- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
من قوله: "فهذه رسالة مختصرة في بيان حق ولاة الأمور .." (1)

جدول المحتويات
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن شاء الله نقرأ من كتاب شيخنا رحمة الله عليه، تغمده الله برحمته ورفع درجاته، محمد بن عبدالله بن السُّبَيِّل، كتاب "الأدلة الشرعية في بيان حق الراعي والرعية"، كما قرر الإخوة الذين هم على رأس التوجيه، أقامهم الله وأدامهم، ووفقهم ونصرهم، فيما يأتون ويذرون، وجزاهم الله خيرًا، يُفكِّرون كل يوم فيما فيه خيرٌ لنا جميعًا، طلبة العلم وللناس عامة.
فنقرأ إن شاء الله من هذا الكتاب، ندعو الله تعالى أن يكون مباركًا لنا في استزادة علمنا، وكذلك في العمل بما جاء فيه، وما جاء الشيخ بشيءٍ من عند نفسه، إنما من كتاب الله وسنة رسوله ، وأقوال السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. نعم.
مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم.
القارئ: اللهم اغفر لنا، ولوالدِينا، ولشيخنا ولوالدِيه، ولمشايخه، وللحاضرين.
قال الشيخ محمد بن عبدالله السُّبَيِّل رحمه الله وغفر الله له:
الشيخ: نعم، بدأ الإمام الشيخ محمد بن عبدالله السُّبَيِّل رحمة الله عليه كتابه بالمقدمة كما يُبدَأ عامةً، والمُقدِّمات تكون دائمًا لبيان غرض التأليف، فقال: "الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمدٍ وآله وصحبه... فهذه رسالةٌ مختصرة في بيان حق ولاة الأمور على الرعية".
ومن قدر الله تبارك وتعالى أنه أوجب على الناس أن يكونوا تحت إمارةٍ تجمع رؤوسهم، وعلى هذا قد جاءت تأليفاتٌ قد بيَّنت وجوب نَصْب الإمام على الناس، مثل الماوردي في "الأحكام السلطانية"، تجدون أنه فصَّل فيه، وأتى بالأدلة أنه يجب أن يكون للناس راعٍ، وليٌّ يجمع رؤوسهم، ويُرتِّب حاجاتهم، ويقضي من قَدَر أو من يحتاج إلى الحاجات؛ فيقول: "هذه رسالةٌ مختصرة في بيان حق وُلاة الأمور على الرعية".
نعم، خلق الله آدم وأنزل عليه حقوقًا؛ حقوقًا لنفسه، وحقوقًا لعباده. سبحان الله! ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟
فالله مِن كرمه وفضله جعل على نفسه أو كتب على نفسه الرحمة حقًّا للعباد، سبحان الله! فلمَّا جعل على نفسه حقًّا فيكون مَن يكون وليَّ أمر المسلمين عليه حقٌّ أيضًا، وله حق على الناس عامةً، فهذا أمرٌ لا يُنكر؛ لأن استدلاله من الكتاب والسنة في الحقيقة، بحيث إنه لا بد أن يكون الناس تحت إمام يُرتِّب شؤونهم ويُنظِّم شؤونهم.
وكلُّ دولةٍ وكلُّ قبيلةٍ انفردت من الدول وكذا -كما هو التاريخ شاهدٌ، تاريخ العالم، إذا قرأتم كتاب "البداية والنهاية" وغيره- تجدون هذا الشيء: أن من خرجوا على الإمام ذهبت أرواحهم وأنفسهم، كما هو مشاهدٌ الآن في زماننا هذا.
فهذه المسألة -مسألة بيان حق الراعي والرعية- هذه من الديانة أن تُبيَّن، ومن الديانة أن يَعْلم كلٌّ من الراعي والرعية حقه على غيره؛ فلذلك قال: "رأيت الحاجة إلى بيانها في هذا الزمن داعية"؛ لأن هذا الزمن لا شك زمن فساد، والناس فسدوا في كثير من الأمور.
والفساد قد يأتي في جميع مرافق الدولة أيضًا، وفي جميع أمور الناس، فإن ذهبت تشتري حاجة من السوق تجدها مغشوشة، وكذلك قد يكون الطالب يغش، والمدرس يغش، زمانُ فساد: لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، أخبرني نبيكم . كما قال أنس [1].
في هذا الزمانِ الحاجةُ إلى بيانها داعية، والمصلحة في إظهارها مقتضية، فيجب على الناس أن ينظروا إلى مصالح الناس، والمصلحة تقتضي أن يُبيَّن لهم حق الراعي على الرعية، وحق الرعية على الراعي، بما أوجب الله عليهم من مصالح كثيرة للعباد والبلاد، دينية ودنيوية. ونسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم.
نعم، وأيُّ عمل لا يكون لله هو مردود، مردودٌ غير مقبول مهما بذل فيه الإنسان جهده. فندعو الله تعالى جميعًا أن يجعل في ميزان حسناتِ شيخنا رحمه الله هذه الكلمات المباركة، ويجعلها زُلفى لديه إلى جنات النعيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الفصل الأول: حقوق الرعية
القارئ:
الشيخ: لا، ليس "القَدَح"؛ القِدْح. القِدْح هو الميسر، والقِداح كأنكم تعرفون.
والقِدْح: هو السهم، فالقِدح المُعَلَّى، يقولون: كانوا الناس.. كأنه بقي هذا مثالًا ومَثَلًا، وإلا من حيث الشرع كانوا في الأول هم يجعلون القِداح مكتوبًا فيها خير وشر وكذا، فكانوا يتفاءلون بها أو يتشاءمون بها. فهنا "القِدْح المُعَلَّى" يعني: السهم، الذي هو أعلى السهم، الذي هو أفضل السهم، يقصد: هذا هو طبعًا. نعم.
القارئ:
الشيخ: ووكَّل إليهم رعاية مصالح الأمة، (واو) عاطفة على "رعاية"، والقيام.
القارئ:
الشيخ: وهذا واضح جدًّا بالفعل، لا شك أن الإمامة الكبرى: الذي يُقصد بها هو خليفة المسلمين أو أمير المسلمين، أو يكون ملكًا كما بعث الله تبارك وتعالى طالوت ملكًا، فأيًّا كان: يكون هو الإمام الأكبر، وكُلُّ من يُولِّيه في مناصب فهو إمام أصغر؛ ولذلك الإمامة الكبرى والإمامة الصغرى والوزراء وكذلك أيُّ مسؤول؛ كلهم لهم سلطتهم، وكلهم مطاعون في مجالهم.
الآن، المرور إذا كان يُوجب علينا أن نربط هذا الحزام فهذا من التعبُّد، هذا من التدين لله تعالى؛ لأنهم قد قضوا علينا أو قد أوجبوه علينا للمصلحة. وكذلك إذا كانوا يُغرِّمونك، هذا كله إن شاء الله مأخوذٌ من أحكام شرع الله الواضحة جدًّا، إذا كانوا يُغرِّمونك وأنت تسوق السيارة وتنظر في الواتساب وغيره، الذي وراءه ضررٌ كثير، فمِن التدين: الدَّيِّن والوَرِع وصاحب المروءة لا يُخالف أمور الدولة، لا يقول: هذا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله. لهم هذه السلطة: أن ينظروا إلى مصالح الأمة.
وإذا تَطَرَّقْتَ والناسُ قد تقدموا في الزمان؛ فيأتي زمن أبي بكر فهناك مصالح قد أَوْجدوا: جمعوا كتاب الله تبارك وتعالى، وعمر له "أُولَيَات". يقولون: أَوَّلِيَّات؛ "أُولَيَات" خطأ، أَوَّلِيَّات: أَوَّل مَن فعل كذا وكذا، أَوَّل مَن دوَّن الدواوين عمر ، أول من رتَّب للجيوش كذا، ما كان في عهد النبي ؛ فهذه كلها مما يجوز.
وتُخوِّل له الشريعة للإمام الكبير أو الخليفة أن يُرتِّب لهم، ويفرض عليهم، وهو الذي يكون ما دام ليس في معصية الله تعالى فيجب علينا طاعته، نعم.
ولذلك؛ حقُّ وليِّ الأمر لا بد أن يكون إن شاء الله على ما أراد الله تعالى، لا يُوجب عليهم ما يكون في معصية الله تعالى، وكذلك لا يُوجب عليهم ما يُثقل كاهلهم أو ما يشق عليهم: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]. كل هذه الخصال الحميدة إذا كان يتأسى بالذي لنا فيه أُسوة: محمد رسول الله ، وهو حاكم وله أجره وقدره ومنزلته عند الله، ثم بعد ذلك عند رسوله، وعند المؤمنين.
القارئ:
قال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55].
الشيخ: أنزل الله تبارك وتعالى على عباده كُتُبًا، أو ما يكون من الوحي من قَبيل الحديث؛ فإن كثيرًا من الأنبياء لم يكن لهم كتابٌ، كان عليهم أن يتَّبعوا ما يُوحى إلى الأنبياء من قبيل سنة رسول الله ؛ فهذا هو الدين، وفي ضوئه كان يكون من الأقوامِ الإيمانُ والعمل الصالح.
فـوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ بشرط أن يكونوا آمنوا كما أراد الله تعالى، وعملوا الصالحات مما خَطَّ لهم الرب في دينهم، سواء كانوا في أيِّ عهد من عهد الأنبياء، فمكَّنهم الله تبارك وتعالى. ولما خالفوا أمر الله تعالى -فكم من الأقوام قد أهلكهم الله تبارك وتعالى-: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15]، فلما أعرضوا: ما بعده فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ:16].
فالدِّين هو أفضل ما أنزل الله تبارك وتعالى للعباد، لكن إذا لم يعملوا به فما أهونَ الخلق على الله تبارك وتعالى.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55]، ونحن المسلمين لم نرضَ إلا بدين الإسلام الذي كَمُل في عهد النبي : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، نعم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، فيُمكِّن لهم دينهم أيضًا -مهما كان- حقًّا من عند الله تعالى، لكن إذا لم يعملوا به فلا يُمَكِّن لهم دينهم؛ لأنه وَعَد أنكم تعملون به.
أما الدِّين -وحده- فلا يقوم بدونه المتدينون: وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55]، فينشرهم الله تبارك وتعالى كما نشر هذا الدين المبارك في الأقوام في عهد الصحابة والتابعين وغيرهم، إلى أن يصل إلى أقاصي العالم. وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، فلا تكون النقمة من الله تعالى إلا إذا حصل خللٌ من المسلمين في هذا الجانب؛ أي: الإيمان بالله والعمل بالصالح.
القارئ:
الشيخ: أنت الآن تقرأ الآيات: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40]، وكذلك تاريخ الأقوام يدل على أنهم كلما عملوا بما أراد الله تعالى أعطاهم العز والتمكين، وكلما أعرضوا عن الله تبارك وتعالى.. فهذا كله كما قال ابن كثير رحمه الله: "وبهم تصلُح البلاد"؛ لأن الخلفاء أو الذين يكونون صالحين يجعلهم خلفاء الأرض، كل فردٍ يكون خليفةً في الأرض، خليفةً للقوم الماضين، ويكون كل واحدٍ يمشي على الأرض وهو صورةٌ للصلاح والتقوى: "وبهم تصلُح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليُبدِّلَنَّهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحُكمًا فيهم".
كان العرب هكذا، فوقع أن الله تبارك وتعالى قد جمع قلوبهم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103]، فيكونون أيضًا كذلك: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ [قريش: 1-4]، كانوا في جوع، وكانوا في خوف، كانوا يخافون.
وفي كل زمان تُرك العمل بأحكام الإسلام فالخوف ساد في الناس، وكان بالبلاد هذه نفسها.
ونحن والحمد لله كنا نمُرُّ في بحثٍ في تجديد أعلام الحرم، فوجدنا أشياء مثل الرَّكِيِّ هكذا، الرَّكِي: البئر، فهو قريب من مصر، فقلنا: لعلَّ هذا يكون في مسار أعلام الحرم، فالشيخ -وهو بعيد جدًّا- فالشيخ بسام عبدالله -الله يرحمه- قال: لا، هذه من علامات زمن الخوف، البدو كانوا يخاف بعضهم من بعض حتى إنه لا يبيت في بيته، فيجيء على هذا المكان ويجعل فيه أهله وبندقيته معه... إلى آخره، حتى يكون في أمنٍ مِن الذين يُغِيرون عليهم.
سبحان الله! فكلما غاب العمل بالدين في أيِّ زمان وفي دينٍ من دين الإسلام في هذا الزمان؛ فينتشر الخوف والذعر وقلة الرزق في الناس. وهذا أمرٌ ملموس، نعم.
القارئ:
الشيخ: يعني ليس على وجه العُروض يأتي ويذهب، إذا كنتم أنتم مع الله يكون الله معكم، وإذا عملتم بدين الله فوعد أنه يُمكِّن لكم دينكم بالاستمرار ما دمتم على وعد الله تبارك وتعالى، ويُذهب عنكم الخوف ما دمتم أنتم مستمرين مستقرين ثابتين على العمل بدين الله تعالى.
فضل الأئمة العُدُول
القارئ:
الشيخ: "وعظيم ثوابهم وجزائهم عند الله".
"عدول"، يعني العُدُول: جمع "عدل" على عدول، العادل، الأئمة العادلون.
القارئ:
الشيخ: الحديث في صحيح البخاري ومسلم، "صحيح البخاري" في عدة مواضع بجزءٍ من هؤلاء السبعة أو بتمامه[6]، كذلك عند مسلم: إمامٌ عادل أول من ذُكر، سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه.
ظِلُّه: ظِلُّ عرشه إن شاء الله، هو الذي بالجمع بين الأحاديث أنه ليس ظِلَّ ذات الله ، إنما هو ظِلُّ عرشه ، يكون للذين يتصفون بهذه الصفات.
إمامٌ عادل: الذي يعدل في رعيته. ويأتي الذِّكر بأنه: كلُّ مَن يتأمَّر على اثنين إذا عدل فله هذا الفضل. وهذا من جملة ما جاء. هذا واحد.
الثاني: شابٌّ نَشَأَ في عِبادَةِ اللَّهِ[7]، فبُشرى للشاب الذي بفضل الله تعالى يعيش ويترعرع في كتاب الله ثم سنة رسول الله، ثم في تعلُّم العلم الشرعي، ثم علم غير شرعي لكنه والحمد لله متمسِّكٌ بكتاب الله وسنة رسول الله في عقيدته وسلوكه.
ورجلٌ قلبه معلَّقٌ بالمساجد، وفي روايات غير الشيخين: حتى يرجع إليه[8].
ورجلٌ قلبه معلَّقٌ بالمساجد، ما معنى معلَّقٌ؟ هذا واضح -ومن الاستعمالات العربية الفصيحة- أن قلبه يتعلق بالشيء، معناه: شغفٌ بالمساجد كلما جاء وقت الصلاة، ويحضر المسجد كذلك، حتى -كما سمعتم وعرفتم- لو كان الإنسان فارغًا يذكر الله في بيته عامة، النوافل وغيرها، لكنه إذا أراد تلاوة القرآن فجاء فيه فضل عظيم: أن من جلس يقرأ القرآن في المسجد فله كذا وكذا؛ فقراءة القرآن في المسجد خاصةً لها فضل. أما النوافل وغيرها فلا شك.
فنجمع بهذه الأحاديث -على ما جاء- أن أفضل الصلاة في البيت النوافل: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة[9]. وأيضًا حتى في بعض الطرق: حتى يعود إلى إلى المسجد [10]. وأيضًا: رجلان تحابَّا في الله[11].
الله أكبر، في الله وليس لأجل الدنيا، فيه سببية: تحابا لأجل الله تبارك وتعالى، يجتمعان ويفترقان في مرضاة الله تبارك وتعالى.
ورجل دعته[12]، وفي رواية من روايات مسلم: طلبته امرأةٌ ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله[13]، وهذا لا شك فيه اختبار شديد، امتحان شديد لإيمانه ودينه، سبحان الله! لكنه يؤمن بأنه ولو اختلى بها فإن لم يره أحد فهناك كِرامٌ كاتبون يكتبون ما يأتي ويَذَر، كذلك الله يراه، وهو الذي يَرَاكَ حين تَقُومُ، فيكون يخاف الله، وإيمانه قوي بأن الله يراه، كما أن إنسانًا إذا رأى أمه أمامه لا يُمسك يد زوجته وهي حلال له. فلهذا؛ يجب علينا أن نقوِّي إيماننا بالله بأنه يرانا حين نقوم، ونتحرك، أو نختلي.
كذلك في الحقيقة ينبغي أن يكون، تعرفون أن هناك حديثًا صحيحًا أن هناك ناسًا كأنهم يُراؤون، فإذا كانوا أمام الناس فيكونون على خير، فإذا اختلوا فيأتون بالمُهلِكات -سبحان الله!- في الخلوة، وهذا يدخل فيه خاصة في هذا الزمان، وجدنا ناسًا أنهم بالفعل يختلون على شر، خاصة بهذه الآلات الحديثة بالرقص والغناء ونساء كاسيات عاريات، يُغلقون الباب عليهم، كما يشتكي منهم حتى أولادهم! نعم، سبحان الله!
فحذارٍ من هذه الأفعال القبيحة التي قد يفضح الله تبارك وتعالى بها، وقد مات بعض أئمة المساجد في هذه الحالة، أئمة المساجد! أغلق بابه عليه وكان ينظر إلى هؤلاء الراقصات العاريات وفي المسابح وغيرها، ومات ووجهه على الكمبيوتر وعلى أزرار الكمبيوتر، هكذا حكوا لنا. والله المستعان، نعوذ بالله من الخذلان.
نعم، فيكون: ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله.
ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه[14]، ففاضت عيناه إن شاء الله برحمة الله وبحب الله، وقد يفرح بما أكرمه الله تبارك وتعالى، فقد يكون من السرور بكاءٌ، وأيضًا كما قالوا كذلك ربما يكون يخاف فيما فرَّط في جنب الله ففاضت عيناه؛ فهذه الدموع تغسل قَطعًا -إن شاء الله- معاصيه: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].
ورجلٌ تصدق بصدقةٍ، فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه[15]، سبعة يظلهم فيهم الإمام العادل.
قال الإمام ابن حجر؟
المراد بالإمام العادل
القارئ:
الشيخ: ففي شرح هذا قال ابن حجر: يدخل فيه الإمام الذي هو صاحب الولاية العظمى، يعني الإمام الأكبر، في يده الإمامة الكبرى، ويلتحق به كل من وُلِّيَ شيئًا أو وَلِيَ شيئًا من أمور المسلمين.
ويظهر لي أنه "فعدل به"، ويكون إن شاء الله له هذا الفضل.
ويُؤيِّده رواية مسلم كما قال: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا[17].
إشارةً من قول النبي : أهليهم، نقول: نقرأ فيها هنا حديث رسول الله : كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته[18]. فأنت أيها الراعي راعٍ أيضًا، ورعاياك هم أهلك وخدمك وغيرهم، فإذا حكمت فيهم بما أراد الله تعالى: أمرتهم بالصلاة، ضربت الولد أو نهرته أو أدَّبْتَه إذا بلغ عشرًا لم يُصلِّ، كذلك لم تتهاون في الالتزام الكامل بما أراد الله لبناتك وأولادك وأزواجك بالحجاب وغيره، فلا شك أنك غير مخطئ، وإن شاء الله رتَّبْتَ هذه الأمور على ما أراد الله؛ فيكون لك هذا الأجر إن شاء الله.
الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، الظاهر: حُكْمهم على الرعية عامة، الذي يتولى الإمامة الكبرى.
وأهليهم وكلهم راعٍ، فيجب على كل واحد أن يعدل فيهم فلا يظلم، ولا يهب أحدًا، حتى الهبة! لا يجوز أن يهب أحد الأبناء شيئًا لم يهبه الآخرين، وإنه جور؛ قال النبي لبشيرٍ والد النعمان بن بشير رضي الله عنهما: لا أَشْهد على جَوْر[19].
القارئ:
الشيخ: ذو سلطان مقسط متصدِّق موفَّق: متصدِّق هنا الظاهر بمعنى أنه صَدَق في عمله أيضًا؛ لأن التاء هذه مِن "تَصَدَّق" للزيادة؛ كثرة المباني تدل على كثرة المعاني؛ فهو صادق في قسطه وفي عدله.
موفَّقٌ؛ لأن الذي يُرضي الله تعالى يُوفِّقه الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، فهذا من أهل الجنة.
ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكل ذي قربى ومسلمٍ، وعفيفٌ متعفِّفٌ: ما المقصود هنا بـ"عفة"؟
ربما يكون عفةً مِن الزنا والخنا، أو "متعفف" يعني: يتكلف؛ لأن هذه من الأمور التي قد لا تحصل له مما قد خُلق عليه -مثلما قال- أو جُبِل عليه؛ فيجب على الإنسان -وكل ديننا فيه لا بد- أن يتكلَّف؛ حتى تكون جميع العبادات مَلَكةً وهيئةً راسخة تَصْدر عنه بدون تكلف.
إذا كان الإنسان يعمل الشيء مرة واحدة أو مرة أولى فيصعب عليه، لكنه إذا كرر وكرر فيكون هذا سهلًا وربما يكون أسهل شيءٍ عليه؛ ولذلك قال "عفيف" في عفة الفرج وعفة اللسان، كل هذا يدخل فيه.
ومتعفِّفٌ يعني: يتكلف في التعفُّف، ويُكلِّف نفسه، ويعرف أين يحتاج إلى العفة.
وذو عيالٍ متعفف: ذو عيال قد يكون يعف نفسه عن السؤال وهو ذو عيال -إن شاء الله- كما جاء في الحديث: فقد مر النبي وأصحابه برجل كان يعمل بجهد، فقال بعض الصحابة : يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟! فقال النبي : إن كان يسعى لأن يعف نفسه فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى لوالديه فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى لعياله فهو في سبيل الله[21].
فلا شك هناك ذو عيال يتعفَّف عن السؤال، ولا يسألون الناس إلحافًا، إلا أنه يكِدُّ ويجِدُّ ويكدح حتى يتكسَّب لهم إن شاء الله له، وهذا له هذا الفضل.
القارئ:
الشيخ: نعم، فكل من أُسند إليه أمر إمامة كبرى: الوزارة، التدريس، كل صغير وكبير من أعمال الدولة فهو أمانة له، ولا شك فيه.
ويجب على ولي الأمر أن يطلب منهم هذا الشيء كاملًا موفرًا؛ لأنك أيها الموظف قد بِعْتَ وقتك وجهدك وعلمك الذي علمك الله تعالى للدولة؛ حتى تُعلِّم أبناء المسلمين. فالأستاذ الذي يغيب من المحاضرات أو من الحصص وغيرها -لا شك فيه- لم يؤدِّ الأمانة، وكذلك الوزير إذا كان يغيب ولا يؤدِّي الحق كما ينبغي، فتعرفون: كما تكونون يُولَّى عليكم[22]، فلما بدؤوا يُفرِّطون: في الأول ما كان هناك شيءٌ في كثير من الإدارات؛ البصمات الآن جاءت، ما هو كذا؟! البصمات -حتى- لأن الناس لا بد أن يُؤَاخذوا على ما هو واجب عليهم؛ فجاءت البصمات وغيرها.
أما إذا كان الناس كلهم في قلبهم -إن شاء الله- الإيمان والأمانة؛ فكل شيءٍ يأتي تلقائيًّا كما يقولون، فيعمل كل إنسان كما تعمل الساعة، كل أجزائها بعملها، فلما لم يكن -لا يكون- وخلا بعضهم -وقد يكون من قلة الإيمان وخفة الإيمان-؛ فلذلك يحتاج أن يكون هناك على رأسه من يصلحه.
القارئ:
الشيخ: تمام اسم الكتاب، وهذا الكتاب خفيف؛ اقرؤوه يا إخوان إن شاء الله، خاصة في هذه المناسبة يكون أفضل: "السياسة الشرعية في الراعي والرعية"، سياسة، كيف يسوس الراعي رعيته.
القارئ:
أعظم ما أوجب الله على ولاة الأمور
-
إقامة دين الله في الرعية وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المُنكَر
الشيخ: وكانت عليه سنة رسول الله : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ [الحج:41]، وتعرفون أن النبي قال: لقد هممت أن آمُر فيؤذَّن، ثم آمُر أحدًا يُصلِّي بالناس، وأن أُخالف إلى أقوام يجلسون في بيوتهم ولا يأتون إلى الصلاة، وآمر الناس أن يحتطبوا -أو يجمعوا الحطب- فأُحرِّق عليهم بيوتهم[24].
نعم الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ، فيجب أن تكون هناك تشديدات وهناك ناس قد يراقبون من يتخلف، كما أن النبي قد أشار في قوله هذا.
كذلك وَآتَوُا الزَّكَاةَ يجب أن يُؤتوا الزكاة، إن كانوا مرضى القلوب ربما يُخفون، ربما يسرقون من الدولة، ويجب عليهم أن يُفتَّش عن أموالهم وكذا، وقال النبي -هذه فريضة الهدى: فمَن آتاها أو في الزكاة-: مَن آتاها مُؤتَجِرًا فله أجره عند الله، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عَزْمةً من عَزَمات ربنا[25].
هذا واجبٌ من الله تعالى أن نُغرِّمه أو نُحسِّره بأخذ ماله؛ لأن أخذ المال: قد يكون على الناس لو جلدتَه مائة جلدة أخفَّ عليه من أن تأخذ ماله.
| أَبُنَيَّ إن من الرجال بهيمةً | في صورة الرجل السميع المبصر |
| فطنٌ بكل مصيبةٍ في ماله | فإذا أُصِيبَ بدِينه لم يشعر |
فلذلك؛ النبي قال لمثل هؤلاء الناس إنه مَن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا[26].
القارئ:
الشيخ: يعني: بيَّن قال: الوالي والمولَّى عليه، ما حقهم؟ قال: أن يأخذ لبعضهم، الوالي يأخذ لبعضهم من بعض. نعم قد يكون هناك ضعيفٌ فلا يستخرج حقه، فالوالي بقوة الدولة وبسلطته يجب أن يستخرج له حقه.
وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، ولَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، والله أعلم بمَن يتوانى في هذا ويقول: أنا لا أستطيع، ومن ينشط في هذا -فالله أعلم- ولذلك يبذل أقصى جهده؛ فهو يكون معذورًا عند الله وعند الناس.
"وأن عليكم من الطاعة غير المبزوزة" هي "غير المبزوزة" تعني: ليست طاعةً بالقهر عليكم، يجب أن تُطيعوا؛ لأن "بَزَّ" بمعنى غلب، تذكرون مِن المثل: "من عَزَّ بَزَّ"[28]، هذا يقولون: من قوي. نعم.
| والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد | ذا عِفَّةٍ، فَلِعِلَّةٍ لا يَظلم[29] |
فمَن عَزَّ -فالعرب كان عندهم مَن كان عنده قوة- كان يغلب الآخرين، وينهب الآخرين، ويأكل أموال الآخرين. هذا كان معروفًا في الجاهلية، وهذه من أعمال الجاهلية، فلما جاء الإسلام -الحمد لله- فأعطى الضعيف قوة من قوة الدولة فغلب.
"من الطاعة غير المبزوزة" يعني: لا تكون طاعة مقهورة فقط، يجب أن تتدينوا بالطاعة؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، فيما لا يأمر بمعصية الله. فهي ليست مقهورة فقط بالعصي يسوقكم، يجب أن تكون طاعتكم من حبكم لدولتكم، ومن حبكم لإمامكم، ومن حبكم لأعمالكم.
"ولا المُستكرَه بها" لا ينبغي أن نُكرهكم عليها، يجب أن تُطيعوهم أو تُطيعوا أمور الدولة بقلبٍ راضٍ غير مقهورٍ.
"ولا المخالف سرها علانيتها" لا يكون منافقًا. نعم، الله المستعان، وهذا النفاق قد يكون والله أعلم قد ضَرَّ كثيرًا حتى في عهد النبي ، فلا تظن أيها المسلم أن الدولة الإسلامية أو المسلمون يَخْلون من المنافقين؛ في كل زمان يكون منافقون -ربما سريرتهم تكون غير- وعلانيتهم مع الموافقة من الدولة، ويكونون يتملَّقون، لكن يكون في قلوبهم زيغ عن الدولة، فربما يُدبِّرون أو ربما يتوافقون مع الأعداء وغير هذا، معروف هذا، فالجواسيس؛ جواسيس الشر مَن تجسس للكفار والمشركين من المسلمين، هذا من أقبح ومن أفسق ما يكون؛ ولذلك جعلوا تعزيره قتلًا، نعم.
"ولا المخالِف سرُّها علانيتَها" لا يخالف، لا بد أن تكون طاعة واضحة جدًّا لا نفاق فيها، هذا المقصود منه.
-
تطبيق شرع الله، والحكم بما أنزل الله ونبذ ما خالفه
القارئ:
الشيخ: كل هذه جاءها عطف عليه: تطبيقَ، والحكمَ، ونبذَ.
القارئ:
الشيخ: الله أكبر. يجب على المسلمين أن يدخلوا في السلم كافة، لا يَحِيد عنها قِيدَ شعرة عن شريعة الله تبارك وتعالى. ويُحذِّر الله تبارك وتعالى أن هناك قد يكون معك يا رسول الله -وأنت رسول الله- قد يكون معك أهواؤهم خلافَ شريعة الله في بعض الأمور؛ فاحذر أن تُطيعهم في هذا، احذر: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:49].
فإذا كان لا يجوز لولي الأمر إلا أن يكون فطنًا مِن الذين حوله: أن يقبل منهم بعض ما يكون على غير شريعة الله، فكيف بالذي يستبدل حكمه بدل شرع الله، الأحكام الوضعية التي وضعها الناس من قديم الزمان؟! "المزدوج" وغيرهم.
ثم هؤلاء الذين في هذا الزمان كلهم جعلوا حكم الذي يسمونه جمهورية والحرية وغيرها، فأتوا كل فساد -يمكن أن- كان في الأقوام السابقة الذين أُنزل فيهم وحي -وأنزل الله- وأرسل الله إليهم رسولًا لأجل هذا، الآن يُجيزون عمل قوم لوط جهارًا نهارًا، وقعَّدوا له قواعد وسنُّوها في برلماناتهم، في مثل هذا كان النبي يُبعَث، وندعو الله تعالى أن يخسف بهم قريبًا.
القارئ:
الشيخ: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وهو العليم بمصالح عباده. نعم.
القارئ:
الشيخ: الآن -تعرفون، وأنا جئت من الهند صار لي أسبوعان الآن- هناك الذين يحترقون على الإسلام والمسلمين، فيهم من يُنادي من الكفار لابسي الملوَّنات هذه كلِّها -متدينون- يقولون: لا يصلح للهند الآن إلا نظام عقوبات الشريعة الإسلامية.
سبحان الله! في هذا الخضم -الذي فيه كلهم يريدون أن يبيدوا المسلمين- يقولون: لا يصلح إلا أن نُقيم قواعد التعزير والقصاص وغيره مما جاء في الإسلام، ويقولون: إن نبيهم أقام- سبحان الله! والفضل، نحن لا نفتخر بهذا، نقول: هم مقهورون من عند الله بهذا، لكن نقول: "والفضل ما شهدت به الأعداء"- إن نبيهم قد أقام العدل بدون إراقة الدماء بإقامة التعزيرات والحدود.
سبحان الله! هم الآن يُعلنون وهم ما يُؤمنون، يعرفون أن الإسلام حق كما يعرفون أبناءهم، لكنهم بالفعل يُنادون الآن، بعضهم قال هذا الكلام مِن أعضاء البرلمان الهندي في الانتخاب الجديد الذي جاء، والمسلمون متخوِّفون فيها؛ لأنه في الخمس سنوات الماضية قد آذى المسلمين الكثيرُ، وهناك في هذا الانتخاب قد حَرَم كثيرًا من الناس أنهم ليسوا أصلًا من الهند؛ لأنه يومًا ما كان حصل بين باكستان والهند.. وفُصلت بنجلاديش، فكانوا جاؤوا ونزحوا من باكستان الشرقية -التي صارت بنجلاديش- نزحوا الى الهند، فحتى الذين هم أبًا عن جدٍّ -منذ خمسمائة سنة، ستمائة سنة- حرموهم من الإدلاء بالأصوات في المناطق التي -خاصة- يخافون مسلمون أكثر. فالله المستعان، ومع ذلك الناس يُنادون بالحق!
القارئ:
الشيخ: هذه درجات ثلاث، لا شك لها معناها:
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، لا نقول: كل من لم يحكم بما أنزل الله يكون كافرًا. إلا إذا كان بالفعل متمكِّنًا؛ لأن هناك -قد يكون- مَن وَرِثَ الحكم وحوله ناسٌ ربما من الوزراء وكبار الناس وكذا، لا يقدر على تنفيذ الحكم الشرعي مع إيمانه بالله، أو مع إيمانه ويقينه أن حكم الشريعة هو الأفضل، فعدم قدرته على التنفيذ يُخرجه من الكفر الصريح.
أما إذا كان يقول: إن في هذا الزمان -كما سمعنا من بعض الفاسدين- إن هذا الزمان لا يصلح فيه الحكم بالشريعة الإسلامية: الارتداد، وكذلك الرجم بالزنا، وكذا. فهؤلاء لا نشك في كفرهم، وإن كانوا على رأس دولة مسلمة، لكن نقول: لا يجوز للشباب أن تأخذهم العزة فيُنادوا بالخروج وكذا، هذا بابٌ آخر؛ لأن الخروج وراءه مفاسد أكثر ما دام لا يخاف الله، وهو يقول: إن غير شريعة الله أفضل من شريعة الله، فهل يخاف في إبادتك وإراقة دمائك؟ لا، وإن دم المسلم عند الله له حرمة كبيرة.
فهو -وإن كان كافرًا وحُكم عليه بالكفر- ما حقَّ ولا استقام أن ترفع الصوت للخروج عنه، وتصبر حتى يفتح الله أو يأتي بخير إن شاء الله، ولا تُهلك نفسك، ولا تَرْمِ الشباب أيها العالِم الذي يقوم بمثل هذا، بجمع الشباب، ويرتاح بنفسه في بيوت فارهة وكذا، ويرمي الشباب في مثل هذه الأفكار السيئة، وفي أَتُّون الخروج ونار التفجير وغيره، وهذا في الحقيقة يجب أن يخاف، العالِمُ الذي هم يَعْرفونه عالمًا ويحُثُّ الناس على هذا، بل يجب على العلماء أن يحفظوا هؤلاء الشباب، ربما يُقدِّر الله تبارك وتعالى أن يُخرج منهم من يحكم في المستقبل بحكم الله.
-
العدل بين الناس، والمساواة بينهم في الحقوق
القارئ:
الشيخ: أمورُ الناسِ تستقيم في الدنيا مع العدل وإن كان الحاكم آثمًا بالآثام؛ يرتكب الأعمال التي فيها عليه إثم، لكن العدل يغلب من حيث الدنيا لإقامة الأمن في بلاده، وإن كان هو آثمًا في بعض أعماله، وهو الذي يأتي تفسيره أكثر بالحديث.
القارئ:
الشيخ: يعني: حاكم يكون على استقامة لكنه مع ذلك لا يعدل فيكون الفساد في بلده أكثر مما يكون في حكم حاكم عادل آثِم.
القارئ:
الشيخ: واضح. نعم.
القارئ:
الشيخ: هذه كلها أقوال نظرًا لما مضى -لما يمشي في الدنيا- في تاريخ البشرية، في الحقيقة نعم هذا كله، والكلام حق وصدقٌ، وفيه أيضًا ما يُصدَّق من كلام رسول الله .
القارئ:
الشيخ: الحديث جاء فيه: ليس شيءٌ الذي لفظه عن أبي هريرة عند البيهقي[31]، وكذلك عند ابن المبارك في "الزهد"[32]، رواية ابن المبارك نفس رواية أبي بكرة اللاحقة، في "الزهد" ص252، ليس شيءٌ أعجل ثوابًا من صلة الرحم، وليس شيءٌ أعجل عقابًا من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدعُ الديار بلاقع[33].
"بَلْقَع": يعني كأنه خرابٌ لا شجر فيه ولا نبات، قاعًا صفصفًا.
وكذلك جاء عن أبي بكرة مرفوعًا قال: ما ذنب[34] هنا هذا الأنسب: ما ذنبٌ أجدر أن يُعجِّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا والآخرة مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم[35].
فيكون لا شك في أن البغي والظلم من الحاكم هذا يكون سببًا لخراب البلاد وجَعْلِها بَلَاقِعَ.
القارئ:
-
رعاية مصالح الناس وتولية الأمناء الأكفاء
الشيخ: "الأَكِفَّاء" لا، "الأَكِفَّاء" جمع "كفيف"، يعني يُنصِّب العُمْيان. "الأكِفَّاء" هذا خطأ عام.
سبحان الله! حتى على المنابر نسمع "الأكِفَّاء"، "أكِفَّاء" جمع -كفيف البصر- جمع "كفيف".
"الأَكْفَاء" جمع كفؤٍ، الذي يكون أهلًا للعمل، أهلًا لأَنْ يُعلَّق معه الواجب. أَكْفَاء، ومنه كفؤٌ: للبنات، أو كفؤٌ: للزواج، وكذا أَكْفَاء.
القارئ: أحسن الله إليكم.
الشيخ: نعم. وهذا هو الذي ينبغي إن شاء الله، وندعو الله تبارك وتعالى أن يكون.
الحمد لله، هنا الحكم -في هذه البلاد- ونظامُ الحكم قائمٌ على هذا الشيء، وندعو الله تبارك وتعالى أن يُقيم ويُديم، خاصة بالعمل بدين الله تعالى الذي به أُقيم الأمن والعدل في هذه البلاد، لم يكن منذ خمسةِ أو ستةِ قرونٍ كما ذكر، التاريخ الصادق شاهدٌ على هذا، ولذلك ندعو الله تبارك وتعالى أن يكون هناك كل يوم على أفضل وأفضل إن شاء الله.
-
المتابعة الدائمة لمن هم تحته من أصحاب المسؤوليات
القارئ:
الشيخ: ولذلك تجدون كل الدول تقريبًا يكون فيها هذا نظرًا للمصلحة العامة، يقولون: "لجنة المتابعة"، لجنة المتابعة بالفعل، نعم يجب أن يكون، ولا يُقال: إنه أستاذ كيف يُراقَب؟
الآن أنا أحس أنه ما يأتي أحد، لكنني أحس الحمد لله أنه قد يمرُّون -الناس- وينظرون الفصل، هذا الفصل في الفترة الأولى لمن المحاضرة؟ فيأتون ويمرُّون عليهم وينظرون، فإذا لم يحضر فهناك قد يُنبَّه، وهذا شيءٌ جيدٌ جدًّا.
وفي الأول كان -ونحن نعرف أنه هناك- قد تمر أسابيع ويكون بعضهم غائبًا -الله المستعان- كما ذكر لنا الطلبة أنفسهم.
وهذا كله لا شك من أكبر الخيانات، ما دمت أنتَ.. وأنت خاصةً طلابَ العلم الذين هم مستقبل الدولة، إذا فسدوا فسدت الدولة.
ولذلك؛ لَعَلِّي ذكرتُ لكم في درس الحرم أنه نقل بعضهم في "موريشيوس" هذه -"موريشيوس" دولة صغيرة تحكمها مسلمة، وهي اختاروها بالقوة، قالت: أنا ما اخترت السياسة، السياسة اختارتني. ومكتوب على كلية الهندسة -واجهة كلية الهندسة- قال: إذا أردتَ أن تُفسد البلد فأفسد طلبة العلم.
فقد يكون الطبيب الذي أُعطي شهادةً زُورًا ولم ينجح فيها أو لم يكن كما ينبغي، فقد يَقْتل مئاتٍ من الناس. والمهندس الذي ليس كفؤًا وأُعطي الشهادة كذبًا وزورًا قد يتهدَّم على الناس ما بنى من البيوت. بالفعل هذا هو.
فيجب على الإنسان -كل واحد، ثم بعد ذلك هو مسؤول عند الله أيضًا قبل أن يكون مسؤولًا عند الناس، فيجب على كل واحدٍ- أن يعرف مسؤوليته. نعم.
القارئ:
الشيخ: نعم، هذا ذكره ابن كثير أيضًا[37]، وكذلك ذكره ابن الجوزي في "تاريخ عمر"[38]، كل هذا هو لأجل أنه بنى قصرًا، وهل اعتزل أو ما اعتزل، لكن خِيف منه أنه يعتزل عن حوائج الناس، فأمر عمر أن يُحرَق قصره في العقيق، كان هذا قصره في العقيق، هكذا جاء في الروايات. نعم.
وكذلك كعزله خالد بن الوليد عن إمارة جيش الشام، هذا لمصلحة أخرى، قالوا: إنه لم يكن على خالدٍ مما يُؤاخذ عليه في قيادة الجيش، وكما قالوا -أو كما جاء-: خالد سيف من سيوف الله[39].
ولم يُقتل بالحقيقة في أيِّ معركة، لقد خاض معارك كثيرة وما دخل بقيادة المعركة إلا كتب الله له النصر، فكان الناس يظنون فيه شيئًا خارقًا، وخِيف أن الناس قد يكونون يُغالون فيه فعُزل، وكان يفتح بلدًا على بلدٍ وكذا، في هذه الأثناء فجأة يأتي عزل عمر ، فاعتزل، والناس استغربوا؛ فالسبب في هذا كما ذكر العلماء: أنه بفضل الله تعالى ما قاد جيشًا إلا وقد فتح الله على يديه؛ فلا يظن الناسُ فيه ولا يغالون فيه أن هذا له قوة خارقة أو كذا؛ فعزله ونصب أبا عبيدة بن الجراح ، فكان كأحد الجيش يقاتل معهم بفضل الله تعالى، ولم يعارض، ولم يحصل منه شيء.
فهذه كلها مصالح مرسلة كما هو معروف.
يجب على ولي الأمر، وكذلك أي واحد يكون مسؤولًا كمدير المدرسة يجعل واحدًا منهم مسؤولًا للطلبة فمَن لا يُؤدِّي حقه ينظر فيه ولا يترك الأمر، ويُقلِّده تقليدًا محضًا، كلما قال. نعم، ينظر بنفسه.
ولذلك؛ هذه الإدارات ليس فيها مجال لأن يكون الإنسان وَجَد مكانة عالية فيرتاح، لا؛ مسؤوليته أكثر وأكثر، والإدارات قد تأكل الناس.
رأينا في هذه الأيام ناسًا كانوا عباقرة في الحقيقة، لو بَقُوا في العلم والبحث وكذا كانوا أتوا بالعجب العجاب، ولما دخلوا في الإدارات خَفَّ شأنهم وخَفَّ عملهم بالفعل، كنا نظنه -إن شاء الله- إذا بقي، فالحاصل هكذا.
فالإدارات مسؤولية، وليس فيها -كأنه- تعالٍ على الناس فقط، أو يرتاح ويجلس ويأتي الناس -يأتون- الساعة الثامنة وهو يأتي بعدها بساعة.
الشيخ عبدالمحسن العباد تعرفونه، والشيخ ابن باز رحمة الله عليه نفسه كان يُبكِّر، نعرف أنه يُبكِّر في المجيء، والشيخ عَبَّاد -يقولون- لما صار مدير الجامعة فالإدارات تأتي ثمانية وما بعدها، وهو في سبعة ونصف، أنا مرة قالوا لي: إذا أردت أن تلقاه ففي سبعة نصف تكون على بابه، وهو يدخل يأخذك.
الشيخ راشد راجح، دكتور راشد راجح جزاه الله خيرًا، أول مدير جامعة، لما جُعِلَتْ من جامعة "الملك" إلى "أم القرى" فكان بهذه الصورة، كنت إذا أردتُ منه شفاعةً لأحد من الإخوان يعني ما يريدون يقبلونه في الدكتوراه لأنه كان أخذ وقتًا طويلًا في الماجستير، وراح إلى الشيخ ابن باز وغيره، وراح إلى فلان وفلان، فيعني الدكتور دفع بالتي هي أحسن.
فبكى عندي والله، لما بكى -يَشْهد الله- فَرَقَّ قلبي فأخذته بسيارتي بنفسي عند الشيخ ابن باز الله يرحمه، وأنا أعرف أنه يجلس لأنه في النهار له سَبْحٌ طويل مع الناس، لكنه في الفجر الشيخ يُصلِّي ويأتي ويجلس شيئًا لأعمال الناس، فأنا بِتُّ هناك، رحت في بيت الشيخ، ولما صلينا الفجر دخلت عليه وقلت كذا وكذا، كلمتان خفيفتان، "يا محب نرجو.." والله بهذه اللفظة، وأنا أفتخر بهذا، يقول: "نرجو قبول الطالب، فإنه زكَّاه من أثق به"، يقولها هكذا.
ولما ذهبت إلى الدكتور راشد، وكان من أول دفعة، كان يأتي أيضًا في الصباح، أنا قصدي مناسبته: من سبعة ونصف وهو في المكتب، الدكتور راشد هو إن شاء الله حيٌّ يُرزق بفضل الله تعالى، فكان يأتي، فدخلت عليه في هذا الوقت، لازم نقبله، فما يمكن يدفع كلام الشيخ، جزاه الله خيرًا، مع احترامي للأئمة هؤلاء.
فينبغي للمسؤول في الحقيقة أن يكون هو أول واحدٍ من الذين يحضرون في المكاتب، حتى يُراعي وحتى يُراقب الذي يتأخر والذي يتقدم، إلى آخره.
القارئ:
-
حفظ البلاد، وتأمين السُّبُل، ونشر الأمن والاستقرار
الشيخ: نعم، ومما يُذكر من فضائل معاوية ، ولا شك أن هذه فتنة حصلت من قِبل أعداء الإسلام الذين أوقدوا نارًا للفتنة بين صحابة رسول الله ؛ ولذلك المسلمون ينبغي أن يكونوا حذرين من هذا النوع من الناس: المنافقين الذين مَرَدوا على النفاق فكان حصل ما حصل.
ومع ذلك -سبحان الله!- معاوية كان دائمًا يراقب الروم، ويراقب الثغور، دائمًا في هذه الحالة، ومرةً حصل شيءٌ أذكر نصًّا موجودًا، قال: تظن أن بيني وبين ابن عمي حصل شيء وتستفيد من هذا الخلاف؟! والله لأقاتلنك بأناس لا يعرفونك بناقة ولا جمل. فهكذا كانوا يُهدِّدون الأعداء.
ففي الداخل كان شيء لا شك خلاف بين المسلمين، لكنهم حذرون: أن الأعداء لا يستغلون هذه الفرصة.
القارئ:
الشيخ: نعم، وكُتُبُ هذه الأحكام السلطانية أو الاحتساب، هذه الموضوعات هي لهذه المسألة خاصة، قد ألَّف العلماء -والحمد لله- فيها أشياء، التي تجب على كل واحد، ومختصر كتاب "السياسة الشرعية للراعي والرعية" لابن تيمية رحمه الله قد لَخَّص تلخيصًا جيدًا، فلا يفوتنكم على الأقل، وإن كان هناك كتب كبيرة أخرى قد يُستفاد منها كثيرًا.
و"أحكام أهل الذمة" لابن القيم رحمه الله في ثلاثة مجلدات، قد تطرق فيه إلى أشياء كثيرة مما يتعلق بأهل الذمة، مما يتعلق على ولي الأمر من أهل الذمة وغيرهم. نعم.
القارئ:
الأمور الواجبة على الإمام كما ذكرها القاضي أبو يعلى
الشيخ: هنا الآن، انظروا: "حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شُبهةٍ عنه بيَّن له الحُجَّة"، الآن هذه الفتنة قائمة، فتنة التشكيك في البخاري خاصةً وفي السنة عامةً، ويريدون أننا إذا أسقطنا البخاري الذي يقولون فيه هؤلاء ويقومون هؤلاء، وفيهم يهود، وفيهم -كل نوع منهم- لا تظن أنهم مسلمون، ترى أن هناك -كما قال بعض العلماء- عجائز كاد أن يموت غدًا، لكنه يتكلم على سحر البخاري وغيره، هؤلاء هم الذين قد يكونون -لا شك من لبنان وغيرهم- يهودًا ونصارى وغيرهم.
فالآن عندهم يُبرزون الشبهات التي قد أجاب عليها العلماء، للشباب الذين هم ثقافتهم ضعيفة ويتأثرون كثيرًا، سبحان الله!
وجدت ناسًا في بعض المجالس -جلست ووجدت ناسًا- يلُوكُون هذه الشبهة ويقولون: كيف يقولون "صحيح البخاري" هو أصح كتاب، إلى آخره؟ هؤلاء من أبناء المسلمين، نعم، والله المستعان.
فيجب أن يُؤخذ على هؤلاء الذين قد شُمَّتْ منهم شبهةٌ في صِدق كتاب الله وسنة رسول الله.
وكذلك قد تكون هناك جوانب أخرى قد يُشكِّكون فيها؛ فيجب أن يُوضَّح لهم الصواب، وأخذهم بما يلزمهم من الحقوق والحدود. نعم إذا كان يتمادى في الغي ويُعاند؛ ففي هذه الحالة يجب أن يكون له حساب عسير مع هؤلاء؛ لأنه نجد في كلام الأئمة رحمة الله عليهم: يُستتاب وإلا يقتل في الحقيقة. نعم؛ لئلا تكون عَدْوَاه على الأمة، نعم، و"ليكون الدين محروسًا من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل". نعم.
القارئ:
الشيخ: وهذا عن طريق القضاة وغيرهم -لا شك فيه- جارٍ، ويجب أن يكون القضاة نشطين، ويكونون على علمٍ كافٍ، ويكون لهم شهود من أهل العلم: أن هذا يستحق أن يكون قاضيًا، لا يُولَّى كل من يكون أظهر شهادةً فقط؛ لا بد أن يكون هناك -ويجب أن يكون- قرأ كتب الأئمة رحمة الله عليهم في القضاء، هناك كُتُبٌ في الحقيقة ربما لا يراها القاضي، كثير من القضاة، "أخبار القضاة" لوكيع، هذا قد ضم فيه أخبارًا وقضاءاتٍ مِن الذين مضوا من القاضي شُرَيح وغيرهم، عجائب وغرائب. نعم، فينبغي أن يكون مُلِمًّا بهذا.
وهذا الكتاب منذ قديم كنت أريد أن أُحقِّقه، لكن الآن الحمد لله وجدنا طالِبَين يُحقِّقان هذا الكتاب بفضل الله تعالى، وأنا أُشرف عليهم: "أخبار القضاة" لوكيع بن خلف، ليس وكيع بن الجراح.
فيجب كذلك "الطُّرُق الحُكْمية" لابن القيم رحمه الله، يجب أن يشربه القاضي أو الذي يرشِّح نفسه للقضاء: أن يتعلمه حتى يفهمه جيدًا، نعم.
"حتى تظهر النَّصَفة" فكيف يقطع الخصوم؟ الآن حينما ينظر الإنسان: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] قصتها معروفة: أن داود قضى للكُبْرى، فلما عرف سليمان حَكَم بينهما. لأنه جاء الذئب فأكل وَلَدَ الكبرى وبقي ولدُ الصغرى، فادَّعت أن هذا ولدي، فذهبتْ فقضى لها، لكن سليمان قال: لا، تعالوا، ائتوا بسكين أقطعه نصفين، أعطي نصفه هذا ونصفه هذا. فهذه رضيت، هذه التي ليس ولدها رضيت؛ لأنها حُرِمت من ولدها فتُريد أن تحرم زميلتها أو ضَرَّتها مِن ولدها، فرضيتْ، نعم. أما هذه وَلْوَلَتْ وقالت: رحمك الله، أعطها، هو ولدها، لا تقطعه. فعرف، شُف: بدون شهادة، بدون كذا، هذا كاد أن يكون متيقنًا: أن تلك كاذبة وهذه صادقة. مثل هذه الأشياء تحتاج إلى ذكاء وفطنة، نعم، قد يقضي الإنسان.
القارئ:
الشيخ: البيضة، أيشٍ معنى البيضة؟ خُوذة، الذي يسمونه "خوذة"، وهو الذي يكون في الغالب من الحديد، يَتَّقي به الإنسانُ من السيف وغيره؛ لأن الرأس هو رئيس الجسم، وكذلك الصدر يلبسون فيها هذه الدروع. أما إذا أصيب برِجله، أصيب كذا، كله لا شك أنه في داخل الميدان يَضُر، لكنه لا يأخذ بحياته؛ فلذلك "خُوذة" على هذا: بيضة.
وقيل: "البيضة والذب عن الحوزة"، البيضة التي هي حقيقةً البيضة، تحمي أموالك وتحمي أولادك كما تَحْمي الطيرُ بيضتَها حتى لا تضيع ولا يحوزها أحدٌ آخر ولا يغلب عليها أحدٌ.
هكذا على كل حال معناه قطعًا: أن تحمي ما ملَّكك الله عليها، ولا يطغى عليها أحد؛ "ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين".
القارئ:
الشيخ: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، وقد كنت قرأت في بعض الجرائد -حقق بعضهم قال-: ما قد أُقيم الأمن في طول بلاد الإسلام وعرضها إلى الأندلس وكذلك بغداد وما حولها كلها، وما قُطِع في هذا التاريخ الطويل إلا ستةُ أيدٍ فقط، في زمن النبي ومن بعده ستة أيدٍ فقط قُطِعت؛ فحُفِظَت أموال الناس بقطع ستة الأيدي، كذلك: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:179].
القارئ:
الشيخ: نعم، فكان عمر أول مَن دوَّن الدواوين ونصب الناس على الثغور.
ثم بعد ذلك نقرأ، وهذا جانب ناصع جدًّا لأهل الحديث أيضًا، ترون أهل الحديث ما كانوا يجلسون عن أيِّ مجال من المجالات: أن لهم حضورًا في الثغور، سبحان الله! وهذا ابن المبارك رحمه الله وغيره كانوا على ثغور بيروت.
أنا عندي جَمْعُ أهل الحديث على الثغور. يقولون: هؤلاء فقط يأكلون ويشربون ويقرؤون. لا، عند الحاجة يرفعون السلاح أيضًا، الإمام ابن المبارك زاهدٌ في الدنيا، لكنه عُرف "الزاهد المجاهد"، مجاهد رحمه الله. وكم من الكتبِ وكُتُبُهم -كتب الحديث- معهم: سمعتها على ثغر فلان، على ثغر فلان. سبحان الله! وهذا جانب ناصع جدًّا من أئمة وعلماء السنة.
فيكون تحصين الثغور؛ لأن الأعداء لا شك أنهم لو يجدون فرصة وغِرةً فربما يدخلون على المسلمين فيهتكون الكرامات وكذلك يقتلون الناس: "حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا ويسفكون بها دمًا لمسلم أو معاهد".
القارئ:
الشيخ: إذا تبايعتم بالعِينة، وتركتم الجهاد؛ سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم[40]، فهو الدين، الجهاد هو ذروة الإسلام؛ ولذلك سماه "دينًا"، كأنك ترجع إلى دينك الكامل، ودينك الكامل يبعثك على الجهاد للأعداء.
القارئ:
الشيخ: كما أن النبي كان يُوصِي ألا يظلم: فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب[41]، .
القارئ:
الشيخ: وهذا من جملة ما أوجد الخلفاء المسلمون، ومن جملتهم عمر أول مَن دوَّن الدواوين، فكان يُعطي الفقراء والمساكين وكانت لهم دواوين خاصة، وكان يبعث إلى القرى لمن يحتاج فكان يكتب لهم، كذلك كان يجعل للعلماء الذين كان يُكلِّفهم للإمامة وغيرها كلها، هذا هو تقدير العطاء.
فقد يُعطى إنسانٌ إذا كانت له حاجةٌ طارئة فجأةً، وليس معنى أنه يُعطى أنه يتمول ويتكثر فقط، فكانوا لا يَتركون ناسًا وهم بحاجة إلا أن يبذلوا مِن بيت مال المسلمين؛ فبيت مال المسلمين في الحقيقة إذا كان في كل بلدٍ -مهما كان- حتى المسلمون في غير بلاد الإسلام لو جمعوا زكواتهم وبحثوا عن فقراء، فربما -يكونون لا شك- يغطون حاجاتهم الكثيرة.
ولذلك يجب -كما يَبنون المساجد، وكما يبنون مدارس خاصة لهم والدولة تسمح لهم فقط غنيمة ولا تساعدهم- يجب أن يجعلوا بيت مال المسلمين، فيحثُّوا الناس على أداء صدقاتهم إن شاء الله فتمشي فيه مصالح كثيرة: "ودفعه في وقته لا تقديم ولا تأخير".
القارئ:
الشيخ: ومن قديمٍ قالوا: "الناس على دين ملوكهم". نعم.
القارئ:
الشيخ: "نفق فيه الصدق والبر" الظاهر: هو في نفسه يكون صادقًا.
"والعدل.. جُلب إليه" فيكون -إن شاء الله- الناس الذين يتولى أمرهم يكونون أيضًا عادلين صادقين بارِّين، وإن نَفَقَ -هو في نفسه- الكذب والجور والخيانة جُلب إليه الكذب والجور والظلم.
القارئ:
الشيخ: إي نعم، يعني أمناء، فيه الذهب والفضة وأشياء، التي ما تركوها إلا أدَّوها بكل أمانة، ما غَلُّوا ولا خانوا ولا سرقوا منها شيئًا: "إن قومًا أدَّوا هذا لأمناء"؛ لأنهم لم يأخذوا منه شيئًا وأدَّوا كل حبة منها، ولم يستفيدوا منها شيئًا فشهد لهم بالأمانة.
القارئ:
الشيخ: يعني يُرتِّب على أهله تلك الأشياء التي يُنكر على الآخرين إذا وجدها، فيُضاعف عليهم العقوبة، وهذا له أصله في كتاب الله: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ[الأحزاب:32]، ومَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ [الأحزاب:30]، فأنتم درجتكم أعلى. فعمر كأنه استنبط من هذا: أنتم أهلي، أنا أمنع الناس من أن يأتوا بالمنكر، وإذا أتيتم بالمنكر فتستحقون إذا كان عامة الناس عشر جلدات فأنتم عشرين جلدة: "أضعفت له العقوبة".
وصلى الله على خير خلقه محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 7068. |
|---|---|
| ^2 | "تفسير ابن كثير": 5/ 561. |
| ^3 | "فتح القدير" للشوكاني: 4/ 55. |
| ^4 | المصدر السابق: 4/ 55، 56. |
| ^5, ^11 | رواه البخاري: 6806، ومسلم: 1031. |
| ^6 | رواه البخاري: 660، 1423، 6479، 6806. |
| ^7, ^12, ^14 | المصدر السابق. |
| ^8 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 6324. |
| ^9 | رواه البخاري: 731، ومسلم: 781. |
| ^10 | رواه مسلم: 1031. |
| ^13 | رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031. |
| ^15 | رواه البخاري: 1423، ومسلم: 1031. |
| ^16 | رواه مسلم: 1827. |
| ^17, ^26, ^34, ^35 | سبق تخريجه. |
| ^18 | رواه البخاري: 2409، ومسلم: 1829. |
| ^19 | رواه البخاري: 2650، ومسلم: 1623. |
| ^20 | رواه مسلم: 2865. |
| ^21 | رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 17882، والطبراني في "الأوسط": 6835، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3248. |
| ^22 | رواه القُضَاعي في "مسنده": 577، والسِّلَفي في "الطيوريات": 1318. |
| ^23 | "السياسة الشرعية" لابن تيمية: ص5. |
| ^24 | رواه البخاري: 7224، ومسلم: 651. |
| ^25 | رواه أبو داود: 1575، والنسائي: 2444، وأحمد: 20016، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1407. |
| ^27 | تفسير اين كثير: 5/ 427. |
| ^28 | "جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري: 2/ 288. |
| ^29 | "الأمثال السائرة من شعر المتنبي" للصاحب ابن عباد: ص33. |
| ^30 | رواه القضاعي في "مسنده": 1215. وورد بلفظ آخر عن أبي بكرة قال: قال رسول الله : مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ. رواه أبو داود: 4902، والترمذي: 2511، وابن ماجه: 4211، وأحمد: 20374، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5704. |
| ^31 | رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 19898. |
| ^32 | رواه ابن المبارك في "الزهد": 724. |
| ^33 | رواه الطبراني في "الأوسط": 1092، والبيهقي في "الكبرى" واللفظ له: 19898، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5391. |
| ^36 | "الحسبة في الإسلام" لابن تيمية: ص91. |
| ^37 | ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 10/ 34- 35. |
| ^38 | ينظر: "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان" لابن الجوزي: 5/ 414- 415. |
| ^39 | رواه الترمذي: 3846، وأحمد: 16869، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3206. |
| ^40 | رواه أبو داود: 3462، وأحمد: 4825، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 423. |
| ^41 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19. |
| ^42 | رواه البخاري: 2409، ومسلم: 1829. |
| ^43 | "السياسة الشرعية" لابن تيمية: ص27. |
| ^44 | رواه الدارقطني في "فضائل الصحابة": 19، والأصبهاني في "الحجة": 346. |
| ^45 | رواه أبو نعيم في "فضيلة العادلين": 37، والبيهقي في "الكبرى": 16729. |
| ^46 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 37168. |
| ^47 | رواه عبدالرزاق في "المصنف": 21790، وابن أبي شيبة في "المصنف": 32673. |