تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. سامي بن محمد الصقير
فضيلة الشيخ أ.د. سامي بن محمد الصقير

من قوله: "المشقة تجلب التيسير.." (4)

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لشيخنا واجزه خير الجزاء، واغفر للسامعين والحاضرين يا ذا الجلال والإكرام.

يقول المصنف رحمه الله في كتابه "صفوة أصول الفقه":

والمشقة تجلب التيسير.
والرجوع إلى العرف في كثير من الأمور.
والأصل في العبادات المنع، فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.
والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله.
وكل ما دَلَّ على مقصود المتعاقدين والمتعاملين من الأقوال والأفعال؛ انعقدت به العقود. والمقاصد.

الشيخ: "والمقاصد والنيات"؛ "المقاصد" هذه تبع "النيات". "والمقاصد والنيات تُعتبر في المعاملات كما تُعتبر في العبادات".

القارئ: 

والنيات تُعتبر في المعاملات كما تُعتبر في العبادات، فيُعمل عند التعارض بأقوى المرجِّحات؛ ولذلك قد يعرض للمفضول من مرجِّحاتٍ ما يصير به مساويًا للفاضل وأفضل منه. والله أعلم.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

نستكمل ما تبقى من هذه الرسالة المسماة "صفوة أصول الفقه".

المشقة تجلب التيسير

يقول المؤلف رحمه الله: "والمشقة تجلب التيسير".

المراد بالمشقة التي تجلب التيسير

وسبق الكلام على هذه القاعدة وبيان أدلتها، لكن المراد بالمشقة التي تجلب التيسير هي المشقة الملازمة للعبادة والتي يشق معها فعل العبادة. أما المشقة اليسيرة المحتملة فهذه لا تجلب التيسير.

فمثلًا: إنسانٌ قال: أنا إذا صمت رمضان أشعر بشيءٍ من الصداع في رأسي، صداعٌ يسيرٌ، أو ألمٌ في سنِّه يسير. نقول: هذه مشقة غير معتبرة؛ المشقة المعتبرة التي تُخفَّف الأحكام لأجلها هي المشقة الشديدة التي يشق معها فعل العبادة.

ثم اعلم أيضًا أنه متى عظُمت المشقة عظم الأجر؛ فالأجر على قدر المشقة، لكن الأجر على قدر المشقة إذا كانت المشقة ملازمة للعبادة لا تنفك عنها، أما إذا أمكن فعل العبادة من غير مشقة فالإشقاق على النفس حينئذٍ يكون هو إلى الوزر أقرب منه إلى الأجر.

متى يُثاب الإنسان على المشقة؟

إذًا متى يُثاب الإنسان على المشقة؟

نقول: يُثاب الإنسان على المشقة إذا كانت المشقة ملازمة للعبادة لا تنفك عنها بحيث لا يمكن أن يفعل العبادة إلا مع المشقة؛ كالصوم في أيام حر الصيف فيها مشقة، نقول: هذه مُلازِمة، الحج فيه مشقةٌ لا تنفك عنه، لا يمكن للإنسان أن يحج بدون مشقة؛ ولهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام نوعًا من الجهاد. الوضوء والاغتسال في أيام البرد فيه مشقة، نقول: هذه هي المشقة، مُلازِمة للعبادة لا تنفك عنها؛ فيُثاب الإنسان عليها.

أما إذا كانت المشقة منفصلة وغير ملازمة فإن الإنسان لا يُثاب عليها؛ لأنه يمكنه أن يفعل العبادة من غير مشقة.

فإنسانٌ -مثلًا- في فصل الصيف عنده مكانٌ مظلَّلٌ مكيَّفٌ باردٌ، ولكنه آثَر أن يُصلِّي في هذا المكان وصلى في العراء تحت الشمس، يقول: لأجل أن أتَصَبَّب عرقًا حتى يعظم الأجر! نقول: هذا هو إلى الوزر أقرب منه إلى الأجر، لماذا؟ لأن هذه المشقة ما أنزل الله ​​​​​​​ بها من سلطان، ولا كلفك الله ​​​​​​​ بها. وأيضًا يلزم من هذه المشقة ذهاب الخشوع الذي هو لُبُّ الصلاة وروحها.

إنسانٌ آخر أيضًا في أيام الشتاء عنده سخان، لكن إذا جاء الشتاء يُغلق السخان، يقول: أتوضأ بماءٍ باردٍ حتى ترتجف أضلاعي؛ أعظمُ للأجر. نقول: هذا أيضًا هو إلى الوزر أقرب منه إلى الأجر.

إذًا انتبهوا يا إخوان، الأجر على قدر المشقة إذا كانت المشقة ملازمة للعبادة لا تنفك عنها.

الرجوع إلى العرف

ثم قال المؤلف رحمه الله: "والرجوع إلى العرف في كثير من الأمور" يعني التي لم يرد الشرع بتحديدها؛ فكل أمرٍ لم يرد الشرع بتحديده فإنه يُرجع فيه إلى العرف.

حالات الرجوع إلى العرف

وهذه المسألة -أعني الرجوع إلى العرف مع الشرع- لها ثلاث حالات:

  • الحال الأولى: ما دَلَّ الدليل فيه على أن المعتبر هو الشرع لا العرف، فيُرجع فيه إلى الشرع ولا عبرة بالعرف؛ كالإرث مثلًا، لو قُدِّر أن بعض القبائل أو الناس تعارفوا على حرمان المرأة من الإرث، عرفٌ جارٍ، نقول: هذا العرف باطل؛ لأنه مخالف للنص.

وأيضًا حَجْر البنت، أن يحجر مَوْلِيَّتَه لابن عمها، نقول: هذا أيضًا حتى لو تعارفوا عليه عرفٌ باطلٌ؛ لأن النبي  قال: إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلقه فزوِّجوه[1]. إذًا ما دَلَّ الدليل على الرجوع فيه إلى الشرع يُرجع فيه إلى الشرع: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء:11].

  • الحال الثانية: ما دَلَّ الدليل على الرجوع فيه إلى العرف؛ كنفقة الزوجة. ما قدر نفقة الزوجة؟ نقول: يُرجع إلى العرف، قال النبي : ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف[2]، فقد تكون النفقة -مثلًا- في بلدٍ خمسة آلاف، في بلد ألفًا، في بلد خمسمائة، في بلد عشرة آلاف، تختلف.

أيضًا الحِرْز، ما هو الحرز؟ الحرز: ما العادةُ حِفظُ المال فيه، يعني ما يُحفظ فيه المال، ما ضابط الحرز؟ نقول: لم يرد في الشرع تحديد الشرع بشيءٍ معين؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الحرز -حرز المال- ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان، وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه، فحرز الذهب والفضة ليس كحرز الملابس، وحرز الأواني ليس كحرز الدراهم؛ كل مالٍ له حرزه، وحسب العرف.

  • الحال الثالثة: ما لم يرد فيه دليلٌ على الرجوع إلى الشرع أو العرف، يعني ما لم يرد فيه دليلٌ على أنه يُرجع فيه إلى العرف أو يُرجع فيه إلى الشرع، فحينئذ يُرجع فيه إلى العرف؛ ولهذا قيل[3]:
وكلُّ ما أَتى ولم يُحدَّد  بالشرع كالحرز، فبالعُرف احْدُد

كل ما لم يرد تحديده بالشرع، فإنه يُرجع فيه إلى العرف.

إذًا الرجوع إلى العرف في كثير من الأمور، ومن ثم فرَّع العلماء على هذه القاعدة قاعدة أخرى: وهي أن "المعروف عرفًا كالمشروط لفظًا". فما تعارف الناس عليه فهو كالمشروط.

أضرب لذلك مثالًا: إجارة المستأجر، يعني كون المستأجر يُؤجِّر، في بعض الأماكنِ: العرفُ أن المستأجر لا يُؤجِّر، وفي بعض الأماكن أن المستأجر يُؤجر.

مثلًا: في مكة والمدينة عُرْفٌ أن الإنسان المستأجر لو استأجر شقة أو غرفة في فندقٍ تملَّكها، استأجرها مدة طويلة؛ له أن يؤجر. لكن في بعض الأماكن: العرف على أن المستأجر لا يُؤجِّر.

فلو فُرض أن شخصًا مثلًا استأجر بيتًا وأجَّر هذا البيت فمنعه المالك، قال: لا أسمح، قال: هذا ملكي، فيقول له مثلًا: هذا متعارَفٌ عندنا أن المستأجر لا يُؤجِّر، والمعروف عرفًا كالمشروط لفظًا.

أمثلة للمسائل التي يُرجع فيها إلى العرف

طيب، من الرجوع إلى العرف أيضًا، من المسائل الفقهية التي يُرجع فيها إلى العرف: المعاشرة بين الزوجين، قال الله ​​​​​​​: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19].

كذلك أيضًا ما يتعلق بمسائل الحيض، يعني المرأة المستحاضة. والاستحاضة معناها: استمرار خروج الدم من المرأة بحيث لا ينقطع أبدًا، أو ينقطع أيامًا يسيرة. ماذا تصنع المستحاضة؟ نقول: ترجع إلى عادتها إعمالًا للعرف والعادة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: امْكُثِي قدْرَ ما كانت تحبسك حيضتُكِ[4]. هذا من الرجوع إلى العرف والعادة.

الأصل في العبادات المنع، وفي العادات الإباحة

يقول المؤلف رحمه الله: "والأصل في العبادات المنع، فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله".

الأشياء أربعة: عبادات، ومعاملات، وعادات، وأعيان. الأمور أربعة أقسام: عبادات، ومعاملات، وعادات، وأعيان.

ما الأصل في كل واحدة منها؟

نقول: أما العبادات فالأصل فيها الحظر والمنع، فلا يُشرع من العبادات إلا ما دل الدليل على مشروعيته؛ قال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، وقال النبي : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ[5]. فلو تنازع شخصان في مشروعية عبادة، أيهما الذي يُطالب بالدليل؟ الذي يقول: إنها مشروعة، نقول: هاتِ الدليل.

الثاني: المعاملات، الأصل فيها الحل والإباحة، جميع المعاملات -من بيع وشراء وإجارة ورهن ووديعة وكفالة وضمان- الأصل فيها الحل والإباحة؛ لقول الله ​​​​​​​: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، فلا يحرم منها إلا ما دَلَّ الدليل على تحريمه؛ إما لوجود ربا، أو غرر، أو ظلم، أو أن يتضمن العقد ترك واجب، أو فعل محرم؛ حينئذ يحرم.

الثالث: العادات، العادات والأعراف الأصل فيها الحل والإباحة، الأصل فيها الحل والإباحة ما لم تُخالف الشرع، فلو اصطلح الناس على أن يلبسوا لباسًا معينًا بلون معين أو صفة معينة فلا حرج؛ لأن الأصل في العادات الحل والإباحة.

فمثلًا: أناسٌ يأكلون في اليوم أربع وجبات، جاء شخصٌ وأنكر عليهم، قال: لا، غلط، فيه زيادة، لازم فطور، غداء، عشاء، الرابعة هذه زائدة، نقول: لو أكلوا عشر مرات في اليوم، لا يضر؛ هذه يُرجع فيها إلى العرف.

الرابع: الأعيان، يعني ما خلقه الله ​​​​​​​ من الأعيان -من الحيوانات والأشجار والثمار- الأصل فيه الحل والإباحة، جميع ما خلق الله الأصل فيه الحل والإباحة، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وقال: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْه [الجاثية:13].

إذًا، تبين لنا الآن الأصل في كل هذه الأمور التي هي: عبادات، معاملات، عادات، أعيان.

يقول المؤلف رحمه الله: "وكل ما دَلَّ على مقصود المتعاقدين والمتعاملين من الأقوال والأفعال؛ انعقدت به"؛ وذلك لأن العقود والفسوخ لا يُتعبَّد لله ​​​​​​​ بها، فالعقود تنعقد بكل لفظٍ دَلَّ عليها، والفسوخ تنعقد بكل لفظٍ دَلَّ عليها.

مثلًا: رجل عنده دكان في السوق، معروفٌ أنه يتوكل في بيع سلع الناس، كل من عنده سلعة يبيعها، فجاء رجل ووضع هذه السلعة عند باب دكانه، هذه وكالة، هل هي بالقول؟ لا، بالفعل، لم يقل: وكلتك، لكن العرف جارٍ بهذا.

كذلك لو اشترى منه سلعة، قال: "بِعْني هذه السلعة بعشرة"، قال: "بعتك"؛ ينعقد البيع. "ملَّكتك"؛ ينعقد البيع. "بارك الله لك فيها"؛ ينعقد البيع. "خذها"، كل ما دل على البيع ينعقد به؛ وذلك لأن العقود والفسوخ ليست من الألفاظ، ألفاظ العقود والفسوخ ليست مما يُتعبد ​​​​​​​ به، فالمقصود منها المعنى لا المبنى؛ ولهذا يقول: "من الأقوال والأفعال انعقدت به"، فيدخل في ذلك -مثلًا- النكاح، نقول: ينعقد كل لفظ دل عليه: زوجتك، أنكحتك، ملكتك، جوزتك، ونحو ذلك، كلها ينعقد بها النكاح.

اعتبار المقاصد والنيات في العبادات والمعاملات

قال رحمه الله: والمقاصد والنيات تُعتبر في المعاملات كما تُعتبر في العبادات، فمن تعامل بمعاملةٍ ظاهرها الإباحة ولكن يقصد بها المحرم فيُعامل بحسب قصده وبحسب نيته؛ لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى[6].

مثاله: إنسانٌ جاء لشخص وقال: "أعطني مائة ألف ريال قرضًا، أقرِضني مائة ألف"، قال: "ما يمكن أقرضك مائة ألف مجانًا؛ لازم أستفيد"؛ إن قلت: "مائة ألف وتردها مائة وعشرين" هذا ربا صريح. ما الحل؟ قال: الحل أبيعك بيتي هذا، هذا بيتي، بعتك بيتي بمائة ألف مؤجلة.

الآن ثبت في ذمته للمشتري كم؟ مائة ألف مؤجلة، ثم يعود ويشتريه منه بثمانين نقدًا، يُعطيه الثمانين ويأخذ البيت، الآن كأنه باعه ثمانين بمائة، وجعل البيت وسيلة، بدلًا من أن يقول: خذ مائة أو خذ ثمانين وردها مائة، جعل هذا البيت وسيلة، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "دراهم بدراهم، دخلت بينهما حَرِيرَةٌ"[7].

كذلك أيضًا من الأمثلة هذه المسألة: رجلٌ طلَّق امرأته ثلاث تطليقات، لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فجاء رجلٌ يريد أن يُحلِّلها لزوجها الأول فتزوجها، هو لم يتزوج رغبة في هذا النكاح، وإنما تزوجها بقصد ماذا؟ بقصد التحليل. نقول: هذا داخلٌ في كلام المؤلف: "المقاصد والنيات تُعتبر"؛ وعلى هذا فهذا النكاح -نكاح التحليل- لا يصح.

والعقد الأول أيضًا في البيع -تُسمُّى المسألة "مسألة العِينة"- لا تصح؛ لأن هذا العقد وإن كان ظاهره الحل والإباحة، لكن يُقصد به التوصُّل إلى أمر محرم، والحِيَل محرمة، الحِيَل التي يُتوصَّل بها إلى إسقاط واجب أو فعل محرم كلها محرمة.

لكن ما هي الحيلة؟ الحيلة هي أن يفعل فعلًا ظاهره الإباحة، وإن شئت فقل في تعريف الحيلة: التوصل إلى إسقاط واجب أو فعل محرم، فيما ظاهره الإباحة، بفعل ظاهر الإباحة، التوصل إلى إلى إسقاط واجب أو فعل محرم، بفعل ظاهر الإباحة.

إنسانٌ -مثلًا- في رمضان، عطشان، جوعان، أصابه العطش والجوع، أيش الحل؟ الحل: أن يسافر الأرض ثمانين كيلو، كُل واشرب وارجع، هذه أيش؟ هذه حيلة، حيلة على إسقاط واجب؛ ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: "إن سافر ليُفطر حَرُمَا"، يعني السفر والفطر.

كذلك فيما مثَّلنا: تزوج امرأة بقصد إحلالها لزوجها، أو باع بيعًا ظاهره البيع لكن يقصد به الربا؛ كل ذلك من الأمور المحرمة.

العمل بأقوى المرجحات عند التعارض

ثم قال المؤلف رحمه الله: "ويُعمل عند التعارض بأقوى المرجِّحات".

عند التعارض يُعمل بأقوى المرجحات، فلو تعارض نَصَّان ولم يمكن الجمع بينهما، وهذا في الواقع غير ممكن؛ لأنه لا يمكن أن يتعارض نصَّان صحيحان صريحان، ما يمكن، لا يمكن أن يتعارض نصَّان صحيحان صريحان، لا في القرآن ولا في السنة، بل لا يمكن أن يُعارِض النصُّ الصحيح العقلَ الصريح، لا يمكن أن يُعارِض النصُّ الصحيحُ، يأتي قرآن أو سنة تُعارِض العقل الصحيح.

ولذلك ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا سماه "درء تعارض العقل والنقل"، ويُسمَّى أيضًا "موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح"، هذا الكتاب قال عنه ابن القيم رحمه الله[8]:

وله كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثاني

لمَّا ذَكَر -نَذْكرها للعبرة والعظة- ابن القيم رحمه الله في "النونية" لمَّا ذَكَر أهلَ البدع الذين عطَّلوا صفات الله ​​​​​​​ وسلبوه الصفات أو أوَّلوها، أو أولوا صفاته ، نَصَح نصيحة وقال[9]:

والله -يا قومي- العظيم نصيحة من مُشفِق وأخٍ لكم مِعْوان
جربت هذا ................................. ...........................................

يعني: الوقوع في البدع؛ لأن ابن القيم كان في أول أمره يميل إلى التصوف، عنده تصوُّفٌ رحمه الله، يقول[10]:

جرَّبْتُ هذا كله ووقعت في تلك الشِّراك وكنت ذا طَيَرانِ
حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تَجْزيه يدي ولساني
حَبْرٌ أتى من أرض حَرَّان فَيَا أهلًا بمن قد جاء مِن حَرَّانِ
أخذت يداه يدي وسار فلم يزل حتى أراني مطلع الإيمان
ورأيت أعلام النبوة حولها نزل الهدى، وعساكر القرآن

إلى آخر مدحه، ثم ذكر هذا وقال[11]:

وله كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثاني

إذًا، لا يمكن أن يكون هناك تعارضٌ بين نصين صحيحين صريحين، قد يكون أحدهما ضعيفًا والآخر صحيحًا، وقد يكونا صحيحين لكن أحدهما صريح والآخر غير صريح، لكن لو فُرض أنه حصل تعارضٌ فهناك مرجِّحات.

فما في القرآن -لو تعارض قرآن وسنة- فالقرآن مُقدَّم، لو تعارضت سنتان فالسنة القولية -كما تقدم- مقدَّمة على السنة الفعلية، يُقدَّم القول على الفعل، ما في الصحيحين يُقدَّم على ما في غيرهما، البخاري يُقدَّم على مسلم، وهكذا، المنطوق يُقدم على المفهوم، المرجِّحات كثيرة.

تقدُّم المفضول على الفاضل لعارض مُرجِّح

قال رحمه الله: "ولذلك قد يعرض..." هذه قاعدة: "ولذلك قد يعرض للمفضول من المرجِّحات ما يصير به مساويًا للفاضل بل أفضل منه".

مثاله: إنسانٌ معه مصحفٌ يقرأ القرآن، فأذَّن المؤذِّن، هل الأفضل أن يقطع تلاوته ويُتابع المؤذِّن، أو الأفضل أن يستمر في تلاوته؟

نقول: لا ريب أن القرآن الكريم أشرف الذكر وأفضل الذكر، لكن هنا مرجِّح: وهو أن متابعة المؤذن تَفُوت لكن قراءة القرآن لا تفوت، أنت إذا تركت متابعة المؤذِّن فاتك هذا الخير، وقراءة القرآن ليس لها وقتٌ محدَّدٌ.

إذًا، قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل؛ ولذلك قد يترك الإنسان السنة أو يفعل أحيانًا ما لا يعتقد أنه سنة من باب التأليف، ومثَّل العلماء على ذلك: لو قُدِّر أن شخصًا مثلًا ذهب إلى بلد يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة وهو لا يرى الجهر بها، لكنه جهر بها لأجل أن يُؤلِّف قلوبهم، فنقول: هنا الجهر بالبسملة وإن لم يكن سنة أفضل؛ لأنه يحصل به ماذا؟ يحصل به تأليف القلوب.

فهذه القاعدة، وهي: أنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل؛ ولذلك الإمام أحمد رحمه الله ذكر قاعدة، سُئل: أيهما أفضل: أن أقرأ القرآن من المصحف، أو عن ظهر قلب؟ يعني هناك مسائل تَرِد على هذه القاعدة، أيهما أفضل: أن يقرأ القرآن من المصحف، أو عن ظهر قلب؟ كلٌّ له مزية، القراءة من المصحف لها مزية وهي أنها أشد ضبطًا وأبعد عن الشواغل، لكن القراءة عن ظهر قلب أبلغ في التدبُّر والتفكر. الإمام أحمد، ماذا قال لما سأله رجل؟ قال: "انظر ما هو أنفع لقلبك فافعله"[12].

مثال آخر: إنسانٌ أراد أن يُصلِّي من الليل، قال: عندي ساعة كاملة، أو نصف ساعة مثلًا، هل الأفضل أن أُصلِّي إحدى عشرة ركعة في هذه النصف ساعة، أو الأفضل أن أصلي تسليمتين طويلتين؟ يعني، هل الأفضل مثلًا في صلاة الليل أن يُطيل الإنسان الركوع والسجود ويُخفِّف عدد الركعات، أو الأفضل أن يُكثر من الركوع والسجود ويُكثر من عدد الركعات؟ مفهوم أو لا؟ يعني هل الأفضل للإنسان في صلاته كثرة الركوع والسجود، أو الأفضل طول القيام؟

العلماء رحمهم الله مختلفون في ذلك:

  • المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام، فكونه مثلًا في نصف ساعة يُصلِّي خمس تسليمات أفضل من أن يصلي تسليمتين، قالوا: لأنه أكثر عملًا، وما كان أكثر عملًا فهو أكثر أجرًا[13].
  • ومنهم من قال: إن طول القيام أفضل، وأن كون الإنسان مثلًا يُصلِّي في نصف ساعةٍ تسليمتين أو تسليمة أفضل من أن يُصلِّي خمسًا[14].

ما حجة من قال: إن كثرة الركوع والسجود أفضل؟

استدلوا بقول النبي لمعاذ : إنك لن تسجد سجدةً إلا رفعك الله ​​​​​​​ بها درجة[15]، فكثرة الركوع والسجود سببٌ لرفعة الدرجات وتكفير السيئات. والذين قالوا: إن الأفضل هو طول القيام، قالوا: لأن القيام محله الذكر. ذِكر القيام ما هو؟ القرآن، والقرآن أشرف الذكر[16].

لكن شيخ الإسلام رحمه الله قال قولًا وسطا بين هذا، قال -لا نقول كثرة الركوع والسجود أفضل، ولا طول القيام- فقال رحمه الله: القيام أفضل بذكره، والسجود أفضل بهيئته، وكان مِن هَدْي النبي  أن صلاته تكون متناسبة، فإذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفَّف الركوع والسجود[17].

والمشهور من مذهب الإمام أحمد -كما سبق- أن كثرة الركوع والسجود أفضل؛ ولهذا قال: "وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام"[18].

انتهى هذا الدرس، ونسأل الله ​​​​​​​ أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما سمعنا وما قلنا حجة لنا لا علينا؛ إنه جواد كريم.

وسيكون غدًا إن شاء الله الدرس بعد الفجر وبعد المغرب، نرجع إلى "عمدة الأحكام" في باب صلاة الجمعة، غدًا بعد الفجر وبعد المغرب إن شاء الله، وفجر يوم الاثنين بحول الله ​​​​​​​. وفقكم الله.

^1 رواه ابن ماجه: 1976، وصححه الحاكم في "المستدرك": 3/ 517.
^2 رواه مسلم: 1218.
^3 "الشرح الممتع"، للشيخ ابن عثيمين: 2/ 170.
^4 رواه مسلم: 334.
^5 رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له.
^6 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^7 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 21360.
^8, ^11 ينظر: "نونية ابن القيم": ص230.
^9, ^10 ينظر: "نونية ابن القيم": ص143.
^12 ينظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد": 6/ 357.
^13 ينظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد": 6/ 455.
^14 ينظر: "مختصر الأحكام" للطوسي: 2/ 318.
^15 رواه مسلم: 488.
^16 ينظر: "مختصر قيام الليل" لمحمد بن نصر المروزي: ص129- 130.
^17 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 230.
^18 ينظر: "المبدع" لبرهان الدين ابن مفلح: 2/ 28.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©