- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "وما كان طلب الشارع له من مُكلَّفٍ .." (2)

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا واجزه خير الجزاء، واغفر للسامعين والحاضرين يا ذا الجلال والإكرام.
يقول المُصنِّف رحمه الله في كتابه "صفوة أصول الفقه":
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
فرض العين وفرض الكفاية
توقَّف بنا الكلام على قول المؤلف:
فرض العين وفرض الكفاية يشتركان ويفترقان؛ فيشتركان في أمرين:
- الأمر الأول: أن الخطاب فيهما موجَّهٌ إلى الجميع؛ أن الخطاب في فرض العين وفي فرض الكفاية موجَّهٌ إلى جميع المُكلَّفين.
- الأمر الثاني مما يشتركان فيه: أن المُكلَّفين إذا تركوهما أثموا، فإذا تركوا فرض الكفاية أثموا، وإذا تركوا فرض العين أثموا.
فيشتركان في هذين الأمرين:
- أولًا: أن الخطاب فيهما موجَّهٌ إلى الجميع.
- وثانيًا: أن المُكلَّفين إذا تركوهما فإنهم يأثمون.
ويفترقان في ثاني حالٍ، وهي: أن فرض العين لا بُدَّ من الإتيان به من كل مُكلَّف، وأما فرض الكفاية فإذا قام به من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين.
الضابط في التمييز بين فرض العين وفرض الكفاية
لكن ما الضابط في معرفة ما يكون فرض عينٍ وما يكون فرض كفايةٍ؟
الجواب: إن كان مقصود الشارع إيجاد الفعل بقطع النظر عن الفاعل؛ فهو فرض كفاية، وإن كان مقصود الشارع هو الفاعل بذاته؛ فهو فرض عينٍ. فالأمر إذا كان المُراعَى فيه الفاعل فهو فرض عينٍ، وإن كان المُراعَى فيه الفعل فهو فرض كفايةٍ.
فمثلًا: تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه، نقول: المقصود حصول الفعل وإيجاد الفعل، فيكون فرض كفايةٍ، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، ولأنه لا يمكن أن نوجِّه الخطاب إلى الجميع، حتى لو قُدِّر أن الجميع أرادوا أن يفعلوا هذا الفرض؛ فإنه لا يمكن، هل يمكن مثلًا ألف رجل يُغسِّلون رجلًا ويُكفِّنونه ويُصلُّون عليه؟ الصلاة ممكن، لكن التغسيل والتكفين؟!
وأما إذا كان المقصود هو الفاعل بذاته، بحيث يكون في الفعل مصلحةٌ؛ فهو فرض عينٍ.
إذن؛ فالأمر إذا كان المقصود به الفاعل فهو فرض عينٍ، أو المُراعَى فيه الفاعل فهو فرض عينٍ، وإن كان المُراعَى فيه الفعل بقطع النظر عن الفاعل فهو فرض كفايةٍ.
قال شيخنا رحمه الله في منظومته في ذكر هذا الضابط:
| والأمر إن رُوعي فيه الفاعل | فذاك ذو عينٍ وذاك الفاضلُ |
| وإن يُراعَى الفعل مع قطع النظر | عن فاعلٍ فذو كفاية أُثِر [1] |
نعم، يقول المؤلف رحمه الله:
فإذا قُدِّر -مثلًا- أن ميتًا مات في بلد كفارٍ ليس فيه مُسلمٌ إلا واحدٌ، فيجب على هذا المسلم أن يُغسِّله وأن يُكفِّنه وأن يُصلِّي عليه؛ لأنه يعلم أن هذا الواجب لا يقوم به سواه.
تزاحم المصالح والمفاسد
قال رحمه الله:
المصالح: جمع مصلحةٍ، والمصلحة: هي ما فيه جلب منفعةٍ أو دفع مَضرَّةٍ، هذه هي المصلحة، المصلحة: ما يكون فيها جلب منفعةٍ أو دفع مَضرَّةٍ.
إذا اجتمعت مصلحتان فإن تمكَّن أو قدر على أن يفعل المصلحتين معًا فذاك، وإلا فإنه يُقدِّم أعلاهما. إذا اجتمعت مصلحتان فأكثر، فإن أمكن أن يفعل المصلحتين أو المصالح جميعًا فهذا هو المطلوب، وإن لم يمكن فإنه يُقدِّم الأعلى.
فمثلًا: تزاحم عند الإنسان طلب العلم وبر الوالدين، إن أمكن أن يقوم بهما بحيث يَبَرُّ بوالديه ويطلب العلم فهذا هو المطلوب، وإن لم يُمكِن فإنه يُقدِّم الأعلى، وهو بر الوالدين.
كذلك أيضًا: تزاحم فرضٌ ونفلٌ، اجتمع عنده فرضٌ ونفلٌ، فإن أمكن أن يفعلهما معًا فهذا هو المطلوب، وإلا فإنه يُقدِّم الفرض؛ لأنه أهم. تزاحم عنده قضاءٌ من رمضان ويريد أن يصوم نفلًا، نقول: إن أمكن الجمع بأن كان الوقت موسَّعًا فيصوم النفل ويقضي، وإن لم يُمكِن بأن تضايق الوقت بحيث لم يبقَ على رمضان إلا بقدر ما عليه من القضاء فحينئذ يُقدِّم القضاء.
إذن؛ المصالح إذا اجتمعت إن أمكن فعلها جميعًا فهذا هو المطلوب، وإن لم يمكن فإنه يُقدِّم الأعلى.
ارتكاب أخف المفسدتين عند لزوم فعل إحداهما
قال:
المفاسد إذا اجتمعت فإن أمكن اجتنابها جميعًا فهذا هو المطلوب، وهذا هو الواجب، وإن لم يمكن فإنه يُرتكب الأخف، يُرتكب أخف مفسدتين لدفع أعلاهما.
مثال ذلك: امرأةٌ وجب عليها الغسل وهي بحضرة رجالٍ أجانب، فاغتسالها أمام الأجانب وتعرِّيها مفسدةٌ، وكونها أيضًا تتيمَّم مع وجود الماء مفسدةٌ، لكن أيُّ المفسدتين أخف؟ نقول: التيمم، فتعدل إلى التيمم درءًا للمفسدة الأعلى.
إنسانٌ في مخمصةٍ وعنده ميتةٌ وصيدٌ، إنسانٌ مُحرِمٌ وهو في مخمصةٍ وعنده ميتةٌ وصيدٌ؛ فأيهما يُقدِّم؟ هذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إنه يُقدِّم الميتة؛ لأنه إذا قدَّم الصيد ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، ولكن الصحيح: أنه يُقدِّم الصيد؛ وذلك لأن الميتة الأصل أنها مُحرَّمةٌ بكل حالٍ، لكن الصيد إنما هو حرامٌ عارضٌ، وهو حال الإحرام أو كونه في الحرم.
اشتباه المُباح بالمُحرَّم في غير الضرورة
يقول المؤلف رحمه الله:
إذا اشتبه مُباحٌ بمُحرَّمٍ في غير الضرورة، فإن الواجب أن يُكَفَّ عنهما، وقوله: "في غير الضرورة"؛ إذا كانت ضرورةً فلا بأس بالتحري، كما لو اشتبهت عنده ميتةٌ بمُذَكَّاةٍ، إنسانٌ وقع في مخمصةٍ واشتبهت عليه ميتةٌ بمُذَكَّاةٍ، نقول: هذه ضرورةٌ، فحينئذ يتحرى فينظر ما غلب على ظنه أنها هي المُذَكَّاة فيأكل منها ويجتنب الأخرى.
كذلك أيضًا: اشتبهت أخته من الرضاع بأجنبيةٍ، فحينئذ أيضًا يتحرى إذا دعت الضرورة، أما إذا لم تكن هناك ضرورةٌ فإنه يجتنبهما معًا.
حكم الأمر
يقول المؤلف رحمه الله:
الأمر، ما الأمر؟
الأمر عند الأصوليين: قولٌ يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
فقولنا: "قول" خرجت به الإشارة، فلو أشرت إلى شخصٍ أن يقوم أو أن يقعد، فهذا ليس أمرًا اصطلاحًا، والكتابة ليست أمرًا اصطلاحًا؛ فلا بُدَّ في الأمر أن يكون قولًا.
إذن؛ هو قولٌ يتضمن طلب الفعل، خرج بذلك ما يتضمن طلب الكف، وهو النهي.
"على وجه الاستعلاء": وليس على وجه العلو. والفرق بين العلو والاستعلاء: أن العلو صفةٌ للمتكلم، والاستعلاء صفةٌ في الكلام، فمثلًا: لو أن لصًّا دخل بيت أحد الوجهاء الكبار، فصار يأمره: افعل كذا، افتح كذا، هل يُسمى هذا أمرًا؟ نقول: نعم؛ لأنه قولٌ يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء، وإن كان هذا الرجل ذليلًا في نفسه، لصٌّ لكن قوله يتضمن الاستعلاء.
إذن؛ الفرق بين العلو والاستعلاء: أن العلو يكون صفةً في المتكلم، فالمَلِك -مثلًا- إذا أمر بأمرٍ، نقول: هذا على وجه العلو؛ لأنه هو عالٍ بنفسه، لكن لو جاء رجلٌ من أراذل الناس يريد أن يأمر عالمًا أو وزيرًا، يقول: افعل أو لا تفعل؛ نقول: هذا على جهة الاستعلاء.
أقسام الأمر من حيث الفورية أو التراخي
قال: "والأمر يقتضي الفورية"، ومراده رحمه الله بقوله: "الأمر يقتضي الفورية" يعني: الأمر المُطلق؛ وذلك أن الأمر لا يخلو من ثلاث حالاتٍ:
- الحال الأولى: ما دَلَّ الدليل على أنه للفور.
وضابط ذلك: ما عُلِّق على سببٍ أو زمنٍ مُعيَّنٍ، فكل ما عُلِّق على سببٍ أو زمنٍ مُعيَّنٍ فإنه يكون للفور.
مثاله: قول النبي في هلال رمضان: إذا رأيتموه فصوموا...، هذا أمرٌ للفور، وفي هلال شوال: إذا رأيتموه فأفطروا [2]. وكذلك أيضًا في صلاة الكسوف: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة [3]، نقول: "إذا رأيتم" هذا الأمر للفور؛ لأنه عُلِّق على سببٍ.
- الحال الثانية من أحوال الأمر: ما دَلَّ الدليل على أنه للتراخي وليس للفور.
ومنه قول الله : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، فَعِدَّةٌ يعني: فالواجب عدةٌ من أيام أُخَرَ. فظاهر الآية: الفورية، يقول: فَعِدَّةٌ أمرٌ، والأصل في الأمر أنه للفور، لكن نقول: هنا دَلَّ الدليل على أن الأمر هنا ليس للفور، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» [4].
- الحال الثالثة أو القسم الثالث من أقسام الأمر: الأمر المُطلق المُتجرِّد عن القرائن، بمعنى: أنه ليس فيه دليلٌ على الفورية أو على التراخي، فماذا يقتضي؟
نقول: يقتضي الفورية؛ أولًا لقوله : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133]، وقال : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، ولأن النبي لما أمر أصحابه بالحَلْق يوم الحديبية وتأخروا؛ كَرِه ذلك، وهذا يدل على أن الأمر للفورية.
وأيضًا لو قلنا: إن الأمر ليس للفورية ولكنه للتراخي، فإلى أيِّ زمنٍ يُقيَّد؟ إلى متى؟ إن قيَّدتَ زمنًا بعد شهرٍ، بعد شهرين؛ فهذا تحكُّمٌ بلا دليلٍ.
إذن؛ الأمر نقول: يقتضي الفورية؛ لأنك لو قلت: على التراخي -يعني: إما أن تقول على التراخي، وإما أن تُحدِّده بزمن- فإن قلت: إنه على التراخي؛ لزم من ذلك سقوط الواجب، فرُبما يموت الإنسان ولا يفعل لأنه على التراخي، وإن حدَّدتَ زمنًا مُعيَّنًا، كأن قلت: بعد سنةٍ، بعد شهرٍ؛ فهذا تحكُّمٌ بلا دليلٍ.
وعلى هذا نقول: الأمر المُطلق يقتضي الفورية.
الحكمة الشرعية (العلة)
قال رحمه الله:
الأحكام الشرعية كلها شرعها الله لحكمةٍ، جميع ما يُشرِّعه الله فإنه يُشرِّعه لحكمةٍ، عَلِمها من عَلِمها وجَهِلها من جَهِلها، وليس جهلنا بشيءٍ من حِكَم ما شرع الله دليلًا على أنه لا حكمةَ فيها، بل هو دليلٌ على نقص عِلمنا وقصور فهمنا، وإلا فإن ربك حكيمٌ عليمٌ، فإنه لا يُشرِّع الشرائع إلا لحكمةٍ.
تعريف العلة
ما الحكمة؟
الحكمة -وتُسمّى عند الأصوليين: "العلة"-: هي الوصف المُشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، بحيث تقول: شرع الله كذا لكذا. هذه هي الحكمة، وتُسمَّى عند الأصوليين: "العلة".
أقسام الأحكام الشرعية من حيث العلة
والأحكام الشرعية من حيث العلة على أقسامٍ ثلاثةٍ:
القسم الأول: ما لا تُعقَل عِلَّتُه وحكمته، ويُسمى: "حُكمًا تعبديًّا".
والغالب أن الأحكام التعبدية التي لا يُعقَل معناها تكون في المقادير والأعداد، فلو سألك سائلٌ: لِمَ كانت صلاة الظهر أربعًا؟ والعصر أربعًا؟ والمغرب ثلاثًا؟ والعشاء أربعًا؟ لا أحد يستطيع أن يُجيب، تقول: الله أعلم، الله له حكمةٌ في ذلك، الله أعلم.
ولماذا كان الطواف سبعًا؟ والسعي سبعًا؟ ورمي الجمار سبعًا؟ لا أحد أيضًا يستطيع أن يُجيب. لو علَّلتَ فقلتَ: لأجل أن يكون على وِتْرٍ، قلنا: لِمَ لمْ يكن خمسًا؟ لِمَ لمْ يكن ثلاثًا؟ لِمَ لمْ يكن تسعًا؟ وهكذا.
إذن؛ ما لا تُعقَل علته وحكمته يُسمى: "حُكمًا تعبديًّا".
القسم الثاني من أقسام الأحكام الشرعية من حيث العلة: ما علته منصوصةٌ، يعني: ما نصَّ الشارع فيه على العلة، فتكون علته منصوصةً.
ومن أمثلة ذلك: قول الله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، فَإِنَّهُ رِجْسٌ هذه هي العلة، فيُؤخذ من هذا: فَإِنَّهُ رِجْسٌ -يعني: نجس- أن كلَّ نجسٍ مُحرَّمٌ، وليس كل مُحرَّمٍ يكون نجسًا.
ومن أمثلته أيضًا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يُحزنه [5]، شُفْ: من أجل أن ذلك يُحزنه، هذه علةٌ منصوصةٌ، فيُؤخَذ منها تحريم إدخال الحزن على المسلم.
وأيضًا قول الله : كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر:7]، كل هذا من الحِكَم التي نصَّ الشارع فيها على العلة.
القسم الثالث من أقسام الأحكام الشرعية من حيث العلة: ما علته مُستنبَطةٌ، بمعنى: أن الشارع لم ينص على العلة، ولكن المجتهد اجتهد واستنبط حكمة وعلة هذا الحكم.
ومن أوضح الأمثلة في هذا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يقضي القاضي وهو غضبانٌ [6].
لماذا لا يقضي القاضي وهو غضبان؟ قال أهل العلم: لأن الغضب يُوجِب تشوُّش الفكر، والحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، فإذا تشوَّش فكر القاضي فإنه لن يتصوَّر القضية على ما هي عليه، وحينئذٍ يُخطئ في الحكم.
وعلى هذا يُقاس على الغضب كل ما يُشغِل، فقالوا: إنه لا يقضي وهو حاقنٌ، أو حاقبٌ، أو في همٍّ، أو غمٍّ، أو بردٍ مُؤلمٍ، أو حرٍّ مُزعجٍ، كل هذا مما يُشغله، لا يقضي.
هذا ما يتعلق بالحكمة أو العلة الشرعية.
إذن؛ فالأحكام الشرعية من حيث العلة على أقسامٍ ثلاثةٍ:
- ما لا تُعقَل علته، ويُسمى: "حكمًا تعبديًّا".
- والثاني: ما علته منصوصةٌ.
- والثالث: ما علته مُستنبَطةٌ.
عموم الحكم بعموم علته
قال رحمه الله:
فمتى وُجدت العلة وُجد الحكم، ومتى انتفت العلة انتفى الحكم.
ومن أمثلة ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام في الهِرَّة: إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوَّافين عليكم [7]، يعني: لكثرة تطوافها، علَّل أنها ليست نجسةً.
فيُؤخذ من هذه العلة: أن كل حيوانٍ يكثُر تردُّده وتطوافه بحيث يشقُّ التحرز منه فإنه طاهرٌ؛ ولهذا كان القول الراجح: إن الحمار طاهرٌ، يعني: عَرَقه وريقه وما يُلامس الإنسان منه أنه طاهرٌ، أما رَوْثه وبَوْله ومَنِيُّه فهو نجسٌ، لكن عرقه نقول: طاهرٌ.
وهناك دليلٌ إيجابيٌّ أيضًا: أن النبي وكذلك الصحابة كانوا يركبون الحُمُر عُرْيًا، يعني: من غير أن يتخذوا سَرْجًا أو ما يقي عَرَقه.
يقول:
اللفظ العام إذا عُلِم أن علته مخصوصةٌ فإنه يُخصَّص، كما في قول النبي : إذا استيقظ أحدُكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإن أحدَكم لا يدري أين باتت يدُه [8].
إذا قلنا: إن العلة تعبديةٌ هنا، فإنها تخص أيش؟ تختص بهذا الحكم دون غيره؛ وكذلك الأمر بالاستنثار، يخص هذا الحكم دون غيره.
السبب والشرط والمانع
قال رحمه الله:
السبب: هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم؛ كزوال الشمس، فزوال الشمس سببٌ لوجوب صلاة الظهر، ورؤية هلال رمضان سببٌ لصيام رمضان. فإذا وُجد السبب وهو زوال الشمس أو رؤية الهلال؛ وُجد المُسبَّب وهو الصيام أو الصلاة، وإذا عُدِمَ عُدِم.
وقول المؤلف رحمه الله: "لذاته" يعني: لنفسه لا لغيره، احترازًا مما لو وُجد السبب لكن فُقِد شرطٌ، لكن تخلَّف السبب، فقد يتخلف أثر السبب لشرط.
مثاله: إنسانٌ ملك نصابًا زكويًّا قبل الحول، هل تجب عليه الزكاة؟ نقول: لا، وإن كان السبب موجودًا، لكن شرط الوجوب ليس موجودًا وهو حولان الحول، ولا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول.
قال رحمه الله:
هذا هو الشرط، وأوضح مثالٍ لذلك: الطهارة، فالطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، لكن لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، فقد يتطهر الإنسان ولا يصلي. إذن؛ هذا هو الشرط.
ثم قال رحمه الله:
وأوضح مثالٍ لذلك: الحيض بالنسبة للمرأة، يلزم من وجود الحيض عدم صحة الصلاة، ولكن لا يلزم من عدم الحيض أن توجد الصلاة.
العزيمة والرخصة
قال رحمه الله:
شرع المؤلف في الكلام على الرخصة والعزيمة.
فالرخصة في اللغة بمعنى: السهولة.
وأما اصطلاحًا فعرَّفها الأصوليون بأنها: "ما ثَبَتَ على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمُعارِضٍ راجحٍ".
فمثلًا: أكل الميتة للمُضطر رخصةٌ ثَبَتَتْ على خلاف الدليل الشرعي، وهو: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3]، لمُعارِضٍ راجحٍ، وهو: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [المائدة:3]، هذا معنى الرخصة.
والأحسن أن تُعرَّف الرخصة بأن يُقال: "إنها التسهيل لسببٍ بإسقاط واجبٍ أو فعل مُحرَّمٍ".
فهذا أيسر وأسهل مما عرَّفوا به الرخصة، وهو أن نقول: إن الرخصة هي التسهيل لسببٍ -ليس التسهيل مُطلقًا- التسهيل لسببٍ بإسقاط واجبٍ أو فعل مُحرَّمٍ.
"إسقاط واجب": كما لو عَدِمَ الإنسانُ الماء، فيُرخَّص له أن يتيمم، ولو عَدِمَ الماء والتراب، يُرخَّص له أن يُصلِّي ولو كان عادِمًا. المريض الذي لا يستطيع الصيام يُفطر، والعاجز عن القيام يُصلِّي قاعدًا: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا [9]. إذن؛ هنا تسهيلٌ بإسقاط واجبٍ أو فعل مُحرَّمٍ، كمن اضطر إلى أكل الميتة عند المخمصة.
والقاعدة في هذا: ما ذكره الله في قوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، فالمُحرَّمات تُباح عند حصول الضرورة.
العزيمة، يقول هي: "الحكم الثابت بالدليل الشرعي الخالي عن المُعارِض الراجح".
مثال العزيمة: تحريم الميتة عند عدم الضرورة، إذا لم يكن هناك ضرورةٌ فإن الميتة مُحرَّمة، قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ[المائدة:3].
الناسي والمُخطئ والمُكرَه
ثم قال المؤلف رحمه الله:
هؤلاء الثلاثة: الناسي والمُخطئ والمُكرَه.
أولًا: الناسي، ما النسيان؟ النسيان: هو ذهول القلب عن أمرٍ معلومٍ، هذا النسيان؛ أن يَذهَل القلب عن أمرٍ معلومٍ.
وأما المُخطئ: فهو الذي يرتكب المُخالفة عن غير عمدٍ.
وهناك فرقٌ بين المُخطئ والخاطئ؛ فالخاطئ: هو الذي يرتكب المخالفة عن عمدٍ، أما المخطئ: فهو الذي يرتكب المُخالفة عن غير عمدٍ.
قال الله تعالى في المُخطئ: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. وأما الخاطئ فقال : نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق:16]، وقال : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص: 8].
إذن؛ الخاطئ -مِن خَطِئَ- هذا هو الذي يرتكب المُخالفة عن عمدٍ وقصدٍ، وأما المخطئ: فهو الذي يرتكب المُخالفة عن غير عمدٍ.
يقول: "والمُكرَه"، الإكراه: هو إلزام الغير بما لا يريد قولًا كان أم فعلًا.
فهذه الثلاثة: النسيان والخطأ والإكراه؛ عذرٌ. ما الدليل على أنها عذر؟
نقول: عموم الأدلة، قال الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: قد فعلت [10]، وقال : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5]، وقال : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106]، فهذه الثلاثة عذرٌ.
ما يترتب على النسيان والخطأ والإكراه
ويترتب على هذه الأمور الثلاثة، والكلام في هذه الأمور الثلاثة: النسيان والخطأ والإكراه؛ من وجوهٍ ثلاثةٍ:
أولًا: من جهة الإثم، فهؤلاء الثلاثة لا إثم عليهم باتفاق العلماء، فلا إثم على الناسي، ولا إثم على المُخطئ، ولا إثم على المُكرَه؛ لماذا؟ لأنهم لم يتعمَّدوا المُخالفة ولم يقصدوا المُخالفة، فهم ليسوا بآثمين.
ثانيًا: هل تفسد عبادتهم؟
قال المؤلف:
فمن صلَّى وتكلَّم ناسيًا، نسي وتكلَّم؛ فصلاته صحيحةٌ. كذلك أيضًا: أخطأ الإنسان في صلاته، كأن زاد ركعةً خطأً؛ فصلاته صحيحةٌ. تكلَّم في صلاته مُكرَهًا، سقط على رأسه شيءٌ، فقال: وارأساه! فصلاته صحيحةٌ.
إذن؛ كل من فعل محظورًا في العبادة ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا؛ فلا شيء عليه.
مثال آخر: إنسانٌ وهو صائمٌ أكل أو شرب، فصيامه صحيحٌ. قال النبي عليه الصلاة والسلام: من نسي وهو صائمٌ فأكل أو شرب، فَلْيُتِمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه [11]، أُكره على الأكل والشرب وهو صائمٌ، صيامه صحيحٌ.
فإذن؛ نقول: القاعدة في هذا الباب: أن المحظور في العبادة أن العبادة لا تفسد إذا فُعل المحظور فيها، إذا كان الإنسان ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا.
يقول المؤلف رحمه الله:
من جهة الضمان: الناسي والمُخطئ والمُكرَه؛ هل يضمنون أم لا؟
نقول: أما فيما يتعلق بحق الله فلا ضمان، فلو أتلف الإنسان شيئًا يتعلق بحق الله ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا؛ فلا شيء عليه.
مثلًا: لو قتل صيدًا ناسيًا وهو مُحرِم أو في الحرم، أو قتل صيدًا جاهلًا، أو قتل صيدًا مُكرَهًا؛ فلا شيء عليه؛ لأن الله إنما رتَّب الإثم والجزاء في الصيد على من فعل ذلك مُتعمدًا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا [المائدة:95]، والناسي ليس بمُتعمِّدٍ، والمُخطئ ليس بمُتعمِّدٍ، والمُكرَه ليس بمُتعمِّدٍ.
أما في حقوق الآدميين: فإنه وإن سقط عنهم الإثم، لكن لا يسقط عنهم الضمان، فإنسانٌ -مثلًا- أتلف مال شخصٍ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا؛ فإنه يضمن.
مثاله: إنسانٌ يسير بالسيارة وغفل ونسي، فصدم من أمامه، نزل الآخر قال: قال الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] مرفوعٌ عنه الإثم، نقول: يرتفع عنك الإثم، لكن الضمان لا يسقط عنك.
إذن؛ هؤلاء الثلاثة: الناسي والمُخطئ والمُكره، يتعلق بهم ثلاث مسائل:
- المسألة الأولى: لا إثم عليهم، والسبب: لأنهم لم يتعمَّدوا المُخالفة.
- المسألة الثانية: فساد عبادتهم؟ نقول: لا تفسد عبادتهم.
- المسألة الثالثة: من جهة الضمان؛ هل يضمنون أم لا يضمنون؟
نقول: أما ما يتعلق بحق الله فلا ضمان عليهم، وأما ما يتعلق بحقوق الآدميين فإنهم يضمنون؛ لأن حقوق الآدميين مبنيةٌ على المُشاحة، وحقوق الله مبنيةٌ على المُسامحة. ولهذا قال شيخنا رحمه الله في منظومته:
| الإثم والضمان يسقطان | بالجهل والإكراه والنسيان |
| إن كان ذا في حق مولانا، ولا | تسقط ضمانًا في حقوق للملأ [12] |
والإثم والضمان يسقطان بأيِّ شيءٍ؟ بالجهل والإكراه والنسيان.
هل هذا على إطلاقه؟ قال: لا، "إن كان": هذا تقييدٌ، "إن كان ذا في حق مولانا": ففي حق مولانا يسقط الإثم والضمان وفساد العبادة، "ولا تسقط ضمانًا في حقوق للملأ".
الدليل الثاني من أدلة الشرع: السُّنة
ثم قال المؤلف رحمه الله:
السُّنة في اللغة بمعنى: الطريقة.
إطلاقات السُّنة
وأما اصطلاحًا؛ فالسُّنة لها أربعة إطلاقاتٍ:
فتُطلق السُّنة:
أولًا: على ما يُقابل الواجب، نقول: هذا واجبٌ، وهذا سُنةٌ.
ثانيًا: تُطلق السُّنة على ما يُقابل البدعة، ومنه قول الفقهاء: طلاق سُني، وطلاق بدعي.
إذًن؛ الإطلاق الثاني من إطلاق السُّنة: تُطلق على ما يُقابل البدعة.
الإطلاق الثالث: تُطلق السُّنة على ما يُقابل القرآن، فيقال: الحُجة في القرآن والسُّنة، وهو المراد هنا. فالمراد هنا: السُّنة يعني: ما يُقابل القرآن من حيث الاحتجاج.
وتطلق السُّنة على ما أُضيف إلى النبي من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ خَلقيةٍ أو خُلقيةٍ.
"ما أُضيف": كل ما أُضيف إلى النبي من قولٍ: إنما الأعمال بالنيات [13].
"أو فعلٍ": "كان إذا افتتح الصلاة كبَّر" [14].
"أو تقريرٍ": لما قال الرجل في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]: إنها صفة الرحمن، وأُحِبُّ أن أقرأ بها؛ أقرَّه على ذلك [15].
"أو صفةٍ خَلقيةٍ": "كان ربعةً من القوم" [16].
"أو خُلقية": "كان كثير التبسُّم" [17].
كل هذا يُسمى سُنة. إذن؛ كل ما يُضاف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، فإنه سُنةٌ.
يقول المؤلف رحمه الله: قول النبي وفعله وإقراره؛ هذا السُّنة.
كقوله : إنما الأعمال بالنيات [18]، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ [19].
ما الأصل في فعل النبي ؟
قال:
ومن هذا الكلام أخذ العلماء قاعدةً، وهي: أن فعل النبي المُجرَّد لا يدل على الوجوب، فإذا فعل فعلًا مُجرَّدًا أو مُتجرِّدًا عن القرائن، فهذا يدل على المشروعية ولا يدل على الوجوب.
يقول المؤلف رحمه الله:
الأصل: أن الرسول يُتأسَّى به في جميع الأحكام، فكل الأحكام الشرعية الأصل فيها أنه أسوةٌ وقدوةٌ لنا عليه الصلاة والسلام.
بعض الأحكام التي خُصَّ بها النبي
يقول المؤلف رحمه الله:
يعني: أن يكون خاصًّا به عليه الصلاة والسلام، وقد خصَّ الله تعالى نبيه محمدًا بأحكامٍ، فقال الإمام أحمد رحمه الله: "خُصَّ النبي بواجباتٍ ومحظوراتٍ ومُباحاتٍ وكراماتٍ". خصَّ الله نبيَّه محمدًا بواجباتٍ ومحظوراتٍ -يعني: مُحرَّمات- ومُباحات وكرامات.
فالواجبات: كالوتر؛ كان واجبًا عليه، والسواك؛ كان واجبًا عليه عليه الصلاة والسلام.
المحظورات -يعني: المُحرَّمات-: كالرمز بالعين. قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين [20]، فيُمنع أن يرمز بعينه. وكذلك أيضًا الصدقة والزكاة: إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ [21].
والمباحات: أكثرها في النكاح، أكثر ما خُصَّ النبي به من المُباحات في النكاح؛ ولذلك ذكر فقهاؤنا رحمهم الله خصائص النبي في كتاب النكاح، قال الحجاوي في "الإقناع" في كتاب النكاح: "كتاب النكاح وخصائص النبي "، لماذا ذكرها في النكاح؟ لأن أكثر خصائصه في النكاح.
فمن خصائصه في النكاح:
- أنه يتزوج بلا وليٍّ؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
- ومن خصائصه: أنه يتزوج بلا عددٍ، ولهذا مات عن تسعٍ.
- ومن خصائصه: أنه يتزوج بالهبة، يعني: يجوز للمرأة أن تهب نفسها إليه، كما في قصة سهل بن سعدٍ الساعدي عن المرأة التي وهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام.
ودليل جواز نكاح الهبة: قول الله في سورة الأحزاب: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً -يعني: وأحللنا لك امرأةً مؤمنةً- إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فهذا دليلٌ على أن نكاح الهبة خاصٌّ بالنبي .
- أُبيح للنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا الوصال في الصوم.
- ومن الكرامات التي خُصَّ بها النبي : أن الله جعله خاتم الأنبياء: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].
- كذلك أيضًا: أن أُمَّته أفضل الأمم، هذا ممَّا خصَّه الله به، وأنه أفضل الخلق والبشر.
| وأفضل الخلق على الإطلاقِ | نبيُّنا، فَمِلْ عن الشقاقِ |
إذن؛ الرسول عليه الصلاة والسلام خُصَّ بواجباتٍ ومحظوراتٍ -يعني: مُحرَّماتٍ- ومباحاتٍ وكراماتٍ.
أفعال النبي غير التشريعية
يقول المؤلف رحمه الله:
يعني: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة أو بحسب العادة، هذه الأفعال التي فعلها بمقتضى الطبيعة وبمقتضى الجِبِلَّة أو بحسب العادة، نقول: الأصل أنها مُباحةٌ، فالرسول عليه الصلاة والسلام يأكل بمقتضى الطبيعة، ويشرب بمقتضى الطبيعة، وينام بمقتضى الطبيعة، وهذه الأفعال منه مُباحةٌ؛ لأن كل إنسانٍ يفعلها.
لكن قد يكون في هذه الأفعال المباحة أوصافٌ مطلوبةٌ؛ فالنوم مثلًا: مُباحٌ في حد ذاته، لكن قد يكون فيه صفةٌ مطلوبةٌ: بأن ينام على شِقِّه الأيمن. والأكل يكون فيه صفةٌ مطلوبةٌ: أن يُسمِّي، وأن يأكل بيمينه. أو على سبيل العادة كاللباس؛ فاللباس على سبيل العادة قد يكون فيه صفةٌ مطلوبةٌ -وإن كان مُباحًا-: كلبس البياض مثلًا.
فيُقتدَى به عليه الصلاة والسلام في أوصاف هذه المُباحات، لا في أصلها، يُقتدَى به ويُتأسَّى به في أوصاف هذه الأمور المباحة: أوصاف النوم، وأوصاف الأكل، وأوصاف الشرب، وأوصاف اللبس. أما في اللبس وما يتعلق بالأكل والشرب، فأصل الأكل من الأمور التي لا يستغني الإنسان عنها، ومن الأمور التي لا يُتأسَّى بها؛ لأن أصله مُباحٌ.
يقول:
نعم، الأصل أن الرسول قدوةٌ لأُمته في جميع أفعاله وجميع تشريعاته، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[الأحزاب:21]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة: صلُّوا كما رأيتموني أُصلي [22]، وقال في الحج: لتأخذوا عني مناسككم [23]، فتتأسَّى الأُمة به في جميع أفعاله: في قيام الليل، وفي غيره، فلا يُخَصُّ شيءٌ إلا بدليلٍ.
فمثلًا قول الله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، نقول: وإن كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه عامٌّ له ولأُمته، وقال : إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6]، ففي الآية الأولى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ [الإسراء:79]، وفي الآية الثانية: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6].
طيب، هنا سؤال مُعترضٍ: ما الفرق بين قوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ وبين قوله: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا؟ يعني: ما الفرق بين التهجد وبين الناشئة؟ إنسانٌ يُصلِّي، نقول: هذا تهجُّد؛ وآخر يُصلِّي، نقول: هذا ناشئة؟
نقول: الفرق بينهما: أن التهجد ما كان بعد نومٍ، والناشئة ما كان بعد رقدةٍ؛ فإذا نام الإنسان نومًا طويلًا ثم قام يُصلِّي يُسمَّى: "تهجدًا"، وإذا نام نومًا خفيفًا ثم قام يُصلِّي فتُسمَّى: "ناشئة". هل فهمتم؟
ولهذا قال الفتوحي رحمه الله في "المنتهى": "والتهجد ما بعد نومٍ، والناشئة ما بعد رقدةٍ"، ذكر هذا في صلاة التطوع في قيام الليل.
يقول:
يعني: على أن أُمَّته لا تقتدي لا تتأسَّى به في ذلك، كما تقدَّم من الخصائص: كالوصال في الصوم، وكذلك إباحة أكثر من أربعٍ بالنسبة للنكاح، وكذلك أيضًا تحريم الصدقة ونحوها.
حكم إقرار النبي
قال:
سُنة النبي تثبُت بالقول والفعل والإقرار، لكن المشروعية والطلب إنما تكون بالقول والفعل. لكن المشروعية، أيش معنى المشروعية؟
المشروعية تعني: الطلب، إنما يكون بشيئين: القول والفعل. أما إقراره على الشيء فهو يدل على جوازه، لا على مشروعيته. فإذا أقر النبي أحدًا على شيءٍ، فإن الأصل أن هذا الشيء مُباحٌ وجائزٌ، ولا يكون مطلوبًا إلا بقرائنَ أخرى.
مثال ذلك: الرجل الذي كان يختم قراءته في الصلاة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، إذا قرأ الفاتحة وقرأ آيات ختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فسأله النبي : لِمَ تفعل هذا؟ قال: إنها صفة الرحمن، وأُحب أن أقرأ بها [24]؛ فأقرَّه على هذا.
نقول: هذا يدل على الجواز، يعني: يجوز للإنسان أن يختم قراءته في الصلاة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
لكن هل هذا مطلوب؟ لا. لماذا؟ نقول: لا؛ لأنه لو كان من الخير ومن الشرع لكان النبي أول من يفعله.
إذن؛ إقراره عليه الصلاة والسلام على الشيء يدل على جوازه، فإذا أقرَّ قولًا أو فعلًا فإن إقراره يدل على الجواز.
ومنه أيضًا: من أدلة علو الله التي استدل بها العلماء رحمهم الله أهل السُّنة: الجارية التي سألها النبي فقال لها: أين الله؟، قالت: في السماء، قال لسيدها: أعتقها، فإنها مؤمنةٌ [25]، فإشارتها إلى السماء دليلٌ على علو الله .
ما وجه هذا الكلام هنا؟
يقول:
يعني: إلا إذا دَلَّ الدليل على الاستحباب.
إذن؛ السُّنةُ سُنةٌ قوليةٌ وفعليةٌ وإقراريةٌ؛ لكن المشروعية والطلب إنما يكون بالقول والفعل، لا بالإقرار إلا بقرائنَ تدل على ذلك.
تقديم قوله على فعله عند التعارض
قال رحمه الله:
يُقدَّم قوله على فعله، وهذا فيما إذا تعارَض قول النبي وفِعله، فيُقدَّم قوله.
يعني: لو قُدِّر أن لدينا نصَّين قد تعارضا، أحدهما قول والآخر فعل، ماذا نصنع؟
نقول: إن أمكن الجمع بين النصين فهذا هو الواجب. وإن لم يمكن الجمع، فإن القول مُقدَّمٌ. لماذا نُقدِّم القول؟ نقول: لسببين:
- الأول: أن الفعل يحتمل الخصوصية، وإن كان الأصل عدمه.
- ثانيًا: أن الفعل أيضًا يحتمل النسيان أو العذر.
فلذلك إذا تعارَض قول النبي وفِعله فإنه يُقدَّم القول لأمرين:
الأمر الأول: أن الفعل يحتمل الخصوصية.
وثانيًا: أن الفعل يحتمل النسيان، أو أن يكون ذلك لعذرٍ.
طيب، هل هناك مثالٌ؟
نعم، نهى النبي عن الوصال، فلما قال له الصحابة : إنك تُواصِل، قال: إني لستُ كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يُطعمني ويسقيني [26].
وكذلك أيضًا نهى النبي عن الصلاة بعد العصر: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس [27]، ولما فاتته الركعتان بعد الظهر بشُغْلٍ وشُغِلَ عنهما قضاهما بعد العصر [28]، فهنا تعارَض قوله وفعله، فنقول: يُقدَّم القول لاحتمال الخصوصية، ومن ثَمَّ قال بعض العلماء: إن قضاء الركعتين بعد العصر خاصٌّ بمن؟ بالرسول .
ثم قال المؤلف رحمه الله:
الدليل الثالث من أدلة الشرع: الإجماع
شرع المؤلف في بيان الدليل الثالث من أدلة الشريعة أو من أدلة الشرع: وهو الإجماع.
تعريف الإجماع
والإجماع في اللغة بمعنى: العزم والاتفاق، قال الله : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ [يونس:71].
أما اصطلاحًا فقال المُؤلِّف عن الإجماع: "إجماع الأمة على حكمٍ شرعيٍّ حجةٌ قاطعةٌ"، ولم يُعرِّف.
وتعريف الإجماع: أنه "اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي على حكمٍ شرعيٍّ".
فقولنا: "اتفاق": خرج بذلك ما لو اختلفوا.
وقولنا: "المجتهدين": خرج بذلك غير المجتهدين، كالمُقلِّد.
وقولنا: "بعد وفاة النبي ": خرج بذلك ما إذا كان في حياته، فهذا يُنسب إليه.
"على حكمٍ شرعيٍّ": خرج بذلك على حكمٍ لغويٍّ.
فمثلًا: النُّحاة اتفقوا على أن الفاعل مرفوعٌ، والمفعول منصوبٌ. نقول: هذا اتفاقٌ، لكنه لا يُسمَّى إجماعًا اصطلاحًا.
حجية الإجماع
والإجماع حجةٌ قاطعةٌ متى ثبت. والدليل على أنه حجةٌ: قول الله : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، فهذا دليلٌ على الإجماع.
وأيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأُمته: أنتم شهداء الله في أرضه [29].
لكن لا بُدَّ في الإجماع من ثبوته؛ لأنه ليس كل ما يُحكَى فيه الإجماع يكون إجماعًا. وقد تقدَّم لنا أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: "من ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا".
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في "العقيدة الواسطية": "والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه سلف الأمة"، يعني: الصحابة والتابعين؛ إذ بعدهم كثُر الاختلاف وانتشرت الأمة.
ولذلك من أحسن أو أدق العبارات التي يُعبَّر بها: ما يُعبِّر به المُوفَّق بن قدامةَ في "المغني"، فتجد أنه لا يحكي الإجماع إلا إذا كان إجماعًا حقيقيًّا في الغالب، والمسائل التي لم يطَّلع فيها على إجماعٍ، يقول ماذا؟ يقول: "لا نعلم فيه خلافًا"، لا يُجازف، وإذا لم يجد خلافًا قال: "بالإجماع". فالمُوفَّق رحمه الله إذا لم يجد خلافًا، ولكنه لم يتيقن من الإجماع؛ فيقول: "لا نعلم في ذلك خلافًا"، أو: "لا نعلم خلافًا"، وهذه العبارة أدقُّ؛ لأنه لو قُدِّر أن إنسانًا بحث فوجد أن في المسألة خلافًا، فلا اعتراض على ما ذكر المُوفَّق؛ لأنه نفى علمه رحمه الله.
إذان؛ الإجماع حجةٌ قاطعةٌ؛ ولهذا قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، وهذا يشمل الشهادة على أعمالهم، والشهادة على أقوالهم، لكن لا بُدَّ في الإجماع من ثبوته.
وكل إجماعٍ لا بُدَّ له من مُستندٍ، من القرآن والسُّنة، فلا يمكن أن يكون هناك إجماعٌ من غير مُستندٍ، لا بُدَّ لكل إجماعٍ مُستندٌ من الكتاب والسُّنة.
الخبر
قال رحمه الله:
الخبر: هو كل كلامٍ احتمل الصدق أو الكذب، فكل كلام يحتمل الصدق أو الكذب فهو خبرٌ، ويُقابله الإنشاء.
فإذا قلت مثلًا: قَدِمَ زيدٌ، يصح أن تقول: صحيحٌ، صدقتَ، ويصح أن تقول: غير صحيحٍ، كذبتَ؛ هذا هو الخبر.
إذن؛ الخبر: كل كلامٍ، أيش؟ يحتمل الصدق والكذب لذاته، وإنما نقول: "لذاته" ليخرج بذلك كلام الله وكلام رسوله فإنه حقٌّ وصدقٌّ: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، لكن في غير كلام الله وكلام رسوله هذا هو الخبر. فكل كلامٍ احتمل الصدق أو الكذب فإنه يُسمَّى "خبرًا".
وأما الإنشاء: فهو الذي لا يحتمل الصدق أو الكذب. لا يصح أن تقول: صدقت أو كذبت؛ فلو قلت: هل قَدِمَ زيدٌ؟ لا يصح أن تقول: صدقت، أو تقول: كذبت، أنا أستفهم.
هذا هو الفرق بين الخبر وبين الإنشاء.
يقول: "والخبر المتواتر لفظًا أو معنًى يفيد اليقين".
أنواع الخبر المتواتر
التواتر قد يكون لفظيًّا، وقد يكون معنويًّا.
فالتواتر اللفظي: ما اتفق الرواة فيه على لفظه ومعناه.
والتواتر المعنوي: ما اتفق الرواة فيه على المعنى دون اللفظ، وإن اختلف اللفظ. وقد يكون اللفظ مختلفًا، لكن المعنى الذي دَلَّ عليه واحدٌ.
من التواتر اللفظي: قول النبي من كذب عليَّ مُتعمِّدًا، فليتبوأ مقعده من النار [30]، هذا حديثٌ متواترٌ تواترًا لفظيًّا.
من التواتر المعنوي -يعني الذي اتفق الرواة على معناه دون لفظه-: حوض النبي ، وعذاب القبر، والشفاعة، والمسح على الخفين؛ كل هذه مما هي متواترةٌ معنًى لا لفظًا.
إذن؛ التواتر نوعان:
- تواترٌ لفظيٌّ: وهو اتفاق الرواة على لفظ الحديث لفظًا ومعنًى.
- وتواترٌ معنويٌّ: وهو اتفاقهم على المعنى دون اللفظ.
والأمثلة كثيرةٌ: كـمن كذب عليَّ مُتعمِّدًا [31]، وأحاديث رؤية الله يوم القيامة، والشفاعة، والحوض، إلى غير ذلك.
ولهذا قال الناظم:
| مما تواتَرَ حديثُ من كذب | ومن بنى لله بيتًا واحتسب |
| ورؤيةٌ، شفاعةٌ، والحوضُ | ومسحُ خفين، وهذي بعضُ |
"هذي بعض" يعني: بعض الأمثلة.
شروط التواتر
يقول المؤلف رحمه الله:
هذا المتواتر، إذن؛ المتواتر: ما رواه عددٌ أو جمعٌ يستحيل أن يتواطؤوا على الكذب، فرواه عددٌ كثيرٌ يستحيل أن يتواطؤوا على الكذب، هذا يُسمَّى "متواترًا".
مثلًا: خطب الإمام في المسجد النبوي يوم الجمعة وقال كلامًا، قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، ولا تُفضِّلوا بعضهم على بعض، فنقل هذا الكلام مائة شخصٍ، نقلوه في مجلسٍ؛ يُسمَّى: "متواترًا"؛ لأنه نقله عددٌ كثيرٌ يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب.
خبر الآحاد وأقسامه
قال:
يعني لو نقص شرطٌ من الشروط، يقال له: آحاد، وهو أقسام: بعضه حسنٌ، وبعضه ضعيفٌ، وبعضه صحيحٌ. خبر الآحاد: بعضه صحيحٌ، وبعضه ضعيفٌ، وبعضه حسنٌ، وبعضه موضوعٌ؛ قد يكون موضوعًا.
فالصحيح: "ما رواه عدلٌ تامُّ الضبط، متصل السند، غير مُعلَّلٍ، ولا شاذٍّ". هذا تعريف الحديث الصحيح، وإن خفَّ الضبط: فالحسن، وإن خفَّ أو اختلَّ شرطٌ من الشروط: فيكون ضعيفًا، ثم يليه الموضوع.
قال رحمه الله:
يعني: قد يكون الحديث من حيث السند فيه ضعفٌ، لكن شهرته وتلقِّي الأمة له بالقبول يُوصله إلى درجة القطع.
مثل ماذا؟ مثل: حديث الديات؛ حديث عمرو بن حزمٍ في كتاب النبي الذي كتبه لأهل اليمن في مقادير الديات؛ قال عنه ابن عبدالبر رحمه الله: "شهرته تُغني عن إسناده".
"شهرته" يعني: اشتهاره بين العلماء يغني عن إسناده.
الدليل الرابع من أدلة الشرع: قول الصحابي
ثم قال المؤلف رحمه الله:
حجية قول الصحابي
نعم، قول الصحابي حُجةٌ، لكن بشرطين؛ قال: "إذا لم يخالفه غيرُه"، وشرطٌ آخرُ: "ألا يُخالف نصًّا".
لكن قبل ذلك، أولًا: مَن الصحابي؟
الصحابي: كل من اجتمع بالنبي مؤمنًا به ومات على ذلك؛ كل من اجتمع بالرسول مؤمنًا به -ولو لحظة- ومات على ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في "النخبة": "ولو تخلَّلت رِدَّةٌ في الأصح".
الصحابة يُحتج بأقوالهم من حيث الجملة، والدليل على ذلك: قول النبي : عليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ [32].
البحث الثاني: هل كل الصحابة يُحتج بأقوالهم أم لا؟
أقسام أقوال الصحابة من حيث الاحتجاج
الجواب: الصحابة رضي الله عنهم من حيث الاحتجاج بأقوالهم على أقسامٍ ثلاثةٍ:
القسم الأول: من شهد الشارع له بأن قوله حُجةٌ كالخلفاء الأربعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: عليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها [33]، وقال عليه الصلاة والسلام في أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما: إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا [34].
إذن؛ قول أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ هذا حُجةٌ؛ لأن الشارع شهد لهم بذلك.
القسم الثاني من أقسام أقوال الصحابة: من لم يشهد له الشارع بأن قوله حُجةٌ، لكن عُرِفَ بالفقه في الدين: كابن عُمرَ، وابن عباسٍ، وابن مسعودٍ، وغيرهم من الصحابة ؛ فهؤلاء أيضًا يُحتج بأقوالهم.
القسم الثالث: من سوى ذلك، بمعنى: من لم يشهد له الشرع بأن قوله حُجةٌ، ولم يُعرَف بالفقه في الدين، كأعرابيٍّ قَدِمَ وسأل النبي ، قال: يا محمد، أخبرني عن كذا، ثم ذهب؛ هل يُحتج بقوله هذا؟ نقول: لا يُحتج بقوله؛ لأن الشارع لم يشهد له بأن قوله حُجةٌ ولا عُرِفَ بالفقه.
شروط الاحتجاج بقول الصحابي
ثم إذا قلنا: إن قول الصحابي حُجةٌ في القسم الأول والقسم الثاني، فيُشترَط للاحتجاج به، يُشترَط لكونه حُجةً شرطان:
- الشرط الأول: ألا يخالف نصًّا، فإن خالف نصًّا فالعبرة بالنص.
- الشرط الثاني: ألا يخالفه صحابيٌّ آخر، فإن خالفه صحابي آخر نُظر في المُرجَّح.
إذن؛ قول الصحابي ممن شهد له الشرع: كالخلفاء، أو عُرف بالفقه: كابن عُمرَ، وابن عباسٍ، وابن مسعودٍ، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابتٍ وغيرهم؛ نقول: يُحتج به بشرطين:
الشرط الأول: ألا يخالف نصًّا، فإن خالف نصًّا فإنه لا عبرة به ولا يُؤخَذ به، بل يُعتذر لقائله؛ ولهذا قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكرٍ وعمرُ؟! ثم تلا قوله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلك".
والشرط الثاني: ألا يخالفه غيره؛ ولهذا قال المؤلف: "وإذا خالفه غيره، رُجع إلى الترجيح"؛ يعني: سقط الاحتجاج، فيُرجع إلى الترجيح أيهم أقرب إلى أصول الشريعة وقواعد الشريعة.
قال رحمه الله:
إذا خالف الراوي ما رَوَى، فالعبرة بما رَوَى لا بما رأى، وحينئذ يُعتذر عنه؛ لأنه يجب علينا أن كل قولٍ قاله الصحابي أننا نعتذر عنه، وأن نقول: إن هذا اجتهادٌ صدر منه، ولم يقصد مُخالفة الكتاب والسُّنة.
من أمثلة ذلك: أن النبي في اللحية قال: أعفوا اللحى [35]، أرخوا اللحى [36]، أوفوا اللحى [37]، وكان ابن عُمرَ رضي الله عنهما إذا حجَّ أو اعتمر أخذ ما زاد على القبضة وهو ممن رَوَى أحاديث الإعفاء؛ فيقال هنا: العبرة بما رَوَى لا بما رأى ويُعتذر عنه.
إذن؛ إذا روى الصحابي حديثًا وخالفه، فالعِبْرة بما رواه لا بما أدَّاه إليه اجتهاده.
الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده
قال رحمه الله:
الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، لكن ليس من حيث الصيغة، فالأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده من حيث الصيغة، ولكن من حيث المعنى. فمثلًا: الأمر بالصلاة نهيٌ عن أضدادها وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ[البقرة:43]، نهيٌ عن أضدادها من تأخيرها والتهاون فيها وما أشبه ذلك.
يقول:
إذا لم يكن له إلا ضدٌّ واحدٌ. أما إذا تعددت أضداده، فالنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده لا بجميعها.
إذن؛ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي عن الشيء أمرٌ بضده.
فمثلًا: في الأمر قال الله : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، أمرٌ بضدهما من التهاون في الصلاة أو الإخلال بها، أو البخل بالزكاة أو تأخيرها.
والنهي عن الشيء أمرٌ بضده، قال الله : وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا[الإسراء:32] أمرٌ بضده، وهو العفاف ومنه النكاح؛ لأن أضداد الزنا كثيرةٌ، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا أضداده كثيرةٌ: النكاح، والصوم، والاستعفاف، نقول: هو أمرٌ بأحد أضداده. طيب، النهي عن الظلم أمرٌ بضده، وهو العدل.
إذن؛ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ليس من حيث الصيغة ولكن من حيث المعنى. فإذا قلت: قُم، هذا نهيٌ عن الجلوس، وإذا قلت: اجلس، هذا نهيٌ عن القيام.
نستفيد منها: صلِّ قائمًا...، أمره بالقيام نهيٌ عن ضده وهو الجلوس؛ ولهذا قال: فإن لم تستطع فقاعدًا [38].
قال رحمه الله:
أقسام النهي المتعلق بالعبادة أو بالمُعاملة
"التحريم إذا رجع إلى ذات العبادة..." شرع المؤلف رحمه الله في الكلام على النهي، والنهي المتعلق بالعبادة أو بالمُعاملة على أقسامٍ أربعةٍ:
القسم الأول: أن يعود النهيُ إلى ذات المنهيِّ عنه، فهذا يقتضي الفساد وعدم الصحة: كنهي النبي عن صوم يوم العيد، لو صام يوم العيد نقول: لا يصح؛ لأنه منهيٌّ عنه بذاته. وكذلك: لا صلاة بعد العصر [39]، لو قام يُصلِّي بعد العصر من غير سببٍ نقول: صلاته باطلةٌ.
إذن؛ هذا القسم الأول: أن يعود النهيُ إلى ذات المنهيِّ عنه، فهذا يقتضي الفساد وعدم الصحة.
القسم الثاني: أن يعود النهيُ إلى شرطٍ في المنهيِّ عنه على وجهٍ يختص به.
من أمثلة ذلك: لو صلى بغير وضوءٍ، أو صلى بغير سترةٍ، يعني: كاشفًا عورته، نقول: الوضوء وستر العورة شرطٌ من شروط صحة الصلاة، إذن؛ هذا النهي يقتضي الفساد وعدم الصحة.
القسم الثالث: أن يعود النهيُ إلى شرطٍ في المنهيِّ عنه على وجهٍ لا يختص به: كما لو صلى في ثوبٍ مغصوبٍ، إنسانٌ غصب أو سرق ثوبًا وصلى فيه، أو صلى في أرضٍ مغصوبةٍ، أو توضأ بماءٍ مغصوبٍ؛ فما الحكم؟ نقول: العبادة صحيحةٌ على القول الراجح، لماذا؟ نقول: لأن النهي هنا لا يختص بالعبادة، فالشارع لم يقل: لا تُصلِّ في ثوبٍ مغصوبٍ، وإنما نهى عن الغصب مُطلقًا، يَحرُم عليك أن تغصب ثوبًا، سواءٌ غصبت الثوب لتصلِّي، أو لتتجمل، أو لأيِّ شيء آخر.
كذلك أيضًا لو توضأ بماءٍ مغصوبٍ، نقول: الوضوء صحيحٌ، والسبب: لأن الشارع لم يقل: لا تتوضأ بماءٍ مغصوبٍ، وإنما نهى عن الغصب على وجه الإطلاق، فيَحرُم عليك أن تغصب ماءً، سواء غصبته لتشرب، أو لتتوضأ، أو لتغتسل، أو لتتبرد، أو لتطبخ فيه، أو لتغسل سيارتك، إلى غير ذلك. والنهي إنما يُفسد العبادة إذا كان خاصًّا بها؛ ولهذا هنا الجهة مُنفكةٌ.
القسم الرابع: أن يعود النهيُ إلى أمرٍ خارجٍ: كما لو صلَّى وعليه عمامةُ حريرٍ، لبس الحرير مُحرَّمٌ، وعند كثير من العلماء إذا لبسه لأنه ثوبٌ مُحرَّمٌ يقولون: تَبطُل الصلاة، لكن لو لبس عمامةً من حريرٍ، قالوا: تصح صلاته. والسبب: قالوا: لأن ستر الرأس في الصلاة ليس شرطًا من شروط صحتها، هل ستر الرأس شرطٌ؟ لا، إذن؛ وجود هذا الحرير كعدمه، بخلاف ما إذا ستر عورته بشيءٍ مُحرَّمٍ.
إذن؛ النهي بالنسبة للفساد، أو التحريم بالنسبة للفساد، على أقسامٍ أربعةٍ:
- أن يعود إلى ذات المنهيِّ؛ فيقتضي الفساد.
- أن يعود إلى شرطه على وجهٍ مختصٍّ؛ فيقتضي الفساد.
- أن يعود إلى شرطه على وجهٍ لا يختصُّ؛ فلا يقتضي الفساد، على القول الراجح.
- الرابع: أن يعود إلى أمرٍ خارجٍ.
صيغ العموم
ثم قال المُؤلف رحمه الله:
أمثلة صيغ العموم
مِن صيغ العموم: "مِن" هنا تبعيضية، يعني: ذكَر بعض صيغ العموم.
"مَن": قال الله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، أيُّ واحدٍ يعمل.
"ما": تفيد العموم لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [البقرة:284]، مَا يعني: جميع ما في السماوات وجميع ما في الأرض.
"أي": أيُّ طالب يحضر أكرمه، هذه أيضًا للعموم.
"أين": أين تجلس أجلس، وأين تذهب أذهب، هذا أيضًا للعموم.
"والموصولات كلها تُفيد العموم": فـ "ال" تُفيد العموم؛ ولهذا قال ابن مالك: "وصفةٌ صريحةٌ صلةُ ال".
يقول:
فالألفاظ من حيث الدلالة على العموم: منه ما يدل على العموم بلفظه، ومنه ما يدل على العموم بمادته.
"كل" و"جميع" تدل على العموم بماذا؟ بلفظها، و"من" و"ما" بمادتها.
يقول:
جاء الطلبة كلهم أجمع، رأيت الطلبة أجمع، ونحوها.
كقوله : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ... [الأحزاب:35] إلى آخر الآية. إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يعني: جميع المسلمين، وَالْمُسْلِمَاتِ يعني: جميع المسلمات؛ هذا يدل على العموم.
التي للجنس؛ كقوله : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ [العصر:1-2]، قالوا: وعلامة ما يكون للجنس أن يصح أن يحل محلها "كل" قبلها، فيصح في الآية الكريمة أن تقول: والعصر إن كل إنسانٍ لفي خُسرٍ؛ هذه "ال" التي للجنس.
قال:
يعني: التي للعهد الذهني أو الذكري أو الحضوري؛ لأن العهود ثلاثةٌ: عهدٌ ذهنيٌّ، وعهدٌ ذكريٌّ، وعهد حضوريٌّ.
فالعهد الذهني: ما ينصرف الذهن إليه عند سماعه، كما لو قلت مثلًا: جاء القاضي؛ لأنه في بلدٍ صغيرٍ، تقول: جاء القاضي، معروفٌ أن القاضي هو زيدٌ.
الثاني: ذكريٌّ، العهد الذكري: وهو أن يكون لمدخول "ال" ذكرٌ سابقٌ، كما قال : كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا...، شُفْ: رَسُولًا
| ^1 | العقد الثمين، لخالد المشيقح ص11. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 1900، ومسلم: 1080. |
| ^3 | رواه البخاري: 1058، ومسلم: 901. |
| ^4 | رواه البخاري: 1950، ومسلم: 1146. |
| ^5 | رواه البخاري: 6288، ومسلم: 2184. |
| ^6 | رواه النسائئ في "السنن الكبرى": 5923، وابن ماجه في "السنن": 2316، وأحمد في "المسند": 20389؛ وأصله في "الصحيحين" بلفظ: لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبانٌ رواه البخاري: 7158، ومسلم: 1717. |
| ^7 | رواه أبو داود: 75، والترمذي: 92، والنسائي: 68، وابن ماجه: 367، وأحمد في "المسند": 22528؛ وصححه محققو المسند، والألباني في "صحيح الجامع": 2437. |
| ^8 | رواه البخاري: 162، ومسلم: 278. |
| ^9, ^38 | رواه البخاري: 1117. |
| ^10 | رواه مسلم: 126. |
| ^11 | رواه البخاري: 6669، ومسلم: 1155. |
| ^12 | العقد الثمين، لخالد المشيقح ص12. |
| ^13 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^14 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 734، وأحمد: 804، وصححه محققو المسند. |
| ^15 | رواه البخاري: 7375، ومسلم: 813، بنحوه. |
| ^16 | رواه البخاري: 3547. |
| ^17 | رواه الترمذي: 3641، وأحمد في "المسند": 17713؛ وحسَّنه محققو المسند. |
| ^18, ^24, ^31, ^33 | سبق تخريجه. |
| ^19 | رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718. |
| ^20 | رواه أبو داود: 4359، والنسائي: 4067؛ وصححه الألباني في "السراج المنير": 3875. |
| ^21 | رواه أبو داود: 2985، والنسائي: 2609، وأحمد: 17518؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2264. |
| ^22 | رواه البخاري: 6008، ومسلم: 674. |
| ^23 | رواه مسلم: 1297. |
| ^25 | رواه مسلم: 537. |
| ^26 | رواه البخاري: 6851، ومسلم: 1103. |
| ^27 | رواه البخاري: 1864، ومسلم: 827. |
| ^28 | رواه مسلم: 834. |
| ^29 | رواه البخاري: 1367، ومسلم: 949. |
| ^30 | رواه البخاري: 1291، ومسلم: 2134. |
| ^32 | رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد في "المسند": 17145؛ وصححه محققو "المسند"، والألباني في "صحيح الجامع": 2549. |
| ^34 | رواه البخاري: 595، ومسلم: 681. |
| ^35 | رواه البخاري: 5893، ومسلم: 259. |
| ^36 | رواه مسلم: 260. |
| ^37 | رواه مسلم: 259. |
| ^39 | رواه البخاري: 586، ومسلم: 728. |