تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

كتاب الزكاة – من قوله: "وهي أحد أركان الإسلام.." (08)

... وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:

بعد أن أكملنا بفضل الله ​​​​​​​ ما يتعلق بـ"كتاب الصلاة"، نتدارس سويًّا في هذا اليوم بإذن الله تعالى "كتاب الزكاة".

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

قال المصنف رحمه الله تعالى، ووالدينا، وشيخنا، والسامعين:

كتاب الزكاة

كتاب الزكاة:
وهي أحد أركان الإسلام، وهي فرض على كل مسلم، صغير أو كبير، عاقل أو غيره، عنده مال زكوي كامل النصاب وقد حال عليه الحول، وذلك في أربعة أصناف:
أحدها: المواشي من الإبل والبقر والغنم، إذا كانت للدَّرِّ والنسل، وبلغت نصابًا.
فنصاب الإبل: خمسٌ وفيها شاةٌ، ثم في كل خمسٍ شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مَخَاض وهي التي تم لها سنة، وفي ست وثلاثين بنت لَبُون لها سنتان، وفي ست وأربعين حِقَّة لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جَذَعة لها أربع سنين، وفي ست وسبعين ابنتا لَبُون، وفي إحدى وتسعين حِقَّتان، وفي إحدى وعشرين ومائة ثلاثُ بناتِ لَبُون، ثم يستقر السن الأوسط، في كلِّ أربعين بنتُ لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة.
وأما نصاب البقر: فثلاثون فيها تَبِيعٌ له سنة، وفي أربعين مُسِنَّة لها سنتان، ثم في كل ثلاثين تبيعٌ، وفي كل أربعين مسنةٌ.
وأما نصاب الغنم: فأربعون فيها شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدةٍ ثلاثُ شياه، ثم في كل مائة شاة، وما بين الفرضين في جميع هذه المسائل عفوٌ لا شيء فيه.
فصل:
وأما النوع الثاني، فهو الخارج من الأرض من حبوب وثمارٍ مَكِيلة مُدَّخرة، فنصابها خمسةُ أَوْسُق، وهي ثلاثمائة صاعٍ بصاع النبي ، فتجب زكاتها إذا بلغت ذلك وقتَ الحصاد والجُذاذ: عُشْرٌ كامل فيما سُقي بلا مُؤْنة كالأنهار والأمطار وما كان بَعْلًا يَشْرب بعُرُوقِه، ونصف العشر إذا كان يُسقى بمُؤْنة، كالذي يُسقى بالنَّضْح والمكائن، ونحوها.
فصل:
النوع الثالث والرابع: زكاة النقدين، وعُرُوض التجارة: ونصابها خمسُ أواقٍ من الفضة، ومقدارها في الريال العربي: ست وخمسون ريالًا، وما كان مقدارَها من العروض.
والعُرُوض: كلُّ ما أُعد للبيع والشراء لأجل الربح، من حيوان وأثاث وسلع وغيرها، حتى العقارات إذا قُصد بها العروض، فإذا تم الحول قَوَّم ما عنده من عروض التجارة وضمَّها إلى ما عنده من النقد وأخرج من الجميع ربع العشر، والله أعلم.
وقد فرض زكاة الفطر: صاعًا من طعام، أو تمر، أو زبيب، أو أَقِطٍ، أو شعير، على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والرقيق، وأمر أن تُؤدى قبل صلاة العيد[1]، وكان الصحابة يُخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين.
فصل:
والمستحقون للزكاة هم الثمانية المذكورون في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:60]، لا تُصرف لغير هؤلاء المذكورين من طرق الخير.
فصل:
وأما البيت الذي يسكنه الإنسان، والعقار الذي يقتنيه، والفُرُش والأواني التي يستعملها، والحيوانات غير الإبل والبقر والغنم؛ فلا زكاة فيها، إلا إذا كانت للتجارة فتُزكَّى زكاة عُرُوضٍ. والله أعلم.

حكم الزكاة

الزكاة ركن من أركان دين الإسلام، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي قال: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا[2].

وقد تواترت النصوص بإيجاب الزكاة، وبيان أنها فريضة، قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، وقال سبحانه: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ۝ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7].

وجاء في الحديث: أن النبي قال: ما مِن صاحبِ ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا أُتي به يوم القيامة وقد وسع جلده فكوي بذهبه وفضته جلده وجبينه وجنبه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يُرى ما مصيره: إلى جنة أم إلى نار[3].

وقد ثبت أن أبا بكر الصديق قاتل بعض العرب لكونهم امتنعوا من دفع الزكاة، مما يدل على أن الزكاة فرض متحتم، وأن من أنكر وجوبها أو أنكر دفعها إلى صاحب الولاية؛ فإنه يُقاتل على ذلك.

والزكاة حق مالي متعلق بالأموال، بغض النظر عن مالِكِ ذلك المال؛ ومن هنا فإن الزكاة تجب في مال الكبير وفي مال الصغير، وتجب في مال العاقل وفي مال المجنون، عند جماهير أهل العلم، قالوا: لأن الله جل وعلا قد علَّق الزكاة بالمال، ولم يُفرِّق بين كون مالِكِ المال مُكلَّفًا أو غير مُكلَّف؛ قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الزكاة لا تجب إلا في مال المكلفين، فلا تجب في مال مجنون أو صغير، وقال: لأن هؤلاء لا يتوجه إليهم الخطاب، والقلم قد رُفع عنهم.

ولعل القول الأول -قول الجمهور- بإيجاب الزكاة في أموال الصغار والمجانين أقوى وأرجح دليلًا؛ وذلك لأن تعلُّقَ وجوب الزكاة بالمال من خطاب الوضع، وخطاب الوضع ليس مما يُشترط له التكليف، والمخاطَب بإخراج الزكاة في الحال وليُّ الصغير وولي المجنون، فإذا بلغ الصغير أو عقل المجنون ووليُّه لم يُخرِج زكاة ماله فيما مضى؛ أخرجها هذا الصغير بعد بلوغه وهذا الشخص بعد عَقْله.

شروط وجوب الزكاة

تجب الزكاة بشروط:

  • الشرط الأول: أن يكون هناك مال زكوي، فإذا كان ما يملكه الإنسان ليس من الأموال الزكوية؛ فحينئذ لا تجب الزكاة عليه.
  • والشرط الثاني: أن يكون ما يملكه المالك قد بلغ النصاب؛ فإن كل نوع من أنواع الأموال الزكوية قد جعل الشارع الزكاة في الكثير منها، أما القليل فلا زكاة فيه، وجعل هناك حدًّا فاصلًا بينهما.
    وقد جاء في الصحيح: أن النبي قال: لا زكاة فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل، ولا زكاة فيما دون خمسة أوسق من الحَبِّ[4]، فدل هذا على أن الزكاة لا تجب إلا في النصاب.
  • الشرط الثالث: أن يَحُول الحَوْلُ على المال، فإذا ملك الإنسان مالًا ولم يَدُر عليه الحول فإنه لا تجب عليه الزكاة. وقد ورد في حديثٍ عند أهل السنن بأسانيد مختلفة يُقوِّي بعضها بعضًا: أن النبي قال: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول[5].

ويُستثنى من ذلك الخارج من الأرض؛ فإنه يجب بمجرد خروجه؛ لقوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، فتجب زكاته يوم الحصاد ولو لم يكمل سنة كاملة.

وكذلك يُستثنى من شرط الحول: رِبح التجارة؛ فإنه لا يُشترط أن يكون قد مر عليه حول كامل، فحول الربح هو حولُ أصلِ المال.

الأصناف التي تجب فيها الزكاة

ذكر المؤلف الأصناف من المال التي تجب فيها الزكاة، فإننا قد قلنا فيما مضى: إن الزكاة لا تجب إلا في الأموال الزكوية، فما هي الأموال الزكوية؟

هي أربعة أنواع:

  • الأول: المواشي، بهيمة الأنعام.
  • والثاني: الخارج من الأرض.
  • والثالث: عروض التجارة.
  • والرابع: النقود.

فهذه الأنواع الأربعة من المال تجب الزكاة فيها، وأما ما عداها فإنه لا زكاة فيه.

النوع الأول: بهيمة الأنعام

أما النوع الأول: فهو بهيمة الأنعام، فالمراد بها: البقر، والغنم، والإبل، فمَن ملك نصابًا من هذه الأصناف فإنه يجب عليه أن يُزكيه، ويُلحَق بها ما كان يأخذ حكمها، فيُلحق بالبقر مثلًا: الجواميس، ويُلحق بالغنم: الماعز، وهكذا ما ماثلها.

شرط الزكاة في بهيمة الأنعام

ويُشترط في إيجاب الزكاة في بهيمة الأنعام أن تكون سائمة، عند جمهور أهل العلم؛ لقول النبي : في سائمة الغنم؛ في كل أربعين شاةً: شاةٌ[6]، فدل هذا على تخصيص الحكم بالسائمة. والمراد بالسائمة: التي ترعى.

فأما إذا كانت بهيمة الأنعام لا ترعى ووُضعت في حوش وكان صاحبها يأتي بالعلف لها؛ فلا زكاة فيها. وأما إذا كانت ترعى بعض الحول دون جميعه، فننظر: إن كانت ترعى نصف السنة فتجب زكاتها، وإن كانت لا ترعى إلا أقل من نصف السنة فلا زكاة فيها؛ لأن العبرة بالغالب.

بعض الفقهاء لم يشترط هذا الشرط -شَرْطَ السَّوم- وبناه على عدم قوله بحُجِّية مفهوم المخالفة، ولكن الأظهر من أقوال الأصوليين: إن مفهوم المخالفة ودليل الخطاب حجة يُعمل به وتُبنى الأحكام الشرعية عليه.

قال المؤلف: "إذا كانت للدَّرِّ والنسل"؛ مالك بهيمة الأنعام على نوعين: منهم من يملكها للتجارة، يريد أن يبيعها؛ فهذا يجب عليه أن يُزكيها زكاة عروض التجارة. وزكاة عروض التجارة أكثر من زكاة بهيمة الأنعام. ومن هنا؛ فإن بهيمة الأنعام متى نوى مالكها بيعها فهي من عروض التجارة، تُزكى زكاة عروض التجارة، ولا بد أن تبلغ هذه الأموال نصابًا، فإن كانت لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها.

فلا زكاة في أقلَّ مِن خمسٍ من الإبل، لو ملك الإنسان أربعًا من الإبل لن تجب عليه زكاة فيها؛ لأن نصاب الإبل خمس.

وهكذا لو ملك الإنسان تسعة وعشرين من البقر لن تجب الزكاة فيها؛ لأن نصاب البقر ثلاثون.

وهكذا لو ملك الإنسان تسعة وثلاثين من الغنم لن تجب الزكاة فيها؛ لأنه لم يملك النصاب.

نصاب زكاة الإبل

والواجب في الإبل إذا بلغت خمسًا: شاة واحدة، فإذا بلغت عشرًا وجب فيها شاتان، وإذا بلغت خمسة عشر وجب فيها ثلاث شياه، وإذا كانت عشرين من الإبل وجبت أربعٌ من الشياه، وإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي ما تم له سنة من أبناء الإبل.

لو كان هناك زيادة، أو كان هناك عدد بين العددين السابقين؛ كمن ملك سبعًا أو ثمانيًا من الإبل؛ فإننا لا نحسب الزائد، يُقال له: "وَقَصٌ"، و"الوَقَصُ" لا يُحتسب في الزكاة؛ وبالتالي فإن الواجب على مَن ملك سبعًا أو ثمانيًا هو نفس الواجب على مَن ملك خمسًا من الإبل.

نصاب زكاة البقر

ذكر المؤلف أنصاب الإبل والواجب في كل واحد منها، ثم ذكر نصاب البقر وذكر أن مَن ملك ثلاثين وجب عليه تَبِيعٌ أو تَبِيعةٌ.

والمراد بـ"التبيع": ابن البقر الذي يكون له سنة، ولا فرق في هذا بين أن يكون ذكرًا أو أنثى.

فإذا بلغت البقر أربعين فالواجب فيها مُسِنَّة، أنثى، لا يُجزئ الذكر، وهي التي لها سنتان. ثم بعد ذلك في كل ثلاثين يجب تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.

نصاب زكاة الغنم

ثم ذكر ما يتعلق بنصاب الغنم، فنصاب الغنم أربعون، لا تجب الزكاة في أقل منها، وتجب فيها شاة، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين فالواجب فيها شاتان، ثم إذا بلغت مائتين وواحدة فالواجب فيها ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة بحيث يكون في كل مائة من الغنم شاة، فمن كان عنده أربعمائة من الغنم فإنه يجب عليه أن يُزكي بأربع شياه، وهكذا.

ورد في هذا حديثٌ عن أنس بن مالك، أن أبا بكر الصديق كتب كتابًا فيه فرائض الصدقة، ونسبه للنبي ، وذكر فيه ما يتعلق بزكاة الإبل وزكاة الغنم[7].

وأما البقر فقد ورد فيها حديث معاذ بن جبل [8].

وينبغي أن يُعلم بأنه لا يُخرج في الزكاة المريضة أو ذات عيب أو الكبيرة الهرمة أو الصغيرة، وإنما يُخرج من أوساط المال، طَيِّبًا، وزكاةً، وسنًّا.

النوع الثاني: الخارج من الأرض

ثم ذكر المؤلفُ النوعَ الثاني من الأموال الزكوية، وهو الخارج من الأرض؛ لقوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267]، وهذا يشمل عددًا من أنواع الأموال: أولها: الحبوب والثمار؛ لقوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ[الأنعام:141]، ويقول النبي مبينًا مقدار النصاب في زكاة الحبوب والثمار: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة[9].

شروط الزكاة في الخارج من الأرض

فإذا تقرر هذا، فنقول: إن الزكاة لا تجب في جميع ما ينبت في الأرض، وإنما تجب الزكاة إذا وُجد شرطان:

الشرط الأول: أن تكون مكيلة

الشرط الأول: أن تكون مكيلة، أي أن المعيار الذي يستعمله الناس في عهد النبوة في هذه السلعة لمعرفة مقياسها هو الحجم، فيُستعمل فيها الصاع، أو يُستعمل فيها المُد، أو يُستعمل فيها الوَسْق، أو نحو ذلك؛ وذلك لأن النبي قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة[10]، فدل هذا على أن المعتبر هو تلك الأصناف المكالة.

عند الإمام أبي حنيفة: أن الزكاة في قليل الخارج من الأرض أو كثيره، قال: لأن الآية عامة: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، ولا يصح لنا أن ننسخ القرآن بواسطة خبر آحاد.

والجمهور يقولون: هذا ليس نسخًا، وإنما هو تخصيص، فهو بيان؛ لأن التخصيص من أنواع البيان. وهذا يرجع إلى قاعدة عند الأصوليين، وهي: الزيادة على النقص: هل هي نسخ أو لا؟ فإن حديث النصاب فيه زيادة على ما في الآية، فهذه الزيادة على النص هل تُعتبر نسخًا فنقول بأن القرآن لا يُنسخ بخبر الآحاد؟ أو نقول: إن الزيادة على النص ليست نسخًا وإنما هي بيان؛ ومن ثم لا مانع من بيان القرآن بأخبار الآحاد؟

ولعل قول الجمهور في هذه المسألة أقوى، فتكون الزيادة على النص ليست نسخًا.

قلنا: إن النِّصَاب هو خمسةُ أوسق، والوَسْق: ستون صاعًا، فيكون النصاب: ثلاثمائة صاع، والصاع: أربعة أمداد، والمد: ملء اليدين المعتدلتين.

وقد حدد كثير من أهل المكاييل المعاصرين بأن الصاع قرابة اللتر والربع، فإذا ملك الإنسان هذا المقدار من الخارج من الأرض وجب عليه أن يُزكيه.

وهل يصح لنا أن نُحدد ذلك بواسطة المكاييل المتعلقة بالوزن كالجرام والكيلو؟ نقول: هذا لا يصح، لماذا؟ لأن السلع متفاوتة في كثافتها، فهناك فرق بين صاع التمر وصاع البر وصاع السُّلْت وغيرها من أنواع الحبوب، وهي صاع واحد، لكن وزنها متفاوت تفاوتًا كثيرًا لاختلاف كثافتها.

وينتبه أهل الاستراحات ونحوها؛ قد يكون عندهم نخيل فتجب عليهم زكاته وهم لا يعلمون وجوب الزكاة فيها.

الشرط الثاني: أن تكون مدخرة

لا بد أن تكون السلعة التي نوجب إخراج الزكاة فيها مدخرة، أي يمكن حفظها، أما تلك السلع التي لا يمكن حفظها بواسطة الوسائل المعتادة فهذه لا تجب الزكاة فيها، وذلك من أمثلة الطماطم، فهذا لا زكاة فيه، لِمَ؟ لأنه غير مدخر.

البرتقال هل فيه زكاة؟ نقول: لا زكاة فيه؛ لأنه غير مدخر.

التفاح لا زكاة فيه؛ لأنه غير مدخر.

العنب فيه زكاة أو لا؟ نقول: فيه زكاة؛ لأنه يمكن ادخاره بوضعه زبيبًا.

التمر فيه زكاة؛ لأنه يمكن ادخاره.

البطيخ لا زكاة فيه؛ لأنه ليس بمكيل ولا مدخر.

ورد في خبر أن النبي لم يكن يأخذ الزكاة من الخضراوات[11]، لكن هذا الخبر لأهل العلم في إسناده كلام.

مقدار الزكاة الواجبة في الخارج من الأرض

قال: ما مقدار الزكاة الواجبة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار؟ إذا كان الإنسان يسقيها بكلفة وتعب؛ فحينئذ الواجب فيها نصف العشر، خمسة في المائة.

ومن أمثلة ذلك: ما لو قد حفر لها بئرًا، فهو يستخرج الماء من البئر إما بواسطة النضح أو الحيوانات التي تُخرج الماء، أو بواسطة المكائن التي ترفع الماء، فهذا فيه تعب وكلفة؛ فالواجب فيه نصف العشر.

ومثله أيضًا: ما لو وضع إنسان دينامو على النهر، من أجل أن يرفع ماء النهر ليصل إلى مزرعته، فهذا فيه كلفة ومشقة؛ ومن ثم يجب على صاحبه نصف العشر، وهكذا من يُحضر الماء بواسطة السيارات التي تنقل الماء؛ فهذا لا يجب عليه في الزكاة إلا نصف العشر.

أما إذا كان المرء يسقي زروعه وأشجاره بلا كلفة ولا مشقة، بل هي تسقي نفسها، فالواجب فيها حينئذ العشر، عشرة في المائة. ومن أمثلة ذلك: ما لو كانت الحبوب أو الأشجار تعتمد على الأمطار، أو عندها نهر يغمرها ما بين وقت وآخر، فحينئذ نقول: الواجب فيها العشر.

ومن أنواع الخارج من الأرض: ما لو وجد الإنسان رِكازًا، وهو مال من أموال أهل الجاهلية مدفون في الأرض؛ فإنه يجب على الإنسان أن يُخرج فيه الخُمس، مقدار عشرين في المائة.

النوع الثالث: عروض التجارة

النوع الثالث من أنواع الأموال الزكوية: عروض التجارة؛ فإن من ملك سِلعة وهو يريد أن يبيعها، وبقيت عنده سنة كاملة؛ وجب عليه أن يُزكيها. ومثال ذلك: من كان عنده سيارات يريد أن يبيعها؛ فإنه إذا تم عليها حول وجب عليه أن يُزكي تلك السيارات، وزكاتها بأن يعرف قيمتها في السوق في يوم حولها، ثم يُخرج الزكاة بناءً على ذلك، ومقدار الواجب فيها: اثنان ونصف في المائة، فيُقسم قيمة هذه السلع التجارية على أربعين، فيكون الناتج هو الواجب عليه في الزكاة.

ومن أمثلة ذلك: العقارات، فإذا كان عند الإنسان عقارات من أراضٍ أو عمائر أو بيوتات أو نحو ذلك، فهل تجب عليه الزكاة فيها؟

نقول: ننظر، إن كان قد نوى بيعها، وبقيت سنة كاملة بعد هذه النية، وجب عليه أن يُزكيها، فيعرف قيمتها في يوم تمام الحول، ويُخرج الزكاة بناءً على ذلك.

وأما إذا لم يكن قد نوى بيعها، فحينئذ نقول: لا زكاة فيها. ومن أمثلة ذلك: ما لو نوى بعقاره أن يسكنه، أو نوى بعقاره أن يبنيه لحاجته، أو نوى بعقاره أن يبنيه ليؤجره وبدون أن ينوي بيعه، أو لم يكن لديه نية محددة في هذا العقار، فهو لا يدري ماذا يفعل به؛ ففي هذه الأحوال لا تجب الزكاة في هذا المال.

الدليل على إيجاب الزكاة في عروض التجارة

والدليل على إيجاب الزكاة في عروض التجارة هو قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267]، وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

وقد حُكي إجماع الصحابة والتابعين على القول بإيجاب الزكاة في عروض التجارة، والقول بإيجاب الزكاة في عروض التجارة هو مذهب جماهير أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وحُكي عن بعض الظاهرية أنه يُخالف في هذا، لكنه محجوج بهذه الأدلة الواردة في الباب.

روى أبو داود في "سننه" أن النبي كان يأمر بإخراج الزكاة مما نعد للبيع[12]، لكن هذا الحديث في إسناده راوٍ مجهول، ومن ثم لم يكن مبنى الحكم في هذا الباب.

النوع الرابع: النقد

النوع الرابع من أنواع الأموال الزكوية: النقد، فمن كان عنده نقد، وجب عليه أن يُزكيه. ومن أمثلة النقد: الذهب والفضة، وهكذا أيضًا ما أُلحِق بهما من أنواع النقد الورقي الذي يُستخدم في عصرنا الحاضر؛ فإن الله تعالى قال: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُم هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

وتواترت النصوص عن النبي في بيان تعلق الزكاة بالنقدين.

مقدار زكاة النقدين

إذا تقرر هذا، فإن المقدار من الزكاة في النقدين هو ربع العشر اثنان ونصف في المائة، فإذا كان عند الإنسان مال نقدي قسمه على أربعين، والناتج هو الواجب عليه في الزكاة.

لقد مَنَّ الله على المؤمنين بأن أوجب عليهم الزكاة، خصوصًا في النقدين وفي عروض التجارة؛ فإنه يترتب على ذلك مصالح كثيرة عديدة، من تلك المصالح: أن المال يزكو وينميه رب العزة والجلال؛ فإن المتصرف في هذه الأموال هو الخالق جل وعلا، وقد أخبر بأن المال الذي تُخرج زكاته يُبارك فيه، وأما المال الذي لا تُخرج زكاته فإنه لا بركة فيه.

ثم إن الزكاة تُطهر نفس صاحبها، فتنفي عنه تلك الصفات الذميمة من الشح والبخل ونحوهما.

هكذا أيضًا الزكاة؛ فيها مراعاة لحاجة الفقير وأصحاب الحوائج، الزكاة فيها ربط لأفراد المجتمع بعضهم ببعض، الزكاة فيها إنعاش اقتصادي؛ لأن المال ينتقل من واحد إلى آخر، فإذا دار المال في الناس انتعشوا وحَيُوا وبقي المال بين أيديهم، بخلاف ما إذا تركز المال في يد طائفة قليلة؛ فإنه حينئذ لا يكون هناك ازدهار اقتصادي.

ولذلك؛ من أسباب هذه الأزمات المالية في العالم، كما كان من أسبابها: الربا، والبيوع على البيوع، وهكذا أيضًا كان من أسبابها عدم إيجاب الزكاة في الأموال.

نصاب النقدين

والنقدان لا تجب الزكاة فيهما إلا إذا بلغا نصابًا؛ لقول النبي : ليس في مائة وتسعين درهمًا زكاة، وفي مائتين درهمًا من الفضة خمسة دراهم[13].

فدل هذا على أن نصاب الفضة هو مائتا درهم. ومائتا درهم بحسب الوزن الحاضر قرابة خمسمائة وثمانين جرامًا؛ فمن ملك من الفضة خمسمائة وثمانين جرامًا وجب عليه أن يُزكي.

وهكذا في الذهب؛ فإن النصاب فيه عشرون مثقالًا، فمن ملك عشرين دينارًا وجب عليه أن يُزكي هذا الذهب، ومن كان لا يملك إلا أقل من هذا المقدار فلا زكاة عليه، وهذا بحسب الأوزان الحالية قرابة التسعين جرامًا؛ فمن ملك تسعين جرامًا من الذهب وجب عليه أن يُزكيه.

وإذا كان عند الإنسان ذهب وفضة فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، ومثله أيضًا في الحبوب والثمار، تُضم بعض الأنواع إلى بعضها الآخر في تكميل النصاب على الصحيح.

نصاب الورق النقدي

وأما بالنسبة للورق النقدي، فإنه لا تجب الزكاة فيه إلا إذا كان ما يملكه الإنسان قد بلغ الأقل من نصاب الفضة أو نصاب الذهب، فينبغي للإنسان أن يعرف عند وجود يوم الحول، يسأل الإنسان عن قيمة الجرام من الذهب، وقيمة الجرام من الفضة ليعرف النصاب فيها؛ لأن قيمة جرام الذهب وقيمة جرام الفضة تختلف ما بين يوم وآخر، ولا يمكن إعطاء قاعدة واحدة فيها، والمرجع في ذلك إلى أصحاب الصنف، وهم الصاغة الذين يبيعون الذهب والفضة.

وزكاة الورق النقدي: تُضم بعض الأجناس مع بعضها الآخر في تكميل النصاب، فمن كان عنده ذهب وفضة وريالات ودولارات وجنيهات ودنانير، فإنه يُكمل بعضها بعضًا في تكميل النصاب.

وليُعلم أن انتقال المال من كونه عروض تجارة إلى كونه نقودًا أو العكس؛ لا يقطع الحول، فلو كان الإنسان عنده سلع تجارية فباعها وأخذ نقودًا، ثم اشترى سلعًا أخرى ثم باعها وأخذ نقودًا؛ فهنا في كل هذه الأحوال لم ينقطع الحول؛ لأن حول عروض التجارة والنقدين واحد، لا ينقطع بانقلاب المال من أحدهما إلى الآخر.

زكاة الفطر

ثم ذكر المؤلف ما يتعلق بزكاة الفطر، وزكاة الفطر زكاة متعلقة بالبدن، يُخرجها الإنسان مرة في السنة قبيل صلاة عيد الفطر.

وزكاة الفطر من الأمور المفروضة؛ فرضها رسول الله طُعمةً للمساكين وطُهرةً للصائم من اللغو والرفث الذي حصل منه في أثناء صومه.

وقت إخراج زكاة الفطر

وزكاة الفطرِ وقتُ الوجوب فيها ليلة غروب الشمس من ليلة عيد الفطر، ويجوز للإنسان أن يُخرجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ولا يُجزئ قبل ذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولو أن بعض الفقهاء أجاز أن تُخرج في طول الشهر، ولكننا نرى أن هذا قول مرجوح؛ لأن الأصل في إخراج زكاة الفطر الاعتماد على الدليل، وقد ورد أنهم كانوا في عهد النبوة يُخرجون زكاة الفطر قبل العيد بيوم ويومين، فدل هذا على أنه لم يكن من شأنهم أن يُخرجوا زكاة الفطر قبل هذا الوقت.

وزكاة الفطر لا بد من إخراجها قبل صلاة العيد؛ فإن النبي قال: من أخرجها قبل صلاة العيد فهي زكاة متقبلة، ومن أخرجها بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات[14].

ولو قُدِّر أن إنسانًا قد نسيها، فلم يتذكر إلا بعد صلاة العيد، فنقول: إن تذكَّر في يوم العيد أخرجها في هذا اليوم قضاءً؛ فإن النبي قد ذكر أن من معانيها أن يُكف الناسُ الفقراء عن السؤال في هذا اليوم: أغنوهم عن السؤال في يوم ضيافة الرحمن[15].

ما هو الواجب إخراجه في زكاة الفطر؟

وما هو الواجب إخراجه في زكاة الفطر؟

الواجب إخراجه: صاع من أصناف أربعة: تمر، أو زبيب، أو أقِطٍ، أو شعير. هل يُجزئ غيرها؟ وهل يجوز للإنسان أن يُخرج في زكاة الفطر غير هذه الأصناف الأربعة؟

اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: بأنه لا يُجزئ إلا هذه الأصناف الأربعة؛ لأنها هي المذكورة في الحديث، فمن أخرج غيرها لم يُجزئه ذلك. وهذا مذهب أحمد وطائفة من أهل العلم، وعندهم أن من أخرج ذُرَة أو أخرج أرزًا أو غير ذلك من الأصناف لا يُجزئ؛ لأنه ليس من هذه الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث.
  • القول الثاني في هذه المسألة: إنه يجوز إخراج كل صنف يكون قوتًا، فالأصناف التي تكون قوتًا يجوز إخراجها في زكاة الفطر. ومن هنا فإن الناس إذا كانوا يقتاتون صنفًا من الأصناف وجعلوه وجبتهم الرئيسية التي يقتاتون عليها؛ فلا بأس من إخراج زكاة الفطر منها على هذا القول، من مثل الأرز ونحوه.
    واستدلوا على ذلك بأن النبي قال عن صدقة الفطر: طُعمة للمساكين، فيشمل جميع أنواع الطعام الذي يُقتات؛ ولأنه قد ورد في حديث أبي سعيد قال: فرض رسول الله صدقة الفطر صاعًا من طعام[16]، فتشمل الأطعمة التي يقتاتها الناس.
  • والقول الثالث في هذه المسألة: إنه يُجزئ حتى إخراج القيمة، وقالوا: لأن المعنى إغناء الفقير والمسكين، وإغناؤه بالنقد أحسن عنده من إغنائه بالطعام. والذي يظهر أن هذا قول مرجوح، وأن الراجح هو القول الثاني.

فلماذا لم نقل بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر؟ نقول هذا لأمور:

  • الأمر الأول: أن النصوص الواردة في إيجاب صدقة الفطر نصَّت على أنها طعام، وأنها طُعمة؛ ولذلك نقتصر على مقتضى هذه النصوص.
  • الأمر الثاني: أن الناس عندما يُدفع إليهم الطعام، لا يأخذون إلا حاجة مؤقتة، حاجة اليوم واليومين والثلاثة ونحو ذلك. وأما إذا دُفع إليهم النقد فإنهم لا يقتصرون على القليل، ويريدون من ذلك الزيادة، وتجد الواحد منهم يأخذ ما يكفيه لسنوات ولا يقنعه هذا.
  • والأمر الثالث: أنه عند إخراج صدقة الفطر صاعًا من طعام، لا يأخذها إلا المحتاجون حقيقة، أما عند إخراجها نقدًا فكل من طمعت نفسه في المال ولم يكن عنده وازع أخذ ذلك النقد ولم يتورع فيه.
    وحينئذ نقول: إن المتعين في صدقة الفطر أن يُخرجها الإنسان من الطعام.

على من تجب زكاة الفطر؟

وتجب صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والرقيق، يُخرجها الإنسان عمن تحت يده، وقال كثير من الفقهاء: يُخرجها عمن يَمُونه، أي عمن يدفع نفقته في شهر رمضان.

وبالنسبة للحَمْل الذي يكون في بطن الأم، أخرج عثمان صدقة الفطر عنه[17]، ولم يرد في ذلك شيء صريح؛ ولذلك نقول باستحباب إخراج صدقة الفطر عن الجنين في بطن أمه، ولا نستطيع أن نقول بإيجاب ذلك. أما الاستحباب فاقتداءً بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وأما الإيجاب فلم يرد دليل يدل على إيجابه.

وصدقة الفطر وقت وجوبها هو غروب الشمس في ليلة العيد، لو وُلد للإنسان ولدٌ بعد غروب الشمس في ليلة العيد، فإنه حينئذ نقول: لا تجب عليه صدقة الفطر، وإنما تُستحب، لماذا؟ لأنه لم يكن مولودًا في وقت الوجوب.

مثال آخر: لو تزوج إنسانٌ امرأةً ودخل بها، هل يجب عليه أن يُزكي عنها صدقة الفطر أو لا؟ نقول: إن كان هذا العقد والدخول قبل غروب الشمس من ليلة العيد وجب على الزوج أن يُخرج صدقة الفطر عن هذه المرأة. أما إذا كان العقد والدخول بعد غروب الشمس؛ فإنه حينئذ لا تجب عليه زكاة الفطر عنها، وإنما يجب على أبيها أو أخيها أو من تجب عليه نفقته في ذلك الوقت.

ويجب على مالك الرقيق أن يُخرج زكاة الفطر عمن يملكه من الرقيق. 

أصناف من تدفع لهم الزكاة

ثم ذكر المؤلف من تُدفع لهم الزكاة، وبيَّن أنهم ثمانية أصناف، قد ذكرهم الله بقوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60]، "إنما" أداة حصر، تُفيد أنه لا تُدفع الزكاة إلا لهذه الأصناف الثمانية.

وقوله: "للفقراء" اللام هنا للتمليك؛ فلا بد أن يتملك الفقير الزكاة المدفوعة له.

"والمساكين"، الفقراء والمساكين: هم الذين لا يجدون قدر حاجتهم من أمورهم الأصلية، سواء في مركبهم أو مأكلهم أو مشربهم أو ملبسهم أو مسكنهم أو نحو ذلك.

وقد اختلف الفقهاء: أيهما أشد حاجة: الفقراء أو المساكين؟ فقال الجمهور: إن المساكين أشد حاجة. وقال أحمد: إن الفقراء أشد حاجة. ولعل قول أحمد أرجح في هذه المسألة؛ لأن الفقر مأخوذ من فقرات الظهر، كأنه قد نُزعت فقرة من فقرات الظهر بسبب جوعه؛ ولأن الله جل وعلا قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ [الكهف:79]، فدل هذا على أن المساكين قد يملكون.

ثم قال سبحانه: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60]، أي هذا هو الصنف الثالث ممن تُدفع لهم الزكاة: الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا. والمراد بالعاملين على الزكاة: أولئك الذين يُفوضهم الإمام بقبض الزكاة من أصحاب الأموال لإيصالها لبيت المال؛ فهؤلاء العمال يجوز أن تُدفع أجرتهم من بيت المال، لكن لا يدفعها إلا الإمام، فهو الذي يُقدِّر مقدار أجرتهم، وهو الذي يُبيِّن هل يُعطيهم من بيت المال أو يُعطيهم من الزكاة.

وأما الوكلاء الذين يتوكلون عن الأغنياء في دفع الزكاة إلى الفقراء، أو الوكلاء الذين يتوكلون عن الفقراء في أخذ الزكاة، ومثل هؤلاء موظفو الجمعيات الخيرية؛ فهؤلاء ليسوا من العاملين على الزكاة، ومن ثم لا يجوز لهم أن يأخذوا من الزكاة شيئًا، ولا يحق للقائمين على هذه الجمعيات إعطاؤهم من الزكاة.

وفي قوله: لِلْفُقَرَاءِ، دلالة على أن المال يُدفع للفقير؛ فلا يصح أن يُتصرف في مال الزكاة بأنواع الاستثمار، وإنما يُعطى للفقير ليسد حاجته أو يستثمره فيما يعود عليه بما يسد حاجته؛ ولأن اللام هنا للتمليك فلا بد من تمليكه.

وفي هذا أيضًا دلالة على أن من مات لا يجوز أن تُدفع له الزكاة؛ لو كان هناك إنسان عليه ديون فمات فلا يصح أن تُدفع الزكاة له في سداد دينه، لماذا؟ لأن الله جل وعلا جعل الزكاة تمليكًا، وهنا الغارم لم يملك هذا المال؛ لأن الميت لا يملك المال؛ ومن ثم فلا يصح أن تُدفع الزكاة في هذا.

لكن لو تحمَّل أحدُ قرابة الميت هذا الدَّين، وقال: أنا أتحمله، فحينئذ انتقل الدين من ذمة المتوفى إلى ذمة هذا الحي. وهذا صحيح على الراجح من أقوال أهل العلم، كما هو قول الأئمة الثلاثة، خلافًا للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ففي هذه الحال يجوز دفع الزكاة له.

وقال بعده: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60]، والمراد بهذا: أولئك الذين يحصل بدفع الزكاة لهم خير للإسلام؛ إما بأن يحموا الإسلام، أو يَجْبُوا الزكاةَ ممن وراءهم، أو يكونوا سببًا من أسباب إسلام الآخرين، أو يكون إسلامهم فيه قوة للإسلام والمسلمين ونحو ذلك. وتقدير ذلك لولاة الأمر، فأما أفراد الناس فإنهم لا يُقدِّرون هذا السهم.

ولذلك؛ في عهد عمر رأى أنه لا حاجة لهذا السهم في عهده، قال: لأن الإسلام عزيز، يعني في وقته.

قال: وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60]، يعني يجوز دفع الزكاة في شراء المماليك من أجل عتقهم. وأما إذا كان على الإنسان دية، فهذه الدية إنما تجب على العاقلة، وتؤجل في ثلاث سنين، وتُفرَّق بين أفراد العاقلة، ومن ثم لا يصح أن تُدفَع الزكاة فيها.

ومثل هذا أيضًا: الصلح الذي يكون عن دم العمد، لو قتل إنسانٌ آخر عمدًا فثبت القصاص، فقال أولياء الدم: إذا دفعت لنا عشر ديات -أو نحو ذلك- عفونا عنك. فهذا صلح عن دم القصاص، لم يثبت الدَّين فيه بعد؛ ولذلك نقول: لا يصح أن تُدفع الزكاة في هذا، وليس هذا من مصارف الزكاة؛ لعدم ثبوت الدَّين فيه.

قال: وَالْغَارِمِينَ [التوبة:60]، والمراد بذلك أصحاب الديون، فمن كان عليه دين وعجز عن سداده جاز أن تُدفع له الزكاة في سداد دينه.

والغارمون على نوعين:

  • غارم من أجل المصلحة العامة، كما لو كان هناك فتنة وهناك اقتتال بين طائفتين، فتدخَّل مصلحٌ بينهم فأصلحهم وتكفَّل بدفع الديات من عند نفسه؛ فهذا قد غَرِم ليس لمصلحة نفسه وإنما لمصلحة عامة، فمِن ثم يجوز دفع الزكاة له لدفعها في هذه الديات ولو كان غنيًّا.
  • والثاني: الغارم لحظ نفسه، كمن استدان من أجل حوائجه فعجز عن سدادها؛ فلا حرج في دفع الزكاة له من أجل أن يسدد الديون التي تكون عليه.

ثم قال تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، جمهور أهل العلم على أن المراد بقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ مصرف الجهاد؛ لأن الأصل في هذه الكلمة فِي سَبِيلِ اللَّهِ أن يُراد بها الجهاد؛ ولذلك إذا نظرنا في النصوص القرآنية وجدنا هذه الكلمة عند الإطلاق تُستعمل في الجهاد.

وقال طائفة: إنها تشمل الحج أيضًا؛ فإن النبي لما قيل له: إن أبا فلان قد جعل هذا الناضح في سبيل الله. قال : الحج في سبيل الله[18].

ولكن الذي يظهر أن مراد المتكلم بهذا سبل الخير عامة؛ ولذلك فسَّره النبي بالحج؛ ومن ثم فإن الأظهر أنه لا يجوز دفع الزكاة لأحدٍ من أجل أن يحج، ولو لم يحج قبل ذلك؛ لأن الحج لا يجب على غير المستطيع.

فإذا كان الإنسانُ غيرَ مستطيعٍ فحينئذ الحج لا يجب عليه، ويُرجى أن يُكتب له أجر الحج؛ لأنه كان مريدًا له باذلًا لأسبابه لكنه عجز عنه لسبب خارج عن قدرته؛ ومن هنا فلا يصح أن تُدفع الزكاة في هذا الطريق.

وقوله: وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60]، المراد به المسافر الذي انقطعت به النفقة، ولو كان في بلده الأصلي غنيًّا؛ فإنه يجوز أن تُدفع له الزكاة، فيُدفع له منها ما يُوصله إلى بلده.

ولا تُصرف الزكاة لغير هؤلاء المذكورين، فلا يصح للإنسان أن يدفع الزكاة في بناء المساجد؛ لأنها ليست من الأصناف الثمانية المذكورة، ولا بناء المدارس؛ لأنها ليست كذلك.

موانع تمنع من دفع الزكاة لبعض الناس

وهناك موانع تمنع من دفع الزكاة لبعض الناس:

  • من ذلك الغنى؛ فمَن كان غنيًّا لم يصح أن تُدفع له الزكاة؛ فقد قال النبي : إن الزكاة لا تحل لغني، ولا لذي قوةٍ سَوِيٍّ[19].
  • وهكذا أيضًا من موانع الزكاة: الكفر؛ فلا يصح أن تُدفع الزكاة لكافر.
  • وهكذا أيضًا من موانع الزكاة: أن يكون الإنسان من أهل البيت النبوي؛ فإن أهل البيت النبوي لهم من الكرامة والتقدير ما يجعلنا ننزههم من الزكاة التي هي أوساخ الناس، كما ورد ذلك في الحديث عن النبي [20].

الأموال التي لا تجب فيها الزكاة

ثم قال المؤلف: "وأما البيت الذي يسكنه الإنسان، والعقار الذي يقتنيه"، يعني يستعمله في نفسه أو يؤجره فينتفع بأجرته لكنه لا ينوي بيعه، وهكذا الفُرُش والأواني التي يستعملها، لا زكاة فيها؛ لأننا لا نوجب الزكاة في مال إلا إذا ورد الدليل بإيجاب الزكاة فيه؛ ولأن هذه الأنواع من الأموال كانت موجودة في عهد النبي  ولم يكن يطالِب الناس بإخراج زكاتها.

وهكذا الحيوانات غير بهيمة الأنعام: لا زكاة فيها إلا إذا نوى صاحبها التجارة بها، ومِن ذلك الخيل؛ فإن الخيل لا تجب زكاتها عند جماهير أهل العلم، خلافًا للإمام أبي حنيفة، وقد ورد في الخبر أن النبي نفى وجوب الزكاة في الخيل.

حكم زكاة الحلي المعد للبس أو العارية

ومن المسائل التي حصل فيها الخلاف بين فقهاء الحنفية والجمهور: مسألة الحُليِّ من الذهب والفضة المُعَدِّ لِلِّبْس المباح أو المعدِّ للعارية، هل تجب الزكاة فيه أو لا تجب الزكاة فيه؟

إذا كان الحُلي مُحرَّمًا، كما لو كان حليًّا لرجل؛ فإنه تجب زكاته باتفاق أهل العلم. وهكذا إذا كان الحلي خارجًا عن العادة التي يعتادها النساء؛ فإنه تجب زكاته.

أما إذا لم يكن الحُلي كذلك، فهل تجب الزكاة فيه أو لا تجب؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين مشهورين:

- القول الأول: بأنه لا زكاة في الحلي المعدِّ للاستعمال أو العارية، وهذا هو مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد. واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة:

  • أولها: ما رواه البيهقي في "سننه": أن النبي قال: لا زكاة في الحلي[21]، رواه من حديث جابر، ولكن هذا الحديث ضعيف الإسناد، لا يصح أن يُبنى عليه حكم؛ لأنه من رواية راوٍ يُقال له: عافية بن أيوب، فلا يصح أن يُعوَّل على روايته.
  • واستدلوا ثانيًا على القول بعدم إيجاب الزكاة في الحلي بما ورد عن جماعة من الصحابة أنهم أفتوا بعدم إيجاب الزكاة في الحلي، ولكن القاعدة عند الأصوليين أن الصحابة إذا اختلفوا في مسألة لم يصح أن يُستدل بقول بعضهم دون بعضهم الآخر.
  • واستدلوا ثالثًا بقياس هذا الحلي على بقية السلع التي يمتلكها الإنسان للقُنية والاستعمال؛ فإنه لا تجب زكاتها، فلا زكاة في السيارة، ولا في الملابس، ولا في بيت السكن الذي لا يُراد بيعه، فهكذا أيضًا قالوا: لا تجب الزكاة في الذهب والفضة المعدَّة للاستعمال أو العارية.

والقول الثاني في هذه المسألة: أن الحلي...

^1 رواه البخاري: 1506، ومسلم: 984.
^2 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
^3 رواه مسلم: 987.
^4, ^9 رواه البخاري: 1447، ومسلم: 980.
^5 رواه أبو داود: 1573، والترمذي: 631، وابن ماجه: 1792، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7497.
^6 رواه أبو داود: 1567، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4261، وفي "صحيح أبي داود": 1399.
^7 رواه أبو داود: 1567، والنسائي: 2447، وابن ماجه: 1800، وأحمد: 72، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 792.
^8 رواه أحمد: 22037، والدارمي: 1663، والبيهقي في "السنن الكبرى": 18706، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 795.
^10, ^16 سبق تخريجه.
^11 رواه الترمذي: 638، وقال: "«إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب عن النبي  شيء، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي  مرسلا".
^12 رواه أبو داود: 1562، والبيهقي في "السنن الكبرى": 7672، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل": 827، وفي "ضعيف أبي داود": 275.
^13 رواه أبو داود: 1574، والترمذي: 620، وأحمد: 711، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": 1406.
^14 رواه أبو داود: 1609، وابن ماجه: 1827، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود": 1427.
^15 رواه الدارقطني في "سننه": 2133، والبيهقي في "الكبرى": 7814.
^17 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 11047.
^18 رواه أبو داود: 1989، وأحمد: 27286، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": 1736.
^19 رواه أبو داود: 1634، والترمذي: 652، والنسائي: 2597، وابن ماجه: 1839، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": 1444.
^20 رواه مسلم: 1072.
^21 رواه البيهقي في "الخلافيات": 3321، وقال: "لا أصل له مرفوعًا، والصحيح أنه موقوف على جابر".

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©