تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. سامي بن محمد الصقير
فضيلة الشيخ أ.د. سامي بن محمد الصقير

من قوله: "فإن أصول الفقه علمٌ شريفٌ مُهمٌّ.." (1)

القارئ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لشيخنا، وَاجْزِهِ خير الجزاء، واغفر للسَّامعين والحاضرين، يا ذا الجلال والإكرام.

شرح مقدمة المؤلف

قال الشيخ العلَّامة عبدالرحمن بن ناصر السَّعدي رحمه الله في كتابه "صفوة أصول الفقه":

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه.
اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن أصول الفقه علمٌ شريفٌ مُهمٌّ، يحصل بمعرفته لطالب العلم مَلَكَةٌ يقتدر بها على النَّظر الصحيح في أصول الأحكام، ويتمكن من الاستدلال على الحلال والحرام، ويستعين به على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنة، ويعرف كيفية ذلك كله.
وهذا مُختصرٌ انتقيتُه من كتب أصول الفقه، اقتصرتُ فيه على المهم المُحتاج إليه، واجتهدتُ في توضيحه؛ لأن الحاجة إلى التوضيح والبيان أشدُّ من الحاجة إلى الحذف والاختصار.
وأرجو الله تعالى الإعانة والسَّداد، وسلوك أقرب طريقٍ يُوصل إلى الهُدَى والرشاد بِمَنِّه وكرمه، آمين.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وأُصلي وأُسلم على نبينا محمدٍ، خاتم النَّبيين، وإمام المُتقين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: فهذه رسالةٌ مُختصرةٌ في أصول الفقه للشيخ العلَّامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله التي سمَّاها "صفوة أصول الفقه"، وهي مُختصرٌ مما انتقاه رحمه الله من كتاب "مُختصر التَّحرير" للعلَّامة الفتوحي.

ونسأل الله ​​​​​​​ أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هُداةً مُهتدين، صالحين مُصلحين، وأن يُوفِّقنا للصلاح، ويجعلنا قادةَ هُدًى وإصلاحٍ.

يقول المؤلف رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم".

ابتدأ المؤلف هذه الرسالة بالبسملة: "بسم الله الرحمن الرحيم" اقتداءً بكتاب الله ​​​​​​​، فإنه مَبْدُوءٌ بالبسملة، فإن أول سورةٍ في القرآن من حيث الكتابة هي سورة الفاتحة، وهي مَبْدُوءةٌ بالبسملة.

وثانيًا: اقتداءً برسول الله ، أو اتِّباعًا لرسول الله ، حيث كان يبدأ كتبه ورسائله بالبسملة.

وثالثًا: عملًا بالحديث الوارد: كل أمرٍ ذي بَالٍ لا يُفْتَح بذكر الله فهو أَبْتَر [1]، أي: أقطع، ناقص البركة.

ورابعًا: لأجل حلول البركة، فإن البسملة تَحِلُّ بسببها البركة؛ ولذلك إذا ذُكرت البسملة أو التَّسمية على الحيوان صار حلالًا طيبًا، وإن تُركتْ صار حرامًا خبيثًا، وإذا سَمَّى الإنسان على الطعام لم يُشاركه الشيطان، وإن ترك التَّسمية شاركه الشيطان.

يقول المؤلف رحمه الله: "الحمد لله ربِّ العالمين، حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه".

والحمد: هو وصف المحمود بالكمال حبًّا وتعظيمًا.

وإنما قلنا: حبًّا وتعظيمًا؛ لأنه بالحبِّ يكون الطلب، وبالتَّعظيم يكون الهرب.

فأنت تتقرب إلى الله بالعبادة حبًّا له ، وتجتنب معصيته ومُخالفته هربًا من عذابه وعقابه.

يقول: "ربّ العالمين، حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه.

اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، وأصحابه وأتباعه".

"اللهم" هذه تتكرر كثيرًا في كلام العلماء، بل وفي القرآن والسُّنة.

ومعنى "اللهم": أصلها: يا الله، كلمة "اللهم" أصلها: يا الله، لكن حُذِفَتْ منها ياء النِّداء، وعُوِّض عنها الميم، وجُعِلَت الميم في الآخر تَيَمُّنًا بالبداءة باسم الله .

فـ"اللهم" أصلها: يا الله، لكن حُذِفَتْ منها ياء النِّداء -هذه الياء حُذِفَتْ- وعُوِّض عنها الميم، بدلًا من الياء عُوِّض الميم، لماذا؟

تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا بالبداءة باسم الله .

هذا معنى "اللهم".

إذن "اللهم": يا الله، حُذِفَتْ منها ياء النِّداء، وعُوِّض عنها الميم، وجُعِلَت الميم في الآخر تَيَمُّنًا بالبداءة باسم الله .

ويصحُّ على وجهٍ قليلٍ أن يُجْمَع بينهما، يعني: ألا تُحْذَف ياء النِّداء وتبقى، فيُقال: يا اللهم، تقول: يا اللهم، اغفر لي، يا اللهم، ارحمني، لكن هذا قليلٌ.

قال ابن مالكٍ رحمه الله في الألفية:

والأكثر "اللهم" بالتَّعويض وشَذَّ "يا اللهم" في قَرِيض [2]

"الأكثر "اللهم" بالتَّعويض" يعني: بالحذف وتعويض الميم.

"وشَذَّ "يا اللهم" في قَرِيض" يعني: في الشعر.

ومن الشُّذوذ القليل قول الشاعر:

إني إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّا أقول: يا اللهم، يا اللهما [3]

يقول رحمه الله: "اللهم صلِّ على محمدٍ".

ومعنى: "صلِّ على محمدٍ" أي: أَثْنِ عليه في الملأ الأعلى.

فأصحُّ ما قيل في معنى الصلاة على النبي ما قاله أبو العالية -كما في البخاري-: "صلاة الله على عبده: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى".

"اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، وأصحابه وأتباعه".

هنا المؤلف رحمه الله جمع بين الآل والأصحاب والأتباع، وإذا جُمِعَ بين الآل والأصحاب والأتباع فالمراد بالآل: المؤمنون من قرابته.

والمراد بالأصحاب: جمع صاحبٍ، والصحابي: كل مَن اجتمع بالنبي مؤمنًا به ومات على ذلك.

وأتباعه أي: الذين اتَّبعوه على دينه وشريعته.

هذا إذا جُمِعَ بين الثلاثة.

فإذا قيل: آله وأصحابه وأتباعه، فالمراد بالآل: المؤمنون من قرابته.

والمراد بالأصحاب: جمع صحابي، وهو كل مَن اجتمع بالرسول مؤمنًا به ومات على ذلك.

والمراد بالأتباع: أتباعه على دينه.

أما إذا قيل: "على آله" فقط، "اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ" فالمراد بـ"آل محمدٍ": كل مَن اتَّبعه.

المراد بـ"آل محمدٍ" هنا: كل مَن تبع النبي ، يعني: أتباعه على دينه، سواء كانوا من المؤمنين من قرابته، أو من غير ذلك.

ولهذا قال الشاعر:

آلُ النبي هُمُ أتباع مِلَّته

إذا قيل: "اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ" فالمراد بالآل: أتباعُه على دينه، وأول مَن يدخل في ذلك: المؤمنون من قرابته.

أقول: ولهذا قال الشاعر:

آلُ النبي هُمُ أتباعُ مِلَّته من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله إلا أقاربه صلَّى المُصلِّي على الغاوي أبي لهب [4]

فَمُراده: أن "الآل" هم أتباعه على دينه.

يقول: "وعلى آله وأتباعه إلى يوم الدين" يعني: إلى يوم الجزاء والحساب؛ لأن كلمة "الدين" تَرِد في نصوص الكتاب والسُّنة على معنيين:

المعنى الأول: أن يُراد بالدين: ما يدين الإنسان به ربَّه ، يعني: الشريعة والمِلَّة، ومنه قول الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، يعني: شريعتكم ومِلَّتكم، ومنه قول الله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]، يعني: لكم ما تدينون الله به، ولي ما أدين الله به.

المعنى الثاني من معاني الدين: أن يُراد به الجزاء والحساب، ومنه قول الله : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، يعني: يوم الجزاء والحساب.

فوائد تعلم أصول الفقه

"وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فإن علم أصول الفقه علمٌ شريفٌ مُهمٌّ، يحصل بمعرفته لطالب العلم مَلَكَةٌ يقتدر بها على النَّظر الصحيح".

بيَّن المؤلف رحمه الله هنا فوائد تعلُّم أصول الفقه:

الفائدة الأولى: أنه يحصل بمعرفته لطالب العلم مَلَكَةٌ، يعني: قوةً ذاتيةً يتمكن بها أو "يقتدر بها على النَّظر الصحيح في أصول الأحكام"، فمَن تعلَّم علم أصول الفقه تمكَّن بهذا العلم من النَّظر في الأدلة الشرعية، وتمكَّن من استنباط الأحكام منها على وجهٍ صحيحٍ.

ولهذا علم أصول الفقه يُعرَّف على وجهٍ مُختصرٍ بأنه: القواعد التي يتمكن الإنسان بها من استنباط الأحكام الشرعية على وجهٍ سليمٍ.

قواعد يتمكن بها طالب العلم من استنباط الأحكام الشرعية على وجهٍ سليمٍ.

قال: "ويتمكن من الاستدلال على الحلال والحرام" يعني: بعلم أصول الفقه يتمكَّن من الاستدلال على الحلال والحرام، يعني: هل هذا حرامٌ أو هذا حلالٌ؟ هل هذا واجبٌ أو هذا مُستحبٌّ؟

كل ذلك بأصول الفقه.

فمثلًا: قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43] يستدلُّ بذلك على وجوب إقامة الصلاة؛ لأن الله قال: وَأَقِيمُوا، وهذا أمرٌ، والأصل في الأمر الوجوب.

ويستدلُّ بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، أمر بالاجتناب، وهذا يدل على التَّحريم، وهكذا.

قال: "ويستعين به على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنة"، يتمكَّن بهذا العلم من استنباط الأحكام الشرعية: من الحلال والحرام، من الوجوب والاستحباب والتَّحريم والكراهة على وجهٍ سليمٍ.

قال: "ويعرف كيفية ذلك وطريقه".

أيضًا من فوائد تعلم علم أصول الفقه: أنه يتبين به أن الشريعة الإسلامية شريعةٌ صالحةٌ لكل زمانٍ ومكانٍ.

بمعرفة هذا العلم يتمكن الإنسان من العلم بأن هذه الشريعة شريعةٌ صالحةٌ لكل زمانٍ ومكانٍ، فهي تتلاءم مع جميع الأزمنة، ومع جميع الأمكنة.

ومن فوائد تعلمه أيضًا: أن به يعرف ما يَسْتَجِدُّ من المسائل، وهي ما يُسمى بـ"النوازل".

فالنوازل الفقهية مَن عنده علمٌ بأصول الفقه يتمكَّن بهذه القواعد والضوابط والأصول من معرفة ما يستجدُّ من الأحكام.

ومن ذلك أيضًا -من فوائد علم أصول الفقه-: أن به يتمكَّن من ضبط الفتوى.

الفُتْيَا أمرها خطيرٌ، وتحتاج إلى ضوابط وقواعد، فليس كل إنسانٍ يكون مُؤهلًا للفُتْيَا، حتى لو كان الإنسان عنده علمٌ، العلم شيءٌ، والفُتْيَا شيءٌ آخر، فلا بد في حقِّ المُفْتِي أن يكون عنده علمٌ بأصول الشريعة وبقواعدها، وأن تكون عنده حكمةٌ ومعرفةٌ بأحوال الناس، إلى غير ذلك.

فليس كل مَن كان عنده علمٌ شرعيٌّ يتمكَّن من الفُتْيَا، قد يتمكن من الجواب على سؤال طالب علمٍ -مثلًا- أما الفتوى على وجه العموم وعلى عامَّة الناس، فهذا لا بد له من قواعد وضوابط.

يقول المؤلف رحمه الله: "وهذا مُختصرٌ انتقيتُه من كتب أصول الفقه".

"مُختصر" المُختصر هو: ما قَلَّ لفظه، وكَثُرَ معناه.

وهنا فرقٌ بين الاختصار والاقتصار؛ فالاختصار: ما كان قليلَ اللفظ، كثيرَ المعنى. هذا يُسمَّى "مُختصرًا".

وأما الاقتصار فهو: ما كان قليل اللفظ والمعنى معًا؛ بحيث يكون قليلًا من حيث اللفظ، وقليلًا من حيث المعنى.

يقول: "وهذا مُختصرٌ انتقيتُه من كتب أصول الفقه، اقتَصَرتُ فيه على المهم المُحتاج إليه، واجتهدتُ في توضيحه؛ لأن الحاجة إلى التوضيح والبيان أشدُّ من الحاجة إلى الحذف والاختصار".

ثم سأل المؤلف -رحمه الله- الله تعالى فقال: "وأرجو الله تعالى الإعانة والسَّداد، وسلوك أقرب طريقٍ يُوصل إلى الهُدى والرشاد بِمَنِّه وكرمه، آمين".

هذا الدعاء من المؤلف اشتمل على ثلاثة مطالب:

أولًا: الإعانة، طلب من الله الإعانة، وهذا من تحقيق قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فمن تحقيق ذلك: ألا يستعين الإنسان بغير الله ؛ لأن مَن استعان بالله أعانه الله، ومَن استعان بغيره وُكِلَ إلى الحرمان والخذلان؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله [5]، يعني: لا بغيره.

قال: "والسَّداد" يعني: أن يُسَدِّده ويُوَفِّقه.

"وسلوك أقرب طريقٍ يُوصل إلى الهُدى والرشاد".

فهذا الدعاء اشتمل على هذه الأمور الثلاثة.

تعريف أصول الفقه

ثم قال المؤلف رحمه الله: "اعلم أن أصول الفقه هي الأدلة المُوصلة إليه".
أصول الفقه يُعَرَّف هذا العلم باعتبار مُفْرَدَيه؛ باعتبار كلمة "أصول"، وباعتبار كلمة "فقه".
ويُعَرَّف أيضًا باعتباره مُرَكَّبًا: أصول الفقه.

إذن "أصول الفقه" يُعَرَّف باعتبار مُفْرَدَيه؛ لأن عندنا "أصول"، وكلمة "فقه"، ويُعَرَّف باعتباره لفظًا مُرَكَّبًا: "أصول الفقه".

أما الأول -وهو باعتبار مُفْرَدَيْه- فكلمة "أصل"، الأصل في اللغة: ما ينبني عليه غيره.

وكلمة "أصل" تُطْلَق في كلام العلماء على خمسة معانٍ:

المعنى الأول: الدليل، فالدليل يُسمَّى: أصلًا، ومنه قولهم: الأصل في هذه المسألة قول الله كذا وكذا.

كما لو قلتَ: الأصل في البيع الحِلُّ والإباحة؛ لقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275].

وتُطْلَق كلمة "الأصل" على المَقِيس عليه في باب القياس؛ في أن القياس: أصلٌ، وفرعٌ، وحكمٌ، وعِلَّةٌ.

فتقول -مثلًا-: يجري الربا في الأرز قياسًا على البُرِّ. فالبُرُّ هنا أصلٌ.

وتُستعمل كلمة "أصل" بمعنى: الراجح، تُطْلَق على الرُّجْحَان.

كقولهم -مثلًا-: الأصل في الكلام الحقيقة، لا المجاز.

أَيْش معنى: الأصل؟

يعني: الراجح.

فإذا تعارض الكلام بين أن يكون حقيقةً، أو أن يكون مجازًا، فالأصل هو الحقيقة.

رابعًا: تُطْلَق كلمة "الأصل" على القاعدة المُستمرة، فالقاعدة المُستمرة تُسمَّى "أصلًا".

ومنه قولهم -مثلًا-: أَكْل الميتة على خلاف الأصل.

يعني: على خلاف القاعدة المُستمرة.

خامسًا: تُطْلَق كلمة "أصل" -وهذا خاصٌّ بباب الفرائض- على أقلِّ عددٍ تخرج منه المسألة أو فُروضها بلا كسرٍ.

فلو قال قائلٌ -مثلًا-: هلك هالكٌ عن زوجةٍ وابنٍ.

نقول: أصل المسألة من ثمانية، للزوجة الثمن: واحدٌ، والباقي للابن: سبعةٌ.

إذن كلمة "أصل" لها هذه الإطلاقات الخمسة:

أولًا: تُطْلَق على الدليل، وهذا هو الغالب والأكثر.

ثانيًا: تُطْلَق على الرُّجْحَان.

ثالثًا: تُطْلَق على المَقِيس عليه.

رابعًا: على القاعدة المُستمرة.

خامسًا: على أقلِّ عددٍ تخرج منه المسألة أو فُروضها بلا كسرٍ.

هذا معنى "أصل".

طيب، معنى "الفقه".

نحن عرَّفنا "الأصل"، نُعَرِّف "الفقه".

"الفقه" في اللغة بمعنى: الفهم، ومنه قول الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27- 28] يعني: يفهموا قولي.

وقال تعالى عن قوم شعيب : قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ، مَا نَفْقَهُ يعني: ما نفهم، مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا [هود:91].

أما اصطلاحًا فالفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التَّفصيلية.

فقولنا: "معرفة" يشمل العلم والظنَّ؛ لأن الأحكام الشرعية منها ما هو علمٌ يقينٌ، ومنها ما هو ظنٌّ.

فمعرفتنا -مثلًا- بوجوب الصلاة والزكاة والصيام وتحريم الخمر، هذا علمٌ يقينيٌّ.

ومعرفتنا بوجوب قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية -مثلًا- هذا ظنٌّ.

والضابط في هذا: أن ما أجمع العلماء عليه أو اتَّفق العلماء عليه يُسمَّى "علمًا"، وما حصل فيه اختلافٌ يُسمَّى "ظنًّا".

إذن الفقه هو: معرفة الأحكام.

وإنما قلنا: "معرفة" لماذا؟

لأن الفقه منه ما هو علمٌ يقينيٌّ، ومنه ما هو ظنٌّ.

فأنت تتيقن أن الصلاة واجبةٌ، يقينٌ، جزمٌ، وتتيقن أن الخمر مُحرمٌ، وتتيقن أن البيع مُباحٌ، وأن الخبز مُباحٌ، لكن هل تتيقن -مثلًا- وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية بالنسبة للمأموم؟ وهل تجب -مثلًا- الصلاة على النبي في التَّشهد؟ وغير ذلك مما فيه خلافٌ.

ولذلك تعبير بعض العلماء هنا بقولهم: "إن الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية" فيه نظرٌ؛ وذلك لأن هناك فرقًا بين المعرفة والعلم؛ لأن العلم أعمُّ، يشمل اليقين، ويشمل الظنَّ.

ولما كان العلم بالأحكام الشرعية يشمل اليقين والظنَّ قال أهل العلم: لا يجوز أن نَصِفَ الله تعالى بأنه عارفٌ، لا يجوز أن تقول: إن الله عارفٌ، بل تقول: إنه عالِمٌ.

والفرق بين العلم والمعرفة: أن العلم يقيني، والمعرفة منها ما هو يقين، ومنها ما هو ظنّ.

وثانيًا من الفروق أيضًا: أن المعرفة انكشافٌ بعد لبسٍ.

ما معنى: انكشاف بعد لبسٍ؟

يعني: أن يكون الإنسان جاهلًا، ثم يعلم، بخلاف العلم.

ومن ثَمَّ قال العلماء: لا يجوز أن نَصِفَ الله تعالى بأنه عارفٌ، وإنما نَصِفه بأنه عالمٌ.

ولا يَرِد على هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: تَعَرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفك في الشدة [6].

نقول: المراد بالمعرفة هنا تَعَرَّف إلى الله في الرَّخاء، المراد بالمعرفة هنا لازمها، يعني: اعْمَلْ أعمالًا في حال صحتك ورخائك تكن ذُخْرًا لك عند الله في حال شدَّتك، وإلا فإن الله عالمٌ بك، سواء عملتَ أم لم تعمل: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم:32].

إذن الفقه: معرفة الأحكام الشرعية.

وقولنا: "الأحكام الشرعية" خرج بذلك الأحكام العقلية: كمعرفة أن الواحد نصف الاثنين، فهذا لا يُسمَّى: فقهًا.

وخرج به أيضًا الأحكام العادية، وهي ما كان مبنيًّا على التَّجربة: كمعرفتنا -مثلًا- أن السماء إذا كانت مُلبَّدةً بالغيوم أن ذلك إيذانٌ بنزول المطر، هذا أيضًا لا يُسمَّى: فقهًا.

"معرفة الأحكام الشرعية العملية" يُخْرِج الاعتقادية، فلا تُسمَّى "فقهًا" اصطلاحًا، وإن كان علم العقيدة هو الفقه الأكبر؛ ولذلك صنَّف الإمام أبو حنيفة رحمه الله كتابًا سمَّاه "الفقه الأكبر".

"معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التَّفصيلية" فالذي يعرف الحكم بغير دليلٍ لا يُسمَّى: فقيهًا.

فمثلًا تسأله: ما حكم كذا؟

يقول: واجبٌ.

ما الدليل؟

يقول: لا أعرف.

ما حكم كذا؟

يقول: مُحرَّمٌ.

ما الدليل؟

يقول: الله أعلم.

هذا لا يُسمَّى: عالِمًا، ولا يُسمَّى: فقيهًا.

العالِم والفقيه: هو الذي يعرف الحكم بدليله، فيقول لك -مثلًا-: البيع حلالٌ، مُباحٌ، قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، الصلاة واجبةٌ، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43]، الخمر مُحرَّمٌ؛ لأن الله تعالى لما ذكر الخمر قال: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، وهكذا.

أما مَن يعرف الحكم من غير دليلٍ فهذا يُسمَّى: قارئًا، ومُقلِّدًا، ولا يُسمَّى: فقيهًا؛ ولهذا قيل:

العلم معرفة الهُدَى بدليله ما ذاك والتَّقليد مستويان [7]

فالذي يقول القول ويتبع غيره هذا يُسمَّى: مُقلِّدًا.

تقول له: ما حكم كذا؟

يقول -مثلًا-: هذا واجبٌ.

لماذا؟ ما الدليل؟

يقول: أنا قرأتُ في الكتاب الفلاني أنه يقول: واجبٌ.

نقول: هذا يُسمَّى: مُقلِّدًا، ولا يُسمَّى: عالِمًا.

إذن نرجع ونقول: إن الفقه اصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التَّفصيلية.

أما تعريف علم الفقه باعتباره مُرَكَّبًا وباعتباره لَقَبًا لهذا الفنِّ، فإن علم أصول الفقه: هو علمٌ يبحث في أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المُستفيد.

فهو علمٌ في أدلة الفقه الإجمالية، يعني: هذه الأدلة يستنبط منها: أن الأمر للوجوب، وأن النَّهي للتَّحريم، وأن اللفظ العام يُؤخذ بعمومه، وأن اللفظ المُطلق يُؤخذ بإطلاقه، وهكذا.

الأدلة المُوصلة إلى الفقه

يقول المؤلف رحمه الله:

اعلم أن أصول الفقه هو: الأدلة المُوصلة إليه، وأصلها: الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس.

هذه الأدلة الأربعة المُتفق عليها:

  • الكتاب، وهو القرآن الكريم.
  • والثاني: السُّنة.
  • والثالث: الإجماع.
  • والرابع: القياس.

المُسْتَدِلُّ بالكتاب يحتاج إلى نظرٍ واحدٍ، وهو النظر في دلالة النَّص على الحكم.

المُسْتَدِلُّ بالقرآن يحتاج إلى نظرٍ واحدٍ، وهو النَّظر في دلالة هذا النص على ما استنبطه من الحكم، أو ما يُريد استنباطه من الحكم.

المُسْتَدِلُّ بالسُّنة يحتاج إلى نظرين:

  • النظر الأول: ثبوت هذا الكلام أو القول؛ لأنه ليس كل ما يُنْسَب إلى الرسول يكون ثابتًا وصحيحًا، فهناك أحاديث نُسِبَتْ إلى النبي عليه الصلاة والسلام موضوعةٌ، ومنها ضعيفةٌ، ومنها حسنةٌ، ومنها صحيحةٌ.
    إذن ليس كل ما يُقال فيه: "قال الرسول " يكون صحيحًا، فيحتاج مَن استدلَّ بالسُّنة أولًا إلى ثبوت هذا القول أو هذا الفعل، وصحة نِسْبَته إلى الرسول .
  • ثانيًا: إذا ثبت وصحَّ يحتاج إلى أن ينظر في دلالته على الحكم، يعني: هل هذا يدل على الحكم أو لا؟
    قد يكون الحديث صحيحًا، لكن لا دلالة فيه على ما أراد استنباطه من الحكم.

الثالث: الإجماع، وسيأتي تعريفه: أنه اتِّفاق المُجْتَهِدِين من هذه الأُمة -يعني: أُمة محمدٍ - على حكمٍ شرعيٍّ.

والإجماع أيضًا لا بد فيه من ثبوتٍ؛ إذ ليس كل ما قيل: "إنه إجماعٌ" يكون إجماعًا، فكم من مسألةٍ حُكِيَ فيها الإجماع، وحُكِيَ الإجماع على نقيض ذلك!

ولذلك حُكِيَ: أجمعوا على قبول شهادة العبد.

وفي آخر: أجمعوا على عدم قبول شهادة العبد.

إجماعان مُتناقضان!

إذن ليس كل ما نُسِبَ إلى الإجماع أو قيل: "إنه إجماعٌ" يكون صحيحًا.

ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: "مَن ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ، وما يُدريه؟! لعلهم اختلفوا".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "العقيدة الواسطية": "والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كَثُرَ الاختلاف، وانتشرت الأُمة".

الرابع من الأدلة: القياس.

والقياس معناه: إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ لعلَّةٍ.

فتقول -مثلًا-: "يجري الربا في الأرز" هذا فرعٌ "قياسًا على البُرِّ" هذا منصوصٌ عليه في النَّص.

يجري الربا في الأرز قياسًا على البُرِّ بجامع -أو بعلة- أن كلًّا منهما مَكِيلٌ، مُدَّخَرٌ، كلاهما مَكِيلٌ، مُدَّخَرٌ.

هذا هو القياس، وسيأتي البحث فيه.

الأحكام الشرعية الخمسة

يقول المؤلف رحمه الله:
والأحكام الشرعية خمسةٌ:
الواجب، وهو ما أُثِيبَ فاعله، وعُوقِبَ تاركه.
والحرام يُقابله .. إلى آخره.

تعريف الأحكام

الأحكام جمع حُكْم، والحُكْم في اللغة بمعنى: القضاء، حَكَمَ يعني: قَضَى.

أما اصطلاحًا فالحُكْم هو: ما اقتضاه خطاب الشرع المُتعلق بأفعال المُكلَّفين من طلبٍ أو تخييرٍ أو وضعٍ.

هذا هو الحكم.

الأحكام جمع حُكْم، والحكم هو: ما اقتضاه خطاب الشرع -يعني: مُقتضى خطاب الشرع- المُتعلق بأفعال المُكلَّفين من طلبٍ أو تخييرٍ أو وضعٍ.

توضيح ذلك: أن خطاب الشرع تارةً يقتضي طلبًا، وهذا الطلب: إما طلبُ فعلٍ، وإما طلبُ كَفٍّ.

طلب الفعل يُسمَّى: أمرًا، وطلب الكَفِّ يُسمَّى: نَهْيًا.

طلب الفعل تارةً يكون جازمًا، فهو الواجب، وتارةً يكون غير جازمٍ، فهو المُستحبّ.

طلب الكَفِّ تارةً يكون جازمًا، وهو المُحرم، وتارةً يكون غير جازمٍ، وهو المكروه.

بقي المُباح أو التَّخيير: وهو ما استوى فيه الأمر والتَّرك.

"أو وضع" وهو ما جعله الشارعُ أمارةً على شيءٍ، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

الأحكام التَّكليفية والوضعية

الأحكام الشرعية نوعان:

  • أحكامٌ تكليفية، وهي: ما وضعه الشارع على وجه التَّعبُّد، وعند الفقهاء يُسمونها "أثر خطاب الشرع وما يتضمنه"، وخطاب الشرع يقتضي: الإيجاب، التَّحريم، الاستحباب، الكراهة، الإباحة.
  • والقسم الثاني من الأحكام: أحكامٌ وضعيةٌ، وهي: ما وضعه الشارع من أماراتٍ وعلاماتٍ لثبوت أو انتفاء أو نُفوذ أو إلغاء.
    ما وضعه الشارع من الأمارات والعلامات لثبوت، يعني: بوجودها يثبت، أو انتفاء الحكم، أو نفوذ، أو إلغاء.

وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانها، وهي -الأحكام الوضعية-: الصحة، والفساد، والسبب، والشرط، والمانع، والرخصة، والعزيمة، هذه الأحكام الوضعية.

الأحكام التَّكليفية خمسةٌ: الواجب، والمُستحب، والمُحرم، والمكروه، والمُباح.

الأحكام الوضعية هي: ما جعله الشارع من الأمارات والعلامات.

والفرق بينهما من حيث التَّفريق: أن الأحكام التَّكليفية تكون في قُدرة المُكلَّف وفي استطاعته.

وأما الأحكام الوضعية فالغالب أنها ليست في قُدرة المُكلَّف، وليست في وُسْعِه.

فمثلًا: زوال الشمس سببٌ لوجوب صلاة الظهر، السبب من الأحكام الوضعية، هل هو في قُدرة المُكلَّف؟ هل المُكلَّف يستطيع أن يجعل الشمس تزول حتى تجب الصلاة؟

لا.

طيب، صيام رمضان سبب وجوبه هو رؤية الهلال، فهل في قُدرة المُكلَّف أن يجعل القمر يُهِلُّ حتى يجب؟

لا، بخلاف الأحكام التَّكليفية.

يقول المؤلف رحمه الله:

الأحكام الشرعية خمسةٌ:
الواجب: وهو ما أُثِيب فاعله.

تعريف الواجب

بدأ المؤلف رحمه الله بالواجب.

الواجب في اللغة بمعنى: السَّاقط، وجب يعني: سقط، ومنه قول الله تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36].

أيش معنى: وَجَبَتْ؟

يعني: سقطتْ.

وعرَّف المؤلف رحمه الله الواجب بقوله: "وهو ما أُثِيب فاعله، وعُوقِبَ تاركه".

وهذا تعريفٌ للواجب بالحكم، لا بالحدِّ.

هذا التَّعريف للواجب بالحكم، لا بالحدِّ.

وهذا -أعني: التَّعريف بالحكم لا بالحدِّ- معيبٌ عند أهل المنطق.

فالمناطقة يرون أن التعريف بالحكم عيبٌ، كما قيل:

وعندهم من جملة المردود أن تُدْخَل الأحكام في الحدود [8]

والتعريف بالحدِّ بالنسبة للواجب أن يُقال: هو ما أمر به الشارع على سبيل الإلزام بالفعل.

فيخرج بقولنا: "ما أمر به الشارع" المُحرم والمكروه والمُباح؛ لأن المُحرم نهى عنه الشارع، وكذلك المكروه، والمُباح لا يتعلق به أمرٌ ولا نهيٌ.

وقولنا: "ما أمر به الشارع" يخرج بذلك أَمْر غير الشارع، فلا يُسمَّى "واجبًا" اصطلاحًا، وإن كان قد يجب، لكنه لا يُسمَّى "واجبًا" عند الأصوليين.

"على وجه الإلزام" يُخْرِج المَسْنُون؛ لأن المَسْنُون أمر به الشارع، لكن لا على وجه الإلزام.

"بالفعل" يُخْرِج ما أمر الشارع به على سبيل الإلزام بالترك.

ما حكم الواجب؟

المؤلف رحمه الله يقول:

ما أُثِيب فاعله، وعُوقِب تاركه.

في قوله رحمه الله: "وعُوقِب تاركه" نظر بعض العلماء بذلك، وقالوا: إن الأولى أن يُقال في حكم الواجب: إنه ما أُثِيب فاعله امتثالًا، واستحقَّ العقاب تاركه.

لا يُقال: وعُوقِب، بل يُقال: ويستحق العقاب. لماذا؟

لأن الله قد يعفو عنه، بل عقيدة أهل السُّنة والجماعة: أن الإنسان الذي يموت وعليه مَعَاصٍ من كبائر أو غيرها فهو تحت مشيئة الله وإرادته؛ إن شاء عفا عنه وغفر له، وإن شاء عاقبه.

هذا هو مُعتقد أهل السُّنة والجماعة: أن الإنسان إذا مات وعليه مَعَاصٍ لم يَتُبْ منها فهو تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء غفر له وعفا عنه بعفوه ومَنِّه وجوده وكرمه، وإن شاء عاقبه بما يستحقُّ بِقَدْر ذنبه.

هذا هو مذهب أهل السُّنة والجماعة.

ولهذا قال السَّفاريني رحمه الله في عقيدته:

ومَن يَمُتْ ولم يَتُبْ من الخَطَا فأمره مُفوَّضٌ لذي العَطَا
فإنْ يَشَأ يَعْفُ، وإن شاء انتقم وإن يَشَأ أعطى وأَجْزَل النِّعَم [9]

هذا هو المُعتقد.

لكن يُجاب عن قول المؤلف رحمه الله: "وعُوقِب تاركه" بأن المؤلف جزم بالعقوبة اعتبارًا بالأصل، فالأصل أن مَن فعل الذنب يُعاقب عليه.

تعريف الحرام

قال رحمه الله:

والحرام يُقابله.

نحن عرَّفنا الواجب بأنه: ما أمر الشارعُ به على سبيل الإلزام بالفعل.

نقول: الحرام: ما نهى الشارعُ عنه على سبيل الإلزام بالترك.

هذا بالفعل، وهذا بالترك.

تعريف المَسْنُون أو المُسْتَحبّ

يقول:

والمَسْنُون: وهو ما أُثِيب فاعله.

المَسْنُون يُسمَّى: مُستحبًّا، ويُسمَّى: مندوبًا، وبعضهم أيضًا يُسمِّيه: فضيلة.

فـ"المُسْتَحب" و"المَسْنُون" و"المَنْدُوب" ألفاظٌ مُترادفةٌ.

يقول:

وهو ما أُثِيب فاعله، ولم يُعاقَب تاركه.

هذا من حيث الحكم.

أما من حيث الحدّ فنُعرِّف المَسْنُون بأنه: ما أمر الشارعُ به لا على سبيل الإلزام بالفعل.

يعني: أمر الشارع به، لكنه لم يأمر به أمرًا مُلْزِمًا.

تعريف المكروه

وضدّه المَكْرُوه.

ضدّ المَسْنُون، فنُعرِّف المكروه بأنه: ما نهى الشارعُ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك.

فالمكروه مَنْهِيٌّ عنه، لكنه ليس نهيًا جازمًا.

تعريف المُباح

والمُباح: ما لا يتعلق به مدحٌ ولا ذمٌّ.

وإن شئتَ فقل: المُباح: ما لا يتعلق به أمرٌ ولا نَهْيٌ، فالشارع لم يأمر به، ولم يَنْهَ عنه.

لكن هذا -أعني: أن المُباح لا يتعلق به أمرٌ ولا نَهْيٌ- من حيث ذات المُباح.

لكن المُباح قد يتعلق به وصفٌ أو سببٌ آخر يجعله واجبًا أو مُحرَّمًا أو مكروهًا؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: كل مُباحٍ تجري فيه الأحكام الخمسة.

لو سألتُكم الآن: ما حكم شراء السيارة؟

نقول: شراء السيارة مُباحٌ، لكن قد يكون واجبًا، وقد يكون مُحرَّمًا، وقد يكون مُستحبًّا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مُباحًا، وهو الأصل.

فإنسانٌ -مثلًا- اجتمعتْ فيه شرائط وجوب الحجِّ: عنده مالٌ، وعنده استطاعةٌ، ولكن لا يتمكن من الوصول إلى أماكن النُّسُك -إلى مكة- إلا بشراء سيارةٍ، فما حكم شراء السيارة؟

نقول: واجبٌ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ.

طيب، اشترى سيارةً ليذهب بها إلى البراري ويفعل الفواحش والمُنكرات، ويشرب الخمر بعيدًا عن أعين الناس؛ شراء السيارة مُحرَّمٌ.

اشترى سيارةً يعبث بها ويُضيع أوقاته -سَبَهْلَلًا- نقول: هذا مكروهٌ.

اشترى سيارةً ليذهب بها لطلب العلم الشرعي، نقول: هذا مُستحبٌّ.

إذن كل مُباحٍ تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب ما يُقْصَد به.

الأمر يدل على الوجوب ما لم تصرفه قرينةٌ

قال رحمه الله:

وإذا ورد الأمر في الكتاب والسُّنة فالأصل أنه للوجوب إلا لقرينةٍ تصرفه إلى النَّدْب أو الإباحة.

إذا ورد الأمر في نصوص الكتاب والسُّنة فالأصل أن الأمر للوجوب إلا بدليلٍ، يعني: بقرينةٍ تصرفه.

والدليل على أن الأصل في الأمر الوجوب: قول الله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما في معنى الآية: "يُوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء! أقول: قال رسول الله ، وتقولون: قال أبو بكرٍ وعمر"! ثم تلا الآية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[10].

قال الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري ما الفتنة؟

الفتنة: الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلك".

إذن الدليل على أن الأصل في الأمر الوجوب:

أولًا: قول الله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني: يُخالفون أمره.

وثانيًا مما يدل على أن الأمر للوجوب: أن النبي عام الحُدَيْبِيَة لما أمر أصحابه أن يَحْلِقوا رؤوسهم تأخَّروا، فلما تأخَّروا كَرِهَ ذلك عليه الصلاة والسلام، فأشارت عليه أمُّ سلمة رضي الله عنها أن يحلق رأسه، فلما حلق رأسه بادر الصحابة واقتدوا به [11].

إذن هذا هو الأصل: أن الأصل في الأمر الوجوب إلا بقرينةٍ تُصرفه إلى النَّدب أو الإباحة.

مثال ما دلَّت القرينة أو الدليل على صرفه: قول الله : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]، ظاهر الآية: أن الإشهاد عند البيع واجبٌ، وأن الإنسان إذا اشترى شيئًا يجب أن يُشهد.

اشترى -مثلًا- من صاحب بقالةٍ كيسًا من الخبز بريالٍ، يُحْضِر شهودًا، يُحْضِر رجلين يشهدان: اشهدا أني اشتريتُ من فلانٍ -صاحب البقالة- كيسًا من الخبز بريالٍ.

هذا ظاهر الآية، لكن هذا الأمر في الآية: وَأَشْهِدُوا ليس للوجوب.

ما الذي صرفه عن الوجوب؟

نقول: الذي صرفه هو فعل الرسول عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه، فلم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام يُشْهِد على كل بيعٍ أو عقدٍ، وكذلك الصحابة .

وعلى هذا نقول: الإشهاد على البيع ليس بواجبٍ، اللهم إلا في الأمور الخطيرة.

يعني: لو اشترى الإنسان بمبلغٍ كبيرٍ ودراهم كثيرةٍ، حينئذٍ يُشْهِد؛ لأجل ألا يحصل نزاعٌ أو شقاقٌ.

حكم الأمر بعد الحظر

يقول رحمه الله:

إلا لقرينةٍ تصرفه إلى النَّدب أو الإباحة إذا كان بعد الحظر غالبًا.

يعني: أن الأمر إذا ورد بعد الحظر فإنه يكون للإباحة؛ كقوله : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2] بعد قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95].

في الأول نهى الله عن قتل الصيد: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، ثم قال: وَإِذَا حَلَلْتُمْ يعني: من إحرامكم، فَاصْطَادُوا.

قوله: فَاصْطَادُوا هل هذا الأمر للوجوب؟ أو هل هذا الأمر للإباحة؟

المؤلف رحمه الله يقول: نعم، للإباحة.

كذلك أيضًا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: نهيتُكم عن زيارة القبور نَهْيٌ، فَزُوروها [12].

فقوله: فَزُوروها أمرٌ بعد نَهْيٍ؛ فيكون للإباحة.

وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء: أن الأمر بعد النَّهي يكون للإباحة.

وقال بعض العلماء: إن الأمر بعد النَّهي أو بعد الحظر يكون له حكم ما قبل النَّهي، فإن كان قبل النَّهي مُستحبًّا فهو مُستحبٌّ، وإن كان قبل النَّهي مُباحًا فهو مُباحٌ.

فإذا ورد أمرٌ بعد نَهْيٍ لا نقول: إنه للإباحة، بل نقول: حكمه حكم ما قبل النَّهي، انظر ما قبل النَّهي: إن كان واجبًا فهو واجبٌ، وإن كان مُستحبًّا فهو مُستحبٌّ، وإن كان مُباحًا فهو مُباحٌ.

فمثلًا: في قول النبي عليه الصلاة والسلام: نهيتُكم عن زيارة القبور، فَزُوروها في أول الأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بزيارة القبور، وهذا الأمر للاستحباب، ثم نُهِيَ عنه، ثم أُمِرَ به.

نقول: فَزُوروها هذا له حكم ما قبل النَّهي، فتكون زيارة القبور مُستحبةً.

كذلك أيضًا في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، ثم قال: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا الصيد من حيث الأصل مُباحٌ، فيكون قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا للإباحة.

وهذا القول أصحُّ، وهو: أن الأمر بعد الحظر له حكم ما قبل الحظر؛ ولهذا قيل:

والأمر بعد النَّهي للحِلِّ وفي قولٍ لرفع النَّهي خُذْ به تَفِي

شيخنا رحمه الله في منظومته في قواعد الأصول يقول:

والأمر بعد النَّهي للحِلِّ وفي قولٍ لرفع النَّهي خُذْ به تَفِي [13]

فهو يرى رحمه الله أن الأمر بعد النَّهي يكون حكمه حكم ما قبل النَّهي.

النَّهي للتَّحريم إلا بقرينةٍ تصرفه إلى الكراهة

قال رحمه الله:

والنَّهي للتَّحريم إلا بقرينةٍ تصرفه إلى الكراهة.

الأصل في النَّهي التَّحريم، فإذا نهى الشارعُ عن شيءٍ فالأصل أن هذا -أعني: المَنْهِي عنه- نَهْيٌ جازمٌ يقتضي التَّحريم إلا بدليلٍ يدل على غير التَّحريم، يدل على الكراهة.

مثال ما دَلَّ الدليل على أنه ليس للتَّحريم: ما ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي نهى عن الشُّرب قائمًا [14]، الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الشُّرب قائمًا.

هذا الحديث لو أخذنا به لقلنا: نهى عن الشرب قائمًا، الأصل في النَّهي التَّحريم، فعلى هذا يكون الشرب قائمًا مُحرَّمًا بناءً على هذا الحديث.

لكن قد دَلَّ الدليل على جواز الشرب قائمًا؛ فيكون النَّهي ليس للتَّحريم، وإنما هو للكراهة، والكراهة إذا دَعَت الحاجة تزول.

ما الدليل على أن النَّهي هنا ليس للتَّحريم؟

نقول: إنه ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي أتى إلى ماء زمزم فشرب قائمًا [15]، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يفعل المُحرم؛ فهذا يدل على أن النَّهي عن الشرب قائمًا ليس للتَّحريم، وإنما هو للكراهة، والكراهة تزول عند أدنى حاجةٍ.

وبناءً عليه نقول: يجوز للإنسان أن يشرب وهو قائمٌ حتى من غير عذرٍ، لكن هذا مكروهٌ، إذا لم يكن هناك عذرٌ فهذا مكروهٌ، أما إذا كان هناك عذرٌ فهو جائزٌ.

ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة:

إذا رُمْتَ تشرب فاقعد تَفُزْ بِسُنَّة صفوة أهل الحجاز

"إذا رُمْتَ" يعني: أردتَ.

"بِسُنَّة صفوة أهل الحجاز" هو النبي عليه الصلاة والسلام.

وقد صَحَّحوا شُرْبَه قائمًا ولكنه لبيان الجواز [16]

الأصل في الألفاظ الحقيقة لا المجاز

يقول المؤلف رحمه الله:

ويتعين حمل الألفاظ على حقائقها دون ما قالوا: إنه مجاز.

معنى الحقيقة

الألفاظ نوعان: حقيقةٌ ومجازٌ.

ما الحقيقة؟

الحقيقة: هي اللفظ المُستعمل فيما وُضِعَ له لغةً أو شرعًا أو عُرْفًا.

كلفظ "أسد" لفظٌ موضوعٌ للحيوان المُفترس.

كلمة "أسد" لفظٌ موضوعٌ للحيوان المُفترس.

يُقابل الحقيقة: المجاز، والمجاز: هو اللفظ المُستعمل في غير ما وُضِعَ له.

كما لو رأيتَ رجلًا شجاعًا، قلتَ: هذا أسدٌ.

عندك حيوانٌ وإنسانٌ شجاعٌ، فقولك للحيوان: "هذا أسد" هذا حقيقة، لفظٌ مُستعملٌ فيما وُضِعَ له.

وقولك للرجل الشُّجاع: "هذا أسد" هذا يُسمَّى "مجازًا"؛ لأنه لفظٌ مُستعملٌ في غير ما وُضِعَ له؛ لأن كلمة "أسد" أو لفظ "أسد" لفظٌ وُضِعَ للحيوان المُفترس.

إنسانٌ -مثلًا- رأى ذئبًا فقال: هذا ذئبٌ، هذا حقيقة، لفظٌ مُستعملٌ فيما وُضِعَ له.

طيب، رأى إنسانًا عنده ذكاءٌ وحِيَلٌ وخداعٌ فقال: هذا ذئبٌ، هذا الرجل ذئبٌ.

هذا مجازٌ أو حقيقةٌ؟

نقول: مجازٌ؛ لأنه لفظٌ مُستعملٌ في غير ما وُضِعَ له.

كل كلامٍ يُحْمَل على عُرْف النَّاطق به

يتعين حمل الألفاظ على حقائقها الشرعية أو اللغوية أو العُرْفية.

ولهذا نقول: قاعدة عامَّة "كل كلامٍ يُحْمَل على عُرْف النَّاطق به":

  • إن كان النَّاطق به من أهل الشرع؛ حُمِلَ على المعنى الشرعي.
  • إن كان النَّاطق به من أهل اللغة؛ حُمِلَ على المعنى اللغوي.
  • إن كان النَّاطق به من أهل العُرْف؛ حُمِلَ على المعنى العُرْفي.

فمثلًا: لو رأينا كلمة "صلاة" في القرآن والسُّنة نحملها على المعنى الشرعي، وهو: العبادة ذات الأقوال والأفعال، المُفْتَتَحة بالتَّحريم، المُخْتَتَمة بالتَّسليم.

رأينا كلمة "وضوء" نحمله على الوضوء المعروف: غَسْل الأعضاء الأربعة.

لكن لو رأينا كلمة "صلاة" أو "وضوء" في اللغة العربية فنحملها على معنى الدعاء؛ لأن الصلاة في اللغة بمعنى الدُّعاء.

طيب، رأينا كلمة "تَيَمُّم"، ورد في الشرع: أن الرسول تَيَمَّم [17].

أيش معنى: تَيَمَّم؟

يعني: ضرب يديه بالأرض، ومسح وجهه وكَفَّيه.

رأينا "تيمم" في بيت شعرٍ:

تَيَمَّمْتُهَا من أذرعاتٍ وأهلها بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالي [18]

أيش معنى: تَيَمَّمْتُهَا؟

تَيَمَّم: ضرب يديه؟

لا، تَيَمَّم بمعنى: قصد.

"الحجّ" في اللغة بمعنى: القصد، أو قصد مكانٍ مُعظَّمٍ.

يجوز أن تقول -مثلًا-: حجَّ الإنسان إلى قُباء. يعني: ذهب إلى مسجد قُباء.

حجَّ الإنسان إلى المسجد النبوي. يعني: قصد مكانًا مُعظَّمًا.

لكن في الشرع "الحجّ" هو العبادة المعروفة.

إذن نحمل كل كلامٍ على عُرْف النَّاطق به.

لفظ "الدابة" في العُرْف: ذوات الأربع.

"الدابة" في العُرْف على ذوات الأربع.

وفي اللغة العربية: كل ما دَبَّ على وجه الأرض، سواء كان من ذوات الأربع، أو من الزواحف.

فالناس إذا قالوا في عُرْفهم: "رأيتُ دابةً" يقصدون ذوات الأربع، مثل: إبل، بقر، غنم، بَغْل، حمار. هذا يُسمَّى "دابَّة".

لكن في اللغة العربية "الدابة": كل ما دَبَّ على وجه الأرض: الحشرات، الزواحف، كلها.

الدليل: قال الله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ يعني: من الدَّواب فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور:45]، فالحية ما لها قوائم، زاحفة، ومع ذلك تُسمَّى "دابة".

مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ الآدمي دابَّة.

مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ كالخيل والبِغَال والحمير وغيرها تُسمَّى "دابَّة".

إذن إذا قال أهل العُرْف: "دابة" يقصدون بها ذوات الأربع.

وإذا قال أهل اللغة: "دابة" يقصدون بها كل ما يَدُبُّ على وجه الأرض.

إذن القاعدة: أن كل كلامٍ يُحْمَل على عُرْف النَّاطق به:

  • إن كان النَّاطق به من أهل اللغة؛ حُمِلَ على المعنى اللغوي.
  • إن كان النَّاطق به من أهل الشرع؛ حُمِلَ على المعنى الشرعي.
  • إن كان النَّاطق به من أهل العُرْف؛ حُمِلَ على المعنى العُرْفي.

إذا اشتبه المُباح بالمُحرَّم في غير الضَّرورة وجب الكَفُّ عنهما

يقول رحمه الله:

وإذا اشتبه المُباح بالمُحرَّم في غير الضَّرورة وجب الكَفُّ عنهما.

"إذا اشتبه المُباح بالمُحرَّم في غير الضَّرورة" كاشتباه مُذَكَّاةٍ بميتةٍ.

إنسانٌ عنده شاتان، واحدةٌ مُذَكَّاةٌ ذكاةً شرعيةً، والأخرى ميتةٌ، ولكنه لا يدري: هل هذه الميتة أو هذه المُذَكَّاة؟ ماذا يصنع في هذا الحال؟

نقول: إن كانت هناك ضرورةٌ فإنه يتحرَّى وينظر ما يغلب على ظنِّه، وإن لم تكن ضرورةٌ فإنه يجتنبهما.

إذا لم تكن ضرورةٌ -يعني: إلى أكل هذا اللحم أو هذا الحيوان- فإنه يجب اجتنابهما.

لكن لو قُدِّر أن الإنسان عنده ضرورةٌ؛ ولهذا قال المؤلف: "في غير الضَّرورة"، فإذا كانت ضرورةٌ وجب التَّحري والأكل.

إذا اشتبه المُباح بالمُحرَّم في غير الضَّرورة وجب الكَفُّ عنهما، لماذا؟

نقول: لأن اجتناب المُحرَّم واجبٌ، ولا يمكن اجتناب المُحرَّم إلا باجتناب هذا المُباح أو المُشْتَبَه به؛ فوجب اجتنابهما جميعًا.

وعلى عمومها دون خصوصٍ

يقول المؤلف رحمه الله:

وعلى عمومها دون خصوصٍ.

الألفاظ تُحْمَل على عمومها دون خصوصها، فيجب حمل الألفاظ الشرعية على عمومها دون خصوصها.

يجب العمل بعموم اللفظ حتى يَثْبُت تخصيصه؛ لأن العمل بالنصوص الشرعية بحسب ما تقتضيه دلالاتها، العمل بالنصوص الشرعية يكون بحسب ما تقتضيه دلالاتها حتى يَثْبُت الدليل على خلاف ذلك.

فمثلًا: قال الله تعالى في المُحرَّمات في النكاح: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء:23] يعني: وحَرَّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين.

نقول: نأخذ بعموم اللفظ ونقول: يحرم الجمع بين الأختين، سواء كان ذلك في النكاح أو المِلْك، وسواء كان ذلك بالنَّسب أو في الرضاع، فلا يجوز للإنسان أن يجمع بين أختين من النَّسَب، ولا يجوز أن يجمع بين أختين من الرضاع، ولا يجوز أن يجمع بين أختين في مِلْكٍ؛ أخذًا بالعموم.

خلافًا لمَن قال -مثلًا-: إن قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ خاصٌّ بالنَّسَب دون الرضاع، فيجوز للإنسان أن يجمع بين أختين من الرضاع.

أيضًا آيات الظِّهار: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:3]، آيات الظِّهار سبب نزولها: ظِهَار أوس بن الصَّامت من زوجته، فهل نقول: إن الظِّهار خاصٌّ به أو أنه عامٌّ؟

نقول: عامٌّ، إذن هذا داخلٌ في قوله: "وعلى عمومها دون خصوصها".

تعريف العامّ والخاص

طيب، ما العام؟

العام: هو اللفظ المُستغرق لجميع أفراده بلا حصرٍ.

يُقابله الخاص: وهو اللفظ الدال على محصورٍ: إما بشخصٍ، وإما بعددٍ، أو غير ذلك.

يُحْمَل اللفظ على استقلاله دون إضماره

يقول المؤلف رحمه الله:

وعلى استقلاله دون إضماره.

"على استقلاله" أي: أنه ليس فيه حذفٌ.

"دون إضماره" يعني: دون أن يكون هناك إضمارٌ وحذفٌ.

فلو دار الكلام بين أن يكون فيه إضمارٌ وحذفٌ، أو ليس فيه إضمارٌ وحذفٌ، فالأصل أنه مُستقلٌّ، لا حذف فيه.

ولذلك من هذا الباب كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله"، كثيرٌ من العلماء يقول: "لا إله إلا الله" أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله.

هذا من حيث المعنى صحيحٌ، لكن على القاعدة غير صحيحٍ.

والصواب أن يُقال: "لا معبود حقٌّ"، احذف الباء، نقول: معنى "لا إله إلا الله" أي: لا معبود حقٌّ، ولا تقل: "لا معبود بحقٍّ"؛ لأنك إذا قلتَ: لا معبود بحقٍّ، فـ"بحقّ" جارٌّ ومجرورٌ، وكل جارٍّ ومجرورٍ يحتاج إلى مُتعلقٍ.

لا بد للجارِّ من التَّعلق بفعلٍ أو معناه نحو مُرْتَقِي [19]

وما لا يحتاج إلى تقديرٍ أولى مما يحتاج إلى تقديرٍ.

إذن إذا أردتَ أن تُبيِّن معنى "لا إله إلا الله"، ما معناها؟

نقول: لا معبود حقٌّ، ولا نقول: بحقٍّ، فـ"بحقٍّ" صحيحٌ من حيث المعنى، لكن من حيث الإعراب نقول: "لا إله إلا الله" أي: لا معبود حقٌّ إلا الله؛ لأنك لو قلت: "لا معبود بحقٍّ" فالجارُّ والمجرور يحتاج إلى مُتعلقٍ.

كذلك أيضًا من هذا الباب قول بعض المُفسرين -ومنهم الجلال في "تفسير الجلالين"- في قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قدَّر رحمه الله "لا"، قال: {وعلى الذين لا يُطيقونه}.

وهذا في الواقع تحريفٌ للقرآن، قَلْبٌ من الإثبات إلى النَّفي؛ لأن الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يعني: يستطيعونه فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ، هو يقول: كيف تكون عليه فديةٌ مع أنه مُستطيعٌ؟! المُستطيع يجب عليه الصيام.

ومن ثَمَّ اختلف العلماء في معنى الآية الكريمة: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فقال بعضهم: معنى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يعني: يتكلَّفونه، يعني: يُطوَّقونه ويتكلَّفونه.

وقيل: إن الآية على حذفٍ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قبلها: لا، يعني: {وعلى الذين لا يُطيقونه}.

وكلا القولين أو التَّفسيرين فيه نظرٌ.

وأصحُّ ما قيل في معنى الآية: أن قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ الآية على ظاهرها، لكن هي باعتبار الحال الأولى؛ لأن الصيام -أيها الإخوة- أول ما فُرِضَ، كيف فُرِضَ؟

كان الإنسان مُخيَّرًا بين الصيام والإطعام، فمَن شاء أن يصوم صام، ومَن شاء أن يُفْطِر أفطر وفَدَى.

قال سلمة بن الأكوع في سبب نزول الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قال: كان مَن أراد أن يصوم فعل، ومَن أراد أن يُفْطِر ويَفْتَدي فعل، حتى نزلت الآية بعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] [20].

وعلى هذا يكون قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ باعتبار الحال الأولى للصيام.

المُطْلَق يجري على إطلاقه

يقول المؤلف رحمه الله:

وعلى إطلاقه دون تقييده.

يعني: على أنه مُطلقٌ دون أن يكون مُقيَّدًا.

معنى المُطْلق والمُقيد

ما المُطلق؟

المُطلق: ما دَلَّ على الحقيقة بلا قيدٍ، اللفظ الذي يدل على الحقيقة بلا قيدٍ، هذا يُسمَّى: مطلقًا.

والمُقيَّد: ما دَلَّ على الحقيقة بقيدٍ.

مثال المُطْلق: قول الله في آيات الظِّهار: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3]، وفي كفَّارة اليمين: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]، رَقَبَةٍ يشمل أيَّ رقبةٍ، هذا يُسمَّى: مطلقًا.

وفي كفَّارة القتل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، فقوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ هذا مُقيَّدٌ.

إذن المُطْلَق: ما دَلَّ على الحقيقة بلا قيدٍ.

والمُقيَّد: ما دَلَّ على الحقيقة بقيدٍ.

الفرق بين العامِّ والمُطلق

إذا قال قائلٌ -وهي مسألةٌ مهمةٌ-: ما الفرق بين العامِّ والمُطلق؟

أحيانًا يقول: هذا عامٌّ، ويقول: هذا مُطلقٌ.

نقول: الفرق بينهما من وجوهٍ:

الوجه الأول: أن العامَّ يُقابله الخاص، والمُطلق يُقابله المُقيَّد.

فلا يصحُّ -مثلًا- أن تقول: عامٌّ غير مُقيدٍ، أو تقول: مُطلقٌ غير مُخصَّصٍ.

العامُّ يُقابله الخاصّ أو التَّخصيص، والمُطلق يُقابله المُقيد أو التَّقييد.

ثانيًا من الفروق: أن العامَّ عمومه شُمُولي، والمُطلق عمومه بَدَلِي.

فإذا قلتَ -مثلًا- لشخصٍ: أَكْرِم الحاضرين، هذا عمومٌ شُمولي يشمل كل الحاضرين، هذا يُسمَّى: عامًّا.

ولو قلتَ له: أَكْرم حاضرًا، أو: أَكْرم طالبًا، هذا عمومٌ بَدَلي، يختار هذا أو هذا أو هذا أو هذا.

هذا الفرق بين العامِّ والمُطْلَق.

إذن العامُّ عمومه شُمولي، فلو قال إنسانٌ -مثلًا- لآخر: أَكْرم الطلبة، أو: أَكْرم المُصلين، وجب أن يُكْرِم جميع مَن في المسجد، لكن إذا قال: أَكْرم مُصلِّيًا، والمسجد فيه مليون شخص، أَكْرَمَ واحدًا حصل الامتثال.

ثالثًا من الفروق: أن العامَّ يصح الاستثناء منه، وأما المُطلق فلا يصحُّ الاستثناء منه.

فتقول -مثلًا-: أَكْرِم الطلبة إلا زيدًا، يصحُّ، لكن لا يصحُّ أن تقول: أَكْرِم طالبًا إلا زيدًا.

إذن تبين أن العامَّ والمُطلق بينهما هذه الفروق الثلاثة:

الفرق الأول: أن العامَّ يُقابله الخاصّ، فيكون عام وخاص، والمُطلق يُقابله التَّقييد.

فعلى هذا لا يصحُّ أن تقول: هذا اللفظ عامٌّ غير مُقيدٍ، أو تقول: هذا اللفظ مُطلقٌ غير مُخصَّصٍ.

لا، تقول: عامٌّ غير مُخصَّصٍ، ومُطلقٌ غير مُقيَّدٍ.

ثانيًا: أن العامَّ عمومه شُمولي، والمُطلق عمومه بَدَلي.

فإذا قلتَ -مثلًا-: أَكْرم المُصلين، وجب أن تُكْرِم جميع المُصلين، لو بقي واحدٌ أو اثنان لم تُكْرِمهما لم يحصل الامتثال.

أما لو قلتَ: أَكْرِم مُصلِّيًا، أكرمتَ أيَّ واحدٍ، وقفتَ عند الباب وأول مَن دخل أكرمتَه، حصل الامتثال.

ثالثًا: أن العامَّ يصح الاستثناء منه، فتقول -مثلًا-: أَكْرِم الحاضرين إلا الكسول، أَكْرِم الطلبة إلا الكسول، لكن لا يصحُّ أن تقول: أَكْرِم طالبًا إلا الكسول.

هذه الفروق بين المُطلق والمُقيد.

يقول:

والنَّهي للتَّحريم إلا بقرينةٍ تصرفه إلى الكراهة.

تقدم الكلام على هذا.

ويتعين حمل الألفاظ على حقائقها دون ما قالوا: إنه مجازٌ.

أيضًا سبق الكلام عليه، وأن اللفظ إذا دار بين كونه حقيقةً أو مجازًا أنه يُحْمَل على الحقيقة.

التَّأسيس أولى من التَّأكيد

قال رحمه الله:

وعلى أنه مُؤسِّسٌ للحكم لا مُؤكِّد.

فإذا دار الأمر بين أن يكون اللفظ مُؤكِّدًا، وأن يكون مُؤسِّسًا، فالأصل أنه مُؤسِّسٌ.

مثل: قول الله : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]، صَلَوَاتٌ على القول بأن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ صلاة الله على عبده: رحمته، أكثر العلماء يُفسِّرون الصلاة من الله بأنها الرحمة.

نقول: هذا تُضْعِفه الآية الكريمة: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، لو فسَّرنا الصلاة بأنها الرحمة لكان المعنى: أولئك عليهم رحمةٌ من ربهم ورحمةٌ، والأصل في الكلام التَّأسيس لا التَّوكيد.

أيضًا في قوله في سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13] تكررت، فهل هذا التَّكرار للتوكيد أو التَّأسيس؟

نقول: هو للتَّأسيس؛ لأن كل جملةٍ منها مُؤسِّسةٌ، فكل جملةٍ جاء بعدها: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فإنها تحمل معنًى آخر.

حمل اللفظ على التَّباين أولى من التَّرادف

يقول المؤلف رحمه الله:

وعلى أنه مُتباينٌ، لا مُترادفٌ.

إذا دار الكلام بين أن يكون اللفظ مُتباينًا أو مُترادفًا، فالأصل أنه مُتباينٌ، لا مُترادفٌ.

أقسام اللفظ المُفْرد باعتبار مَدْلُوله

اللفظ المُفرد باعتبار مَدْلُوله -يعني: ما يدل عليه- ينقسم إلى أربعة أقسامٍ.

القسم الأول: ما اتَّحَدَ لفظه، وتعدَّد معناه.

هذا يُسمَّى "مُشتركًا"، وبعضهم يُسمِّيه "مُشَكِّكًا"، كلفظ: العين.

لفظة "عين" تُطلق على العين الباصرة، وتُطلق على العين الجارية، وتُطلق على الجاسوس، يُسمَّى: عينًا، وتُطلق على النَّقد، فالذهب يُسمَّى: عينًا، والآن الدراهم والدنانير تُسمَّى: عينًا.

إذن لفظ "العين" لفظٌ مُشتركٌ بين العين الباصرة، والعين الجارية، والعين التي هي نقدٌ، والعين التي هي الجاسوس.

هذا يُسمَّى: لفظًا مُشتركًا.

الثاني من الألفاظ: ما تعدد لفظه ومعناه، كإنسانٍ وفرسٍ.

هذا "إنسانٌ" لفظٌ، و"فرسٌ" لفظ.

هذا يُسمَّى: مُتباينًا.

ما تعدد لفظه، وتعدد معناه، هذا يُسمَّى: مُتباينًا.

فـ"الإنسان" لفظٌ له معنًى، و"الفرس" لفظٌ له معنًى، فلفظ "إنسان" ولفظ "فرس" ليس مُشتركًا، ولا مُترادفًا، وإنما هو مُتباينٌ.

الثالث من الألفاظ: ما اتَّحَدَ لفظه ومعناه، كلفظ "إنسان"، فإنه يشترك فيه كثيرون: أنا إنسانٌ، وأنت إنسانٌ، وهذا إنسانٌ، وهذا إنسانٌ.

الرابع من الألفاظ: ما تعدد لفظه، واتَّحد معناه، هذا يُسمَّى "مُترادفًا" كأسدٍ وغضنفر.

أسد وغضنفر يُطلقان على حيوانٍ واحدٍ.

السيف والمُهند، كلها معناها واحدٌ.

يعني: ألفاظًا مُتعددةً بمعنًى واحدٍ.

أما الأول: وهو الذي ذكرنا أنه ما اتَّحد لفظه ومعناه، كلفظ "إنسان"، اللفظ واحدٌ، والمعنى واحدٌ، هذا يُسمَّى ماذا؟

مُشترك.

لفظٌ مُشتركٌ، ولفظٌ مُتباينٌ، ولفظٌ مُترادفٌ، أيش بقي؟

مُتواطئٌ.

إنسانٌ يُطلق على أناسٍ كثيرين، هذا يُسمَّى: مُتواطئًا.

إذن الألفاظ باعتبار مدلولها أربعة أقسامٍ:

  • مُترادف.
  • مُتباين.
  • مُتواطئ.
  • مُشترك.

يقول المؤلف رحمه الله:

وعلى

^1 رواه أحمد: 8712.
^2 ألفية ابن مالك: ص272.
^3 قائل البيت هو أبو خراش الهُذَلِي، ينظر: "شرح أشعار الهذليين" لأبي سعيد السكري: ص1346.
^4 البيتان لنشوان الحميري، ينظر: "شمس العلوم" له: 1/ 377.
^5 رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5302.
^6 رواه أحمد: 2803، والطبراني في "المعجم الكبير": 11560، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2961.
^7 البيت لابن القيم، ينظر: نونيته: ص95.
^8 البيت لعبدالرحمن الأخضري. ينظر: متن "السلم المُنورق": 48.
^9 العقيدة السفارينية: ص69.
^10 روى الإمام أحمد (3121) عن ابن عباس، قال: "تمتع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: ما يقول عُرَيَّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون؛ أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: نهى أبو بكر وعمر؟". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر وعمر. فقال ابن عباس: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر " مجموع الفتاوى (20/ 215). كما ذكره ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" (2/182) ، و"إعلام الموقعين" (2/ 168).
^11 رواه البخاري: 2731.
^12 رواه مسلم: 977.
^13 البيت للشيخ ابن عثيمين رحمه الله. ينظر: "منظومة أصول الفقه وقواعده" للشيخ: ص23.
^14 رواه مسلم: 2025.
^15 رواه البخاري: 1637، ومسلم: 2027.
^16 ينظر: "مرقاة الصعود" للحافظ السيوطي: 2/ 914.
^17 رواه البخاري: 337.
^18 البيت لامرئ القيس. ينظر: ديوانه: ص31.
^19 ينظر: "تفسير القرآن الكريم" للشيخ ابن عثيمين: 1/ 125.
^20 رواه بلفظٍ قريبٍ البخاري: 4507، ومسلم: 1145.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©