تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس

من قوله: "فَعَلى ولاة أمر المسلمين أن يَحذروا من مخالفة شرع الله.." (2)

جدول المحتويات

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

القارئ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين.

ما ورد من الوعيد الشديد في الولاة الجائرين

قال العلامة الشيخ محمد بن عبدالله السُّبَيِّل في كتابه "الأدلة الشرعية في بيان حق الراعي والرعية" في الفصل الأول: "حقوق الرعية":

فعلى ولاة أمر المسلمين أن يَحذروا من مخالفة شرع الله، ومن مَغَبَّة التقصير والإخلال فيما أوجب الله عليهم في أنفسهم.

الشيخ: "مَغَبَّة"، ما معنى المغبة؟ العاقبة السيئة، المغبة عامةً: العاقبة السيئة للتقصير والإخلال فيما أوجب الله ​​​​​​​.

من غش رعية المسلمين فقد حُرم الجنة

القارئ:

وما أوجب عليهم من رعاية أمور الدولة، والاهتمام بحقوق الرعية، فقد ثبت عن النبي  التهديد البليغ والوعيد الشديد لمن ولي أمور المسلمين فلم يَحُطْهم برعايته، ولم ينصح لهم في ولايته، ولم يقم بما أوجب الله عليه من حقوقٍ وواجباتٍ؛ فمن ذلك: ما رواه البخاري ومسلمٌ عن مَعقِل بن يسارٍ  أن رسول الله قال: ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ لهم؛ إلا حرم الله عليه الجنة [1].

الشيخ: ما من والٍ: هذا نكرةٌ، والظاهر: يلي رعيةً من المسلمين، هذا يشمل الرعاية الكبرى "الإمامة الكبرى"، أو كل إنسانٍ يكون مسؤولًا عن أحدٍ، إدارةً صغيرةً وغيرها، كله داخلٌ في ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ لهم، يجب أن يكون ناصحًا لهم، جاهدًا في نصحه لهم وترتيب أمورهم على ما يُرضي الله تعالى.

القارئ:

قال ابن بَطَّالٍ [2] تعليقًا على هذا الحديث، كما في "فتح الباري":

الشيخ: ابن بطالٍ هذا الآن خرج شرحه وليس كاملًا، جاء شرحه، وابن حجرٍ رحمه الله نقل عنه كثيرًا، له "شرح البخاري"، ولكن الشيخ لم يجد إلا نقلًا عمن نَقَل عنه، والكتاب قد جاء جزءٌ منه أو جزءٌ كثيرٌ منه.

القارئ:

وهذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجور، فمن ضيَّع من استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم؛ فقد تَوجَّه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمةٍ عظيمةٍ؟! [3].

الشيخ: نعم ظلم هذا، أكل مال هذا، وضرب هذا، وشتم هذا، فينبغي ألا يستعمل قوَّته في ظلمه للعباد، ولينظر أنه يقف بين يدي الله تبارك تعالى، ويخاف أنه يكون مفلسًا حيث إنه لم يكن مخلصًا، فيكون مفلسًا يوم القيامة من الحسنات، أتدرون من المفلس؟... إلى آخره [4].

جزاء من ترك النصح لرعيته

القارئ:

وروى البخاري في "صحيحه" عن معقل بن يسارٍ  أنه قال: سمعت رسول الله يقول: ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فلم يَحُطْها بنصحه؛ لم يجد رائحة الجنة [5].

الشيخ: وإن رائحة الجنة في أحاديث صحيحةٍ توجد من مسيرة أربعين خريفًا أو أربعين سنةً [6]، فمع بُعد رائحتها سبحان الله؛ تأتي من مسيرة أربعين، فيكون أبعد من هذا المكان عن رحمة الله تبارك وتعالى، ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فلم يَحُطْها بنصحه؛ لم يجد رائحة الجنة فضلًا عن أن يدخل الجنة، فهذا أيضًا فيه وعيدٌ وتهديدٌ شديدٌ جدًّا.

من شقَّ على الرعية؛ شقَّ الله عليه، ومن رَفَق بهم رُفِق به

القارئ:

وروى مسلمٌ في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله يقول: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشَقَّ عليهم؛ فاشقُق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرَفَق بهم؛ فارفُق به [7].

الشيخ: دعاء النبي لا يُرَدُّ، ولا ينال دعاؤه من خان، وينال دعاؤه من نصح للأمة.

خطورة طلب الولاية ومسؤوليتها يوم القيامة

القارئ:

وروى مسلمٌ في "صحيحه" أيضًا عن أبي ذرٍّ  أنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على مَنكِبي ثم قال: يا أبا ذرٍّ، إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامةٌ، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها [8].

الشيخ: في حديث النبي  في هذين الحديثين وعيدٌ شديدٌ لمن شق على أمة محمدٍ ، أو لم يؤدِّ أمانته، وهذا يدخل في باب رحمة النبي بأمته، هو بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ، ولذلك اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه [9] فهذا يدل على تهديده وتخويفيه؛ حتى يكون رحيمًا شفوقًا على رعيته.

كلامٌ نفيسٌ لشيخ الإسلام في بيان المقصود الشرعي من الولايات

القارئ:

هذا ويَحسُن أن نختم هذا الفصل بكلامٍ نفيسٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "السياسة الشرعية".

الشيخ: اسم الكتاب "السياسة الشرعية للراعي والرعية"، الراعي المقصود منه: كل من يرعى شيئًا ما بدرجةٍ أُولى، والأَوْلَى أن يدخل فيه الإمام الأكبر والذي يلي أمر المسلمين، ثم بعد ذلك كل واحدٍ يكون تحته ناسٌ، أقل شيءٍ يكون أهله وعياله، ثم من يكون وليًّا في الإدارات وبيت مال المسلمين وغيرها، الذي جاءته إداراتٌ شرعيةٌ من قِبل الأمير، أو أمير البلاد، أو الحاكم، أو الخليفة.

منزلة الولاية في إقامة الدين ومصالح العباد

القارئ:

بيَّن فيه المقصود الشرعي من الولايات، والواجب على الأئمة في ذلك، وفَضْلَ أئمة العدل وخطر أئمة الجور والظلم على العباد والبلاد، فقال رحمه الله: فالمقصود الواجب بالولايات:
إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم؛ خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا.
وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان:
1. قَسْم المال بين مستحقيه.
2. وعقوبات المعتدين.
فمن لم يَعتدِ؛ أَصلَح له دينه ودنياه؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: "إنما بَعثتُ عمالي إليكم؛ ليُعلِّموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ، ويقيموا بينكم دينكم" [10].
فلما تغيَّرت الرعية من وجهٍ، والرعاة من وجهٍ؛ تناقضت الأمور، فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان؛ كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله، فقد رُوي: يومٌ من إمامٍ عدلٍ أفضل من عبادة ستين سنةً [11]" [12].

الشيخ: نعم، رُوي هكذا، يُشير إلى أنه كأنه فيه بعض الضعف، وهو قولٌ لبعض التابعين، وليس حديثًا صحيحًا، هل ذُكر باسم الحديث عندكم في التعليق شيءٌ؟

القارئ: نعم شيخنا، جاء في هذا حديثٌ مرفوعٌ عن النبي أخرجه الطبراني في "الكبير" (11337)، وفي "الأوسط" كما في "مجمع البحرين"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وفي "شعب الإيمان"، وإسحاق بن راهويه في "مسنده"، كما في "نصب الراية" للزيلعي، من حديث عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، وقال المنذري في "الترغيب": ورواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وإسناده حسنٌ، وانظر "تخريج أحاديث العادِلِين من الولاة" للسخاوي.

الشيخ: نعم رواه مرفوعًا هكذا، قال: وقيل: إنه موقوفٌ على ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وعلى كل حالٍ قال بعضهم: إنه لم يصح، لكنه يشير الإمام -كأنه الإمام ابن تيمية- إلى أن فيه بعض الضعف، إذا كان؛ يُنظر "الترغيب والترهيب" أيضًا، ما وصلتُ إليه، لكن تنظرون فيه إن شاء الله، وقال: إن إسناده حسنٌ، من الذي قال؟ المعلق أم قول صاحب "مجمع الزوائد" الهيثمي؟ ماذا قال؟

القارئ:

قال: وإسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "نصب الراية" للزيلعي من حديث عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، وقال المنذري في "الترغيب": ورواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وإسناده حسنٌ.

الشيخ: قال المنذري في "الترغيب"، على كل حالٍ، إن شاء الله أضع عليه علامةً؛ لنراجعه غدًا، لكنه في الحقيقة قولٌ، إذا صح الحديث؛ لا شك في مثل هذا لا يكون قولًا لأحدٍ، لأن هذه عبادةٌ وأفضل عبادةٍ، وكذا لا بد أن يكون فيه حديثٌ صحيحٌ، إذا لم يكن حديثًا صحيحًا؛ فيُستأنس به بتعبير: "رُوي" بصيغة التمريض.

القارئ:

وفي "مسند الإمام أحمد" عن النبي أنه قال: أحب الناس إلى الله عز وجل يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا: إمامٌ عادلٌ، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشده عذابًا: إمامٌ جائرٌ [13].
ثم قال في موضعٍ آخر من الكتاب المذكور: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعضٍ، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأسٍ، حتى قال النبي : إذا خرج ثلاثةٌ في سفرٍ؛ فليؤمِّروا أحدهم [14]، [15].

الشيخ: وهو حديثٌ صحيحٌ بإسنادٍ صحيحٍ، أبو داود برقم: (2608) هذا عن أبي سعيدٍ ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (2609)، مع بعضٍ، ذكر هذين الحديثين أولًا عن أبي سعيدٍ، وكلاهما بإسنادٍ صحيحٍ، يعني حديثان صحيحان.

وجوب الإمارة ولو في السفر

القارئ:

ورَوى الإمام أحمد في "المسند" عن عبدالله بن عمرٍو  أن النبي قال: لا يحل لثلاثةٍ يكونون بفلاةٍ من الأرض؛ إلا أمَّروا عليهم أحدهم [16].

الشيخ: هذا في إسناده ابن لَهِيعة، وتعرفون أنه ليس من رواية العبادلة، هذه الرواية ليست من رواية عبدالله بن المبارك، وعبدالله بن يزيد المقري، وعبدالله ابن من هو؟ عبدالله بن المبارك، رحمة الله عليهم، وقيل: إن قتيبة بن سعيدٍ البغلاني أيضًا ملحقٌ بالثلاثة، وأحاديثهم عن ابن لهيعة صحيحةٌ، لكن ليس من هؤلاء، ماذا يقال من حيث المتابعة والشواهد؟ الحديث الأول الصحيح يقويه وإن كان ضعيفًا؛ لأجل اختلاط عبدالله بن لهيعة، لكن يقويه ما سبق، فحديث ابن لهيعة يكون حسنًا لغيره، والحديث صحيحٌ، ففي مثل هذا يُعقَّب: هذا حديثٌ حسنٌ وصحيح؛ حسنٌ لغيره من طريقٍ، وصحيحٌ لذاته من طرقٍ أخرى، من طريقين كما مر.

فإذنْ فيه ابن لهيعة، ولم يُعرف من سَمِع منه قبل الاختلاط، لكن يقويه الحديث السابق.

القارئ:

"فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع.

الشيخ: يعني: هنا استدل على أنه ما دام وجب على ثلاثةٍ إذا سافروا فلا بد أن يؤمِّروا أحدًا؛ فكيف إذا كان اجتماعات الناس، أو مجتمعات الناس؟! كيف يعيش المجتمع، وليس أحدٌ يقودهم؟!

لا يَصلح الناس فوضى لا سَرَاة لهم ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا [17].

فلا بد أن يكون هناك من يجمع رأسهم، ويدبر أمورهم؛ ولذلك أولياء الأمور كانوا يجعلون عمدةً أو مسؤولًا عن قريةٍ، ثم بعد ذلك مسؤولًا آخر فوقه، أميرًا لمدينة ولي أمر المدينة، فهذا مما يُؤخذ من هذه الأحاديث: أن المسلمين لا بد أن يكون لهم أميرٌ، إذا كان أمرٌ جامعٌ؛ فلا يذهب أحدٌ منهم إلا في ضوء هذه الإمارة.

ضرورة الإمارة والقوة لإتمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

القارئ:

ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوةٍ وإمارةٍ.

الشيخ: الله أكبر! هذا واضحٌ جدًّا، وكما قالوا: إن الحق كالأسد، إذا كان ليست له قوةٌ؛ فهو كالأسد المصفَّد، أو يكون محبوسًا في شبكٍ، لا يمكن أن يتحرك، ولا أن يصيد، أو كذا، مهما قَوِيَ، فالحق مهما قوي؛ لا شك في أنه يحتاج إلى قوةٍ ممن يقوم به، وأي أمرٍ بالحقيقة يقوم الناس به يحتاجون إلى قوةٍ، إن كان خيرًا وشرًّا فالحق يحتاج إلى قوةٍ، فالنهي عن المنكر يحتاج إلى قوةٍ، وإلا ربما لا يرتدع المرتكب للمناكير؛ فلذلك لا يتم ذلك إلا بقوةٍ.

ومثالكم في هذا الزمان: كان الإمام محمد بن عبدالوهَّاب رحمه الله مخذولًا مطرودًا من قريةٍ إلى قريةٍ، من أميرٍ إلى أميرٍ، معروفٌ إذا قرأتم، ويجب أن نقرأ حياة هذا الإمام؛ ليكون لكل داعٍ فيه عبرةٌ، وفيه شحذٌ لهمته، إذا اتبع طريقه رحمه الله وهو متبعٌ طريق النبي ، ونحن نقول: لا نقلد الإمام، إنما أصل عمله مأخوذٌ من كتاب الله وسنة رسوله .

فلما آزره الإمام محمد بن سعودٍ؛ كان -والحمد لله- له قوةٌ، وله نفوذٌ وتنفيذٌ، حتى مَلَّك الله ناصية هذه الجزيرة بفضل الله تبارك وتعالى.

فلا يتم ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإقامة دين الله إلا بقوةٍ وإمارةٍ، لكن حصول هذه القوة في الحقيقة وما تجدون من جمعياتٍ وجماعاتٍ مختلفةٍ، خاصةً في هذه العصر حينما ضعف المسلمون، فكل واحدٍ يقوم ويُكوِّن جمعيةً، ولعله يريد الخير، لا شك فيه، لكن أي جماعةٍ أو جمعيةٍ تقوم على سياسة الحصول على القوة فقط بعيدًا عن سنة النبي في الدعوة، الذي أقام الدعوة بالقوة، وحصَّل القوة من الله ​​​​​​​ ومن أصحابه.

فأي جماعةٍ تجعل منهج عملها الحصول أولًا على القوة، الحصول أولًا على البرلمان والكراسي، وكذا وكذا، بأي طريقٍ حصل ولا يبالون -والآن أمامنا جماعاتٌ كثيرةٌ- لا يبالون بالتوحيد الخالص، ويقولون: نجمع المسلمين أولًا، كل أحدٍ، حتى الرافضة سبحان الله! هم يتفقون معهم، يجتمعون على رصيفٍ واحدٍ، حتى إذا اجتمعنا وصارت لنا قوةٌ؛ ندعوهم إلى التوحيد وغيره، وأما إذا دعونا إلى التوحيد؛ فسيقولون: نحن نفرق جماعة المسلمين، وأي جماعة؟! هل المسلمون على جماعةٍ واحدةٍ؟ ليسوا على قلبٍ واحدٍ، إنما هم متفرقون، ماذا بقي أن نفرقهم؟ فيجب علينا أن نستعمل فيهم ما يجمعهم، ولا يجمعهم إلا ما جمع به النبي القبائل المتناحرة، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103].

فلذلك في الحقيقة أي جماعةٍ كبيرةٍ في هذا الزمان.. ونحن نعرف هناك جماعة فرحوا كثيرًا بمجيء الخُمَيني، وأرسلوا طائرةً خاصةً، نعم جماعة الشيخ حسن البنا، وجماعة الشيخ المودودي، وجماعة الحزب المعشومي، لعلك كثيرًا منكم ما أدرك هذا، لكن نتابع الأحداث، ففرحوا كثيرًا بمجيء الخميني وطرد الشاه، لماذا؟ لأن الشاه كان في تلك الأيام بدأ يتقارب مع بلاد المسلمين، الملك فيصل رحمة الله عليه جمعهم في التضامن الإسلامي، أراد أن يجمعهم، فلما رأوا أن هذا قد ينجح، وكان من قبلُ خلافٌ في إيران والشاه على جُزر من الكويت وغيرها، خَبَت وخمدت هذه الأصوات، فخافوا أنه ربما يحصل لهم قوةٌ، فعلى كل حالٍ جاءوا به، وبدون سببٍ يبدأ بالحرب مع العراق، يعني ابحثوا، هذا كله عاصرناه، ثم بعد ذلك بعد ثماني سنواتٍ -لا نقول: أعوامًا، ثماني سنواتٍ عجافٍ- يوقف الحرب بعدما ذهب بالأخضر واليابس.

فالحاصل نقول: يجب علينا أن ننادي الجماعات، يجب عليهم أن يتحدوا على كتاب الله وسنة رسول الله ، والدعوةِ إلى التوحيد، والتمسك بالدين، فيجعل الله لكم قوةً إلى قوتكم إن شاء الله، أما أن تكون جماعةً خاصةً، ويكون أول شيءٍ أن نأخذ عن طريق الانتخابات والحكم والكرسي، وكذا وكذا، ثم بعد ذلك ندعو، فقد جَرَّبَت الدنيا كلها، ما حصَّلوا منذ سبعين سنةً في باكستان ولا في أي دولةٍ حكمًا إسلاميًّا، مع أن بعض الدول وهذه ما أُخذت باكستان إلا باسم الإسلام، وما فُصلت عن الهند إلا باسم الإسلام، لكن في أي يومٍ هل تذكرون أنهم حكموا بدين الله تعالى؟ أبدًا.

فلذلك يجب على أهل الجماعات عامةً أن يتركوا هذه السياسة التي هي مخالفةٌ للدين الخالص، وليدعوا الناس إلى التوحيد الخالص، ولا يتآمروا على المسلمين مع أولئك الذين هم أعداء الإسلام دائمًا وأبدًا، نعم، معروفون.

ولا يتم ذلك إلا بقوةٍ وإمارةٍ..

مكانة الإمامة وأثرها في صلاح الأمة وفلاحها

القارئ:

وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا رُوي: إن السلطان ظِلُّ الله في الأرض [18].

الشيخ: خرَّجَ لنا صاحبنا أو ما خرَّج؟ هذا موجودٌ؟ التخريج عندكم: إن السلطان.. ماذا قال؟

القارئ: نعم، جاء هذا مرفوعًا عن النبي ، أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" برقم كذا، والبيهقي في شعب الإيمان برقم كذا، من حديث أبي بكرٍ ، وحسنه الألباني في ظلال الجنة، والسلسلة الصحيحة برقم كذا.

الشيخ: نعم نعم، وذكر أيضًا التِّبْرِيزي في كتاب "النصيحة للراعي والرعية" هذا القول عن كعب الأحبار أيضًا، وهو أخذه من السنة إن شاء الله.

القارئ: وكذلك يقول: وانظر "مجموع فتاوى ابن تيمية"، و"الدرر المنتثرة" للسيوطي.

ويقال: ستون سنةً من إمامٍ جائرٍ.

الشيخ: وهذا التِّبْريزي بعضهم قال: إن أصله من قول كعب الأحبار، لا، هو يكون أخذ، والحديث بعد أن صحَّ ذكر التبريزي في كتاب "النصيحة للراعي والرعية" في صفحة (65)، فبعضهم قال: إنه قول كعب الأحبار، لا، قد ثبت، ولا بأس أن يأخذ التابعي فيرويه كمقطوعٍ، أو فتوى منه، أو قولٍ له، كما يكون الموقوف؛ يكون مرفوعًا، والصحابي يكون رفعه إلى النبي بإسنادٍ صحيحٍ، ثم يقول معتمدًا على ما ثبت عنده، كأنه قوله؛ فهكذا يكون هذا.

القارئ:

"ويقال: ستون سنةً من إمامٍ جائرٍ أصلحُ من ليلةٍ بلا سلطانٍ، والتجربة تُبيِّن ذلك، ولهذا كان السلف؛ كالفضيل بن عياضٍ وأحمد بن حنبلٍ وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوةٌ مُجابةٌ لدعونا بها للسلطان.

الشيخ: والفضيل بن عياضٍ أيضًا ثبت عنه في "الحلية" وغيرها [19]، وأحمد بن حنبلٍ رحمه الله، الخلَّال أخرج قوله هذا في "السنة"، وكذلك المرُّوذي أيضًا فيما نُقل عنه.

مناصحة الولاة ولزوم جماعة المسلمين

القارئ:

وقال النبي : إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم [20] رواه مسلمٌ.

الشيخ: والإمام أحمد بورعه لما أرادوا أن يَخرجوا، وسيأتي ذكره، لما أرادوا أن يخرجوا على المأمون وغيره، لما عذَّبوا الإمام أحمد بفتنة خلق القرآن، جاء تلاميذه وأصحابه، وأشاروا أن نخرج عليه، وننزع يدًا من طاعة، فخوفهم تخويفًا شديدًا، وكان يقول المرُّوذي: "سمعت أبا عبدالله -وذكر الخليفة المتوكل- فقال: إني لأدعو له بالصلاح والعافية، وقال: لئن حدث به حَدَثٌ؛ لتنظرُنَّ ما يحل بالإسلام" [21].

"لئن حدث": يشير إلى أن الخروج قد يُحِلُّ بالإسلام مَثُلاتٍ وحوادث كبيرةً، ولذلك أيًّا كان الأمير أو الخليفة، ولو كان فاسقًا، ولم يخرُج من دائرة الإسلام؛ فيكون له حقُّ الطاعة، وهو الذي يُصلح أمور المسلمين.

القارئ:

"وقال : ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلمٍ: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيطُ من ورائهم [22]".

الشيخ: لا يَغِلُّ عليهن غَلَّ يغِلُّ هكذا، أما غَلَّ يَغُلُّ فمن الغُلول، وهذا غَلَّ يغِلُّ من الغِل، يعني: لا يكون في قلب المسلم غِلٌّ وخلافٌ لهذه الأشياء، إخلاصُ العمل لله، فهو لا يَغِلُّ على هذا ولا يحقد ولا يخالفه.

ومناصحةُ ولاة الأمور: مناصحة ولاة الأمر يأتي تفسيره، كيف تنصحه؟ وكيف تناصحه؟ الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم [23].

فإذا كان لا يصح لك أن تثير على الخروج، أو تشير إلى الخروج، فضلًا عن أن تقوم بالإثارة، وهذه من المناصحة، والمناصحة إذا رأيت منه شيئًا مخالفًا وقدرت أن تدخل عليه؛ فتدخل عليه وتختلي به، وتَبُثَّ إليه ما تجد، فإن لم تقدر؛ فبث إلى من يكون له الجلوس مع الخليفة، أو مع أمير المؤمنين، فقد أديت ما عليك، ومناصحةُ ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين.

القارئ:

وفي "الصحيح" عنه أنه قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم [24].
فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربةً يُتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يَفسد فيها حال أكثر الناس؛ لابتغاء الرياسة أو المال بها" [25].

الشيخ: المضاف دائمًا يكون مجرورًا، إما ظاهرًا وإما تقديرًا.

استغلال الدين باسم السلطة وخطره على الأمة

القارئ:

ولما غَلَب على كثيرٍ من ولاة الأمور إرادة المال والشرف؛ صاروا بمَعزِلٍ عن حقيقة الإيمان وكمال الدين، ثم منهم من غَلَّب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرضًا عن الدين؛ لاعتقاده أنه منافٍ لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل.

الشيخ: صار الدين كأنه تحت رحمته، يعني يأخذ منه ما شاء، ويذر ويترك منه ما شاء، مع أن الدين يكون هو الغالب، وهو الذي يديره ويحركه، فبعض الناس يأخذ من الدين على قدر حاجته.

والآن مما لا شك فيه أن هناك ناسًا كثيرين ربما يريدون أن يحكموا على الناس باسم الدين، فأصحاب الطرائق، أو أصحاب الطرق الصوفية وغيرها، هم باسم الدين يأخذون الناس على البدع وترك الدين -في الحقيقة- في كثيرٍ من الأحيان، كذلك يَعرفون أن هناك ناسًا لا يَقبلون إلا باسم الدين، فيخدعون الناس باسم الدين، سواءٌ كانوا رؤساء البلاد أو أمراء البلاد أو كذا، فهذا الذي يُنَدِّد به الإمام ابن تيمية رحمه الله، وهو قد رأى من هذا النوع في زمنه، فكيف بزمانك هذا؟!

القارئ:

وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العلو والعز، وكذلك لمَّا غَلَب على كثيرٍ من أهل الديانتين العجز والكسل عن تكميل الدين، والجزع لِمَا قد يصيبهم في إقامته من البلاء؛ استَضعف طريقتهم واستذلها من رأى أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها، وهاتان السبيلان الفاسدتان:
سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال.

الشيخ: فيما يأتي من الكلام يشرح لنا ما يريد الإمام، كذلك لمَّا غلب على كثيرٍ من أهل الديانتين، يقصد به: أهل الكتاب اليهود والنصارى، كما يأتي في السياق.

ولاية الأمر واجتهاد الحاكم بحسب القدرة

القارئ:

وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين.
وهما سبيل المغضوب عليهم والضالين؛ الأولى للضالين "النصارى"، والثانية للمغضوب عليهم "اليهود"، وإنما الصراط المستقيم: صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمدٍ وسبيل خلفائه وأصحابه ومن سلك سبيلهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100].
فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه، فمن ولي ولايةً يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات؛ لم يؤاخَذ بما يعجز عنه؛ فإن تولية الأبرار خيرٌ للأمة من تولية الفجار، ومن كان عاجزًا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، وفعل ما يقدر عليه".

الشيخ: "وفَعَل"، "من كان عاجزًا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد"، يعني: سلطانه ضعيفٌ، وجهاده ضعيفٌ أيضًا، ولا يقدر على إقامة جميع ما يلزمه إقامته في ولايته، "وفَعَل ما يقدر عليه".

القارئ:

وفَعَل ما يقدر عليه من الخير؛ لم يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديث الناصر، كما ذكره الله تعالى [26]. انتهى كلامه رحمه الله.

الشيخ: في هذا أيضًا لا شك أن هناك قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

قد يكون له عذرٌ؛ لأنه يقدر كما ذُكر سابقًا؛ لأنه يرغب أن يقيم الدين، لكنه محاطٌ بالبطانة السيئة، أو جيشٍ أو كذا؛ لأنهم توارثوا غير الدين؛ فلا يمكنه، فإذا أقام ما قدر عليه؛ إن شاء الله يُثاب عليه، لكنه لا يكون عاجزًا في سعيه لإقامة الدين الكامل.

فإذا كان هناك في الأمة من هو أقوى منه، ويُرجى وراءه خيرٌ؛ فهنا كما يذكره أبو يعلى وغيرهم من الأحكام السلطانية: أن يجعلوا الحكم لغيره، وينقلوه، ويعزلوه.. إلى آخره.

هذه كلها من مسائل العزل والنَّصْب موجودةٌ في مسائل الأحكام السلطانية، إذا كان خائرًا ضعيفًا، وهناك من يُرجى وراءه قوةٌ، فربما يُستبدل به، وما حق ولا استقام لمن عُزِل أن يكون على حقدٍ وغلٍّ من المسلمين، وليكن على طريقة سعد بن أبي وقاصٍ، وعلى طريقة خالد بن الوليد رضي الله عنهما، فيكون عضوًا صالحًا باقيًا لخدمة الدين.

خطر الخروج على الحاكم وأثره في هلاك الشعوب

وتعرفون أن رقة الدين وخفة الإيمان تجعل الناس إذا كان رأى أمامه، وقد رأيتم هذا كله، إذا كان عنده دينٌ وإيمانٌ وخوفٌ من الله تعالى، إذا كان الناس كلهم يرغبون أن يترك؛ فليترك، لكن كم من الناس هؤلاء الذين رأيناهم في البلاد المختلفة لأجل كرسيه ولأجل نفسه؛ قد أباد ملايين، وأراق دماء ملايين من الناس، وأحرق البلاد والعباد، معروفٌ هذا، وهذا كله يدل على أنهم عندهم دينٌ رقيقٌ، ولكن قدر الله هكذا.

ولذلك يقال في مثل هذا: إذا كان الإنسان لا يرجى أن يرجع إلى دينه؛ فالخروج عليه يضر، كم ضر اليمن؟! وكم ضر مصر؟! وكم ضر ليبيا؟ واضحٌ جدًّا؛ ولذلك يجب على الناس أن يتعظوا ويأخذوا العبرة، لا ندري ماذا سيكون.

ولما سمعت أنهم قاموا في السودان، والله أعداء الإسلام يحركون، وحصل فيه أيضًا من الأحوال التي لا يُفرح بها، فلعل الله تعالى يهديهم ويصلح الحال، ويقوم العلماء، ويقوم أهل الشأن، ويصلحون بالحكمة والموعظة الحسنة، أما الذين يحرضون الشباب ليقوموا بالمظاهرات، أو ليقوموا ويخرجوا بالسلاح، فهذا ليس في دين الله، فمن حرَّض ألا يخاف أن يأتي يوم القيامة وعليه دماء آلافٍ مؤلفةٍ.

و أنا لا أنسى كلام الشيخ يوسف القرضاوي لما وصل إلى مصر في أوائل المظاهرات -ولعلكم سمعتم- فقال: الناس يقولون: إنها فتنةٌ، ابتعدوا، فتنةٌ، إن كانت فتنةً؛ فأنا داخلٌ في هذه الفتنة، دَخَل يومًا أو يومين ثم ذهب إلى مأمنٍ، وبقي هو وأولاده في مأمنٍ، في بلدٍ تعرفونه، سبحان الله! فهذا كمَثَل الشيطان، هذا مثاله، بدون حياءٍ أنا أقول هذا الكلام: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ [الحشر:16].

وهذا شأنه، كل هؤلاء المفسدين، وتتصيدهم الدول أعداء الإسلام، فتجعلهم ضيوفًا لديهم، ولا بد أن يتكلموا، ولا بد أن يفسدوا، ولا بد كذا، وإلا تطردهم من بلادهم، ما آوَتْكم إلا أن تتكلموا على هذه البلاد التي هربتم منها، مسائل عجيبةٌ جدًّا في الدنيا.

فلذلك والله نكون خائنين إذا لم نَدْعُ الله تبارك وتعالى أن يحفظ بلاد المسلمين، وبالأخص بلاد الحرمين التي -والحمد لله- أقامت الدين، وأقامت السنة ما لم تُقَم من قرونٍ طويلةٍ، ونُعِيذ شبابنا أن يجدوا في أنفسهم شيئًا وحقدًا على البلاد التي -والحمد لله- قد أعطتهم كل خيرٍ، إذا ذهبت في بلادٍ أخرى، والله سبحان الله! لا تجد في الطريق ما تقضي به حاجتك إلا باليورو، تدخل الحمام باليورو أو بالدراهم الموجودة معهم، ما يُسمح لك في الشارع، لا يجوز لك أن توقف سيارتك في الشارع، إلا أن تكون لها كذا من الرسوم الباهظة.

فالحاصل: يجب أن تصبر أنت على دولتك التي ولدت فيها، وترعرعت فيها، وخاصةً البلد الذي يقيم الدين والإيمان، ولا يستخِفَّنَّك الذين لا يوقنون.

الفصل الثاني: حقوق الراعي

القارئ:

ثم قال رحمه الله:

الفصل الثاني: حقوق الراعي
تمهيدٌ:
إن دين الإسلام دين عدلٍ وانصافٍ في كل الأمور والمجالات، فكما أن على ولاة أمور المسلمين حقوقًا عظيمةً، وواجباتٍ جسيمةً نحو القيام على الرعية بما يُصلح أمور دينهم ودنياهم، كما سبق بيانه؛ فإن لولاة الأمور على الرعية حقوقًا أوجبها الإسلام، وأكد على الاهتمام بها ورعايتها والقيام بها.

الشيخ: كل من يلي أمر المسلمين فله حقه، ولمن يليه حقه عليه، نعم، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، في البيت عندك، كذلك أولياء الأمور لا شك ذُكر أن لك حقوقًا عليهم ووفقهم الله تعالى لأدائه؛ فكذلك أنت عليك حقٌّ بإزاء أولياء الأمور.

القارئ:

فإن مصالح الأمم والمجتمعات لا تتم ولا تنتظم إلا بالتعاون بين الآمر والمأمور، وقيامِ كلٍّ بما يجب عليه من واجباتٍ، وأداء ما حُمِّل من أمانةٍ ومسؤولياتٍ.

الشيخ: "فإن مصالح الأمم والمجتمعات لا تتم ولا تنتظم إلا بالتعاون بين الآمر والمأمور، وقيامِ كلٍّ بما يجب عليه من واجباتٍ، وأداءِ ما حُمِّل من أمانةٍ ومسؤولياتٍ".

اهتمام أهل السنة ببيان حقوق ولاة الأمور ومجمل اعتقادهم في ذلك

القارئ:

"ونظرًا لأهمية حقوق ولاة الأمور على الرعية وعظيم ما لهم من حقوقٍ وواجباتٍ؛ اهتم أهل السنة والجماعة بإيضاحها وبيانها.

الشيخ: أهل السنة والجماعة لا شك في هذا اسمٌ مظلومٌ في الدنيا، أهل السنة والجماعة الذين هم على طريقة النبي وعلى منهج الصحابة من غير تعصبٍ لمذهبٍ عقديٍّ فقهيٍّ ولا سلوكيٍّ أبدًا، لكن ترى في الهند سبحان الله! وفي القارة الهندية وأفغانستان وغيرها، أهل السنة يسمُّون أنفسهم "أهل السنة والجماعة"، وهم قبوريون، سبحان الله! ويشجعون الناس ويدعون الناس إلى التبرك بالمقبورين والسؤال عندهم والاستغاثة بهم، ويسمَّون "السُّنِّيِّين"، سبحان الله! فهذه الكلمة مظلومةٌ، سبحان الله! عجيب جدًّا! يستعملونها في غير محلها.

فأهل السنة والجماعة الذين هم أئمتنا، رحمة الله عليهم، الذين دينهم وإيمانهم وعملهم امتدادٌ لأعمال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ كما قال تعالى مخاطبًا الصحابة: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة:137]، فقد تولَّى الناس عن منهج الصحابة ، فهم في شقاقٍ وافتراقٍ إلى ثلاثةٍ وسبعين فرقةً [27].

القارئ: 

ونظرًا لأهمية حقوق ولاة الأمور على الرعية وعظيم ما لهم من حقوقٍ وواجباتٍ؛ اهتم أهل السنة والجماعة بإيضاحها وبيانها والتأكيد على رعايتها والقيام بها، فمِن مظاهر هذا الاهتمام: أنهم نصُّوا على هذه الحقوق في كتب العقائد والتوحيد، وبيَّنوا أن مذهب أهل السنة والجماعة.

الشيخ: يعني: ليست هي مسألةً فقهيةً فقط، لكن قبل أن تكون مسألةً فقهيةً هي عقديةٌ، يجب أن يَعقد عليه قلبُ المؤمن الذي يؤمن بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا، فهي مسألةٌ عقديةٌ، ليست مسألةً فقهيةً فقط، قد يكون فيها الأحكام الخمسة: واجبٌ ومباحٌ ومستحبٌّ... إلى آخره، يجب أن يَعقد عليها عقيدته.

السمع والطاعة لولاة الأمور

القارئ:

"وبيَّنوا أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الأمر: هو مقتضى ما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور، إلا أن يأمروا بمعصيةٍ، فإن أَمَروا بمعصيةٍ؛ فلا طاعة لهم؛ لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، ويرون النصح والدعاء لهم، وإعانتهم على الحق، وتحريم الخروج عليهم ونزعِ الطاعة من أيديهم".

الشيخ: "ويرون النصح والدعاء لهم، وإعانتهم على الحق، وتحريم الخروج عليهم، ونزعِ الطاعة"، يعني: تحريمَ نزعِ الطاعة، نعم، ليس يرون نزع الطاعة، بل يرون تحريمه، فـ"نزع" هذا معطوفٌ على الخروج.

القارئ:

وتحريم الخروج عليهم، ونزعِ الطاعة من أيديهم، سواءٌ كانوا أئمةً عدولًا صالحين، أم كانوا من أئمة الجور والظلم، ما دام أنهم لم يخرجوا عن دائرة الإسلام.

الشيخ: وهذه المسألة ينبغي أن نراعيها دائمًا، الآن التحزبات والتفرقات والتجمعات والتجميعات في جماعاتٍ مختلفةٍ، يجعل الناس يبتعدون بعضهم عن بعضٍ، وربما إذا مات عالمُ إحدى الفرق؛ يفرح الآخرون، فالجامع في هذه المسألة: ما دام مسلمًا، وهو في دائرة الإسلام؛ فحقُّ المسلم على المسلم يجب أن يؤديه الإنسان، مهما اختلف في الرأي، مهما اختلف في بعض الأمور، لكن من جملة ما حصل من المخالفات: أنهم يبتعد بعضهم عن بعضٍ، ولا يشترك في همه وغمه وكذا وكذا... إلى آخره، فهنا ما دام في دائرة الإسلام، وهذه مسألةٌ مهمةٌ جدًّا، ما دام لم يأتِ بما يُكَفِّر، وهو مسلمٌ؛ فله حق الإسلام.

الصبر على الجور وحرمة الخروج

القارئ:

فإن الصبر على جور الأئمة وظلمهم مع ما فيه من ضررٍ، فإنه أخف ضررًا وأيسر خطرًا من ضرر الخروج عليهم؛ ولهذا جاء الأمر من الشارع بوجوب السمع والطاعة وتحريم الخروج على الأئمة والولاة وإن جاروا وظلموا، إلا أن يرتكبوا كفرًا بواحًا، كما نص أهل السنة والجماعة على أن من حقوق ولاة الأمور على الرعية: إجلالهم وتوقيرهم وتعظيمهم في النفوس؛ لأن ذلك أوقعُ في هيبتهم؛ حتى يَحذَرهم أهل الفسق والفجور.

الشيخ: نعم، هو في الحقيقة هنا "وإن جاروا وظلموا، إلا أن يرتكبوا كفرًا بواحًا"، وتحريم الخروج على الأئمة والولاة لا يجوز حتى لو جَمَع الإنسان قوةً، وإن جاروا وظلموا أيضًا، لا يجوز حتى لو كانت القوة، ورأوا كفرًا بواحًا منه؛ فلا يجوز الخروج إلا إذا كان هناك أهل الحل والعقد يرون أن عندنا قوةً، فننزله عن منصبه بقوةٍ.

لكن إذا لم تكن قوةٌ؛ فتعرفون أن ناسًا لا يخافون الله، فربما يقومون بسفك الدماء، وهتك الأعراض، وحرق الأموال والمرافق وغيرها، كما رأيتموه في هذا الزمان عيانًا، جهارًا نهارًا، فلا يجوز الخروج، حتى لو رأوا كفرًا بواحًا إذا لم تكن هناك قوةٌ، أو لم يكن هناك جامعٌ بين أهل الحل والعقد وغيره، هذا الأمر يرجع إلى كبار الدولة والعلماء؛ كما قال الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، وأولوا الأمر هم العلماء والأمراء.

فالأمراء الذين هم تحت أميرٍ قد رأوا منه كفرًا بواحًا، إذا قدروا أن يزيحوه؛ فيزيحونه بالحكمة، بحيث لا يأتي شرٌّ أكبر منه، ومن ذلك: إذا كان ناسٌ ساكنين في بلاد الكفر، إذا كانوا لا يستطيعون فيه أن يؤدوا حق الله وحق الناس على دينهم؛ فيجب عليهم أن يهاجروا ولا يسكنوا فيه، أنا بريءٌ من كل مسلمٍ يقيم بين المشركين [28]، كما قال النبي .
إذا لم يقدروا على أداء ما وجب عليهم، وإذا كان رجلًا عادلًا كافرًا يؤوي المسلمين ويترك لهم مجالًا لترتيب أمور دينهم؛ مثل النجاشي؛ جاز لهم أن يَبقَوا، وألا يخرجوا من تلك البلاد.

تحريم التنقص لولاة الأمور وأثره في نشوء الفتن

القارئ:

كما حذَّر أهل السنة والجماعة من الوقيعة في أعراض الأئمة والتنقص لهم أو الدعاء عليهم؛ لأن هذه الأمور من أسباب وجود الضغائن والأحقاد بين الولاة والرعية، ومن أسباب نشوء الفتن والنزاع بين صفوف الأمة.

الشيخ: أي: الوقيعة في أعراض الأمة طبعًا والتنقص لهم، هذا لا يكون إلا فيما بين الناس وبين الشعب، ولا يجوز لأحدٍ أن يقوم على المنبر، أو يكتبوا في الجرائد، أو يتكلموا فيما بينهم في المجالس، هذا الشيء -في الحقيقة- هو الأصل، والفساد قد يكون وراءه فسادٌ أكبر جدًّا، وبعض الناس لا يصبر، كلامك لا يفيد شيئًا، وأنت كأنك تغير مذاق فمك فقط، وإذا كنت مخلصًا؛ فاذهب وأَبلِغه هذا الذي تعرف أنه حقٌّ في الحقيقة، وإلا تسكت، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

ونحن نعرف أن هناك ناسًا يقرءون من الجرائد التي يُكتب ضد أولياء الأمور، وكذلك في المنابر وغيرها يُشِيرون، وهذا شيءٌ ليس من دين الله في شيءٍ، كما عرفنا من سنة النبي أو سنة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- في مثل هذه المواقف، ويأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

واجب المسلم في الإصلاح وجمع كلمة المسلمين

القارئ:

والواجب على المسلم أن يسعى جهده في الإصلاح بين المؤمنين، وجمع كلمة المسلمين، والتأليف بين قلوبهم، لا سيما إن كان من أهل العلم والدعوة، أو ممن له تأثيرٌ على قومه ومجتمعه، فإن الواجب عليه في ذلك أكبر، والمسؤولية عليه أعظم في الحرص على جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، والعمل على حصول الألفة والمحبة بين الولاة والرعية، لما فيه من نفعٍ عظيمٍ للإسلام والمسلمين.
فهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في حقوق ولاة الأمور على الرعية، ويمكن إيضاح أهم حقوق الولاة على الرعية بالتفصيل على النحو التالي.

وصلى الله على خير خلقه محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 7151، ومسلم: 142.
^2 شرح صحيح البخاري (8/ 219).
^3 فتح الباري (13/ 128).
^4 رواه أحمد: 8414، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.
^5 رواه البخاري: 7150.
^6 رواه البخاري: 3166.
^7 رواه مسلم: 1828.
^8 رواه مسلم: 1825.
^9 سبق تخريجه.
^10 رواه أبو يعلى: 196، والبيهقي في السنن الكبرى: 17964.
^11 رواه الطبراني في المعجم الكبير: 11932، والبيهقي في السنن الكبرى: 16727.
^12 السياسة الشرعية (ص 37).
^13 رواه الترمذي: 1329، وأحمد: 11174، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
^14 رواه أبو داود: 2608، وقال الألباني: حسن صحيح.
^15 السياسة الشرعية (ص 129).
^16 رواه أحمد: 6647، والطبراني في المعجم الكبير: 139.
^17 البيت للأفوه الأودي في ديوانه (ص 66).
وسَرَاة كل شيء: أعلاه، وسراة الفرس: أعلى ظهره، وسروات الرجال: أشرافهم. ينظر الاختيارين للأخفش الأصغر ص 77
^18 رواه ابن أبي عاصم: 1024، والبزار: 5383، والبيهقي في شعب الإيمان: 6984.
^19 رواه البربهاري في شرح السنة (ص 113)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (8/ 91).
^20 رواه مسلم: 1715.
^21 السنة للخلال (1/ 84).
^22 رواه ابن حبان في صحيحه: 67، وصححه الألباني في التعليقات الحسان.
^23, ^24 رواه مسلم: 55.
^25 السياسة الشرعية (ص 130).
^26 السياسة الشرعية (ص 132-133).
^27 روى أبو داود: 4596، والترمذي: 2831، وابن ماجه: 3991، عن أبي هريرة  أن النبي قال: ‌"افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين ‌وسبعين ‌فرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين ‌وسبعين ‌فرقةً، وتفترق أمتي على ثلاث ‌وسبعين ‌فرقةً"، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني.
^28 رواه الترمذي: 1604، وحسنه الألباني.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©