- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "والمجمل والمشتبه يحمل على المحكم الواضح.." (3)

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا واجزه خير الجزاء، واغفر للسامعين والحاضرين يا ذا الجلال والإكرام.
المجمَل والمشتبِه
القارئ: يقول المصنف رحمه الله في كتابه "صفوة أصول الفقه":
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
توقف بنا الكلام على قوله رحمه الله:
تعريف المجمل لغةً واصطلاحًا
"المجمل": من الإجمال، وهو الإبهام، المجمل بمعنى: المبهَم والمجموع.
وأما اصطلاحًا: فالمجمل: هو ما يَتوقف فهم المراد منه على غيره، إما في تعيينه، وإما في بيان صفته، وإما في بيان مقداره.
أنواع المجمل
ما يتوقف فهم المراد منه على غيره:
- إما في تعيينه؛ كلفظ "القُرْء"، فإنه يَحتمل أن يراد بالأقراء: الأطهار، ويحتمل أن يُراد بها: الحِيَض، لكن قول النبي للمستحاضة: اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك [1]، وفي لفظٍ: قدر ما كانت تحبسك أقراؤك [2]؛ هذا يدل على أن المراد بـالأقراء الحِيَض.
- أو ما يَتوقف فهم المراد منه على صفته؛ كقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43]، كيف نقيم الصلاة؟
نقول: هذا لفظٌ مجملٌ، بيَّنه النبي بقوله وبفعله، وبهما معًا، فقد بيَّن صفة الصلاة بقوله في حديث المسيء: إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن.. [3]، هذا بيانٌ بالقول، وبالفعل: أنه صلى وقال: صلوا كما رأيتموني أُصلي [4]، وبهما معًا، يعني بالقول والفعل: كما في صلاته على المنبر؛ حيث صلى على المنبر وقال: إنما فعلت ذلك؛ لتأتمُّوا بي، ولتعَلَّموا صلاتي [5]. - أو مقداره؛ كقوله : وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، أولًا ما الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ وما مقدار الواجب في كل مالٍ؟ هذا لفظٌ مجملٌ بيَّنته السُّنة.
تعريف المشتبه
قال: والمشتبِه يُحمل على المحكم، المشتبه: هو اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنًى، فيُحمل على المحكم الواضح البيِّن، وهذا طريق الراسخين في العلم.
أما أهل الأهواء الذين يتبعون ما تشابه منه، فهم يتبعون المتشابه، ولهذا قال الله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7].
فإذا ورد نصٌّ فيه اشتباهٌ؛ فالواجب أن يُرَدَّ إلى النص المحكم.
أسباب الاشتباه
وأسباب الاشتباه والخطأ في الأحكام الشرعية يرجع إلى واحدٍ من أمورٍ أربعةٍ، كل من اشتبه عليه حكمٌ شرعيٌّ، أو أخطأ في حكمٍ شرعيٍّ؛ فإن ذلك يرجع إلى واحدٍ من أسبابٍ أربعةٍ:
- السبب الأول: نقص العلم، بحيث لا يكون عنده علمٌ يُميز فيه بين المحكم وبين المتشابه، وبين الواضح وبين ما فيه اختلاف والتباس.
- السبب الثاني: قصور الفهم، أن يكون قاصرًا في فهمه، والناس درجاتٌ في هذا؛ فمنهم من يهبه الله علمًا وفهمًا، ومنهم من يهبه الله علمًا لكن فهمه دون ذلك، فيشتبه عليه الحق بسبب نقصِ أو قصورِ فهمه.
- السبب الثالث: التقصير في الطلب؛ بحيث لا يبذل جهده وطاقته في الوصول إلى الحق، وحينئذٍ يشتبه عليه الحق.
- السبب الرابع: سوء الإرادة والقصد؛ بحيث يكون قصده من البحث والاطلاع أن ينتصر لنفسه أو لمذهبه، أو لطائفيةٍ أو جاهليةٍ، أو ما أشبه ذلك، فمثل هذا لا يُوفق للوصول إلى الحق.
يقول: "والمجمل والمشتبه يُحمل على المحكم الواضح المبيَّن".
فالمجمل يُحمل على المبيَّن، و"المبيَّن": ما يُفهم المراد منه في أصل الوضع، بأصل الوضع؛ كلفظ "السماء"، يُفهم منها المراد بأصل الوضع، "أرض"، يُفهم منها المراد بأصل الوضع، بمعنى أنه لا يحتاج في بيان المراد به إلى غيره.
الظاهر والمُؤَوَّل
ثم قال المؤلف رحمه الله: "ويجب العمل بالظاهر، ولا يُعدَل عنه إلا بدليلٍ".
تعريف الظاهر والمؤول
يجب العمل بالظاهر، و"الظاهر": هو الواضح البيِّن، هذا في اللغة، الظاهر: هو الواضح، هو البيِّن.
أما اصطلاحًا عند الأصوليين: فالظاهر: هو ما دل بنفسه على معنًى راجحٍ مع احتمال غيره، هذا الظاهر: ما دل على معنًى في نفسه، مع احتمال غيره؛ فمثلًا: قول النبي : توضؤوا من لحوم الإبل [6]، يَحتمل أن المراد: الوضوء الشرعي، وهو غسل الأعضاء الأربعة، ويحتمل أن المراد: الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين مثلًا، أو المضمضة، وما أشبه ذلك، لكن أيهما أرجح؟ نقول: حمله على المعنى الأول أرجح، لماذا؟ لأنه سبق لنا أن كل كلامٍ فإنه يُحمل على عرف الناطق به؛ فإن كان الناطق به من الشرع؛ حُمل على المعنى الشرعي، وإن كان الناطق به من أهل اللغة؛ حُمل على المعنى اللغوي؛ فمثلًا: كلمة "وضوء" إذا وردت في النصوص الشرعية؛ فالمراد به: غسل الأعضاء الأربعة، وإذا وردت في اللغة وفي الأشعار؛ فالمراد بذلك: النظافة.
يقول: يجب العمل بالظاهر، ولا يُعدَل عنه إلا بدليلٍ، أي لا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليلٍ، وحينئذٍ يكون هذا النص مؤوَّلًا.
والتأويل: هو حمل اللفظ على المعنى المرجوح بدليلٍ، التأويل: أن تحمل النص على معنًى مرجوحٍ لكن بدليلٍ.
معاني التأويل
واعلم أن التأويل يُطلق على ثلاثةٍ معانٍ:
- المعنى الأول من معاني التأويل: التفسير، فالتفسير يُسمى تأويلًا، ومنه قول ابن جريرٍ الطبري رحمه الله في "تفسيره": التأويل في قوله تعالى كذا وكذا، يعني التفسير.
- والمعنى الثاني من معاني التأويل: بيان عاقبة الشيء، فإن كان خبرًا؛ فتأويله وقوعه، وإن كان أمرًا، فتأويله امتثاله، مثال الخبر: قول يوسف عليه الصلاة والسلام: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، يعني: عاقبة رؤياي، ومنه قول الله أيضًا: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53]، يعني: ما ينتظر هؤلاء المكذبون والمعرضون إلا وقوع ما أخبر الله به من عقابهم.
وإن كان أمرًا؛ فتأويله: امتثاله، ومنه قول الله : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية؛ كان النبي يُكثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن [7]، يعني: يمتثل أمره.
- المعنى الثالث من معاني التأويل: صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؛ فإن دل عليه دليلٌ، فهو صحيحٌ، وإن لم يدل عليه دليلٌ، فهو فاسدٌ مردودٌ، صرف اللفظ عن ظاهره من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، فهذا إن دل عليه دليلٌ؛ فهو صحيحٌ مقبولٌ، وإن لم يدل عليه دليلٌ؛ فهو فاسدٌ مردودٌ.
من أمثلة ذلك:
قال الله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل:1]، نقول: أَتَى: سيأتي، وليس: أتى فيما مضى؛ بدليل قوله: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، ولا يُستعجل إلا الأمر المستقبل.
إذنْ: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، لا نقول: أَتَى يعني: فيما مضى، وإنما أَتَى أَمْرُ اللَّهِ يعني: سيأتي؛ بدليل قوله: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ.
وقال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، هل إذا فرغ الإنسان من القراءة يقول: أعوذ بالله؟ أو المراد: إذا قرأت، يعني: أردت أن تقرأ؟ نعم.
إذنْ هنا صرفنا اللفظ عن ظاهره من معنًى راجحٍ إلى معنًى مرجوحٍ بدليلٍ، وأما إذا لم يكن هناك دليلٌ، بمعنى أنه صرف اللفظ عن ظاهره من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بغير دليلٍ؛ فهذا تأويلٌ فاسدٌ مردودٌ، بل هو تحريفٌ كتحريف المعطلة: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، قالوا: استولى، وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22]، أي: جاء أمره، جاء مَلَكُه، وما أشبه ذلك، ينزل ربنا [8]، ينزل أمره، ينزل مَلَكُه، كل هذا من التحريف؛ لأن كل أمرٍ أضافه الله إلى نفسه؛ فالأصل أنه قائمٌ به حقيقةً، كل ما أضافه الله لنفسه فالمراد به نفسه .
إذنْ التأويل له ثلاثة معانٍ:
- بمعنى: التفسير.
- ثانيًا: بمعنى: عاقبة الشيء ومآله.
- ثالثًا: صرف اللفظ عن ظاهره من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.
المنطوق والمفهوم
يقول المؤلف رحمه الله: "والكلام له منطوقٌ يوافق لفظه، أو يدخل في المعنى ضمن اللفظ فيدخل في منطوقه".
الكلام له منطوقٌ ومفهومٌ:
المنطوق: ما دل على الحكم في محل النطق؛ كقوله : فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، أُفٍّ هذا منطوقٌ.
والمنطوق منه ما هو صريحٌ: وهو ما وُضع له اللفظ، فيدخل مطابقةً أو تضمُّنًا؛ كقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43].
ومنه ما ليس بصريحٍ، وهو لم يُوضع للفظ وإنما يدخل في معناه ضمنًا، يعني بالالتزام؛ كقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، هذا يدخل فيه وجوب القيام في الصلاة تضمُّنًا صريحًا، لكن "أقيموا الصلاة" اشتراط الطهارة للصلاة هذا يدخل تضمُّنًا.
إذنْ المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وهو إما صريحٌ، وإما غير صريحٍ؛ ولهذا المؤلف يقول: والكلام له منطوقٌ يوافق لفظه، أو يدخل المعنى في ضمن اللفظ فيدخل في منطوقه.
وله مفهومٌ، وهو المعنى الذي سُكِت عنه.
أنواع المفهوم
والمفهوم نوعان:
- مفهوم موافقةٍ.
- ومفهوم مخالفةٍ.
- فمفهوم الموافقة: ما يكون المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق؛ كقوله : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى.. [النساء:10]، طيب، لو أحرق مال اليتيم؟ نقول: كذلك، هذا دلالة مفهومٍ.
إذنْ المفهوم: ما يكون المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق، فمعنى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى: يأخذونها بغير حقٍّ، يأخذونها من غير وجه حقٍّ، سواء أَكَلَها أم أحرقها أم غير ذلك. - والنوع الثاني: مفهوم مخالفةٍ، وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق؛ كقول النبي عليه الصلاة والسلام: في الغنم السائمة الزكاة [9]، فمفهومه: أن غير السائمة ليس فيها زكاةٌ.
- فمفهوم الموافقة: ما يكون المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق؛ كقوله : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى.. [النساء:10]، طيب، لو أحرق مال اليتيم؟ نقول: كذلك، هذا دلالة مفهومٍ.
يقول: وله مفهومٌ، وهو المعنى الذي سُكِت عنه، إن كان أولى أو مساويًا لحكم المنطوق به؛ كان مفهوم موافقةٍ.
قد يكون أولى؛ فمثلًا قول الله : فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، طيب، لو ضربهما؟ أولى أو أشد؟ أشد.
يقول: يكون الحكم عليه كالحكم على المنطوق، وإن كان خلافه؛ قيل له: مفهوم المخالفة، فيكون الحكم فيه مخالفًا للحكم في المنطوق به.
إذنْ المفهوم نوعان:
- مفهوم موافقةٍ.
- ومفهوم مخالفةٍ.
شروط اعتبار المفهوم
يقول المؤلف: بشرط ألَّا يَخرج مخرج الغالب، فإذا خرج مخرج الغالب؛ فلا مفهوم له ولا عبرة به، ويُسمى هذا القيد: "قيدًا أغلبيًّا".
ونضرب لذلك أمثلة؛ منها:
قول الله في المحرمات: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، اشترط الله لتحريم الربيبة شرطين:
- أولًا: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، يعني: أن يكون قد دخل بأمها.
- والثاني: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]
وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ، هذا القيد الأول: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23].
ذَكَرَ الله تعالى قيدين في هذه الآية الكريمة لتحريم الربيبة، لكنه بعد ذلك ذكر مفهوم القيد الثاني دون الأول:
فقال : وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، هذا واحدٌ.
مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، هذا الثاني.
قال: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] ولم يقل: فإن لم يكن في حجوركم؛ مما يدل على أن القيد الأول ليس معتبرًا.
من أمثلة ذلك: قول الله : وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33]، طيب، إذا لم يُرِدن تحصنًا؛ نكرههن على البغاء؟ لا، نقول: هذا القيد ليس له مفهومٌ.
إذنْ القيد الأغلبي لا مفهوم له، لكن يكون ذكره إما لشرفه أو لغيره.
فمثلًا: دائمًا تُقيد الأحكام الشرعية بالرجال، مثلًا: جاء رجلٌ، أو لا يحل لرجلٍ، نقول: ذكر الرجل ليس قيدًا، وإنما ذكر الرجل إما لأنه الأغلب، أو لأن جنس الرجال أشرف من جنس النساء.
يقول: وألا يكون جوابًا لسؤال سائلٍ؛ كقول الرجل لما سأل النبي ، قال: إنا نركب البحر وليس معنا إلا القليل من الماء؛ أفنتوضأ بماء البحر؟ قال: هو الطَّهور ماؤه، الحِل مَيتته [10]، فلا مفهوم لقوله في البحر: هو الطهور ماؤه، أن غير ماء البحر لا يكون طهورًا؛ لأن هذا وقع جوابًا لسؤالٍ، وكذلك لما سأله الرجل عن صلاة الليل، صفة صلاة الليل، فقال النبي : صلاة الليل مثنى مثنى [11]، هذا لا مفهوم له، بل حتى صلاة النهار تكون مثنى مثنى.
ولا سيق للتفخيم، إذا سيق للتفخيم أو المبالغة؛ فلا يكون له مفهومٌ؛ كقول الله في المنافقين: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، طيب، لو استغفر خمسًا وسبعين؟ نقول: هذا التقييد بالعدد ليس له مفهومٌ، وإنما يُقصد به المبالغة.
وما سيق سياق المبالغة أو التفخيم، فإنه لا مفهوم له.
أو الامتنان؛ كقوله : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14]، فـطَرِيًّا ليس له مفهومٌ، فالطري والجاف كلاهما واحدٌ، لكن هذا طريٌّ على سبيل الامتنان، وإلا فكل ما يكون في البحر، أو كل ما صاده الإنسان من البحر، سواءٌ وجده حيًّا أو وجده ميتًا، فإنه يحل؛ ولهذا قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "صيده ما أُخذ حيًّا، وطعامه ما أُخذ ميتًا" [12].
"ولا لبيان حادثةٍ اقتضت بيان الحكم المذكور": كحكم النبي في المسلمات لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِد على ميتٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا [13]. فلا يقال: إن مفهومها أن غير المؤمنات لا تحد على زوجها؛ كالكتابية، بل حكمها كالمسلمة: وإنما ذُكر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر من باب الحث والإغراء.
واعلم أنه يَرِد في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة قرن الأحكام الشرعية بالإيمان بالله واليوم الآخر، كثيرًا ما يقرن الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر في النصوص الشرعية: لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر.. [14]، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه [15]، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59].
فما هي الحكمة من كون الإيمان بالله يُقرن بالإيمان باليوم الآخر؟
الجواب: أن الحكمة في ذلك، والله أعلم: أن الإيمان بالله دافعٌ للعمل، والإيمان باليوم الآخر مانعٌ من المخالفة، فهنا دافعٌ ومانعٌ، ما الذي يدفع الإنسان إلى العمل؟ هو إيمانه بالله، ما الذي يمنعه من المخالفة؟ هو إيمانه باليوم الآخر، وأن هناك جزاءً وحسابًا.
النسخ
تعريف النسخ لغةً واصطلاحًا
"النسخ" في اللغة: بمعنى الإزالة، وبمعنى النقل.
فيُطلق على الإزالة، ويُطلق على النقل، من إطلاقه على الإزالة قولهم: نسختِ الشمسُ الظل، يعني: أزالته.
ومن إطلاق النسخ على النقل، تقول: نسختُ الكتاب، يعني نسخت الكتاب: أي: نقلتُه، أو نقلتَه؟ نسخت الكتاب: إذا نقلتَه، أو إذا نقلتُه، أو: أي نقلتُه، أو: أي نقلتَه.
أحد الطلاب: ...
الشيخ: لا، ليس على هذا، لها قاعدةٌ، إذا قلت مثلًا: نسخت الكتاب، أي: نقلتُه، أو تقول: إذا نقلتَه، أو إذا نقلتُه؟
ابن هشام رحمه الله في "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" [16]، يقول:
| إذا كنيتَ بـ"أي" فعلًا تفسره | فضُمَّ تاءك فيه ضَمَّ معترِفِ |
| وإن تك يومًا بـ"إذا" تفسره | ففتحة التاء أمرٌ غير مختلف |
إذا كنيت بـ"أي" فعلًا تفسره، إذا كان بـ"أي"، فـ"أي" تفسيريةٌ، يكون ما بعدها في الإعراب له ما قبلها، تقول: نسخت الكتاب، أي: نقلتُه، وتقول: نسخت الكتاب، إذا نقلتَه.
| إذا كنيت بـ"أي" فعلًا تفسره | فضم تاءك فيه ضم معترف |
| وإن تك يومًا بـ"إذا" تفسره | ففتحة التاء أمرٌ غير مختلف |
إذنْ ليست على الهوى، وإنما تَتبع قاعدةً؛ فإذا فُسرت بـ"أي"؛ فـ"أي" تفسيريةٌ، يكون حكم ما بعدها حكم ما قبلها، وأما "إذا" فلا.
إذنْ نقول:
"النسخ" في اللغة: بمعنى الإزالة والنقل.
أما شرعًا: فالنسخ: هو رفع حكمِ دليلٍ شرعيٍّ أو لفظِه بدليلٍ شرعيٍّ متراخٍ عنه.
أنواع النسخ
- وذلك أن النسخ قد يكون للَّفظ والحكم.
- وقد يكون النسخ للَّفظ مع بقاء الحكم.
- وقد يكون نسخًا للحكم مع بقاء اللفظ.
مثال ما نُسخ لفظه وحكمه: الرضاع، ففي "صحيح مسلمٍ" من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فيما أُنزل من القرآن: {عشر رضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرمن}، فنسخن بـ{خمس}" -نُسخ اللفظ ونُسخ الحكم- "وتوفي رسول الله وهن فيما يُتلى من القرآن" [17].
مثال ما نُسخ لفظه مع بقاء حكمه: الرجم، آية الرجم نُسخت، لكن ما هي آية الرجم؟ الله أعلم، ليست كما قيل: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزيزٌ حكيمٌ} [18]، القول بأن هذه آية الرجم ضعيفٌ، بل آية الرجم الله أعلم بها، لكن حُكمه باقٍ.
وقد يُنسخ الحكم مع بقاء اللفظ؛ كآية المصابرة، آية المصابرة نُسخت أم لا؟ نُسخت، لكن لفظها باقٍ، وكقوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240]، هذه مع أنها متأخرةٌ في القرآن، نسخَتْها التي قبلها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234].
إذنْ النسخ: هو رفع حكمِ دليلٍ شرعيٍّ أو لفظِه بدليلٍ شرعيٍّ متراخٍ عنه.
يقول المؤلف رحمه الله:
ما لا يَرِد عليه النسخ
والنسخ يَرِد على الأحكام الشرعية، لكن هناك أشياء لا يمكن نسخها، أو لا يرد عليها النسخ؛ منها:
- أولًا: العقائد، ما يتعلق بالعقيدة، هذا لا يُنسخ.
- ومنها: ما يتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب؛ الصدق والأمانة والشجاعة، فكل نصٍّ دل على الأمانة والشجاعة والكرم والجود؛ هذه لا يمكن نسخها.
- كذلك أيضًا: الأخبار لا تُنسخ، يعني: قصةٌ أو حكايةٌ وردت، هذه لا يمكن أن تُنسخ.
إنما النسخ يكون في الأحكام.
إذنْ الذي لا يتعلق به النسخ:
- أولًا: ما تعلق بالعقيدة والتوحيد.
- ثانيًا: مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب؛ لأنها مطلوبةٌ في كل زمانٍ ومكانٍ.
- ثالثًا: الأخبار.
فمثلًا: حصلت واقعةٌ، لا نقول: هذه الواقعة منسوخةٌ، نعم، قد يُنسخ حكم هذه الواقعة، أو ما دلت عليه من حكمٍ، لكن أصل الواقعة باقٍ.
قال: "ولا يُصار إليه إلا بعد تعذر الجمع بين النصين من كل وجهٍ".
شروط النسخ
النسخ لا يُصار إليه إلا بشرطين:
- الشرط الأول: تعذر الجمع، أن يتعذر الجمع بين النصين، فإن أمكن الجمع بين النصين؛ فلا يُصار إلى القول بالنسخ.
السبب؟ نقول: لأن في الجمع بين النصين إعمالًا لكلا الدليلين، تُعمِل هذا وهذا، وفي القول بالنسخ إبطالٌ لأحدهما وإعمالٌ للثاني، ومن المعلوم أن العمل بالنصين أولى من إبطال أحدهما. - الثاني من شروط النسخ: العلم بالتاريخ.
فإذا عُلم بالتاريخ، إما بنص الشرع أو براوي الحديث؛ فحينئذٍ يكون المتأخر ناسخًا للمتقدم؛ فمثلًا: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها [19]، لو جاءنا نصٌّ: لا تزوروا القبور؛ نقول: هذا منسوخٌ؛ بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها.
القياس
يقول المؤلف رحمه الله:
نعم، القياس، نعم، اقرأ.
القارئ:
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: "وأما القياس".
تعريف القياس
القياس عرّفه، يقول: "وأما القياس: فهو تسوية فرعٍ غير منصوصٍ عليه بأصلٍ منصوصٍ عليه إذا كانت العلة واحدةً؛ بحيث لا يكون بينهما فرقٌ".
وإن شئت فقل: القياس: إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حُكمٍ بعلةٍ.
أركان القياس
وبهذا نعرف أن القياس له أربعة أركانٍ:
- المقيس.
- والمقيس عليه.
- والعلة.
- والحُكم.
فلا بد من أصلٍ، وهو المقيس عليه، ومن فرعٍ، وهو المقيس، ومن علةٍ تجمع بينهما، ومن حُكمٍ.
حجية القياس
والقياس حجةٌ شرعيةٌ عند جمهور العلماء رحمهم الله؛ ولهذا المؤلف يقول: "وهو حجةٌ عند جمهور الأصوليين"، ولم يخالف في ذلك إلا أهل الظاهر رحمهم الله، مع أنهم يقيسون، يعني ابن حزم يُنكر القياس مع أنه رحمه الله في كتابه "المحلى" يقيس، ولا بد من القياس، شاء الإنسان أم أبى.
أدلة القياس
وأدلة القياس كثيرةٌ.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله قولًا جامعًا فيما يتعلق بأدلة القياس، وقال: "إن كل مثلٍ ضربه الله في القرآن، فهو دليلٌ على القياس" [20].
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة:17]، هذا قياسٌ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176]، مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، وهناك أدلة أيضًا تدل على القياس؛ منها قول الله : فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2]، وقال : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [الشورى:17]، والميزان ما توزن به الأمور، والقياس ميزانٌ توزن به الأحكام الشرعية.
وأركان القياس كما تقدم أربعةٌ: أصلٌ، وفرعٌ، وعلةٌ، وحُكمٌ؛ فنضرب أمثلةً لذلك:
قال النبي في الهرة: إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوافين عليكم [21]، فعلل عدم نجاستها بكثرة ترددها وتطوافها.
طيب، الحمار الذي يكثر تردده وملابسته للإنسان؟ نقول: هو كالهرة، فنقول: إن الحمار ليس بنجسٍ؛ قياسًا على الهرة بجامع كثرة تردده وتطوافه.
إذنْ هنا عندنا أصلٌ: وهو الهرة، وفرعٌ: وهو الحمار، وحُكمٌ: وهو الطهارة، وعلةٌ: وهي كثرة التطواف.
مثالٌ آخر: نقول مثلًا: يجري الربا في الأوراق النقدية؛ قياسًا على الذهب والفضة بجامع أن كلًّا منهما ثمنٌ.
ويجري الربا في الرُّز قياسًا على البُر بجامع أن كلًّا منهما مكيلٌ مطعومٌ.. وهكذا.
هذا هو القياس: أن تُلحِق فرعًا بأصلٍ في حكمٍ لعلةٍ جامعةٍ.
قال: وهو مبنيٌّ على الجمع بين المتماثلين في الحكم، والتفريق بين المتخالفين، والشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين، كما لا تجمع بين مفترقين.
من قواعد الشريعة: أنها لا تفرق بين متماثلين، بل تجعل حكمهما واحدًا، ولا تجمع بين مختلفين؛ ولذلك من أمثلة هذا: أن النبي نهى عن كل ذي نابٍ من السباع، وعن كل ذي مخلبٍ من الطير [22]، فكل ذي نابٍ من السباع فإنه محرمٌ، طيب، الضبع، جاء فيه في "سنن أبي داود" من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أن النبي جعل فيه كبشًا إذا صاده المحرم [23]؛ وهذا يدل على أنه صيدٌ، فكيف أُبيح الضبع مع أنه داخلٌ في "كل ذي نابٍ من السباع".
قال بعض العلماء: إن السباع فيها قوةٌ خبيثةٌ، بخلاف الضبع، وبعضهم قال: إن الضبع إنما يَستعمل نابه دفاعًا، لا افتراسًا وهجومًا.. إلى غير ذلك.
فالمهم: أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين، بل تجعل حكمهما واحدًا، كما أنها لا تجمع بين مفترقين، بل تعطي كل واحدٍ حُكمه.
قال: "وهو حجةٌ"، الضمير عائدٌ على القياس عند جمهور الأصوليين، ويتفاوت تفاوتًا كثيرًا في قوته وضعفه، فهناك من القياس ما هو قياسٌ جليٌّ، وهناك من القياس ما هو قياسٌ خفيٌّ، فيتفاوت بحسب ظهور العلة في الفرع ووجودها في الأصل.
بعض القواعد الفقهية
ثم قال المؤلف رحمه الله:
ذكر في هذا الفصل قواعد هامةً ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها؛ لأن العناية بالقواعد والضوابط والأصول من أنفع ما يكون لطالب العلم.
فوائد معرفة القواعد والضوابط والأصول
- أولًا: أنها تنمي عنده الملكة الفقهية، الذي يحفظ ويضبط القواعد والضوابط والأصول، تتنمَّى عنده الملكة الفقهية.
- وثانيًا: من فوائد معرفة القواعد والضوابط والأصول: أنها تجمع شتات المسائل، فبدلًا من أن تحفظ مئة مسألةٍ؛ تجمعها لك قاعدةٌ واحدةٌ؛ مثلًا قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك"، كم من المسائل تدخل تحت هذه القاعدة؟ ما شاء الله، آلاف المسائل، فأنت إذا حفظت هذه القاعدة؛ استغنيت بها عن حفظ كثيرٍ من المسائل.
- ثالثًا: من فوائد معرفة القواعد والضوابط والأصول وحفظها: معرفة ما يَستجِد من المسائل، وهو ما يسمى بـ"النوازل".
فإذا حصلت نازلةٌ، أو وقعت نازلةٌ؛ يتمكن الفقيه الذي عنده قواعد وضوابط وأصولٌ من معرفة حكم هذه النازلة؛ وذلك بردها إلى قواعدها وضوابطها وأصولها. - ومنها أيضًا: معرفة أسرار الشريعة، فالإنسان يعرف أسرار الشريعة، وحِكمها بسبب هذه القواعد.
- ومنها أيضًا: القياس، قياس المسائل، أن يقيس هذه المسألة على هذه المسألة، وهو ما يسمى بـ"التخريج": نقل حكم مسألةٍ إلى ما يشبهها.
كل هذه الفوائد وغيرها من الفوائد يستفيدها الإنسان من معرفة القواعد والضوابط.
قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك"
يقول:
يعني: التي قررتها الشريعة، يقول:
هذه قاعدةٌ مهمةٌ: "أن اليقين لا يزول بالشك".
دليل القاعدة
ودليل هذه القاعدة: أن رجلًا سأل النبي فقال: يا رسول الله، الرجل يجد شيئًا في صلاته -يعني في بطنه- فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا [24]، فأخذ العلماء من هذا الحديث قاعدةً: وهي أن اليقين لا يزول بالشك، بمعنى: أن اليقين لا يزول إلا بيقينٍ.
من فروع القاعدة
مثلًا من فروعها: إنسانٌ توضأ، ثم غلب على ظنه أنه أحدث، نقول: لا يلتفت؛ لأن وضوءه يقينٌ، واليقين لا يزول إلا بيقينٍ، شك في حدثه؟ نقول: لا يلتفت من باب أولى، لكن لو تيقن؛ حينئذٍ ينتقض الوضوء.
إنسانٌ مُحدِثٌ، وقال: الظاهر -والله أعلم- أني توضأت، الظاهر ليس عنده يقينٌ، نقول: الأصل أنك محدثٌ؛ لأن حدثك يقينٌ، واليقين لا يزول إلا بيقينٍ.
كذلك أيضًا لو شك: هل توضأت أو لم أتوضأ؟ نقول: لا تلتفت إلى هذا الشك.
إذنْ هذه القاعدة الأولى: أن اليقين لا يزول إلا بيقينٍ، وهذه القاعدة تنفعك في أبوابٍ كثيرةٍ؛ في باب المياه: لو كان عندك ماءٌ طهورٌ، وشككت في نجاسته، أو غلب على ظنك نجاسته، فلا تلتفت، فالأصل الطهارة.
العكس: عندك ماءٌ نجسٌ، غلب على ظنك أنه طَهُر، أو شككت في طهارته، فالأصل أنه نجسٌ.
كذلك أيضًا فيما يتعلق بالوضوء -كما سبق- لا يزول اليقين إلا بيقينٍ.
مثلًا في الطلاق: إنسانٌ شك: هل طلق امرأته أو لا؟
نقول: لا تلتفت، النكاح نكاحك إياها يقينٍ، واليقين لا يزول إلا بيقينٍ.
طيب، إنسانٌ طلق زوجته، وعلَّق طلاق زوجته على شرطٍ، قال: إن فعلتِ كذا؛ فأنتِ طالقٌ، وشك في حصول الشرط هل حصل أو لم يحصل؟ نقول: أيضًا لا يلتفت.
امرأةٌ أرضعت طفلًا وشكَّت: هل أرضعته خمس رضعاتٍ فيكون محرمًا، أو دون ذلك فلا يكون محرمًا؟
نقول: عندنا يقينٌ، الأصل عدم التحريم.. وهكذا.
الأصل بقاء ما كان على ما كان
ولهذا المؤلف رحمه الله، أعقبها بقاعدةٍ تدخل تحتها، وهي:
الأصل: بقاء ما كان على ما كان، فما تيقنت بقاءه؛ فالأصل أنه باقٍ على ما هو عليه، ولا يُعدَل عن ذلك إلا بدليلٍ.
هذه القاعدة الأولى.
قاعدة: "لا يُزال الضرر بالضرر"
ثانيًا: يقول:
لقول النبي : لا ضرر ولا ضِرَار [25].
معنى الضرر والضرار والفرق بينهما
لكن ما معنى "لا ضرر ولا ضرار"؟ ما الفرق بين الضرر والضرار؟
قيل: إن الضرر: هو فعل ما فيه المضرة ابتداءً، والضِرار: فعل ما فيه مضرةٌ على وجه المكافأة.
الضرر: أن يفعل ما فيه الضرر ابتداءً، والضِرار: أن يفعل ما فيه الضرر على سبيل المقابلة؛ كإنسانٍ أضرَّ بك تضره، هذا "ضرارٌ"، أما أن تفعل الضرر ابتداءً فهذا يسمى "ضررًا".
وقيل: إن الضرر: هو إلحاق الضرر بالغير من غير قصدٍ، والضرار: أن يُلحِق الضرر بغيره بقصدٍ.
فما كان فيه قصدٌ فيُسمى ضررًا، وما لا قصد فيه يُسمى ضِررًا.
إذنْ الضرر، يقول المؤلف: "الضرر لا يُزال بالضرر"؛ لقول النبي : لا ضرر ولا ضرار.
أمثلة على القاعدة
فمثلًا: لو فُرض أن امرأةً حصل بينها وبين زوجها شجارٌ ونزاعٌ، وطلبت منه الطلاق، وهو لا يرغب فيها، لكنه أراد أن يضرها فعلَّقها، بمعنى أنه أبقاها هكذا معلقةً من غير طلاقٍ، ومن غير أن تكون زوجةً.
نقول: هذا حرامٌ؛ لأن فيه ضررًا، وقد قال النبي : لا ضرر ولا ضرار.
طيب، مثالٌ آخر: رجلٌ حصل بينه وبين زوجته نزاعٌ فطلق زوجته طلقةً واحدةً، فبلغه أنها تريد أن تتزوج، فقال: لا، أجعلها لا تهنأ بزواجٍ، لما طلقها؛ حاضت الحيضة الأولى، الشهر الأول، والشهر الثاني، والشهر الثالث، قبل أن تطهر، قبل أن تحيض الحيضة الثالثة راجعها، الآن صارت زوجةً، ثم طلقها، حاضت الحيضة الأولى، ثم الحيضة الثانية، قبل أن تحيض الثالثة راجعها، ثم طلقها.
قال: انظر، الآن بدلًا من أن تَجلسي ثلاثة أشهرٍ، جعلتك تجلسين كم؟ تسعة أشهرٍ، يريد الإضرار، نقول: هذا محرمٌ؛ لقول النبي : لا ضرر ولا ضرار.
إذنْ كل فعلٍ قَصَدَ الإنسان به الضرر أو المضارة بالغير فإنه محرمٌ.
ومثل ذلك: عضل الولي مُوَلِّيَته أن يمنعها كُفئًا رضيِتَه، هذا من الضرر؛ فرجل مثلًا عنده موليةٌ له، بنته أو أخته، كلما تقدم لها كفءٌ؛ منعها، منع نكاحها.
نقول: هذا لا يجوز، هذا ضررٌ، وقد قال النبي : لا ضرر ولا ضرار، وحينئذٍ إذا تكرر منه ذلك (الولي)، أعني: أنه تقدم لخطبة هذه المرأة كفءٌ رضيت به.
وقولنا: كفءٌ، احترازًا مما إذا كان غير كفءٍ، إذا تقدم لها كفءٌ رضيته، وتكرر منه العضل؛ حينئذٍ تنتقل الولاية إلى من بعده؛ لأن هذا الرجل ليس أهلًا للولاية.
قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"
ما هي الضرورة؟ ما ضابط الضرورة؟
ضابط القاعدة ودليها
ضابط الضرورة: هي التي لو لم يفعلها الإنسان؛ لحصل له ضررٌ في عقله أو بدنه أو دينه أو ماله أو أهله، هذه هي الضرورة؛ بحيث إنه لو لم يفعل ذلك؛ لتضرر في دينه، أو تضرر في عقله، أو تضرر في بدنه، أو تضرر في ماله، أو تضرر في أهله؛ فحينئذٍ يجوز له أن يفعل المحرم دفعًا للضرورة.
والأصل في أن الضرورات تبيح المحظورات: قول الله : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، فإذا اضطر الإنسان إلى المحرم؛ فإنه حينئذٍ يكون مباحًا.
أمثلة على القاعدة
فمثلًا: إنسانٌ في صحراء، وحصل له مخمصةٌ، ويوشك أن يهلك، وليس عنده إلا ميتةٌ، أو مثلًا عنده حيوانٌ لا يحل أكله، حمارٌ، فهل يجوز له أن يأكل الميتة أو أن يأكل الحمار؟
نقول: نعم يجوز، بل يجب إذا قدر؛ لأن فيه إنقاذًا لنفسه من الهلاك، وقد قال الله : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء:29]، وقال : وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].
كذلك أيضًا: إنسانٌ اضطر إلى فعل محظورٍ من محظورات الإحرام، محظورات الإحرام من المعلوم أنها محرمةٌ على المُحرِم؛ لا يجوز للمحرم أن يحلق شعره، ولا أن يغطي رأسه، ولا أن يلبس مَخِيطًا، أو غير ذلك، لو اضطر أن يحلق شعر رأسه، أو احتاج إلى أن يحلق شعر رأسه؛ فإن هذا عذرٌ يبيح له ذلك.
وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث كعب بن عجرة أنه قال: حُملتُ إلى النبي -يعني حملني أهلي إلى النبي - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنتُ أُرى الوجع قد بلغ بك ما أَرى، أتجد شاةً؟، ثم أخبره بالفدية [26]، فأذن له النبي أن يحلق رأسه بسبب هذا التأذي، ولكن مع ذلك أمره بالفدية.
لماذا أمره بالفدية مع أنه معذورٌ؟ من باب الترفُّه؟ لا، ليس من باب الترفه، لو أن إنسانًا مثلًا صال عليه صيدٌ وهو محرمٌ فقتله؛ لا شيء عليه.
نقول هنا: اعلم أن هناك فرقًا بين من أتلف شيئًا لدفع أذاه له، ومن أتلف شيئًا لدفع أذاه به؛ من أتلف شيئًا لدفع أذاه له؛ لا ضمان عليه؛ فلو أن شخصًا مثلًا مُحرِمًا صال عليه ضبعٌ -والضبع صيدٌ- فقتله؛ فلا شيء عليه؛ لأنه أتلفه لدفع أذاه له، وإن أتلفه لدفع أذاه به؛ ضمنه.
فحديث كعب بن عجرة حينما حلق شعر رأسه، ما هو الذي آذاه؟ هل هو الشعر أو القمل؟ القمل، الشعر لم يؤذه، لكن لا يمكن أن يزيل هذا الأذى إلا بحلق الشعر، فهو أتلف شيئًا لدفع أذاه به؛ فلذلك لزمه الضمان، ومن ثم قعَّد العلماء هذه القاعدة، وهي: "من أتلف شيئًا لدفع أذاه له؛ لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به؛ ضمنه".
شروط الضرورة
نرجع إلى القاعدة، ونقول: إن الضرورات تبيح المحظورات، لكن يُشترط لكون الضرورة تبيح المحظور شرطان:
- الشرط الأول: أن يتعين المحرَّم، يعني: الإنسان مثلًا قال: أنا مضطرٌّ أن أستعمل الشيء المحرم الفلاني، مضطرٌّ أن أتداوي بهذا المحرم، بالخمر أو بغيره.
نقول: يُشترط لجواز فعل المحرم عند الضرورة شرطان:
- الشرط الأول: تعيُّن المحرم؛ بحيث لا يوجد غيره من المباح، فإن وُجد غيره من المباحات؛ فإنه لا تكون هناك ضرورةٌ.
فلو أن إنسانًا أصابه مرضٌ، وقيل له: إن من الأدوية أن تشرب الخمر، ونقول: ومن الأدوية مثلًا أن تشرب العسل، إذنْ المحرم هنا لم يتعين.
- الشرط الثاني: أن يَغلب على الظن أنه ينتفع بهذا المحرم، أن يتيقن، أو يغلب على ظنه أنه ينتفع بهذا المحرم، فأما إذا لم يتيقن، ولم يغلب على ظنه؛ فلا يجوز.
السبب: نقول: لأنه لا يجوز للإنسان أن يرتكب أمرًا محرمًا صريحًا لسببٍ موهومٍ.
طيب، من أمثلة ذلك:
إنسانٌ حصل له غُصَّةٌ بالطعام، ولم يحضره إلا خمرٌ، هل يجوز أن يتناول الخمر لدفع لقمةٍ غص بها؟
الجواب: نعم يجوز؛ لتوافر الشرطين: أولًا: لا يوجد غير هذا المحرم، وثانيًا: ينتفع به، فيجوز أن يأخذ من هذا الخمر ما يدفع به هذه اللقمة التي غص بها.
مثالٌ آخر: إنسانٌ أصابه عطشٌ، وعنده خمرٌ، هل يجوز أن يشرب الخمر لدفع العطش؟
الجواب: لا، لا يجوز؛ لأن الخمر قالوا: إن الخمر لا تزيد الإنسان إلا عطشًا.
إذنْ لجواز ارتكاب المحرم عند الضرورة شرطان:
- الشرط الأول: تعين المحرم.
- الشرط الثاني: أن يتيقن النفع، أو يغلب على ظنه أنه ينتفع به.
قاعدة: "العجز يُسقط الواجبات"
دليل القاعدة
وهذه القاعدة الأصل فيها: قول الله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقول النبي : إذا أمرتكم بأمرٍ؛ فأتوا منه ما استطعتم [27].
حالات الإنسان بالنسبة للمأمورات والواجبات
والإنسان بالنسبة للمأمورات والواجبات التي أوجبها الله تعالى، لا يخلو من ثلاث حالاتٍ:
- الحالة الأولى: أن يكون مستطيعًا وقادرًا على فعل الواجب أو المأمور جميعًا، فيجب عليه أن يأتي به، وهذا واضحٌ.
- الحالة الثانية: أن يكون عاجزًا عن هذا الواجب كليًّا، فيسقط عنه.
- الحالة الثالثة: أن يكون قادرًا على بعضه عاجزًا عن بعضه، يعني: أن يعجز عن البعض، ويقدر على البعض.
انتبهوا، الإنسان بالنسبة للمأمورات أو الواجبات التي أوجبها الله له ثلاث حالاتٍ:
- الحالة الأولى: أن يكون قادرًا على فعل المأمور كله؛ كمن يستطيع أن يصوم رمضان كله، يجب عليه، يستطيع أن يقوم في الصلاة جميعًا، يجب عليه، يستطيع أن يتوضأ، يجب عليه.
- الحالة الثانية: أن يكون عاجزًا عن المأمور به كله؛ كمن به مرضٌ لا يُرجى بُرؤه، أو شيخٍ كبيرٍ لا يستطيع الصيام، يسقط عنه الصيام، مريضٌ لا يستطيع الوضوء، يسقط عنه الوضوء، ويعدل إلى التيمم، لا يستطيع القيام، يسقط عنه القيام، ويُصلي قاعدًا، وهذا واضحٌ.
- الحالة الثالثة: أن يكون قادرًا على فعل بعض المأمور به دون بعضٍ.
يعني أن يقدر على البعض ويعجز عن البعض، فهل يجب عليه أن يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه أو لا؟ من قدر على بعض المأمور به دون بعضٍ، فهل نقول: يجب عليك أن تفعل ما تقدر عليه ويسقط عنك ما تعجز عنه، أو نقول: يسقط الجميع، أم ماذا؟
الجواب: هذه المسألة، وهي من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها، فلا يخلو من أربع حالاتٍ.
الإنسان الذي يقدر على بعض العبادة ويعجز عن باقيها، لا يخلو من أربع حالات:
- الحالة الأولى: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا بذاته، بل هو وسيلةٌ محضةٌ، فإذا قدر على الوسيلة دون الأصل؛ لم يجب.
مثاله: تحريك اللسان، أنا الآن أحرك لساني؛ لأجل ماذا؟ النطق، الأخرس الذي لا ينطق هل نقول: يجب عليك أن تحرك لسانك في القراءة؟ لا، لا يجب؛ لأن تحريك اللسان وسيلة إلى ماذا؟ النطق، وهو لا ينطق؛ إذنْ لا يجب على الأخرس أن يحرك لسانه، هذا وسيلةٌ محضةٌ، فتحريك اللسان وسيلةٌ محضةٌ، وقدر عليه، نقول: لا يجب.
مثالٌ آخر: إنسانٌ أصلع، ليس في رأسه شعرةٌ، واعتمر، طاف وسعى، ثم ذهب إلى الحلاق، ماذا يحلق؟ ما فيه شيءٌ.
هل نقول: يجب عليك أن تُمِرَّ الموسى؟ (الموس أو المكينة)، هو قادرٌ، يستطيع أن يمر الموسى، نقول: لا يجب؛ لأن أمرار الموسى وسيلةٌ لإزالة الشعر، ولا شعر، فيكون أمرار الموسى عبثًا لا فائدة منه، يكون عبثًا ليس فيه فائدةٌ.
إذنْ هذا القسم الأول، أو الحالة الأولى: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا، بل هو وسيلةٌ محضةٌ، فمتى قدر عليه؛ فإنه لا يجب.
- الحالة الثانية: أن يكون المقدور عليه قد وجب على سبيل التوابع واللواحق، فلا يجب الإتيان به أيضًا.
مثال ذلك: إنسانٌ أحرم بالحج، ذهب يوم عرفة فخرج من المدينة مثلًا يوم عرفة ليلًا، ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى عرفة إلا بعد طلوع الفجر.
من فاته الوقوف بعرفة؛ فاته الحج؛ لقول النبي : الحج عرفة [28].
طيب، هل نقول له الآن: لما فاتك الوقوف بعرفة، اذهب لتبيت في مزدلفة، لتبيت في منًى، وترمي الجمار؛ لأنك قادرٌ على هذه؟
الجواب: لا؛ لأن هذه الأمور -وهي المبيت في مزدلفة، وفي منى، ورمي الجمار- وجبت على سبيل التوابع واللواحق، فإذا فاته الحج؛ سقطت هذه الأشياء.
- الحال الثالثة من الأحوال: أن يكون المقدور عليه جزءًا من العبادة، وهو بنفسه ليس عبادةً.
مثلًا إنسانٌ يقول: أنا أستطيع أن أصوم في شهر رمضان، أن أصوم إلى الزوال، أن أصوم نصف النهار، أن أصوم إلى أذان الظهر فقط، هذا حَدِّي، بعد ذلك لا أستطيع، فهل نقول: يجب عليك أن تصوم وتفعل ما تقدر عليه، ويسقط عنك ما عجزت عنه؟
الجواب: لا؛ لأن الصوم وإن كان عبادةً، لكن صوم جزءٍ من اليوم فقط ليس عبادةً.
الحالة الرابعة: أن يكون المقدور عليه جزءًا من العبادة، وهو في ذاته عبادةٌ.
نكمل بعد الأذان إن شاء الله.
نعم، نقول: القسم الرابع من أقسام العبادة التي قدر على بعضها وعجز عن بعضها.
- القسم الرابع: أن يكون المقدور عليه جزءًا من العبادة، وهو في ذاته عبادةٌ.
فحينئذٍ يجب عليه أن يأتي به، ونضرب لذلك أمثلةً:
منها: العاجز عن الفاتحة، لو فُرض أن شخصًا عجز عن الفاتحة؛ فهل يسقط عنه القيام؟ نقول: ما دام أن الفاتحة لا تعرفها؛ سقط عنك القيام، كبر واركع؟
نقول: لا؛ لأن القيام ركنٌ مقصودٌ في ذاته؛ ولهذا عبر الله عن الصلاة بالقيام فقال: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:2].
قال أهل العلم: ومتى كان الشارع يُعبِّر عن العبادة ببعضها؛ دل ذلك على أن هذا البعض ركنٌ فيها، إذا عبر الشارع عن العبادة بجزءٍ منها؛ فهذا دليلٌ على أن هذا المعبَّر عنه ركنٌ من أركان العبادة أو واجبٌ فيها؛ فمثلًا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ دليلٌ على وجوب القيام، قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، عبر عن النسك بالحلق أو التقصير، وهذا يدل على أن الحلق أو التقصير في النسك واجبٌ.
من أمثلة ذلك أيضًا: لو فُرض أن إنسانًا وَجد قليلًا من الماء، وجد ماءً يكفي بعض أعضاء الوضوء؛ فهل يسقط عنه ويتيمم، أو يستعمل ما قدر عليه ويتيمم عن الباقي؟
نقول: نعم، يستعمل ما قدر عليه ويتيمم عن الباقي؛ لأنه لا يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، وقد قال تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا [النساء:43]، فيستعمل هذا الطهر في بعض أعضاء طهارته ويتيمم عن الباقي.
مثالٌ آخر: صدقة الفطر، فرضها النبي صاعًا من طعامٍ [29].
إنسانٌ وجد بعض صاعٍ، نصف صاعٍ، يعني قدر على نصف صاعٍ دون الصاع الكامل، فهل يُخرجه؟ نقول: نعم، يخرجه؛ لأن نصف الصاع يَنتفع به الفقير.
(قبل هذا إعلان من التوجيه: يقول: غدًا الأحد بعد صلاة العصر، ولمدة أربعة أيامٍ، دورة للشيخ الأستاذ الدكتور سليمان الدخيل، شرح "الرحبية" في الفرائض، بعد صلاة العصر إلى قُبيل المغرب في نفس هذا المكان).
نعم، إذنْ الآن تبيَّن أن الإنسان إذا قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها؛ أن له -من حيث الأصل- ثلاث حالاتٍ:
- الحالة الأولى: أن يعجز عن الجميع، فيسقط.
- الحالة الثانية: أن يقدر على الجميع، فيجب أن يأتي به.
- الحالة الثالثة: أن يقدر على البعض دون بعض، فهذا على أقسامٍ أربعةٍ:
- أن يكون وسيلةً محضةً، فلا يجب.
- أن يكون وجب على سبيل التَّبَع واللواحق، فلا يجب.
- أن يكون جزءًا من عبادةٍ وهو في ذاته ليس عبادةً، فلا يجب؛ كصوم نصف يومٍ.
- أن يكون جزءًا من العبادة وهو في ذاته عبادةٌ، فيجب عليه أن يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه.
هذا ما يتعلق بهذه القاعدة.
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"
أدلة القاعدة
"المشقة تجلب التيسير"، وهذه القاعدة لها أدلةٌ؛ منها: قول الله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وقال النبي : يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا [30].
فالمشقة تجلب التيسير، ومن حِكم الله ، وانتبهوا لها، من حكم الله تعالى: أنه إذا ابتَلَى العبد قَدَرًا؛ خَفف عنه شرعًا، متى ابتلى الله العبد قدرًا؛ خفف عنه شرعًا، وهذه قاعدةٌ مطردةٌ.
فإذا ابتلى الله الإنسان بالمرض، خفف عنه: إذا كان لا يستطيع الوضوء؛ يتيمم، لا يستطيع الصيام؛ يُطعم، لا يستطيع القيام؛ يجلس.
الفقير: ابتَلَى الله شخصًا بالفقر؛ تَسقط عنه الزكاة، تسقط عنه النفقة، يسقط عنه الحج؛ إذنْ إذا ابتلى الله العبد قدرًا بمرضٍ أو فقرٍ أو نحوه؛ خفف عنه
| ^1 | رواه مسلم: 334. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 297، بلفظ: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة"، والترمذي بلفظ مقارب: 162، وابن ماجه: 625، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 312. |
| ^3 | رواه البخاري: 757، ومسلم: 397، بلفظ: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن..". |
| ^4 | رواه البخاري: 631. |
| ^5 | رواه البخاري: 917، ومسلم: 544. |
| ^6 | رواه مسلم: 360. |
| ^7 | رواه البخاري: 817، ومسلم: 484. |
| ^8 | رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758. |
| ^9 | رواه البخاري: 1454، بلفظ: "وفي صدقة الغنم في سائمتها -إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئةٍ- شاةٌ..". |
| ^10 | رواه أبو داود: 83، والترمذي: 69، والنسائي: 59، 332، وابن ماجه: 386، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 7048. |
| ^11 | رواه البخاري: 993، ومسلم: 749. |
| ^12 | ينظر: تفسير الطبري (8/ 726-729.)، وتفسير ابن أبي حاتم (4/ 1210-1212)، والسنن الكبرى للبيهقي (10/ 380، 381). |
| ^13 | رواه البخاري: 1280، ومسلم:1486. |
| ^14 | رواه البخاري: 1088، ومسلم: 1339، من حديث أبي هريرة ، وبقيته: "أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة"، ورواه البخاري: 1280، ومسلم: 1486، من حديث أم حبيبة رضي الله عنها، وبقيته: "أن تحد على ميت فوق ثلاث..". |
| ^15 | رواه البخاري: 6018، ومسلم: 47. |
| ^16 | مغني اللبيب عن كتب الأعاريب (ص 107). |
| ^17 | رواه مسلم: 1452. |
| ^18 | رواه أحمد: 21207، من حديث أبي بن كعب ، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف. |
| ^19 | رواه مسلم: 977. |
| ^20 | ينظر إعلام الموقعين (1/ 101). |
| ^21 | رواه أبو داود: 75، 76، والترمذي: 92، والنسائي: 68، 340، وأحمد: 22636، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 2437. |
| ^22 | رواه مسلم: 1934. |
| ^23 | رواه أبو داود: 3801، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 1050. |
| ^24 | رواه البخاري: 137، 177، ومسلم: 361. |
| ^25 | رواه ابن ماجه: 2340، 2341، وأحمد: 2865، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 7517. |
| ^26 | رواه البخاري: 1816. |
| ^27 | رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337. |
| ^28 | رواه أبو داود: 1949، والترمذي: 889، والنسائي: 3016، 3044، وابن ماجه: 3015، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 3172. |
| ^29 | رواه البخاري: 1503، ومسلم: 984. |
| ^30 | رواه البخاري: 69، ومسلم: 1734. |