- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "وقد نقل الناس صفاته الظاهرة.." (1)

جدول المحتويات
- مما وَرَدَ في كمال خَلْقه
- مما وَرَدَ في صفة وجهه وقامته
- مما وَرَدَ في صفة مَنكِبيه وشَعره
- مما وَرَدَ في صفة وجهه
- مما وَرَدَ في صفة رأسه وقدميه وكفيه ويديه
- مما وَرَدَ في صفة شَعره
- مما وَرَدَ في صفة فمه وعينيه
- مما وَرَدَ في صفة لونه
- مما وَرَدَ في صفة كفه ورائحته
- مما وَرَدَ في صفة ثناياه
- طيب عَرَقه
- مما وَرَدَ في صفة كلامه
- مما وَرَدَ في كمال صفاته الخُلُقية
- مما وَرَدَ في شجاعته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتَمَّان الأكملان على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فأرحِّب بالجميع من الحاضرين والمتابعين في هذه الدورة العلمية المقامة في رحاب مسجد نبيِّنا ، في شرح متونٍ مُهمةٍ في أيامٍ علميةٍ خمسةٍ، نبدأها اليوم إن شاء الله ، ونختمها يوم الأربعاء؛ حيث نعقد جلسةً ما بين العصر والمغرب، وأخرى ما بين المغرب والعشاء.
ونبتدئ هذه المتون بشرح متنٍ حبيبٍ إلى نفوس المؤمنين، بشرح هذه الرسالة المختصرة في صفات النبي وأخلاقه، وهذه الرسالة المختصرة أصلها فصلٌ عَقَدَه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه البديع النافع "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح"، عَقَدَه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لبيان كمال النبي في صفاته وأخلاقه، وهذا أحد الأدلة على نبوة النبي ؛ فإن هذا الكمال الثابت لرسول الله لا يمكن أن يكون لبشريٍّ إلا أن يكون نبيًّا، فكماله في صفاته وأخلاقه دليلٌ على نبوته .
ومن المعلوم أن من العلوم العليَّة والفوائد الجليلة الجليَّة: أن يعرف المؤمن صفات النبي الخَلقية والخُلقية، فهذا من أجَلِّ العلوم وأعظمها فائدةً، فإن معرفة صفات النبي الخَلقية والخُلقية من مقتضى الإيمان، وتزيد الإيمان، فإن المؤمن يحب النبي ، وهذا الإيمان يزداد في قلب المؤمن، ومما يزيده أن يعرف المؤمن كمال النبي في صفاته الخَلقية والخُلقية.
وإذا عرف المؤمن صفات النبي وازداد حبًّا له، فإنه يصل إلى مرتبةٍ عظيمةٍ في هذه المحبة؛ حيث يشتاق لرؤية النبي ، ويتمنى أن لو كان قد رآه ونصره وذبَّ عنه وعن دينه ، وقد قال النبي : من أشدِّ أُمَّتي لي حُبًّا: ناسٌ يكونون بعدي، يَوَدُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله [1]، رواه مسلمٌ في "الصحيح".
وهذا العلم بصفات النبي الخَلقية والخُلقية من السُّنة؛ فإن السُّنة عند المُحدِّثين: "كل ما ثبت عن النبي : من قوله، أو فعله، أو تقريره، أو صفاته الخَلقية أو الخُلقية"؛ فهذا من السُّنة، وتعلُّمه تعلُّمٌ لسُنة النبي .
وإذا عرف المؤمن صفات النبي الخَلقية، فإنه يكتسب بذلك فائدةً عظيمةً؛ هي معرفة النبي بهيئته، فإذا رآه في المنام: فإن رآه بالهيئة التي يعرفها، فقد رأى رسول الله حقيقةً؛ لأن الشيطان لا يتمثَّل بالنبي . أما إن جاءه يدَّعي أنه رسول الله ، وليست فيه صفات النبي في هيئته؛ فإنه يعلم أن ذلك تلاعبًا من الشيطان به.
وهذه فائدةٌ عظيمةٌ، وقد قال النبي : من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثَّل بي [2] رواه مسلمٌ في "الصحيح".
ومَن عرف صفات النبي الخُلقية فإنه يأْتَسِي به ، ويجعله له أسوةً حسنةً في ذلك، ومن تأسَّى بالنبي أفلح في الدنيا وفاز في الآخرة، فقد قال الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].
قال ابن كثيرٍ رحمه الله: "هذه الآية الكريمة أصلٌ كبيرٌ في التأسِّي برسول الله في أقواله وأفعاله وأحواله".
ونحن سنقرأ هذه الرسالة، ونُعلِّق على ما ورد فيها بما يكون فيه النفع إن شاء الله .
فليتفضَّل الابن نور الدين -وفَّقه الله والسامعين- يقرأ لنا:
القارئ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتَمَّان الأكملان على المبعوث رحمةً للعالمين، نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين، آمين.
مما وَرَدَ في كمال خَلْقه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
الشيخ: نعم، صفات النبي الخَلقية دالَّةٌ على كماله البشري، وعلى كماله في خِلقته ؛ فقد خلقه ربه في أحسن تقويمٍ، وحباه من الكمال في خِلقته ما شاء ؛ حتى كان أحسن الناس خَلقًا.
محمد بن عبدالله رسولنا كان أحسن الناس خَلقًا، فما رُئِيَ مثله في حُسن خِلقته لا قبله ولا بعده . وقد ذكر البراء ، في الحديث الذي سيذكره المصنِّف بعد قليل، وسنُعلِّق عليه، ما يدل على كمال حُسن خِلقته .
وصفاتُه الخُلقية دالَّةٌ على كماله في رسالته، وفي أخلاقه، وفي أحواله . وقد قال الله : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وقال أنس : كان النبي أحسن الناس خُلُقًا [3] متفقٌ عليه.
قال القاضي عياض: "رُوِّيناه بالضم؛ لأنه يحتمل خَلْقًا ويحتمل خُلُقًا"، قال القاضي عياض: "رُوِّيناه بالضم؛ لأنه إنما أخبر عن حُسن معاشرته ، وهذا جانب يتعلق بالأخلاق".
إذن؛ حبيبنا وإمامنا ونبينا كان أحسن الناس خَلْقًا كما قاله البراء ، وكان أحسن الناس خُلُقًا كما قاله أنس .
وقد قدَّمنا أن هذا الكمال أحد الأدلة على نبوته ، فإن هذا الكمال البشري لا يمكن أن يكون على هذا الوجه إلا لرسول من رسل الله عليهم السلام.
القارئ: قال رحمه الله:
مما وَرَدَ في صفة وجهه وقامته
الشيخ: نعم هذا الحديث متفقٌ عليه، وهذا اللفظ لفظ مسلمٍ. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا ذكر الحديث من "الصحيحين" فإنه يذكر لفظ مسلمٍ، وفي أحيانٍ قليلةٍ يزيد بعض ألفاظ البخاري.
فهذا الحديث ورد في "الصحيحين"، وهذا اللفظ في صحيح مسلمٍ. وعند البخاري: «كان رسول الله أحسن الناس وجهًا، وأحسَنَه خَلْقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير» [5].
البراء بن عازب يصف النبي في خِلقته بأنه :
- كان أحسن الناس وجهًا: كان النبي أجمل الناس وجهًا، فما رأى الراؤون مثل جماله .
- وأحسنهم خَلْقًا: هكذا بهذا الضبط عند الأكثر من العلماء، أكثر العلماء يضبطونه هكذا: خَلْقًا. قال القاضي عياض: ضبطناه هنا خَلْقًا؛ لأن مراده صفات جسمه. وضبطه ابن التِّين: خُلُقًا، بضم الخاء؛ وذلك أنه يرى أن قوله: كان أحسن الناس وجهًا، قال: هذا في الحُسن الحسِّي، وأن قوله: وأحسنهم خُلُقًا، هذا في الحُسن المعنوي؛ فجمع في وصفه بين حُسنه الحسِّي وحُسنه الخُلُقي. ولكن الأول أوْلى: خَلْقًا، وهو الذي عليه الأكثرون، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير؛ فهذا يدل على أنه يتعلَّق بالخِلقة، ولا يتعلق بالخُلُق.
- ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير: هذه من صفات بنيته ؛ فلم يكن بالطويل المُفرِط في الطول. البائن قالوا: الذي يُباين غيره إذا ماشاه، فيكون بيِّنًا في طوله عنه، فليس ذاهبًا في السماء، وليس بائنًا إذا ماشى الناس يَبِين بطوله الفارع عنهم .
- وليس بالقصير: فالنبي كان رَبْعَةً في القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، كما وصفه أنسٌ عند البخاري، فهو مربوعٌ. والمربوع من الرجال: هو الذي ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير، بل يميل إلى الطول، فهو الرجل بين الرجلين، ليس بالرجل الطويل طولًا بائنًا، ولا بالرجل القصير، وهذا الوصف الأكمل للرجال الممدوح في قامة الرجل.
فدلَّ هذا الحديث على أن خِلْقته ليست مضطربةً؛ بل في غاية الجمال والاتساق، وأنه أجمل الناس وجهًا، وأعدلهم قامةً.
مما وَرَدَ في صفة مَنكِبيه وشَعره
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، عند مسلمٍ: عن البراء قال: «كان رسول الله رَجُلًا مربوعًا، بعيد ما بين المَنْكِبين، عظيم الجُمَّة إلى شحمة أذنيه، عليه حُلَّةٌ حمراء، وما رأيت شيئًا قط أحسن منه » [7].
هذا لفظ الحديث عند مسلمٍ، ولفظ البخاري قريبٌ منه؛ فعنده قال: «كان النبي مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، له شَعرٌ يبلغ شحمة أذنه، رأيته في حُلَّة حمراء، ولم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه» [8]، فالحديث متفقٌ عليه.
قال: «كان رسول الله رَجُلًا»: ضبطها بعض العلماء هكذا: "رَجُلًا" من الرجولة؛ أي: إنه كان كامل الرجولة. وضبطها بعض العلماء: "رَجِلًا"، «كان رسول الله رَجِلًا»؛ أي: كثير الشَّعر، يُرى شعره كأنه مُرَجَّل؛ أي: مُسَرَّح، أي: مُمَشَّط، ولو لم يُرَجِّله .
كان «رَجُلًا مربوعًا»: وشرحنا معنى المربوع: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير.
«بعيد ما بين المِنكبين»؛ أي: إنه عريضُ أعلى الظهر، وهذه من صفات الجمال والكمال. والمِنْكِب: هو مَجْمَع عَظْم العَضُد. فالنبي في أعلى قامته دون رأسه كان عريضًا ، وهذا من الكمال.
«عظيم الجُمَّة»: هذا من أوصاف الشَّعر، يُقال في الشَّعر: جُمَّةٌ، ووَفْرَةٌ، ولِمَّةٌ.
- والجُمَّة: تكون إذا سقط الشَّعر على المَنْكِبين.
- والوَفْرَة: تكون إذا وصل الشَّعر إلى شحمة الأذن.
- واللِمَّة: بينهما، ينزل الشَّعر عن الأذن ولا يضرب الكتف.
هذه صفاتٌ ثلاثٌ للشَّعر.
وقوله هنا : «عظيم الجُمَّة إلى شحمة أذنيه»: انتبهوا، طبعًا شحمة الأذن -يا إخوة- هي الجزء اللين في أسفل الأذن، وهو موضع الحَلَق من الأنثى.
طيب؛ الآن قال: «عظيم الجُمَّة»، وقلنا: إن الجُمَّة أن يضرب الشَّعر على الكتفين، وقال: «إلى شحمة أذنيه»، وهذه ليست الجُمَّة، وإنما هذه الوَفْرَة؛ فكيف قال هذا؟!
قال بعض العلماء: إن شَعر النبي كان من الجانبين إلى شحمة الأذن، ومن الخلف يضرب على كتفيه ، فمن هنا كان جُمَّةً ووَفْرَةً؛ كان جُمَّةً من جهةِ أنه في الخلف يضرب على كتفيه ، وكان وَفْرَةً من جهةِ أنه كان من الجانبين يصل إلى شحمة أذنيه .
وقال بعض العلماء: إن شَعر النبي أحيانًا يكون جُمَّةً، وأحيانًا يكون وَفْرَةً، وأحيانًا يكون لِمَّةً؛ إن تركه طال حتى ضرب على كتفيه، وإن قصَّره قليلًا ارتفع عن الكتفين وكان تحت الأذن، وإن قصَّره قصَّره إلى شحمة أذنيه، فهذا مُختلِفٌ باختلاف الأحوال.
فالنبي كان شَعره أحيانًا يكون جُمَّة، وكان أحيانًا يكون وَفْرَة، وكان أحيانًا يكون لِمَّةً؛ كما جاء في حديث البراء : «ما رأيت من ذي لِمَّةٍ أحسن في حُلَّةٍ حمراءَ من رسول الله » [9]، وهذا عند مسلمٍ في "الصحيح". والجمع بينها كما ذكرناه. وقلنا: إن شحمة الأذن هي الجزء الرقيق الذي يكون في أسفل الأذن.
قال: «عليه حُلَّة حمراء»: الحُلَّة: ثوبان، قطعتان من إزارٍ ورداءٍ، أو رداء وسروالٍ. وهكذا كانت العرب تلبس في الغالب، كانت ترتدي رداءً وإزارًا، فتَتَّزِر على الأسفل، وكانت أحيانًا تتسرول، فتلبس رداءً وسروالًا؛ فهذا يُسمى حُلَّةً، ولكن لا تُسمى حُلَّةً إلا إذا كان الثوبان من جنسٍ واحدٍ، إذا كان الثوبان من جنسٍ واحدٍ تُسمى حُلَّةً.
حكم لبس الثوب الأحمر للرجل
«حمراء»: فهذا أن النبي لبس ثوبين أحمرين، وقد اختلف العلماء في جواز لبس الرجل الثوب الأحمر؛ اتفقوا على أن للمرأة أن تلبس الثوب الأحمر، واختلفوا في لبس الرجل للثوب الأحمر على أقوالٍ كثيرةٍ، أوصلها بعض أهل العلم إلى ثمانية أقوالٍ.
وسبب الخلاف: ثبوت أن النبي لبس الأحمر، كما في هذا الحديث الذي معنا، وورد النهي عن لبس الثوب الأحمر.
فقد روى النسائي، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: نُهِيتُ عن الثوب الأحمر [10].
وإذا قال الصحابي: "نُهِيتُ" أو "نُهِينا"، فإنه يُحمَل على أن النبي هو الذي نهى، فإنه هو الذي كان ينهى في ذلك الزمان، وقد قال الألباني عن هذا الحديث: "إنه صحيح الإسناد".
وقد جمع بعض العلماء بينهما بوجوهٍ، منها:
- الوجه الأول: أن فعل النبي يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
وفعل النبي قد يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، فيقول قائلٌ: فهل يفعل النبي مكروهًا؟ نقول: في حقِّه ليس مكروهًا؛ لأنه تشريع، لكن فعله يدل على أن النهي للكراهة. - والوجه الثاني: أن لبس الأحمر يَحرُم إذا كان على هيئة لباس الكفار، وهو المُعصفَر.
والمُعصفَر: مصبوغٌ بنبت العُصْفُر، وهو يجعل الثوب أحمرَ قانيًا، وهذا كان يصنعه الكفار في زمن النبي ، فيكون حرامًا. أما إذا لم يكن على هيئة لباس الكفار؛ فيجوز.
فيقولون: الذي فعله النبي ليس على هيئة لباس الكفار، ونهيه إنما هو عن الأحمر الذي يكون على هيئة لباس الكفار خاصةً، فيكون حرامًا. - والوجه الثالث: قالوا: إن المُحرَّم هو الأحمر الخالص الذي لا يُخالطه شيءٌ، أما الذي يُخالطه شيءٌ، كأن تُخالطه نقطٌ بيضاءُ كما في العمامة التي يلبسها كثيرٌ من الإخوة، أو خيوطٌ، أو نقطٌ سوداءُ، أو غير ذلك؛ فإنه يجوز.
فحملوا الأحمر الذي لبسه النبي على غير الأحمر الخالص، وحملوا المنهيَّ عنه أو النهي على لبس الأحمر الخالص.
واختار شيخنا ابن بازٍ رحمه الله جواز لبس الرجل للثوب الأحمر، سواءٌ أكان خالصًا أو مخلوطًا؛ قال: "لأن أدلة الجواز أقوى وأصح، لكن إذا كان الثوب أحمرَ خالصًا، فالأولى تركه خروجًا من الخلاف"، وهذا رأيٌ فيه تحقيقٌ.
من لبس الثوب الأحمر لا يكون مرتكبًا لحرام، لكن الأوْلى له ألَّا يلبس ثوبًا أحمرَ خالصًا؛ خروجًا من خلاف العلماء.
وشيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله اختار ما اختاره ابن القيم وغيره، من أن الأحمر الخالص حرامٌ على الرجل، وغير الخالص جائزٌ للرجل.
قال: «ما رأيتُ شيئًا قطُّ أحسن منه»: هذا أسلوبٌ يدل على نفي المساواة والأحسن، فليس هناك من يُماثِل النبي فضلًا عن أن يكون أحسن منه؛ فالنبي أحسن الناس، فكأنه قال : ما رأيت شيئًا حسنًا في حياتي الماضية، ولا في حياتي الحاضرة، إلا ورسول الله أحسن منه .
مما وَرَدَ في صفة وجهه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هكذا في البخاري. وعند مسلمٍ: قال رجلٌ لجابر بن سَمُرَةَ -الذي عند البخاري المسؤول هو: البراء - وعند مسلمٍ: قال رجلٌ لجابر بن سَمُرَةَ عن رسول الله : وجهه مثل السيف؟ -يعني: هذا سؤالٌ: هل وجهه مثل السيف؟- فقال: «لا، بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا» [12].
فالبراء سُئل: هل كان وجه رسول الله مثل السيف؟ أي: في الصفاء واللمعان والطول؟ فكان طويلًا صافيًا لامعًا، فقال : لا، ليس مثل السيف، بل مثل القمر؛ أي: إنه كان مثل القمر في الاستدارة، والإشراق، والنور الذي يظهر فيه؛ فكان وجه النبي مُستديرًا، مُشرِقًا، مُستنيرًا ، وهذا وصف أجمل الوجوه وأكملها؛ استدارةٌ ليست تامةً، ونورٌ وإشراقٌ. وهذا كان في وجه النبي على وجه الكمال، فكان وجهه مُستديرًا، مُشرِقًا، مُنيرًا .
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، عند البخاري: عن كعب بن مالكٍ قال: «فلمَّا سلَّمت على رسول الله -أي: بعد توبته- وهو يَبْرُقُ وجهه من السرور، وكان رسول الله إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمرٍ» [13].
وعند مسلمٍ: «وكان رسول الله إذا سُرَّ استنار وجهه، كأن وجهه قطعة قمرٍ» [14].
كان وجه النبي منيرًا مُشرِقًا دائمًا، ويزداد النور في وجهه إذا سُرَّ، فإذا حصل له فرحٌ وسرورٌ، فإن وجهه الكريم يزداد نورًا وجمالًا، كأنه قطعةٌ من القمر.
طيب؛ تلحظون أن كعبًا قال: «كأنه قطعةٌ من القمر»، ما قال: كأنه القمر، مع أنه مرَّ معنا أنه كان مثل القمر .
في هذا التعبير إشارةٌ إلى أن النور في وجهه خالصٌ، ليس مثل القمر فيه سوادٌ، فإنك إذا نظرت إلى القمر تجد فيه سوادًا، فقال: كأنه قطعةٌ من القمر، يعني: كأنه القطعة التي فيها النور فقط وليس فيها هذا السواد، فيُشير إلى هذا رضي الله عنه وأرضاه!
وقيل: إن مراده هنا زيادة النور والبهاء في موضع السرور من الوجه، وهو الفم والجبين، فوجه نبيِّنا مُشرِقٌ مُستنيرٌ، فإذا سُرَّ ظهر نورٌ أكثر في مَبْسِمه وعلى جبينه .
مما وَرَدَ في صفة رأسه وقدميه وكفيه ويديه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، عند البخاري: عن أنس قال: كان النبي ضخم اليدين والقدمين، حَسَنَ الوجه، لم أَرَ بعده ولا قبله مثله، وكان بَسِطَ الكفين [15]. ولم أَرَ الحديث عند مسلمٍ.
وتُلاحظون أنه عند البخاري ما وردت جملة «كان ضخم الرأس» [16]، وإنما وردت هذه الجملة من حديث عليٍّ عند الترمذي وأحمد، وصححه الألباني؛ يعني: «كان ضخم الرأس» إنما وردت من حديث عليٍّ ، وليس من حديث أنسٍ ، ولم ترد في "الصحيحين"، وإنما وردت عند الترمذي وأحمد؛ قالا: «كان رسول الله ضخم الرأس»؛ أي: كان النبي عظيم الرأس، ليس رأسه بصغيرٍ .
قال العلماء: وهذا يدل على القوة الدماغية، وهو من صفات أهل الحكمة والسيادة؛ كِبَر الرأس من صفات أهل الحكمة والسيادة، وفيه هيبةٌ لصاحبه، فكان النبي ضخم الرأس.
و«كان ضخم القدمين» [17]؛ أي: مليء القدمين ، والقدم تُطلَق على القدم كلها، على الرِّجْل كلها.
قال: «لم أرَ قبله ولا بعده مثله»؛ أي: لم أَرَ أحدًا ممن رأيتُهم قبله ولا ممن رأيتهم بعده؛ مِثلَه، فهو الأحسن في حُسنه، وكمال خِلقته، وتناسق أعضائه، وقوة بدنه .
والحظوا هنا -يا إخوة- أنه كان ضخم الرأس، ضخم اليدين .
قال: «وكان بَسِطَ الكفين»؛ أي: ممتلئ الكفين ، فكانت أعضاؤه متناسقةً، لم تكن يده ضخمةً وكَفُّه صغيرًا، بعض الناس قد تجد أن يده ضخمةٌ، وإذا سلَّمت عليه تجد أن كَفَّه صغيرٌ، ترى أنه ما يوجد تناسقٌ بين ضخامة اليد والكف، النبي كانت يده ممتلئةً ضخمةً، وكان كَفُّه أيضًا ممتلئًا، بَسِط الكفين .
وكان أيضًا «ضخم اليدين»؛ أي: ممتلئ اليدين، فهذا الحديث يُبيِّن لنا أن النبي كان متناسق الأعضاء، كان متناسب الأعضاء، متناسق الأعضاء ، فكانت أعضاؤه متناسقةً، فكان ذا حُسنٍ وهيبةٍ، وقوةٍ في بِنيته، وتكامُلٍ في هيئته، وتناسقٍ في أعضائه، فكان يجمع في خِلقته بين الجمال والقوة والهيبة، كان النبي يجمع في خِلقته بين الحُسن والقوة والهيبة، هذا الذي يدل عليه هذا الحديث.
مما وَرَدَ في صفة شَعره
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: وهذا لفظ مسلمٍ. وعند البخاري: قال أنس : «وكان شَعر النبي رَجِلًا، لا جَعْدَ ولا سَبِطَ» [19].
قال: «كان شَعِرًا»، شَعِرًا؛ أي: كثير شَعر الرأس واللحية، شَعِرًا: بهذا الضبط؛ أي: كثير شَعر الرأس واللحية. وضبطه بعض العلماء: كان شَعْرًا؛ أي: شَعر النبي كان شَعْرًا، فهو موصوفٌ، شَعْرٌ هنا: موصوفٌ، والصفة التي بعده: على الضبط الأول: شَعِرًا صفةٌ، والموصوف النبي . وعلى الضبط الثاني: شَعْرًا: موصوفٌ، والصفة التي تأتي بعد ذلك.
«كان شَعِرًا رَجِلًا»: هذا مُفسَّرٌ بما بعده؛ أي: ليس بالجعد الذي يتلفلف. وبعض العلماء يقول: يتفلفل، ولا زال الناس يُسمون هذا، يقولون: شَعرُه فِلْفِل.
الجَعْد: هو الذي لا يسترسل، بل يتلفلف كما قلت، بعض العلماء يقول: يتفلفل.
والسَّبِط: هو المسترسل، الناعم، المنبسط.
بعض العلماء عندما جاء يُفسِّر هذا، يعني: أذكر ما قالوا، قالوا: الجَعْد كشعر أهل السُّودة، والسَّبِط كشعر الهنود.
الشاهد: أن الجَعْد: هو الذي لا يسترسل، بل يتلفلف، والسَّبِط: هو المسترسل، الناعم كما نقول اليوم، فشعره كان فيه تكسُّرٌ يسيرٌ، ليس ناعمًا مسترسلًا، بل كان فيه تكسُّرٌ يسيرٌ.
وقال بعض العلماء: رَجِلًا: من الترجيل؛ أي: إن شَعر النبي بطبيعته كأنه مُرَجَّل، ولو لم يُرَجِّله، بطبيعته كأنه مُسَرَّحٌ، كأنه مُمَشَّطٌ، لكنه لا يكون ناعمًا مسترسلًا، بل يكون فيه شيءٌ من التكسُّر في شَعره .
«ليس بالجَعْد»، قلنا: الجعد: الذي يتلفلف ولا يسترسل.
«ولا بالسَّبِط»، السبط: هو الذي يسترسل ويكون ناعمًا.
قال: «بين أذنيه وعاتقه»، هذه ماذا يا إخوة؟ اللِّمَّة، وهذه إحدى صفات شَعر النبي .
مما وَرَدَ في صفة فمه وعينيه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هذا الحديث رواه مسلمٌ، وقد تطلَّبتُه في البخاري في مواطنه ومظانِّه وبعض ألفاظه؛ فما وجدتُه فيه، لكنه عند مسلمٍ.
وفي آخره: قال شعبةُ لسِمَاكٍ: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قال: قلت: وما أَشْكَل العينين؟ قال: طويل شَقِّ العين. قال: قلت: ما مَنْهُوس العقب؟ قال: قليل لحم العَقِب.
فقد كان رسول الله ضليع الفم؛ أي: عظيم الفم، واسعَه، فكان فمه عظيمًا واسعًا ليس بالصغير، والعرب تمدح الرجل بذلك. وقال بعض العلماء: معنى ضليع الفم: أنه كان حَسَن الشفتين، رقيقهما. وقال بعض العلماء: معنى ضليع الفم: كان مُتراصَّ الأسنان، بينها فُرَجٌ يسيرةٌ بين الثنيتين، يعني: ما كانت أسنانه فيها تقدُّمٌ وتأخُّرٌ، كانت أسنانه مُتراصَّةً، وبين الثنيتين من أعلى ومن أسفل فُرْجةٌ، وهذا من صفات الجمال. وقال بعض العلماء: المقصود بضليع الفم: أنه كان فصيح الكلام.
ولا شك أن هذا كله في رسول الله ، لكن الأول أوْلى: أنه كان عظيم الفم، واسع الفم، وهذا قول الأكثر من العلماء.
أَشْكَل العينين: «كان النبي أَشْكَل العينين»، ومعنى أشكل العينين: أن في بياض عينيه حُمرةً يسيرةً، فبياض العين ليس خالصًا، بل فيه حُمرةٌ يسيرةٌ. وهذه من صفات الجمال في العين، من صفات الجمال في العين: أن يكون في بياض العين حُمرةٌ، شيءٌ من الحُمرة. وفسَّره سِمَاكُ بن حربٍ بأنه طويلُ شَقِّ العين؛ أي: إنه واسع العين.
قال بعض العلماء: هذا غير معروفٍ عند العرب، ولم أره لغير سِمَاكٍ. هذا غير معروفٍ عند العرب، يعني: أن الأشهل: هو واسع العينين. قال: ولم أره لغير سِماكٍ. وقال ابن سِيدَه: هذا نادرٌ، يعني: كأنه يقول: موجودٌ لكنه نادرٌ، ولا شكَّ أن سِماكًا من أهل اللغة.
فالظاهر -والله أعلم- أن النبي كان واسع العين، في بياض عينيه شيءٌ من الحُمرة .
وكان النبي «منهوس العقبين»؛ أي: قليل لحم العَقِب، وهذا يدل على القوة والنشاط في المشي. في العَقِب، في آخر القدم من الخلف، كان النبي قليل اللحم، وهذا يدل على قوته في المشي، ونشاطه في المشي.
مما وَرَدَ في صفة لونه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، عن أنسٍ قال: «كان رسول الله ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير»، وهذا قد شرحناه.
«ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم»، كان لون النبي أزهرَ؛ أي: أبيضَ مُستنيرًا، مُستملَحًا، مُشرَبًا بحُمرةٍ، كان وجه النبي أبيضَ، مُشرَبًا بحُمرةٍ، وكان يظهر فيه النور والإشراق في صفاءٍ.
«ليس بالأبيض الأمهق»: الأبيض الأمهق -يا إخوة- هو: الأبيض الخالص المُتألِّق في البياض، قالوا: كبياض الثلج، وبياض الجص، أبيض خالصٌ، وهذا ليس بمُستمْلَحٍ في العين، وتكرهه العرب. فالمقصود: أن النبي ليس بالأبيض شديد البياض خالِصِه، وإنما بياضُه مخلوطٌ بحُمرةٍ مع الصفاء والإشراق.
«وليس بالآدم»، الآدم: هو الأسمر الشديد، فبياضُه بياضٌ مشوبٌ بحُمرةٍ.
قال: «ولا الجعد القَطَط»، يُقال: القَطَط، ويُقال: القَطِط، بفتح الطاء وكسر الطاء، والمراد: ليس شديد جعودة الشعر، وقد تقدَّم بيان هذا.
مما وَرَدَ في صفة كفه ورائحته
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: هذا لفظ مسلمٍ. وعند البخاري: «لا مَسِسْتُ خَزَّةً ولا حريرةً ألينَ من كفِّ رسولِ اللهِ ، ولا شَمِمْتُ مِسْكةً ولا عبيرةً أطيبَ رائحةً من رائحةِ رسولِ اللهِ » [23].
وعنده -أعني: عند البخاري- في حديث آخر: كان النبي أزهرَ اللون [24].
قال: «كان رسول الله أزهرَ اللون»: تقدَّم بيانه، وهو أنه كان أبيض مُشرَبًا بحُمرةٍ، مُشرِقًا مُستنيرًا في صفاءٍ؛ هذا معنى أزهر اللون.
قال: «كان عرقه اللؤلؤ»، أي: إن عَرَقَ النبي كان إذا انحدر كأنه اللؤلؤ في لمعانه وصفائه، وكان النبي كثير العَرَق، وكان العَرَق إذا انحدر منه يُرى كأنه اللؤلؤ في لمعانه وصفائه وبياضه.
«إذا مشى تَكَفَّأ»، يعني: إذا مشى النبي تَكَفَّأ، قال بعض العلماء: أي مال يمينًا وشمالًا بطبعه لا بقصده، يعني: خِلْقته هكذا، كما يقولون اليوم: خِلقةٌ فيها عظمةٌ، هو ما يتقصَّد التعاظم، لكن خِلقته فيها هذه العظمة؛ لأن قصد الميل يمينًا وشمالًا هذا مذمومٌ؛ لأنه من الخُيَلاء، من التعاظم؛ لكن النبي على هذا التفسير كان يميل يمينًا وشمالًا في مَشيه خِلقةً، هكذا خلقه الله على هذه الصفة.
وقال بعض العلماء: معنى يتكفَّأ في مشيه: أنه وهو يمشي يميل إلى الأمام، كأنه مُنصبٌّ من أعلى، فيميل أثناء المشي إلى أمامه.
وقال بعض العلماء: المقصود: أنه يمشي في سَمْتٍ وسكينةٍ ووقارٍ، وكل هذا ظاهرٌ في مِشية النبي ، فإنه كان يمشي في سَمْتٍ وسكينةٍ ووقارٍ، وكان يُرى أنه يميل يمينًا وشمالًا، ويميل إلى الأمام وهو يمشي .
قال: «وما مَسَسْتُ»، ويُضبط أيضًا: وما مَسِسْتُ، كلاهما صحيح: ما مَسَستُ، وما مَسِسْتُ.
«ديباجةً»: قال بعض العلماء: الديباج: هو الثوب المصنوع من الحرير.
«الحرير»: هو الحرير المعروف، سواءٌ أكان مصنوعًا ثوبًا أو غير مصنوع، والديباج: هو الثوب المصنوع من الحرير.
إذن؛ الديباج أَخَصُّ من الحرير؛ لأن الحرير يُطلَق على الديباج وعلى غيره.
وقال بعض العلماء: الديباج: ثوبٌ فيه حريرٌ، ليس من الحرير الخالص، فيه حريرٌ.
قال: «ألينَ من كفِّ رسولِ اللهِ »، انتبهوا -يا إخوة- قلنا: كَفُّ النبي ممتلئةٌ، متناسبةٌ مع يده، ولينةٌ ، فكانت كَفُّه ممتلئةً ليِّنةً.
«ولا شَمَمتُ»، وتُضبط: شَمِمتُ، وكلاهما صحيح: شَمَمتُ وشَمِمْتُ.
«مِسكًا»، المسك: الطِّيب المعروف الذي يُؤخَذ من الغزال، يُستخرَج من الغزال. وقد ثبت عن النبي أنه قال: والمسكُ أطيبُ الطِّيبِ [25].
والعنبرة: الطِّيب المعروف الذي يُستخرَج من الحوت. وضبطها بعض العلماء: ولا عَبِيرةً، يعني: ولا عنبرةً، هذا ضبط الأكثر.
والعنبرة -كما قلنا-: الطِّيب الذي يُستخرَج من الحوت، ضبطها بعض العلماء: ولا عبيرةً بدلًا من عنبرةً. والعبيرة: قال بعض العلماء: هي طِيبُ الزعفران، الطِّيب المصنوع من الزعفران. وقال بعض العلماء: هي طِيبٌ مُخلَّطٌ من أطيابٍ، العبيرة: طِيبٌ مُخلَّطٌ من أطياب.
والمقصود: أنه كان طيب الرائحة ولو لم يتطيَّب، كان أطيب من الطِّيب، رائحته أطيب من الطِّيب، أطيب من المسك، وأطيب من العنبر، ولو لم يتطيَّب؛ ومع ذلك كان يحب الطِّيب، وكان يتطيَّب ، ويحرص على أن يتطيَّب.
وينبغي على المؤمن أن يتأسَّى به ، فإذا كان وهو الطيب الرائحة يتطيب، فمن باب أولى من لم يكن كذلك، ولا سيَّما عند حضور المجامع.
مما وَرَدَ في صفة ثناياه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هذا الحديث رواه الدارمي، وابن شَبَّة، والطبراني في "الكبير"، والبغوي، والضياء في "المختارة"، والترمذي في "الشمائل"، لكن قال الألباني عنه: "ضعيف جدًّا".
وقوله: «كان الرسول أفلجَ الثَّنِيَّتَينِ» يعني: كان مفرَّق الثَّنِيَّتَينِ فرقًا يسيرًا بينهما. والثَّنِيَّتَان: علوية وسفلية، مُقدَّم الأسنان من أسفل ومن أعلى.
«إذا تكلَّم رُؤيَ النورُ يخرجُ من ثناياه»، قال العلماء: يُحتمَل أن يُرَى النور الحقيقي يخرج من ثناياه، فثناياه تبرُق إذا تكلَّم، ويُرَى كالنور فيها. وقال بعض العلماء: المراد بالنور هنا: ما يتكلم به، فإنه يتكلم بالنور.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: هذا الحديث رواه الدارمي، ورجاله ثقاتٌ، غير أن عبدالملك بن عُمَيرٍ راويه عن ابن عُمرَ لم يدرك ابن عُمرَ رضي الله عنهما.
وهذا مثالٌ -يا إخوة- لما يقوله العلماء: إن قول العالم عن حديث: "إن رجاله ثقاتٌ" ليس تصحيحًا له، وإنما حكمٌ على الرجال، فهنا هذا الحديث رجاله ثقاتٌ، لكن فيه انقطاعٌ؛ لأن عبدالملك بن عُمَيرٍ الذي يروي عن ابن عُمرَ هنا لم يُدرك ابن عُمرَ رضي الله عنهما.
قال: «ما رأيتُ أحدًا أنجد»، أي: أمضى رأيًا في شجاعة من رسول الله .
«ولا أجود»: فالنبي كان واسع الجود.
«ولا أشجع»: وكل هذا سيأتي إن شاء الله.
«ولا أضوأ»، أي: لا أحسن ولا أجمل من رسول الله .
طيب عَرَقه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: هذا لفظ مسلمٍ. وعند البخاري عن أنسٍ : «أن أم سُلَيْمٍ كانت تَبْسُط للنبي نِطْعًا، فيَقِيل عندها على ذلك النِّطْع» -هذا فراشها-، قال: «فإذا نام النبي ، أخذت من عَرَقه وشَعْره، فجمعته في قارورةٍ، ثم جمعته في سُكٍّ» [29].
قال أنسٌ : «دخل علينا رسول الله ، فقالَ»؛ أي: دخل علينا في نصف النهار، دخل بيتنا.
«فقال»؛ أي: نام القيلولة. وكيف نُفرِّق بين "قال" من القيلولة، و"قال" من القول؟ بأن نأتي بالمضارع، الذي يكشف الخفاء، أن نأتي بالمضارع؛ فإذا قلنا: قال قيلولةً أو قال يَقِيل، فهذه القيلولة؛ وإذا قلنا: قال يَقُولُ، فهذا القول.
يقول أنسٌ : إن النبي دخل بيتهم، فنام القيلولة في نصف النهار، فعَرِقَ، وكان كثير العَرَق، وكان عَرَقُه طيِّب الرائحة، فجاءت أم سُليم، وقد كانت مَحْرَمًا لرسول الله ، فرأت عَرَق النبي قد تكوَّر على الجلد، اجتمع على الجلد، فجاءت بقارورةٍ -والقارورة كما هو معلومٌ إلى اليوم: إناءٌ من الزجاج-، فشرعت تأخذ العَرَق من مكانه، تجمعه من على الفراش الذي كان من جلدٍ مدبوغٍ.
كيف كانت تجمعه؟ جاء في روايةٍ أخرى عند مسلمٍ: أنها كانت -يعني معنى ذلك: أنها كانت تضع خِرقةً على العَرَق، ثم تعصره في القارورة، تضع خِرقةً على العَرَق، ثم تعصره وتضعه في القارورة.
«فاستيقظ »: جاء في بعض الروايات: «ففَزِعَ النبي »، فَزِعَ هنا ليس بمعنى خافَ، إنما بمعنى: استيقظ، في النوم إذا قيل: فَزِعَ من نومه؛ أي: استيقظ من نومه.
فاستيقظ النبي ، فقال: يا أم سُليم، ما هذا الذي تصنعين وتضعينه في القارورة؟! فقالت: هذا عَرَقُك، جمعتُه في هذه القارورة، ونُضيفه إلى طِيبتنا ليُطَيِّبها، وهو من أطيب الطِّيب.
وأم سُليم رضي الله عنها كان عندها من شَعر النبي عندما حجَّ وحلق رأسه ، فكانت تضع بعض هذا الشعر مع هذا العَرَق، هذا معنى رواية البخاري، ليس المقصود أنها كانت تأخذ من شَعر النبي وهو نائمٌ وتضعه على العَرَق؛ لا، كان عندها من شَعره ، فكانت تضعه مع هذا العَرَق لفائدتين:
- تطييب الطِّيب ليكون أطيب؛ لأن رائحة عَرَق النبي من أطيب الطِّيب، وأطيب من المسك والعنبر، كما تقدَّم.
- والأمر الثاني: للتبرُّك بهذا. وقد جاء في رواية عند مسلمٍ أنها قالت: نرجو بركته لصبياننا، فقال: أصبتِ [30].
وفي هذا التبرُّك بآثار النبي من شَعر وعَرَق ونحو ذلك، لا شكَّ أن في هذا بركةً، وأنه يُتبرَّك به. لكن هل بقي من آثار النبي شيءٌ حتى يُتبرَّك به؟
الجواب: لا. وما يُذكَر من وجود بعض آثار النبي من شَعرٍ ونحو ذلك، إنما هو على سبيل الظن الضعيف البعيد، إنما هو على سبيل الظن عند أصحابه، إن لم يكونوا كَذَبةً؛ إما كَذَبةٌ يجمعون الأموال من الناس، وإما على سبيل الظن الضعيف البعيد؛ فلا يجوز الاعتماد على مثل هذا، ولا تجوز حكاية هذا.
لا يجوز أن يُقال مثلًا: إن رجلًا من الأشراف عنده من شَعر النبي ، ويُعتِّق هذا الشعر في دهن الورد، ثم يُوزِّعه على أحبابه يتبرَّكون به، هذا ما يجوز أن يُقال، ولا يجوز أن يُنشَر بين الناس، ولا يجوز أن يُعتمَد عليه في هذه مسألة الخطيرة العظيمة.
وقد قال الشيخ الألباني رحمه الله : "نحن نعلم أن آثار النبي من ثيابٍ أو شَعرٍ أو فضلاتٍ قد فُقدَت، ليس بإمكان أحدٍ إثبات وجود شيءٍ منها على وجه القطع واليقين" [31]. ما يجوز أن يُتبرَّك بآثار النبي إلا إذا ثبت على وجه القطع واليقين، وهذا لا يُمكِن في زماننا.
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "لم يبقَ من آثار رسول الله شيءٌ، لا من ملابسه، ولا من شَعره عليه الصلاة والسلام"، وذكر -حفظه الله- أن القول "إن هناك شيئًا من شَعره" خرافاتٌ، ولا شكَّ في هذا، ولا يجوز اعتماد هذا حتى على سبيل الظن، حتى على أن تقول: الله أعلم، لكن هكذا جاءنا ونحن نستعمله، هذا لا يجوز.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هذا الحديث رواه الدارمي، وقال الألباني رحمه الله عن إسناد الدارمي: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ".
أقول هذا لأن المُحشِّي ذكر: صححه الألباني في "الصحيحة"، والألباني عندما ذكره في "الصحيحة" في أثناء الكلام قال عن إسناد الدارمي: "وهذا إسنادٌ ضعيفٌ"، والذي ذكره في "الصحيحة" لفظ: «كان رسول الله يُعرَف بريح الطيب إذا أقبل»، وهذا شيءٌ آخر، وقد ذكر للحديث طُرقًا كلها ضعيفةٌ، لكن وصل الشيخ بالمجموع إلى أن الحديث بمجموع طُرقه حَسنٌ، يعني: باللفظ الذي أثبته.
ولا شك أن عَرَق النبي كان طيب الرائحة، ولو مرَّ النبي من مكانٍ، فإنه سيُشَمُّ معه ريح الطِّيب؛ لأنه يتطيَّب، وتُشَمُّ معه رائحة عَرَقه، وهي من أطيب الطِّيب.
مما وَرَدَ في صفة كلامه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هذا الحديث رواه الآجري في الشريعة، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. وفيه ضعفٌ، لكن له طُرقٌ يشُدُّ بعضها بعضًا.
قالت: «رأيتُ رجلًا ظاهرَ الوَضَاءة»، يعني: ظاهر الحُسن، فهو وَضِيءٌ.
«حلوَ المنطق»: فكان النبي عذب المنطق.
«فَصْلٌ»: فكان كلامه فصلًا، لا قليلًا يدل على عِيٍّ وعجزٍ، ولا كثيرًا تكثُر فيه السقطات. فالعرب كانوا يذمُّون قليل الكلام ويقولون: إنه عَيِيٌّ ما يستطيع أن يُعبِّر، ويذمُّون كثير الكلام ويقولون: من كَثُرَ كلامُه كَثَرُ سَقْطُه.
فكان النبي في كلامه فصلًا؛ لا بالمِهْدَار كثير الكلام، ولا بالصَّمُوت عند الحاجة إلى الكلام .
«لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ»: لا نَزْرٌ: الكلام القليل، والهَذَر: الكلام الكثير. وكان يَفصِل بين كلامه، ويُميِّز كلامه عن بعضٍ، فتظهر فيه الحروف والكلمات مع تتابُعٍ.
من صفة النبي : أنه كان إذا تكلَّم أسمع ما يقول، فكانت الكلمات ظاهرةً مميَّزةً، والحروف ظاهرةً؛ فلا يقول كلمةً ويسكت، ثم يقول كلمةً ويسكت، بل يتتابع في كلامه، يتبع بعضه بعضًا مع فصلٍ وتمييزٍ؛ هذا معنى قولها: «كأنَّ مَنطِقَه خَرَزاتُ نَظْمٍ يَتحَدَّرْنَ». خَرَزات النظم -يا إخوة- هي: حبات اللؤلؤ، إذا سُلِكَت وجُمِعَت في سلكٍ واحدٍ، فإنها تكون جميلةً، حلوةً متميزةً، تتميز كل حبةٍ عن الأخرى، وإذا حُرِّكَت تتابعت، وهذا وصف كلام رسول الله .
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هذا الحديث رواه الدارمي، وابن أبي عاصمٍ في الآحاد، والطبراني في الأوسط والكبير، والبيهقي في شُعب الإيمان؛ وهو حديثٌ ضعيفٌ، ضعيف الإسناد، تفرَّد به عبدالله بن موسى التيمي، وهو صدوقٌ كثيرُ الخطأ، عن شيخه أسامةَ بن زيدٍ، وهو شيخٌ يَهِم، فالحديث ضعيفٌ.
وقد تقدَّم أن النبي كان حَسن الوجه، مُستديرًا، مُنيرًا، كأنه الشمس والقمر .
مما وَرَدَ في كمال صفاته الخُلُقية
القارئ: قال رحمه الله:
مما وَرَدَ في شجاعته
الشيخ: نعم، هذا لفظ مسلمٍ، وأضاف إليه الشيخ جملةً من عند البخاري ليست عند مسلمٍ، وهي: «وقد استبرأ الخبر»، هذه الجملة جاءت عند البخاري.
وفي آخر الحديث عند مسلمٍ: «وكان فرسًا يُبطَّأ»، ليس فيه: «وكان الفرس قبل ذلك بطيئًا، فعاد لا يُجارَى». فعند مسلمٍ: «وكان فرسًا يُبطَّأ» [36]، وعند البخاري في روايةٍ: «فكان بعد ذلك لا يُجارَى» [37]، وعند البخاري أيضًا في روايةٍ أخرى: «فما سُبِقَ بعد ذلك اليوم» [38].
هنا شرع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في نقل بعض ما نُقِل في كمال خُلُق النبي وصفاته المعنوية.
قال أنسٌ : «كان رسولُ اللهِ أحسنَ الناسِ»، فكان أكمل الناس في خَلْقه وخُلُقه، كان أحسن الناس في كل شيءٍ، ما قُورِن به أحدٌ إلا فاقه ، كان أحسن الناس في كل شيءٍ.
«وكان أجود الناس»: كان كثير العطاء، باذلًا للناس ما يَقدر عليه من الخير.
«وكان أشجع الناس»: قلبًا وعملًا، مقدامًا مع ثباتٍ عند اللقاء، كان مقدامًا ، قوي القلب، مع ثباتٍ عند اللقاء.
وهذه الثلاث فيها الكمال في أمهات الأخلاق، فإن العلماء يقولون: إن الإنسان فيه ثلاث قوًى:
- الأولى: القوة الغضبية، وكمالها في الشجاعة.
- وثانيها: القوة الشهوانية؛ أي: الإرادية، وكمالها في الجود.
- والثالثة: العقلية، وكمالها في الحكمة.
ثم يضرب أنسٌ مثالًا لشجاعته ، قال: «ولقد فَزِعَ أهل المدينة ذات ليلةٍ»؛ أي: خاف أهل المدينة ذات ليلةٍ؛ لأنهم سمعوا صوتًا، فخافوا من مُباغَتة العدو، سمعوا صوتًا أفزعهم فخافوا من مُباغَتة العدو، «فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت»؛ أي: انطلق ناسٌ من الصحابة من أهل المدينة جهة الصوت ليعرفوا الحال، فتلقَّاهم رسول الله راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت؛ أي: استقبلهم رسول الله راجعًا من جهة الصوت، وقد سبقهم إلى الصوت وحده، فاست
| ^1 | رواه مسلم: 2832. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 2266. |
| ^3 | رواه البخاري: 6203، ومسلم: 2150. |
| ^4 | رواه البخاري: 3549، ومسلم: 2337. |
| ^5 | رواه البخاري: 3549. |
| ^6, ^7, ^9 | رواه مسلم: 2337. |
| ^8 | رواه البخاري: 3551. |
| ^10 | رواه النسائي: 5266، وصححه الألباني في (صحيح سنن النسائي). |
| ^11 | رواه البخاري: 3552. |
| ^12 | رواه مسلم: 2344. |
| ^13 | رواه البخاري: 3556. |
| ^14 | رواه مسلم: 2769. |
| ^15 | رواه البخاري: 5907. |
| ^16 | رواه الترمذي: 3965، وأحمد: 684، وصححه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية. |
| ^17 | رواه البخاري: 5908. |
| ^18 | رواه مسلم: 2338. |
| ^19 | رواه البخاري: 5906. |
| ^20 | رواه مسلم: 2339. |
| ^21 | رواه البخاري: 3548، ومسلم: 2347. |
| ^22 | رواه مسلم: 2330. |
| ^23 | رواه البخاري: 1973. |
| ^24 | رواه البخاري: 3547. |
| ^25 | رواه مسلم: 2252. |
| ^26 | رواه الترمذي في مختصر الشمائل المحمدية: 13، والدارمي في مسنده: 59، والطبراني في المعجم الكبير: 12181، والبغوي في شرح السنة: 3644، وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع: 4463. |
| ^27 | رواه الدارمي: 60. |
| ^28 | رواه البخاري: 6281، ومسلم: 2331. |
| ^29 | رواه البخاري: 6281. |
| ^30 | رواه مسلم: 2331. |
| ^31 | التوسل، للألباني ص144 |
| ^32 | رواه الدارمي: 67، وقال عنه الألباني: إسناده ضعيف في (السلسلة الصحيحة: 5/ 169). |
| ^33 | رواه الآجري في الشريعة: 1020، والطبراني في المعجم الكبير: 3605، والحاكم في المستدرك: 4318 وقال: صحيح الإسناد. |
| ^34 | رواه الدارمي: 61، وابن أبي عاصمٍ في الآحاد والمثاني: 3335، والبيهقي في شُعب الإيمان: 1354، والطبراني في المعجم الأوسط: 4458، وفي المعجم الكبير: 696. وقال عنه الألباني: "في إسناده عبدالله بن موسى التيمي المدني؛ قال الحافظ: صدوقٌ كثيرُ الخطأ" في هداية الرواة: 5730. |
| ^35 | رواه البخاري: 2908، ومسلم: 2307. |
| ^36 | رواه مسلم: 2307. |
| ^37 | رواه البخاري: 2867. |
| ^38 | رواه البخاري: 2969. |