- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "كان طويل الصَّمت، قليل الضحك.." (3)

جدول المحتويات
الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أقول: علمنا أن النبي كان إذا صلَّى الفجر ثبت في مُصلَّاه، وبقي في مُصلَّاه حتى تطلع الشمس [1]، ولم يرد عنه من فعله أنه كان يُصلي ركعتين عقب ذلك، لكن ثبت حثُّه وترغيبه على صلاة ركعتين إذا حلَّت الصلاة [2]، وقد بَيَّنَّا هذا في شرحنا على "صحيح الترغيب والترهيب".
وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يكونون جالسين في المسجد، ويتحدثون في أمر الجاهلية فيضحكون، وكان النبي لا يزيد على أن يتبسم [3]، وهذا من كمال حُسن سَمْتِه كما تقدم.
نعم.
مما ورد في صفة صَمْتِه وضَحِكِه
القارئ: قال رحمه الله تعالى:
الشيخ: نعم، وهذه الرواية عند الإمام أحمد في "المسند"، وصححها الألباني، رحم الله الجميع.
فمن صفات النبي : أنه كان طويل الصمت.
النبي كان كثير الذكر، وكان طويل الصمت، ولا يتحدث في أمر الدنيا إلا قليلًا ، وكان قليل الضحك، وما كان يضحك حتى يفتح فاه ، بل كان يتبسم.
ولربما تكلم الصحابة رضوان الله عليهم عنده في أمور الجاهلية أو الشعر أو القصص ونحو ذلك، فيضحكون، وكان لا يزيد على أن يتبسم.
نعم.
مما ورد في خدمته لأهله وقيامه بحاجة نفسه
القارئ: قال رحمه الله تعالى:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح البخاري"، وفيه أن أُمَّنا عائشة رضي الله عنها لما سألها الأسود: "ما كان رسول الله يصنع في أهله؟" يعني: ما كان يصنع في بيته؟ أراد أن يعرف ما كان النبي يصنع وهو في داخل بيته، وهو رسول الله .
فأخبرته أُمُّنا عائشة رضي الله عنها: أنه كان في بيته "يكون في مهنة أهله" أي: أنه يُعِين أهله، ويقوم بخدمة أهله في بيته ، فإذا حضرت الصلاة خرج كأنه لا يعرفهم، ولا يشتغل بهم.
فكان رفيقًا بأهله، لطيفًا مع أهله، حُلو المُعاشرة لأهله ، فكان يخدم أهله، ويُعين أهله في بيته .
ولا شكَّ أن هذا من الكمال في الرجل، ومن الكمال في الزوج، وليس نقصًا في الرجل أن يُعين زوجته، أو يُساعد زوجته، أو يقوم بخدمة أهله في بيته، لكنه لا ينشغل بهم عن حقِّ الله ، فإذا حضرت الصلاة انشغل بالصلاة، فإن في الصلاة شُغلًا، وهذا من كمال لُطْفِه، وحُلو مُعاشرته لأهله، ورِفْقه بأهل بيته.
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني، رحم الله الجميع.
فقد سأل رجلٌ عائشة رضي الله عنها عن النبي : هل كان يعمل في بيته؟ فقالت: كان يقوم بحاجة نفسه، فكان يَخْصِف نَعْلَه، ويُصلح نَعْلَه ، ويَخِيط ثوبه إذا احتاج إلى خياطةٍ بنفسه، وفوق هذا يعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، فيكون مع أهله، ويُلاطف أهله، ويخدم أهله ، فكان يقوم بحاجته، ولا يطلبها من أهله غالبًا، ومع ذلك كان يُعينهم ويتلطف بهم، وهذا من كمال خُلُقه، وشريف عمله .
نعم.
مما ورد في تواضعه في معاشه ومَظْهَره
القارئ: قال رحمه الله:
وروى مسلمٌ في "صحيحه" عن أنسٍ قال: ما رأيتُ أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله [8].
وروى عنه البخاري قال: مَرَّ رسول الله على صبيانٍ فسلَّم عليهم [9].
الشيخ: نعم، هذه تكررت من النَّاسخ.
نعم.
مما ورد في زُهْدِه في الطعام
القارئ: قال:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح مسلم"، وفيه تُخبر أُمُّنا عائشة رضي الله عنها عن زهد النبي وقِلَّة مُبالاته بالدنيا وتواضعه ، فتقول: "ما شبع رسول الله ثلاثة أيامٍ من خُبز بُرٍّ تِبَاعًا" أي: أنه ما أكل خبز بُرٍّ حتى يشبع ثلاثة أيامٍ مُتتابعة "حتى مضى لسبيله" حتى مات .
فكان في أغلب الأيام إنما يأكل التمر ويشرب الماء، كان في أغلب أيامه إنما يأكل التمر مع قِلَّته، ويشرب الماء، وقلَّ أن يأكل خبيزًا، وما شبع من خبز بُرٍّ ثلاثة أيامٍ تِبَاعًا حتى مات .
نعم.
القارئ: قال رحمه الله تعالى:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث رواه الشيخان، وهذا اللفظ أقرب إلى لفظ البخاري، رحمه الله.
قالت أُمُّنا عائشة رضي الله عنها: "كنا آل محمدٍ يَمُرُّ بنا الهلال والهلال" أي: يَمُرُّ بنا الشهر والشهر، يعني: يَمُرُّ الشهر والشهران، وجاء في بعض الروايات: "والثلاثة".
"وما نُوقِد بنارٍ لطعامٍ" ما تُوقَد النار لطبخ الطعام في بيت النبي الشهر كله، بل ويُضاف مع الشهر شهرٌ، بل وقد يُضاف مع الشهرين شهرٌ، فلا يُؤْكَل طعامٌ مطبوخٌ في بيت رسول الله ، وإنما طعامهم التمر والماء.
وقلنا: إن هذا هو الأغلب في حياة النبي مع قِلَّة التمر، فلم يكن التمر كثيرًا في بيته .
وحول بيت النبي دورٌ من الأنصار عندهم شِيَاهٌ يَفْرِزُون لبن بعضها، أي: يُميزونه لرسول الله ، ويُرسلونه إلى رسول الله ، فكان النبي يشرب من ذلك اللبن.
وفي هذا كمال زُهْدِه ، وعدم مُبالاته بالدنيا، مع كمال جُوده ، فإن هذا ما كان من قِلَّةٍ، وإنما كان عن كثرة الجود منه ، مع زُهْدِه وقِلَّة مُبالاته في الدنيا.
نعم.
القارئ: قال رحمه الله تعالى:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح البخاري"، وفيه يُخبر أنسٌ خادم رسول الله : أن رسولنا "ما رأى رغيفًا مُرَقَّقًا" أي: رقيقًا، ما يُسمَّى بخبز الرِّقاق، ما رأى رغيفًا مُرَقَّقًا مصنوعًا له حتى لحق بالله، ولا رأى شاةً مشويةً بعينه حتى مات .
وفي هذا -كما قلنا- كمال جوده ، وكمال تواضعه، وكمال زُهْده، وكمال عدم مُبالاته بهذه الدنيا، فما كان يرغب منها إلا فيما يُقويه على طاعة الله .
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح البخاري"، وفيه تواضع النبي عند أكله، وقِلَّة مُبالاته بالدنيا، وكمال زُهْده .
قال أنسٌ : "ما أكل رسول الله على خِوَانٍ"، والخِوَان: مائدةٌ تُرفع عن الأرض، يعني: يأكل عليها المُتكبرون حتى لا يميلوا إلى الطعام.
والأكل على الخِوَان جائزٌ، لكن الكمال في تركه كما كان النبي يفعل.
"ولا في سُكُرُّجَة" والسُّكُرُّجَة -يا إخوة- إناءٌ صغيرٌ ضيقٌ.
قالوا: الأكل فيه يدل على البُخل، فالبخيل كي لا يأكل معه أحدٌ يضع الطعام في إناءٍ صغيرٍ؛ لأن مَن رأى طعامه في إناءٍ صغيرٍ يستحي أن يأكل معه، فالأكل في مثل هذا الإناء الصغير الضيق يدل على البُخل.
"ولا خُبِزَ له مُرَقَّقٌ" يعني: لا خُبِزَ له الخُبز المُرَقَّق، الرِّقاق، وكما عرفنا قبل قليلٍ: ما رأى خبزًا مُرَقَّقًا حتى مات.
فقيل لأنسٍ : على ما كانوا يأكلون؟
"على ما كانوا" مَن هم هؤلاء؟
قال بعض العلماء: أي: الرسول وأصحابه على ماذا يأكلون؟
ما دام أنه ما كان يأكل النبي على خِوَانٍ، أو ما كان الصحابة يأكلون.
عرفنا أن النبي ما كان يأكل على خِوَانٍ، الصحابة على ماذا كانوا يأكلون؟
فقال: "على السُّفَر"، السُّفْرَة -يا إخوة- أصلها إناءٌ من جلدٍ يُوضَع فيه الطعام، ثم صار يُطلق على جلدٍ يُوضَع عليه الطعام، يُوضَع على الأرض، ويُوضَع عليه الطعام، ثم صار يُطلق على كل ما يُوضَع على الأرض ويُوضَع عليه الطعام، سواءٌ كان من جلدٍ أو غير ذلك.
أي: أن النبي والصحابة في زمنه كانوا يأكلون على الأرض، فكانوا يضعون السُّفْرَة، ويضعون عليها الطعام.
وفي هذا البُعْد عن الكِبْر، والبُعْد عن الرغبة الكثيرة في الأكل.
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب ، وقد ذكر ذلك على المنبر، وذكَّر الناس بما فتح الله عليهم من سعة الرزق، وقال: "لقد رأيتُ رسول الله يَتَلَوَّى يومه من الجوع"، يتلوى في يومه كله من الجوع، ما يجد ما يأكله، ما يجد حتى التمر الرَّديء، ما يجد حتى التمر اليابس ليأكله .
وكما قلنا: لم يكن هذا من قِلَّةٍ، وإنما كان من جودٍ مُذْهِبٍ ، وكان -كما قلنا- في غاية الجود، وفي غاية الزهد.
وينبغي لنا -يا إخوة- دائمًا أن نتذكر هذه القضية؛ لأن مَن عاش في النعمة قد يَمَلُّها، ويطلب غيرها، فلا يُحَصِّل غيرها، ولا يُبْقِيها، وقد لا يرى قيمتها فلا يشكرها، فينبغي أن نتذكر الأحوال.
نحن في هذه البلاد قبل سنين ليست طويلةً كان الناس لا يجدون إلا قليلًا، لا يجدون من الأرزاق إلا قليلًا، حتى إن أبي رحمه الله حدَّثني أنه مشى من المدينة إلى مكة تسعة أيامٍ؛ لأنه ذُكِرَ له أن في المَسْعَى عملًا يُعطى به العامل نصف ريالٍ في اليوم، فمشى من المدينة إلى مكة من أجل نصف ريالٍ في اليوم.
يقول: وأعطتني أُمي صُرَّةً فيها تمرٌ.
قال: فكنتُ آكل قليلًا من التمر في يومي، وأضع النَّوى في الصُّرَّة.
قال: لأني أعلم أن التمر ما يكفيني لأصل إلى مكة، ثم صِرْتُ في آخر الحال أَدُقُّ النَّوى دَقًّا على الصخر، وأَسُفُّه بالماء.
واليوم -الحمد لله- نحن في نعمةٍ عظيمةٍ، فقيرنا اليوم غنيٌّ بالنسبة لأمس.
فكان عمر يُذَكِّر الناس من أجل أن يشكروا الله على النعمة.
وفي ذلك: أن النبي كان زاهدًا في الدنيا، ما كان جَمَّاعًا لها، وما كان مُتَطَلِّبًا لها .
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح البخاري" يحكي فيه أنسٌ حال بيوت النبي من جهة الطعام، وأنه مشى إلى النبي بِخُبْز شعيرٍ.
وخُبز الشعير هو أَرْدَأ أنواع الخُبز، حتى إن بعض الناس يضعونه للدواب، ما يأكلونه.
"وإِهَالَة سَنِخَة" يعني: أنه شحمٌ مُذَابٌ، وقد تغيرت رائحته.
وأن النبي رهن درعه عند يهودي، وأخذ لأهله شعيرًا، وهو من أَرْدَأ الحبوب التي تُصنع للطعام.
قال: "ولقد سمعتُه يقول: ما أمسى عند آل محمدٍ صاع بُرٍّ، ولا صاع حَبٍّ" ولذلك يحتاج إلى الشعير، فأخذ صاعًا من شعيرٍ من يهودي.
"وإنهم يومئذٍ تسعة أبياتٍ" يعني: في كل أبيات النبي ما كان يوجد بُرٌّ ولا حَبٌّ، وأخذ لهم النبي صاعًا من شعيرٍ من عند يهودي، ورهن درعه عنده، ومات ودرعه مرهونةٌ عنده.
نعم.
مما ورد في زُهْده في اللباس والمسكن
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث عند البخاري، وكذلك رواه مسلم، تحكي عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن فراش رسول الله كان من جلدٍ، وكان مَحْشُوًّا بالليف، فهو مَحْشُوٌّ من داخله بالليف.
هذا الفراش الذي كان ينام عليه النبي ، وفي هذا كمال زُهْده ، وعدم رغبته في الدنيا.
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
وفي روايةٍ: أَوَمَا ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ قال: بلى. قال: فالحمد لله ، قال: فقلتُ: أستغفر الله [17].
الشيخ: نعم.
هذا الحديث في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب لما ذكر اعتزال رسول الله نساءه، والنبي اعتزل نساءه شهرًا، واعتزلهنَّ في مكانٍ؛ لأنه اعتزل جميع نسائه.
فدخل عليه عمر في خزانته، أي: في الموضع الذي اعتزل فيه نساءه ، "فإذا هو مُضْطَجِعٌ على حصيرٍ" الحصير معلومٌ، وهو ما يُصْنَع من سَعَف النَّخل ونحو ذلك.
"فأدنى إليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثَّر بجنبه" أثَّر في جنبه .
قال عمر : "وقَلَّبْتُ عيني في بيته" أي: في خزانته، أي: في المكان الذي هو فيه، "فلم أجد شيئًا يردُّ البصر" لم أجد شيئًا يُرَى في البيت "غير قبضةٍ من شعيرٍ، وقبضةٍ من قَرَظٍ" القَرَظ: ما يُدْبَغ به الجلد "نحو الصَّاعين" يعني: حَبًّا ليس بالجيد، وقَرَظًا إنما يُستعمل في الدِّباغ.
"وإذا أَفِيقٌ مُعلَّقةٌ" يعني: إذا إناءٌ من جلدٍ لم يتم دباغه.
"فَابْتَذَرَتْ عيناي" أي: بكى عمر وخرج الدَّمع من عينيه، فقال رسول الله : "ما يُبْكِيك يا ابن الخطاب؟ قال: فقلتُ: يا رسول الله، وما لي لا أبكي، وأنت صفوة الله ورسوله وخِيرَته من خلقه، وهذه خزانتك؟!" وهذا حالها، وهذا ما فيها، "وهذه الأعاجم -كِسْرَى وقَيْصَر- في الثِّمار والأنهار؟!" يتقلَّبون فيها، فقال: أَوَفِي شَكٍّ أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا أولئك أرادوا الدنيا، ورضوا بالدنيا؛ فَعُجِّلَتْ لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا.
وفي الرواية الأخرى: أَوَمَا ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ قال: بلى. قال: فالحمد لله ، الرسول يحمد الله على هذا الحال، حيث جعل الله الآخرة لأهل الإيمان، وجعل لأهل الدنيا ما شاء أن يُعطيهم من الدنيا، فقال عمر : "أستغفر الله".
في هذا كمال زُهْدِه .
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: وهذا أيضًا في الصحيحين، فكان النبي يدعو بهذا الدعاء: اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قُوتًا أي: ما يكفيهم ليقتاتون به، وهو الكفاف الذي يكفي الإنسان ويُغْنِيه عن الحاجة، وقد أفلح مَن أسلم، ورزقه الله كَفَافًا، وقَنَّعه بما آتاه، وهذا شأن النبي .
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم.
هذا الحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ قال: "اضطجع النبي على حصيرٍ"، ومعلومٌ أن الحصير يُؤثر فيمَن ينام عليه، قال: "فأثَّر الحصير بجلده"، قال: "فجعلتُ أمسحه عنه" يمسح أثر الحصير عن جلده ، "وأقول: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله، ألا آذنتنا" أي: أَعْلَمْتَنا "فنبسط لك شيئًا يَقِيك منه" يعني: نبسط لك شيئًا فوق الحصير من جلدٍ أو قماشٍ "يَقِيك منه تنام عليه"، فقال : ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ أي: مُسافر يسير في الطريق استظلَّ تحت شجرةٍ، ثم راح وتركها.
فهذا نظر النبي للدنيا، وفيه كمال زُهْده ، ورغبته في الآخرة .
نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
وفي الترمذي عن أنس بن مالكٍ قال: حجَّ النبي على رَحْلٍ رَثٍّ وقطيفةٍ [21].
الشيخ: نعم.
هذا الحديث عند الترمذي في "الشمائل" عن أنس بن مالكٍ قال: "حجَّ النبي على رَحْلٍ رَثٍّ وقطيفةٍ" القطيفة: كساءٌ غليظٌ.
كان النبي في حَجِّه على بعيرٍ، وكانت له زاملةٌ، أي: بعير يضع عليه متاعه، وكان هذا البعير عليه رَحْلٌ رَثٌّ، ليس بجيدٍ، وعليه قطيفةٌ غليظةٌ، فكان النبي يركب عليه أحيانًا وهو مُحْرِمٌ ذاهبٌ إلى الحجِّ .
نعم.
القارئ: قال:
الشيخ: نعم.
هذا في "صحيح البخاري": أن أنسًا حجَّ على رَحْلٍ رَثٍّ، ولم يكن ذلك من شُحٍّ فيه، لكنه رأى النبي فعله ففعل من حرصه على اتِّباع النبي .
"وحدَّث: أن النبي حجَّ على رَحْلٍ، وكانت زاملته" يعني: حجَّ على رَحْلٍ رَثٍّ، وعلى قطيفةٍ غليظةٍ كانت على زاملته، وقلنا: إن الزَّامل هو البعير الذي يُوضع عليه المتاع.
نعم.
مما ورد في كمال زُهْده وتواضعه
القارئ: قال رحمه الله تعالى:
الشيخ: هذا الحديث رواه ابن ماجه والحاكم، وحكم الألباني عليه بأنه ضعيفٌ جدًّا، وهو كما قال، فالحديث ضعيفٌ جدًّا، لكن يُغْنِي عنه ما تقدم، فإن النبي كان شديد التَّواضع، شديد الزهد ، وكان يأكل خبز الشعير -كما تقدم- وكان يأكل الخَشِن، وهو غليظ الشعير، وخُبز الشعير أصلًا حتى لو خُبِزَ لا يُستساغ إلا بالماء، وكذلك شأن الشَّعير.
والمقصود أنه كان من كمال زُهْد النبي في الدنيا، وكمال رغبته في الآخرة .
هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للدلالة على كمال النبي في صفاته الخَلْقِية والخُلُقية، وهو الكمال الدال على صحة نبوته ، ولم يستوعب شيخ الإسلام كلَّ ما نُقِلَ في هذا الشأن، لكنه ذكر ما يكفي لإقامة هذا البرهان العظيم على رسالة نبينا ، وصدقه في رسالته .
وأعود وأقول: إن حال النبي ينبغي أن نتعلمه، وأن نُعلِّمه، وأن نُعلِّم أهلنا وأولادنا كيف كان النبي في صفاته الخَلْقية، وفي صفاته الخُلُقية؟ وكيف كان في أحواله؟
فإني كثيرًا ما أقول: إن المسلمين لو تعلموا سيرة النبي وسُنة النبي لعاشوا حياةً طيبةً، واندفعتْ عنهم المشاكل، أو قَلَّت المشاكل، فإن في حياة النبي الأُسوة الطيبة للمؤمنين والمؤمنات.
أسأل الله أن يزيدنا حبًّا لنبينا على الوجه الذي يريده ربنا ، وأن يجعلنا ممن يحرصون على التَّأسي به .
وبهذا نكون قد أَتْمَمْنَا مُرادنا في هذا اليوم من شرح هذه الرسالة المُختصرة، وغدًا -إن شاء الله - نُكمل شرح مَنْسَك شيخ الإسلام ابن تيمية، أي: القسم الذي يتعلق بزيارة المدينة، فقد فرغنا مما يتعلق بالحجِّ ومكة، وبقي معنا القسم الذي يتعلق بزيارة المدينة، وهو مُناسبٌ جدًّا، فنقرأه غدًا -إن شاء الله- ونشرحه.
والله تعالى أعلى وأعلم.
وصلى الله على نبينا وسلم.
| ^1 | رواه مسلم: 670. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 618، ومسلم: 723. |
| ^3 | رواه مسلم: 2322. |
| ^4 | رواه أحمد: 20810، والبيهقي في "السنن الكبرى": 13469، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 4822. |
| ^5 | رواه البخاري: 676. |
| ^6 | رواه أحمد: 25341، وابن حبان: 7327، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 6406. |
| ^7 | رواه أبو داود الطيالسي: 2262. |
| ^8 | رواه مسلم: 2316. |
| ^9 | رواه البخاري: 6247، ومسلم: 2168. |
| ^10 | رواه مسلم: 2970. |
| ^11 | رواه بهذا اللفظ البيهقي في "السنن الكبرى": 13441، والحديث في الصحيحين بلفظٍ مُقاربٍ: رواه البخاري: 2567، ومسلم: 2972. |
| ^12 | رواه البخاري: 5421. |
| ^13 | رواه البخاري: 5415. |
| ^14 | رواه مسلم: 2978 باختلافٍ يسيرٍ. |
| ^15 | رواه البخاري: 2069. |
| ^16 | رواه البخاري: 6456، ومسلم: 2082. |
| ^17 | رواه البخاري: 4913، ومسلم: 1479. |
| ^18 | رواه البخاري: 6460، ومسلم: 1055. |
| ^19 | رواه الترمذي: 2377، وأحمد: 3709، وأبو داود الطيالسي في "مسنده": 275، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3282. |
| ^20 | رواه الحاكم في "مستدركه": 8094، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3283. |
| ^21 | رواه الترمذي في "الشمائل": 317، وابن ماجه: 2890، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1122. |
| ^22 | رواه البخاري: 1517. |
| ^23 | رواه ابن ماجه: 3348، والحاكم في "مستدركه": 8162، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب": 1262. |