تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

كتاب الطهارة – من قوله: "باب ما يتطهر به.." (01)

كان حريصًا على الاجتهاد واتباع الدليل في المسائل التي يكتب عنها؛ واتباع الدليل مَزِيَّة عظيمة من المزايا التي ينبغي الاعتناء بها والاهتمام بها.

ثم من مميزات الشيخ رحمه الله سهولة ألفاظه؛ فمَن يقرأ كتابات الشيخ يجدها واضحة، ليس فيها غموض ولا التباس. ثم من مميزات كتابات الشيخ أنه يعتني بالالتفات إلى مقاصد الشريعة، ويبني الأحكام بناءً على هذه المقاصد.

ثم هذا الكتاب الذي بين أيدينا "نور البصائر والألباب" قد اشتمل على أغلب الأبواب الفقهية، وهو كذلك فيه فصول متعلقة بالحقوق، سواء كان ما يتعلق بحقوق الله أو حقوق الخلق. ولعلنا -إن شاء الله- نستفيد من هذا الكتاب، وأن نتمكن من إتمامه في هذا الشهر المبارك.

ويقرأ علينا الأخ محمد بعض مقدمة الكتاب بإذنه .

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على خير خلق الله أجمعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى ووالدينا وشيخَنا والسامعين:

كتاب الطهارة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأصلي وأسلم على محمد وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
هذا كتاب مختصر في: الأحكام، والفقه في الآداب؛ واضح الألفاظ والمعاني، خاص في المسائل التي يحتاج إليها كل أحد، مقتصرًا فيه على القول الصحيح، مُنبِّهًا على مأخذه من الكتاب والسنة، راجيًا من الله تسهيله ونفعه وبركته.
كتاب الطهارة، باب ما يُتطهَّر به:
أنعم الله على عباده بطهارة الماء -وهو الأصل-، وطهارة التراب -وهي الفرع والبدل-. فأما الماء؛ فكل ماء غير مُتغيِّر بالنجاسة فإنه يُتطهَّر به من النجاسات ومن الحدث الأكبر والحدث الأصغر، سواء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، أو تغير بشيء طاهر، أو بقي على خلقته؛ فمتى وُجد الماء المذكور وجب استعماله في الطهارة كلها. فإن كان الماء مُتغيِّرًا لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، فهو نجس لا يحل استعماله، ولا يَطْهُر إلا إذا زال تغيره بنزحٍ أو غيره. فإن عُدِمَ الماء، أو تضرَّرَ الإنسانُ باستعماله لمرض أو حاجة إلى الماء؛ عَدَلَ إلى التيمم، فينوي الطهارة؛ ويقول: باسم الله، ويضرب الأرض مرة واحدة، يمسح بها جميع وجهه وكفَّيه، ويكفيه وينوب مناب طهارة الماء في كل شيء.

الشيخ: قول المؤلف ها هنا: "الحمد لله"؛ يعني أن الوصفَ الجميل الذي لا يعتريه نقص ثابتٌ لله . وأما الصلاة على النبي فالمراد بها: الثناء عليه .

قوله: "هذا كتاب مختصر في: الأحكام، والفقه في الآداب"؛ يعني أنه قد شمل الأحكام والآداب، ثم وصفه بأن ألفاظه واضحة، وأنه مشتمل على المعاني الفقهية التي يحتاج إليها كل أحد. فهذا الكتاب لا يهتم بالمسائل نادرة الوقوع، وإنما اهتمامه بالمسائل التي يكثر وقوعها لأغلب الناس. وقد بيَّن المؤلف منهجه في الكتاب بأن يقتصر على القول الصحيح؛ والمراد بالقول الصحيح: المبني على الكتاب والسنة، الذي يرى المؤلف رجحانه على غيره من الأقوال.

قوله: "مُنبِّهًا على مأخذه"؛ المراد بالمأخذ: الدليل.

وقوله: "من الكتاب والسنة"؛ لأن ما عدا الكتاب والسنة من الأدلة فهو تابع لهما.

وفي آخر مقدمته تضرَّع بين يدي الله جل وعلا بأن يسهِّل هذا الكتاب؛ ليكون سهلًا على مؤلفه ليكمله، وسهلًا على قارئه لينتفع به.

قال: "ونفعه"؛ يعني أن المؤلف يطلب من ربه جل وعلا أن يكون هذا الكتاب نافعًا، يستفيد منه كل مَن قرأه. وأما البركة؛ فهي الزيادة والنماء، ولعله يريد بركة العلم.

قال المؤلف: "كتاب الطهارة"؛ المراد بالكتاب: مجموع المسائل. والطهارة يراد بها: رفع الأحداث وإزالة النجاسات.

والمراد بالحدث: الوصف الذي يكون للبدن بسبب عمل من الأعمال.

وأما النجاسة: فهي وصفٌ حسيٌّ يكون على البدن أو البقعة أو الثياب.

باب ما يُتطهَّر به

أول باب ذكره في هذا الكتاب هو "باب: ما يُتطهَّر به"؛ يعني: الأمور التي تحصل الطهارة بها.

وقد قسَّمها المؤلف إلى قسمَين:

  • الأول: المياه.
  • والثاني: التراب.

فذكر عن القسم الأول؛ فقال: "أنعم الله على عباده بطهارة الماء"، فيه تذكير بأن الماء نعمة من الله جل وعلا؛ قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، امتن الله على عباده بهذه النعمة، وقال سبحانه: وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا [النبأ:14].

أنواع المياه

قال: "وهو الأصل"؛ يعني أن الأصل في المياه هو الطهارة. والمراد بقواعد الأصل: ما لا يوجد فيه دليل يدل على طهارة أو نجاسة.

فإن المياه على أربعة أنواع:

  • النوع الأول: ما علمنا بأنه طاهر؛ فمثل هذا لا إشكال في جواز استعماله.
  • والنوع الثاني: ما علمنا نجاسته؛ فهذا القسم لا يجوز استعماله في الطهارات.
  • والنوع الثالث: ما وُجد فيه دليل يدل على طهارته، ووُجد فيه سبب يؤدي إلى نجاسته؛ فهذا النوع يغلب فيه حُكم النجاسة، ولا يُستعمل في الطهارة.
  • وأما النوع الرابع: فهو الذي لا يُعلَم هل هو طاهر أو نجس، ولم تتغير صفاته؛ فحينئذٍ نقول بأن هذا الماء الأصل أنه طاهر يجوز استعماله في أنواع الطهارات.

ثم ذكر النوع الثاني -وهي طهارة التراب-؛ قال: "هي الفرع والبدل"؛ يعني: أنه لا يجوز للإنسان أن ينتقل من طهارة الماء إلى طهارة التراب إلا إذا عُدِم الماء؛ لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43].

أقسام المياه

ثم بعد ذلك تكلم عن القسم الأول -وهو الماء-؛ فقسَّمه إلى قسمَين:

  • مياه طاهرة طهورة مُطهِّرة.
  • ومياه نجسة.

فقال بأن المياه النجسة هي المياه المُتغيِّرة بالنجاسة، وأما المياه الطاهرة فهي المياه الباقية على أصل خلقتها، ولم تتغير بنجاسة.

وجمهور الفقهاء يَرَوْن تقسيم المياه إلى ثلاثة أنواع:

  • مياه طاهرة.
  • وطهورة.
  • ونجسة.

ويقولون بأن الطاهرة هي: المُتغيِّرة بأمر طاهر. والمؤلف قد اختار تقسيم المياه إلى هذَين القسمَين؛ قال بأن الماء إذا خالطته طهارة فلم يتغير، فإنه لا زال يُسمَّى ماءً، وبالتالي لا يجوز للإنسان أن يتركه وينتقل إلى التيمم. أما إذا تغير اسم الماء ولم يُعَدّ ماءً؛ فإنه حينئذٍ لا يصح للإنسان أن يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً.

القول الراجح في تقسيم المياه

ومن ثم؛ فإن الراجح من أقوال أهل العلم هو ما ذكره المؤلف هنا، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ بتقسيم المياه إلى قسمَين: مياه نجسة؛ وهي المياه المُتغيِّرة بالنجاسة، سواء كانت كثيرة أو قليلة. ومياه طاهرة؛ وهي الباقية على أصل خلقتها، أو خالطها ما لم يسلب اسم الماء منها.

بِمَ تزول النجاسة؟

قال المؤلف: فأما الماء الذي يُتطهَّر به، فكل ماء غير مُتغيِّر بالنجاسة، فما لم يتغير بالنجاسة فإنه ماء طهور، يُتطهَّر به من النجاسات ومن أنواع الأحداث. وظاهر كلام المؤلف أن النجاسة لا تُزال إلا بالماء؛ لقوله: "فإنه يُتطهَّر به من النجاسات"؛ ولقوله -فيما بعد ذلك-: "فمتى وُجد الماء المذكور؛ وجب استعماله في الطهارة كلها".

والقول الثاني في هذه المسألة: أن مقصود الشارع إزالة النجاسة، فإذا زالت النجاسة بأي طريقة أو وسيلة فإن الفقيه يَحكم بحصول الطهارة وزوال حُكم النجاسة. مثال ذلك: إذا كانت هناك آنية أو سيوف قد تأثرت بالنجاسة، ووُجد فيها دماء مثلًا، فإذا أُزيلت النجاسة بخرقة ونحوها، ولم يبقَ لها أثر؛ فإنه يُحكَم بطهارة هذه الآنية ولو لم تُغسل بالماء. ولعل القول بذلك أولى من القول الذي اختاره المؤلف؛ لأن مقصود الشارع إزالة النجاسة.

وقوله: "ومن الحدث الأكبر"؛ المراد به: الجنابة وما أُلحق بها -وسيأتي تفصيل أحكام الحدث الأكبر وأسبابه-.

قال: "والحدث الأصغر"؛ المراد به: ما يوجِب الوضوء.

قال: "سواء نزل من السماء، أو نبع من الأرض"؛ فإن النبي قد قال عن بئر "بُضَاعَة": الماء طهور لا ينجِّسه شيء[1].

ومن أنواع المياه الطاهرة أيضًا: مياه البحر؛ لأن النبي سُئل عن ماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه...[2].

قوله: "أو تغير بشيء طاهر"؛ فإنه إذا تغير الماء بشيء طاهر فلم يَسْلِبْه اسمَ الماء، فإنه يجوز الوضوء به -على الصحيح من أقوال أهل العلم كما تقدم-، "أو بقي على خلقته" لم يتغير منه شيء.

"فمتى وُجد الماء المذكور" وهو الماء الطاهر؛ وجب استعماله في الطهارات -وخصوصًا رفع الأحداث-، ولم يَجُزْ للإنسان أن ينتقل إلى التيمم؛ لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]؛ فدل هذا على أنه إذا وُجد الماء وجب استعماله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ... [المائدة:6] ولا يكون الغسل إلا بالماء.

حُكم الماء إذا تغير بنجس

ثم ذكر المؤلف النوع الثاني من أنواع المياه؛ فقال: "فإن كان الماء مُتغيِّرًا لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة؛ فهو نجس"، وقد حُكي إجماع العلماء على أن الماء إذا تغير بنجاسة؛ فإنه نجس لا يجوز استعماله في شيء من الطهارات. وورد في ذلك حديث، لكنه ضعيف الإسناد، وإذا وُجد الإجماع فإنه يُستدل به؛ لأنه من أدلة الشريعة. لا يَطهُر الماء المُتنجِّس إلا إذا زال تغيُّره، سواء كان الزوال بنزح؛ يعني: بإزالة النجاسات من ذلك الماء، وإزالة بعض ذلك الماء ليعود الماء إلى أصله السابق، وتزول التغيرات التي حصلت على الماء بأثر النجاسة، أو كان الزوال بغير ذلك.

شروط الانتقال من الوضوء إلى التيمم

إذا عُدم الماء، أو تضرَّر الإنسان باستعماله؛ فإنه حينئذٍ ينتقل إلى التيمم. عَدَمُ الماء بألَّا يجد الإنسانُ ماءً، وأما إذا كان المرء واجدًا للماء، ولو كان في ذلك بعض العمل، إما بجلب الماء من البئر، وإما بالانتقال من مكان الإنسان إلى مكان آخر، كما في عصرنا الحاضر بوجود هذه السيارات؛ فإن المرء يتمكن من وجود الماء عن قرب، ولا يشق انتقال الإنسان بهذه الآلات إلى مكان وجود الماء؛ فحينئذٍ لا يجوز للإنسان أن يعدل إلى التيمم. أما إذا عَدِمَ الماءَ وعَدِمَ وسيلتَه؛ فيجوز له أن ينتقل إلى التيمم.

الحال الثاني: إذا تضرَّر الإنسان باستعمال الماء، سواء كان لمرض؛ كمَن به حساسية، إذا استعمل الماء أثَّر على جلده وأصبح متألمًا منه، أو كان المرض الذي في الإنسان يزيد بسبب الماء؛ كمَن به حروق، أو كان هناك حاجة إلى الماء؛ كمَن كان عنده ماء قليل يحتاج إليه في شربه أو في طبخ طعامه أو في إسقاء بهائمه؛ فإننا حينئذٍ نقول: يجوز له أن ينتقل إلى التيمم.

ذكر المؤلف هنا صفة التيمم؛ والمراد بالتيمم: قصد الصعيد الطيب من أجل رفع الأحداث رفعًا مؤقتًا.

قال: "فينوي الطهارة"؛ يعني أن أول فروض التيمم هو النية؛ وذلك لأن الأعمال لا تصح إلا بنية، لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[3]، فإذا لم ينوِ الإنسان الطهارة بتيمُّمه، فإنه حينئذٍ لا يصح تيمُّمه؛ إذ النية شرط في التيمم، وهذا هو المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة.

صفة التيمم

ثم يقول: "باسم الله"؛ يعني أنه إذا نوى التيمم، ونوى الطهارة بتيمُّمه؛ يُسمِّي. وهذه التسمية أُخذت بالقياس على الوضوء، والصواب أن هذه التسمية ليست واجبة، وأنها مستحبة، وليست بواجبة لا في الوضوء ولا في التيمم، لعدم ثبوت الدليل الدال على إيجابها؛ فإن حديث: لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله[4] حديث لا يثبت عن النبي ، ورد بطرق مختلفة؛ أحدها: ضعيف، وباقيها: ضعيف جدًّا؛ فلا يتقوى بعضها ببعض.

قال: "ويضرب الأرض مرة واحدة"؛ يعني: ظاهر كلام المؤلف أن التيمم لا يكون إلا على الأرض، وذلك أنه يُفسِّر "الصعيد الطيب" بأنه يُراد به الأرض؛ فيدخل على كلام المؤلف الحجر والصخر والرمل، كما هو مذهب الإمام مالك.

ما يصح التيمم به

فإن الفقهاء قد اختلفوا فيما يصح التيمم به على ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: بأن التيمم لا يكون إلا بالتراب وحده، وهذا هو مذهب الإمام الشافعي وأحمد؛ واستدلوا على ذلك بقول النبي : وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا[5]؛ قالوا: فلما اقتصر على ذِكر التربة؛ دل على أن التيمم لا يكون إلا بالتربة فقط.
  • والقول الثاني: بأن التيمم يكون على كل ما كان من جنس الأرض، فيشمل الصخر ويشمل الرمل، وهذا هو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ وقد يستدلون على ذلك بأن النبي في أسفاره كان يمر بالرمال، ولم يُعهَد أنه كان ينقل التراب من أجل أن يتيمم به، ويكتفي بالتيمم على الرمل.
  • والقول الثالث: بأنه يصح التيمم على كل ما صعد على الأرض، وهذا قول مشهور في مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ ولعله أرجح الأقوال؛ لعدد من الأدلة:
  1. الدليل الأول: أنه ظاهر قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]؛ فإن الصعيد هو كل ما صعد على الأرض، فكل ما صعد جاز التيمم عليه.
  2. والدليل الثاني: أنه قد ثبت أن النبي ضرب بيديه على جدار، وضرب بيديه على الرحل في التيمم، فدل ذلك على جواز الضرب على هذه الأمور.

ومن ثم؛ فإن الصواب من أقوال أهل العلم: أنه يجوز في التيمم أن يضرب الإنسان على كل ما صعد على الأرض، سواء كان من جنسها أو من غير جنسها.

وأما حديث: وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا[6] فهذا من الاستدلال بمفهوم اللقب؛ لأن كلمة "تربتها" هذا اسم ذات، وإذا عُلِّق الحُكم على ذات، فإنَّ قَصْرَ الحُكم على تلك الذات يُسمَّى "مفهومَ لقبٍ"، وجمهور أهل العلم على أن مفهوم اللقب لا يُحتجُّ به، ولا يُؤخذ منه حُكم شرعي.

وقوله: "مرة واحدة"؛ أي أن الضارب على الأرض يكتفي بضربة واحدة، وقد ورد في بعض الأحاديث الضربُ مرتَين، ولذلك اشترط بعض الأئمة أن يكون الضرب في التيمم ضربتَين، ولكن قد ثبت في حديث عمَّار : أن النبي ضرب على الأرض مرة واحدة، فمسح بوجهه وكفَّيه، وقال: إنما يكفيك هكذا[7]؛ فدل ذلك على جواز الاقتصار على ضربة واحدة، وأن الضربة الثانية ليست بواجبة.

وقالت طائفة بتضعيف روايات الضربة الثانية؛ ولذلك لم يَرَوْا مشروعيتها[8].

ثم قال: "يمسح بها جميع وجهه وكفَّيه"؛ يعني أن المتيمم يمسح جميع وجهه، والمراد بالوجه ما تحصل به المواجهة، فكل ما حصلت به المواجهة وجب على المتيمم أن يمسحه.

وقوله: "وكفَّيه"؛ ظاهر هذا أن المتيمم يقتصر في التيمم على مسح الكفَّين، وأنه لا يمسح الذراعَين، كما هو مذهب الإمام أحمد وطائفة. وبعض أهل العلم قال: لا بُدَّ من مسح الذراعَين إلى المرفقَين؛ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] في آية الوضوء؛ قالوا: قُيِّدت هذه الآية بكون الغسل إلى المرفقَين، فنحمل المطلق على المقيد؛ فنقول إن قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ... [النساء:43] يكون إلى المرفقَين؛ لأن المطلق يُحمَل على المقيد.

والصواب أن التيمم يُقتصَر فيه على الكفَّين، وأما حَمْل المطلق على المقيد هنا فيُخالف القواعد الأصولية، وذلك لأن الحُكم هنا مختلف؛ ففي الوضوء: الحُكم متعلق بالغسل، وفي التيمم: الحُكم متعلق بالمسح؛ ومتى اختلف الحُكم بين المطلق والمقيد، لم يصح حَمْل المطلق على المقيد. ويدل على ذلك أن النبي اكتفى بمسح كفَّيه، ولم يثبت عنه مسح الذراعَين، وما ورد من الروايات بمسح الذراعَين فإنها روايات شاذة خالفت رواية الثقات.

وإذا فعل ذلك كفاه؛ بمعنى أنه يجوز له أن يفعل الأفعال التي يُشترط لها الطهارة، وينوب التيمم مناب طهارة الماء في كل شيء إذا لم يجد الإنسان الماء؛ لقول النبي : الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فَلْيُمِسَّه بشرته[9]؛ فدل هذا الحديث على أن التيمم تحصل به الطهارة، وأنه ليس مجرد مُبِيحٍ لفعل ما تُشترط له الطهارة؛ لأن النبي جعله طهورًا. وفي هذا دلالة على أنه لا يجب على الإنسان أن يُعيد التيمم كلما دخل وقت صلاة أخرى، وأن التيمم لا ينتقض إلا بوجود ناقض من نواقض الوضوء، أما إذا لم يوجد ناقض فإن الأصل بقاء حُكم التيمم.

والتيمم كما يُجزئ عن الوضوء لفاقد الماء أو العاجز عن استعماله، كذلك يُجزئ عن الاغتسال؛ فلو قُدِّر أن مَن به جنابة لم يجد الماء، أو خشي أن يتضرر من استعمال الماء لوجود جرح به إذا اغتسل؛ فإنه يجوز له أن ينتقل إلى التيمم؛ وقد ثبت في الحديث: أن عمرو بن العاص  خرج بأصحابه، فأصابته جنابة، فخشي على نفسه إن هو اغتسل من شدة البرد، فانتقل إلى التيمم، وصلى بأصحابه، فلما عاد إلى النبي أخبره بذلك، فأجازه النبي ولم يُنكِر عليه[10].

وقد ورد في الحديث أن اثنين من صحابة رسول الله أجنَبَا، فتمرغ أحدهما بالتراب، فأوصل التراب إلى جميع أجزاء بدنه، ظانًّا أن التراب لا بُدَّ من إيصاله لجميع البدن، كما أن الاغتسال لا بُدَّ من وصول الماء فيه إلى جميع البدن، فلما رجعَا إلى النبي وصف لهما التيمم، وقال: إنما يكفيك هكذا[11].

هكذا أيضًا التيمم ينوب مناب تغسيل الميت، فلو قُدِّر أن ميتًا من الأموات عُجز عن تغسيله، إما لعدم الماء، أو لكونه يتضرر من استعمال الماء؛ كمَن كان ميتًا بسبب الحروق، فإنه إذا غُسِّل بالماء تفرقت أجزاء بدنه ولم يتماسك؛ فحينئذٍ نقول: يُيَمَّم هذا الميت، ويُقتصَر بذلك عن تغسيله.

هذا ما يتعلق بأحكام هذا الباب، ونواصل -إن شاء الله- في يوم آخر.

أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لخيرَي الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وأن يجعلنا وإياكم من الهُداة المهتدين، وأن يُصلح لنا شأننا كله، وأن يُوفق ولاة أمور المسلمين للحُكم بشريعته والعمل بسنة نبيه .

^1 رواه أبو داود: 66، والترمذي: 66، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 60.
^2 رواه أبو داود: 83، والترمذي: 69، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 76.
^3 رواه البخاري: 1، واللفظ له، ومسلم: 1907.
^4 رواه أبو داود: 101، وأحمد: 9418، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف.
^5 رواه مسلم: 522.
^6 سبق تخريجه.
^7, ^11 رواه البخاري: 347، ومسلم: 368.
^8 رواه الدارقطني: 685، وضعفه الألباني في الجامع الصغير: 6267.
^9 رواه الترمذي: 124، وقال: حديث حسن صحيح.
^10 رواه أحمد: 17812، وقال محققو المسند: حديث صحيح.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©