٌ فيها تدريجٌ، لكنَّ هذه الآية التي حُرِّم فيها الخمر
وما بالمدينة شرابٌ يُشرَب إلَّا من تمْرٍ..
ونقول: التمر ليس حقيقةً في الخمر، هذا كلام الحنفيَّة، وأنتم تنظرون -مثلًا- صاحب "القاموس" مشَى على مقتضى الأحاديث، وتجدون في بعض كُتُب اللغة ما ينتصر لهذا القول، وفي بعضها ما ينتصر لرأي الحنفيَّة.
يعني: لو رجعت إلى "المُغرِب" للمُطَرِّزيِّ، وهو حنفيٌّ، وهذا كتابُ لغةٍ؛ لوجدته ينتصر لمذهبه، مسألة لغويَّةٌ، لكنَّ المذاهب مؤثِّرةٌ، والإنسان يتأثَّر وينتصر لإمامه، شَعَرَ بذلك أو لم يَشْعُر. وهكذا في الكُتب التي تأثَّرتْ بالمذاهب، سواءٌ أكانت المذاهب عَقَديَّةً أو فقهِيَّةً
يعني: لمَّا أُريدُ شرح حديثٍ من أحاديث العقائد، وأَرجِع فيه إلى "الفائق" للزَّمَخْشَرِيِّ؛ أين يذهب بي الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُعتزِليُّ المذهب؟!
ولذلك يُعْتمَد في بيان لغة الكِتاب والسُّنَّة على كُتُب المُتقدِّمين، الذين لم يتأثَّروا بالمذاهب، ولم يَظهر تأثُّرهم في كُتبهم. أمَّا الكُتب التي تُعْنَى بغريب كُتُب الفقه، فلا بُدَّ مِن أن تتأثَّر، مثل ما قلنا: "المُغْرِب" للمُطَرِّزيّ تأثَّر بالفقه الحنفيِّ، وتجدون "المِصباح المُنير في شرح غريب الرافعي الكبير" تأثَّرَ بالمذهب الشافعيِّ، والمُطَّلِع على أبواب "المُقْنِع" تأثَّر بالمذهب الحنبليِّ.
فمِثل هذه المسائل التي يَترتَّب على الاختلاف فيها وفي معانيها اختلافٌ فقهيٌّ بين المذاهب؛ تُجتنَب، أو تُجْمَع، ويُنْظَر في جميعه، وتُقارَن بما قاله المُتقدِّمون.
عندك الكتب المُتقدِّمة مثل: "تهذيب اللغة"، و"الصِّحاح"، وغيرها من الكُتب التي أُلِّفَتْ في اللغة، و"العَيْن" للخليل.
كل مُسْكِرٍ خمرٌ.. وكل مُسْكِرٍ حرامٌ
وعن ابن عُمرَ رضي اللَّه عنهما: أنَّ رسول اللَّه قال: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ [15].
قاعدةٌ شرعيٌّة كُلِّيَّةٌ: كُلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، هل لأحدٍ وجْهٌ أن يقول: إنَّ هذا المُسكِر ليس بِخمرٍ؛ لأنَّه ليس من عصير العنب، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ؟
ليس لأحَدٍ أن يقول ذلك، مَهْما قلنا بإمامة أبي حنيفةَ وجلالة قدْرِه في الفقه، مَهْما قلنا.
وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ رواهما مسلمٌ.
وعن جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما: أنَّ رسول اللَّه قال: ما أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ [16].
وفي حديثٍ: ما أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرامٌ [17] رواه الإمام أحمد، وأبو داوود، وابن ماجه، والترمذي؛ وحسّنه، والطحاويُّ، وأبو حاتمٍ البستيُّ وابن حبّان.
وله شواهدٌ يصل بها إلى الصحيح لغيره؛ ولذا قال المؤلِّف: وقد رُوِيَ من حديث سعدٍ، وعائشةَ، وابن عُمرَ، وعبداللَّه بن عمرٍو، وغيرهم .
كُلُّ هؤلاء -إضافةً إلى جابرٍ- رَوَوْا مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ [18] وما أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقْ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرامٌ [19].
إِنَّ الكثير إذا أسكر فقليلُه حرامٌ، قليلُه إذا كان خالصًا من هذا النوع المُسكِر، لكن لو أخذنا قليلًا من هذا المُسكِر، وأضفنا إليه مادةً كثيرةً غير مُسكِرةٍ، هو لا يُسكِر في هذه الحالة؛ فهل نقول: إنَّ حُكمه مثل حُكم الماء، إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ يسيرةٌ لا تؤثِّر فيه، ولم تُغيِّر لونًا ولا طعمًا ولا رائحةً؟!
نعم قليلُه، هو من غير خلطٍ بغيره؛ ولذا هناك موادُّ مسْكِرةٌ، من الكحول وغيره، تُوضَع في موادَّ طاهرةٍ، وتكون يسيرةً جدًّا، لا تؤثِّر على العقل، ومقتضى هذا: أنها إذا كانت قليلةً نسبتها كما لو وقعت نجاسةٌ يسيرةٌ جدًّا في ماءٍ كثيرٍ. ومنهم من يقول: هذا القليل المُحرَّم هو لا يجوز وضع النجس أو المُسكِر عمدًا فيما لا يُسكِر؛ ولذلك فالذين يقولون: النسبة اليسيرة من الربا لا تضرُّ؛ لِأنَّ بعض المذاهب قالوا: إنَّ النجاسة اليسيرة لا تؤثِّر، يعني: قدر الدرهم البغليّ لا يؤثِّر عند الحنفيَّة.
لكن هل يُتَصوَّرُ أنَّك تُقْدِم على الرِّبا، وأنت تَعْرف أنَّه رِبًا، وهذه نسبةٌ يسيرةٌ؛ تُقْدِم عليه وأنت عالِمٌ أنَّه رِبًا؟!
هل يُتَصوَّر أنَّ الحنفيَّةَ يقولون: يا فلان، تَعالَ بُلْ عليَّ مقدار الدِّرْهم، ويُجوِّزون مثل هذا؟!
هذا لا يقوله عاقلٌ أصلًا، لكن إذا وقعتْ من غير قصْدٍ، وهذا نظيره، إذا وقع الرِّبا من غير قصْدٍ بهذه النسبة اليسيرة؛ تَخلَّص منها.
أمَّا ما يقولون: أَقْدِمْ عليه وأنت تعرف أنَّه رِبًا، والنسبة يسيرةٌ، ثُمَّ تَخلَّصْ منه؛ فهذا لا يجوز بحالٍ. لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه وشاهديه، فلا يجوز أن يَعْمَد إلى الرِّبا المُحرَّم في الشَّرْع، ويُقال: قليلٌ ثُمَّ تَخلَّصْ منه.
هل يقول الحنفيُّ: يا فلانُ، هذا ثوبي بُلْ عليه، ثُمَّ يصيرُ يسيرًا؟ ما يقوله عاقلٌ أصلًا، ولا يُجوِّزون مثل هذا، لكن لو وقعتِ النجاسة من غير قصْدٍ، وكانت بهذا القدْر؛ فإنَّه يُعْفَى عنها عندهم.
حكم خلط الثمار في النبيذ.. وبيان مدة حفظه
وعن أبي سعيدٍ قال: نهانا رسول اللَّه أن نخلِط بين الزبيب والتَّمْر؛ لأنها تتفاعل هذه المواد المُركَّبة وتتأثَّر بسرعةٍ، بخلاف التمر وحدَه، أو الزبيب وحده.
أن نخلط بين الزبيب والتمر، جاء النهي عن الخليطَيْن، وهو مشروحٌ في كُتب الفقه.
أن (نخلِط)، أو أن (نخلُط)؛ لأنَّه من باب (ضرَب)، ومن باب (نصَر).
وأن نخلُط البُسْر والتَّمر، كذلك إذا كَثُرتِ الموادُّ تَسارَع الفساد إليها.
قد يُخْلَط أنواعٌ كثيرةٌ، العصيرات المُشَكَّلة التي يُسمُّونها "كوكتيل"، هذه مَخلوطةٌ، مَن قال هذا خليطٌ؟ أخْلاطٌ، ما هي بخليطَيْن، هل نقول بتحريمها؟ لا؛ لأنَّها لا تُسكِر، والظروف تختلف، سيأتي في الحديث الَّذي بعده.
وفي لفظٍ: مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا لا يَخْلِطه بشيءٍ، أو تمرًا فردًا؛ لأنَّه قد يتغيَّر، فيظنُّ شارِبُه أنَّ هذا التغيُّر بسبب الخلْط، لا بسبب التغيُّرِ، أو بُسْرًا فردًا [20]، رواهما مسلمٌ.
وله -أيْ: لمُسلمٍ- عن ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما قال: كان رسول اللَّه يُنْبَذُ لَه الزَّبِيبُ فِي السِّقاءِ..
السِّقَاء: مثل القِرْبَة، قد يكون أصْغَرَ، أو شيءٍ مِن هذا.
يُنبذ له الزبيب في السقاء، أي: تُوضَع حبَّاتٌ من الزبيب في السقاء؛ من أجْلِ أيِّ شيءٍ؟ أن يصير حُلْوًا، وكذلك يُنبَذ له التمر؛ من أجل أن يكون حُلْوًا في السقاء.
فيشربه يومَه، يعني: اليوم الأَوَّل يشرب كاملًا، والغدَ، وبعدَ الغدِ، يعني: ثلاثة أيامٍ؛ لأنَّه لا يتغيَّر في هذه المدَّة، لا يَصِل إلى أن يشتدَّ، ويَقذف بالزَّبَد، وبعد الغد.
فإذا كان مساءُ الثالثة شَرِبه، وسقاه، يعني: أراد أن يُنْهِيه؛ لئَلَّا يَبيت في سقائِه، فيكون مُسْكِرًا.
فعلى هذا؛ فالنبيذ يُشْرَب ثلاثةَ أيامٍ، ثُمَّ بعد ذلك إمَّا أن يُشرَب ويُسقَى، ويُنهَى في آخر الثالث -اليوم الثالث- أو يُهْراقَ إذا انتهى اليوم الثالث، ولا يُشرب، ويُهْراق؛ لأنَّه مظنَّةُ الإسْكار، شَرِبه.
فإن فَضَل شيءٌ منه أَهْرَاقه، فإنْ شُرِبَ منه شيءٌ؛ لأنَّه يَغلُب على الظنِّ أنَّه يتغيَّر، ويُسْكِر، وفي السِّقاءِ، السِّقاءُ إذا تغيَّر ما فيه عُرِف تغيُّرُه، ينتفخ؛ ولذلك في أوََّل الأمر نُهِي عن الانتباذ في الأوعية الصُلْبة، في النَّقِير والْمُقيَّر والمُزفَّت والحَنْتَمِ، نُهي عن الانتباذ فيها؛ لأنَّ ما فيها قد يتغيَّر ولا يُعْلَم به، هذا في أوَّل الأمر، لمَّا أَلِفَ الناس التحريم واجتنبوا الخمر؛ أُذِنَ لهم في أن يشربوا في أيِّ سِقاءٍ، وهذا السقاء الذي هو من جلدٍ إذا تغيَّر ما فيه انتفخ، وعُرِف أنَّه تغيَّر، فإن فَضَل شيءٌ منه أَهْراقه، يُهرِيقُه؛ لذا لمَّا نَزل تحريم الخمر أَهْراق الصحابة.
باب التعزير
ثم قال المُؤلِّف رحمه اللَّه تعالى: باب التعزير.
التعزير: ما فيه عقوبةٌ غير مُقدَّرةٍ ممّا مُنِعَ شرعًا؛ لأنَّ التعزير في الأصل: المنعُ ممّا مُنِع شرعًا، الممنوعات الشرعيَّة: المحرَّمات، بعضُها ما فيه عقوبةٌ مُقدَّرةٌ، وهذا ما تَقدَّم الكلام فيه من الحدود، وبعضها ليس فيه عقوبةٌ مُقدَّرةٌ، وإنَّما مَرْجِعُه إلى اجتهاد الإمام، وهذه التعازير.
والتعزير كما يكون في ارتكاب الممنوع، يكون أيضًا في تَرْك المأمور.
والتعزير كما يكون على البدن، يكون بما هو أوسع من ذلك؛ فقد يكون بالكلام، وقد يكون بالمال، على خلافٍ بين أهل العلم في مسألة التعزير بالمال. والناس يتفاوتون؛ فمنهم مَن يحتاج إلى رَدْعٍ، ومنهم مَن يحتاج إلى كلمةٍ يسيرةٍ تؤثِّر فيه، ومنهم مَن يحتاج إلى الأخذ من مالِه، ومنهم من يردَعُه الصَّدُّ عنه.
شيخٌ من الشيوخ الكبار، له دروسٌ، تزوَّج واحدٌ من طلابه، فتأخَّر هذا الطالب عن درس ما بعد صلاة الصبح، وصار في آخر الحلقة، وصله الدور فقال الشيخ: اقرأ، وفي اليوم الثاني قال له الشيخ: اقرأ، وفي اليوم الثالث، قام الشيخ وتركه؛ لأنَّه بدأ يتأخَّر، فيكون في آخر الحلقة كلَّ يومٍ. وفي اليوم الرابع، جاء للمسجد قبل أذان الصبح؛ لأنَّه تعزيرٌ، قام وتركه تعزيرًا.
فالتعزير أنواعٌ، والإمام ومَن إليه الأمر -كُلٌّ على حسبه- يَستعْمِل من التعازير ما يناسب الحال.
حدود مقدار التعزير في السُّنَّة النبوية
عن أبي بُرْدَةَ الأنصاريِّ أنه سَمِع رسولَ اللَّه يقول: لا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْواطٍ إِلَّا فِي حَدٍ مِنْ حُدُودِ اللَّه تَعالَى [21] مُتَّفَقٌ عليه.
هل المراد بالحدود التي تقدَّمَ ذكرُها، فما دام الحدُّ لم يَثْبُت لا يجوز الزيادة على العشرة أسواطٍ، أو المراد بالحدود المُحرَّمات؟ وجاء إطلاق الحدود عليها في مواضعَ كثيرةٍ من الكتاب ومن السُّنَّة.
يعني: نفترض أنَّ شخصًا خلا بامرأةٍ لياليَ عديدةً، ولم يَثْبُت في حقِّه الزِّنا، الحدُّ ما ثَبُتَ في حقِّه؛ فهل نقول: لا يُجْلد أكثرَ من عشرةِ أسواطٍ؟ أم نقول: إنَّ هذا أمرٌ مُحرَّمٌ، فهو من حدود اللَّه، فيُجلَد فوق عشرةِ أسواطٍ، لكن لا يصِلُ إلى الحدِّ المقرَّر فيه مِثْلُه إذا ثبت؟
قولان لأهل العلم.
ولا شكَّ أنَّ تنزيل الحديث على الحدود المُحدَّدة المذكورة يترتَّب عليه فسادٌ ذريعٌ، فقد يكون بعض المُحرَّمات ليس فيها حدٌّ، وهي أشدُّ ممَّا فيه حدٌّ، والحكمة معروفةٌ في الشرع.
على كُلِّ حالٍ؛ فالقول المُرجَّح: أنَّ المراد بالحدود المُحرَّمات، وأنَّ ما ينطبق عليه الحدُّ: تعزيرُ الوالد لولده إذَا أخطأ، ما دَرَس؛ نظرًا لمصلحة دنياه، أو ما صلَّى مع الجماعة؛ نظرًا لمصلحة دينه، وغير ذلك من الأمور التي يحتاج فيها الولد إلى زجرٍ، أو المعلِّم إذا أخطأ الطالبُ يُعزِّره المُعلِّم بنحو ما ذكرْنا، وقد يكون بالضرب غيرِ المُبَرِّح، لكن لا يزيدُ على عشرةِ أسواطٍ.
واللَّه أعلم، وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ.
| ^1 | رواه مسلم: 1706، والبخاري بنحوه: 6776. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 1707. |
| ^3 | رواه أبو داود: 4482، والترمذي: 1444، والنسائي: 5661، وابن ماجه: 2573، وأحمد في "المسند": 16869، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6309. |
| ^4 | رواه البخاري: 5588، ومسلم: 3032. |
| ^5 | رواه مسلم: 1982. |
| ^6 | رواه مسلم: 2003. |
| ^7 | رواه أبو داود: 3681، والترمذي: 1865، وابن ماجه: 3393، وأحمد في "المسند": 14703، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5530. |
| ^8, ^9 | رواه مسلم: 1987. |
| ^10 | رواه مسلم: 2004. |
| ^11 | رواه البخاري: 6850، ومسلم: 1708. |
| ^12 | لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ؛ رواه أبو داود: 3674، والترمذي: 1295، وابن ماجه: 3381، وأحمد في "المسند": 5716، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5091 |
| ^13 | رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد في "المسند": 17144، وصححه مُحققو "المسند"، والألباني في "صحيح الجامع": 4369 |
| ^14, ^15, ^16, ^18, ^19, ^20, ^21 | سبق تخريجه |
| ^17 | رواه أبو داود: 3687، والترمذي: 1866، وأحمد في "المسند": 24432، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5531 |