- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
كتاب الحج – من قوله: "وهو أحد أركان الإسلام.." (10)

جدول المحتويات
الشيخ: "نور البصائر"، وكنا قد تكلمنا بالأمس عن أحكام الصيام، ونبتدئ -بإذن الله - كتاب "الحج" في يومنا هذا.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
كتاب الحج
قال المُصنف رحمه الله تعالى، ووالدينا، وشيخنا، والسَّامعين:
صفةٌ مُختصرةٌ لحجة النبي
وقد قال : خُذُوا عني مناسككم [1]، فعلينا الاقتداء برسول الله في كل ما كان يقوله ويفعله في المناسك؛ وذلك أنه لما حجَّ أحرم هو والمسلمون من ذي الحُلَيْفَة، ووقَّت لأهل كل قُطْرٍ ميقاتًا: لأهل نجدٍ: قرن المنازل، ولأهل العراق: ذات عِرْقٍ، ولأهل المغرب: الجُحْفَة، ولأهل اليمن: يَلَمْلَم، وقال: هنَّ لهنَّ ولمَن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ، ومَن كان دون ذلك فميقاته من أهله، حتى أهل مكة يُهِلُّون من مكة [2].
ثم قال لأصحابه: مَن شاء أن يُهِلَّ بعمرةٍ فليفعل، ومَن شاء أن يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فليفعل، ومَن شاء أن يُهِلَّ بعمرةٍ وحَجَّةٍ فليفعل، فلما قدموا وطافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ أمر جميع المسلمين الذين حَجُّوا معه أن يُحِلُّوا من إحرامهم ويجعلوها عمرةً إلا مَن ساق الهَدْي فإنه لا يحلُّ حتى يبلغ الهَدْيُ محلَّه، فراجعه بعضهم في ذلك؛ فغضب وقال: انظروا ما أمرتُكم به فافعلوا [3].
وكان قد ساق الهَدْي، فلم يحلَّ من إحرامه، وقال: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهَدْي، ولجعلتُها عمرةً، ولولا أن معي الهَدْي لَأَحْلَلْتُ [4]، فَحَلَّ المسلمون جميعهم إلا النَّفر الذين ساقوا الهَدْي، منهم: رسول الله ، وعليّ، وطلحة.
فلما كان يوم التَّروية أحرم المُحِلُّون بالحجِّ وهم ذاهبون إلى مِنًى، فَبَاتَ بهم تلك الليلة بِمِنًى، وصلَّى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
ثم سار بهم بعد طلوع الشمس إلى عرفة على طريق ضَبّ، فلما زالت الشمس خطب بهم وهو على راحلته، وبيَّن لهم أحكام الوقوف والدفع، وما يحتاجون في ذلك الوقت.
ثم نزل فصلَّى بهم الظهر والعصر مقصورتين، مجموعتين.
ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة، فاستقبل القبلة، ووقف تجاه الجبل، وأقرَّ الناسَ على مواقفهم.
فلم يزل في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس، فدفع بهم إلى مُزدلفة، فصلَّى المغرب والعشاء بعد مَغِيب الشمس قبل حَطِّ الرِّحال حيث نزلوا بمُزدلفة، وبات بها حتى طلع الفجر، فصلَّى بالمسلمين الفجر في أول وقتها مُغَلِّسًا بها زيادةً على كل يومٍ.
ثم وقف عند قُزَحٍ، وهو جبل مُزدلفة الذي يُسمَّى: المَشْعَر الحرام، فلم يزل واقفًا بالمسلمين إلى أن أَسْفَر جدًّا، ثم دفع بهم حتى قدم مِنًى، فاستفتحها برمي جمرة العقبة.
ثم رجع إلى منزله بِمِنًى، فَنَحَرَ هديه، وحلق رأسه.
ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة.
وكان قد عَجَّلَ ضعفة أهله من مُزدلفة قبل طلوع الفجر، فَرَمَوا الجمرة بليلٍ.
ثم أقام بالمسلمين أيام مِنًى الثلاث يُصلي بهم الصلوات الخمس مقصورةً، غير مجموعةٍ، يرمي كل يومٍ الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس، يَسْتَفْتِح بالجمرة الأولى، وهي الصُّغْرَى، وهي الدنيا إلى مِنًى، والقُصْوَى من مكة، ويختم بجمرة العقبة، ويقف بين الجمرتين الأولى والثانية، وبين الثانية والثالثة وقوفًا طويلًا بقدر سورة البقرة، فإن المواقف ثلاثٌ: عرفة، ومُزدلفة، ومِنًى.
ثم أفاض آخر أيام التَّشريق بعد رمي الجمرات هو والمسلمون، فنزل بالمُحَصَّب عند خَيْفِ بني كنانة، فَبَاتَ والمسلمون فيه ليلة الأربعاء، وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبدالرحمن لتعتمر من التَّنعيم.
ثم ودَّع البيت هو والمسلمون، ورجعوا إلى المدينة، ولم يُقِمْ بعد أيام التَّشريق.
فأخذ فقهاء الحديث -كأحمد وغيره- بِسُنَّته في ذلك كله.
انتهى مُلَخَّصًا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله [5].
أقسام أعمال الحجِّ
- أركانٌ أربعةٌ، وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي.
- والواجبات التي يجبرها الدم: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت في مُزدلفة إلى جزءٍ من النصف الثاني من الليل، والمبيت بِمِنًى ليالي أيام التَّشريق، ورمي الجِمَار مُرَتَّبًا، والحلق أو التَّقصير، وطواف الوداع.
- وما سوى ذلك مَسْنُونات مُكَمِّلات، وخصوصًا التَّلبية، تبتدئ من حين الإحرام، وتنتهي بالشروع في جمرة العقبة.
شروط وجوب الحجِّ
الشيخ: الحجُّ ركنٌ من أركان الإسلام، كما قال : بُنِيَ الإسلام على خمسٍ، وذكر من هذه الأركان: حجّ بيت الله الحرام لمَن استطاع إليه سبيلًا [6]، وقد دلَّ على وجوبه قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، فالحجُّ مُقيدٌ وجوبه بالاستطاعة، فمَن لم يكن مُستطيعًا لم يجب الحجُّ عليه.
وقد اختلف العلماء في حقيقة الاستطاعة المُشترطة للحجِّ؛ فقال الإمام الشافعي وأحمد: هي الاستطاعة المالية، فمَن كان مُستطيعًا بماله وجب عليه الحجُّ، فإن استطاع ببدنه حجَّ ببدنه، وإن لم يستطع ببدنه وجب عليه أن يُحْجِج غيره من ماله.
واستدلوا على ذلك بمعنى الاستطاعة في اللغة، وبما ورد أن النبي فسَّر الاستطاعة بالزاد والراحلة [7].
والقول الثاني في هذه المسألة: أن الاستطاعة يُراد بها الاستطاعة البدنية، وهذا هو مذهب الإمام مالك.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الاستطاعة تشمل الاستطاعة البدنية والمالية، وهو ظاهر كلام المؤلف هنا.
والحجُّ لا يجب إلا على المُكلَّف، والمراد بالمُكلَّف: العاقل، البالغ، فإن المجنون لا يجب عليه الحجُّ، ولا يصحُّ منه؛ لأنه قد رُفِعَ عنه قلم التَّكليف؛ ولأنه لا تتمحض له نيةٌ صحيحةٌ.
وأما البالغ فهو الذي يجب عليه الحجُّ، فإن كان الإنسان صبيًّا لم يبلغ لم يجب عليه الحجُّ.
والصواب: أن الصبي يصحُّ حَجُّه، لكنه لا يُجْزِئ عن حجة الإسلام.
ويدل على ذلك ما ورد في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي لقي رَكْبًا بالرَّوحاء، فقال: مَن القوم؟ قالوا: المسلمون. قالوا: مَن أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت امرأةٌ صبيًّا لها، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجرٌ [8]، ولم ترفعه إلا لصغره، فلعله لم يكن مُميِّزًا، فمَن لم يكن مُميِّزًا نوى عنه وليُّه، وتفقَّده في أركان الحجِّ.
كم مرة يجب الحجُّ؟
الحجُّ لا يجب في العمر إلا مرةً واحدةً؛ لأن النبي قال: أيها الناس، قد فَرَضَ الله عليكم الحجَّ فَحُجُّوا، فقيل له : أكلَّ عامٍ، يا رسول الله؟ قال: لو قلتُ: نعم؛ لَوَجَبَتْ، ولَمَا استَطَعْتُم [9]، والحجُّ في العمر مرةً واحدةً.
والأصل في الحجِّ الاقتداء بأفعال رسول الله ؛ لما روى مسلمٌ في "صحيحه" من أن النبي قال: لتأخذوا مناسككم [10].
ومن هنا فإن أفعال النبي التي فعلها في أيام الحجِّ إن كانت ليست من المناسك فلا تدخل فيما نحن فيه، وإن كانت من المناسك فالأصل وجوبها حتى يقوم دليلٌ على أن ذلك الفعل ليس بواجبٍ.
حَجَّة النبي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
ثم ساق المؤلف حَجَّة النبي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد اختصرها الشيخ رحمه الله من حديث جابر الذي رواه مسلمٌ في "صحيحه".
معنى الإحرام
قال: "وذلك أنه لما حجَّ أحرم هو والمسلمون".
المراد بالإحرام: النية الجازمة بالدخول في النُّسُك، واجتناب المحظور.
فإذا نوى الإنسان الدخول في النُّسك، قيل: قد أحرم، ولو لم يلبس الإزار والرداء بعد، ولو لم يُلَبِّ بعد.
فإذا نوى الإنسان بقلبه الدخول في النُّسك، قيل: أحرم.
وأما التَّلبية فهي نُسُكٌ مُستقلٌّ، وهكذا ترك المَخِيط، هذا تركٌ لمحظورٍ من محظورات الإحرام.
والإحرام لا بد أن يكون من الميقات، فإن النبي وقَّت هذه المواقيت، وقال: هنَّ لأهلهنَّ، ولمَن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن أراد الحجَّ والعمرة، ومَن كان أهله دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة [11].
إحرام أهل مكة ومَن دون المواقيت
إذا أراد أهل مكة الحجَّ فإنهم يُحْرِمون من مكة.
أما إذا أرادوا العمرة فالصواب أنهم لا بد أن يذهبوا إلى أدنى الحِلِّ، فإن النبي أمر عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يُعْمِر عائشة رضي الله عنها من التَّنعيم خارج حدود الحرم [12]، والأصل في الأوامر أن تكون على الوجوب.
وأما مَن كان مسكنه بين حدود الحرم والمواقيت، فإنه إذا أراد الإحرام أحرم من مسكنه.
وأما مَن كان وراء المواقيت فإنه لا يُحْرِم إلا عند المواقيت، وإذا أحرم قبل ذلك خالف السُّنة، وانعقد إحرامه.
المواقيت المكانية
المواقيت التي وقَّتها رسول الله عددٌ من المواقيت:
- أولها: ذو الحُلَيْفَة، وقد وقَّته لأهل المدينة.
- وثانيها: قَرْن المنازل لأهل نجدٍ.
- وثالثها: ذات عِرْقٍ لأهل العراق، وقد ورد فيها حديثٌ جيد الإسناد؛ ففي عهد عمر جاء أهل العراق إليه، فقالوا: إن قَرْنًا جَوْرٌ عن طريقنا. فَوَقَّت لهم ذات عِرْق [13]، على أنها مُحاذيةٌ لقرن المنازل، فَوُفِّق عمر فأصاب ما ورد بالحديث.
وأما أهل المغرب ومصر ومَن وراءهم فقد وقَّت لهم النبي الجُحْفَة، ولأهل اليمن: يَلَمْلَم.
وهذه المواقيت أوديةٌ، منها ما هو وادٍ طويلٌ يبلغ مسافةً طويلةً، ومنها ما ليس كذلك.
وإذا أحرم الإنسان من أي جزءٍ من هذه الأودية عُدَّ مُحْرِمًا من الميقات، سواء في أعلى الوادي، أو في أسفله، سواء في ضفته الأولى، أو في وسطه، أو في ضفته الأخيرة؛ لأن الجميع يُطلق عليه هذا الاسم الذي أطلقه .
أنواع النُّسُك
ثم إن النبي خيَّر أصحابه بين ثلاثة أنساكٍ:
- النُّسك الأول: التَّمتع، بأن يعتمر الإنسان، ثم يحلُّ من عُمرته، ثم بعد ذلك يُحْرِم بالحجِّ فيحجّ في نفس السنة.
- والنُّسُك الثاني: القِرَان، بأن يجمع بين الحجِّ والعمرة في إحرامٍ واحدٍ، لا يتحلل بينهما.
- والنُّسك الثالث: الإفراد، بأن يأتي بحجٍّ وحده، ليس معه عمرةٌ.
فتفرَّق أصحابُه على هذه الأنساك الثلاثة، فلما قدموا مكة اغتسل بذي طُوًى، ثم دخل البيت، وطاف بالبيت سبعة أشواطٍ، ثم ذهب إلى الصفا والمروة.
والظاهر أن طواف النبي كان طواف القدوم المُستحب، وأن سعيه بين الصفا والمروة سعي الحجِّ الواجب، وذلك أن المُفْرِد والقارن إذا قدما قبل يوم عرفة، فإنهما يطوفان طواف القدوم المُستحب، وأما طواف الحجِّ فإنه لا يُفْعَل إلا بعد يوم عرفة.
ثم بعد ذلك يحقُّ لهم أن يسعوا بين الصفا والمروة، فإذا سعى المُفْرِد أو القارن بين الصفا والمروة مع طواف القدوم أجزأه، ولم يجب عليه سعيٌ آخر على الصحيح من أقوال أهل العلم، فإن النبي لما قدم طاف وسعى، ثم لم يَسْعَ بعد ذلك، فدلَّ هذا على أن القارن لا يلزمه إلا سعيٌ واحدٌ، خلافًا لبعض الفقهاء.
قلب النُّسُك
لما طاف النبي بالبيت وبين الصفا والمروة أمر المسلمين الذين حجُّوا معه أن يقلبوا أَنْسَاكَهم ليجعلوها تمتُّعًا إلا مَن ساق الهَدْي، وفي هذا دلالةٌ على جواز قلب النُّسك من القِرَان إلى التَّمتع، ومن الإفراد إلى التَّمتع.
وبذلك قال أحمد وجماعةٌ، وجمهور أهل العلم لا يُجِيزون ذلك، ويقولون بأن الحجَّ أعلى من العمرة، فكيف يُقْلَب الأعلى إلى ما هو أقلّ؟!
وبما أن هذه المسألة فيها دليلٌ واضحٌ من النبي ، فيُقدَّم قوله على قول غيره.
فإن قال قائلٌ: إنه قد ورد في حديث أبي ذرٍّ قال: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمدٍ خاصةً [14].
فيُقال: إن الذي اختصَّ بالصحابة هو إيجاب ذلك، فالصحابة الذين حجُّوا مُفْرِدين أو قارنين أوجب عليهم النبي لما لم يَسُوقُوا الهَدْي أن يقلبوا نُسُكَهم إلى التَّمتع، فيجعلوه عمرةً، وأما بالنسبة لغيرهم فيبقى على الاستحباب والمشروعية.
مَن ساق الهَدْي فإنه يبقى على إحرامه، فيطوف ويسعى ويبقى على إحرامه.
وهكذا المُفْرِد والقارن إذا طافا للقدوم وسَعَيَا فليحذرا من قَصِّ شيءٍ من شعورهما؛ لأن المُفْرِد والقارن لا يَقُصَّان الشعر ولا يحلقانه إلا في يوم العيد، أما قبل ذلك فإنه لا يحلُّ لهما.
ومَن ساق الهَدْي وجب عليه أن يبقى على إحرامه، ولا يحلُّ من الإحرام حتى يبلغ الهَدْي محلَّه.
والمُراد بقوله: "مَحِلّه" يعني: المكان الذي يُذْبَح فيه، والزمان الذي يُذْبَح فيه، ولو لم يُذْبَح بَعْدُ حقيقةً.
فراجع بعضُ الصحابة النبيَّ في ذلك، فقالوا: يا رسول الله، كيف نفعل هذا؟! حتى قال أحدهم: أينطلق أحدُنا إلى مِنًى وذَكَرُه يَقْطُر مَنِيًّا؟! [15] فغضب النبي وقال: انظروا ما أمرتُكم به فافعلوا [16].
والنبي قد ساق الهَدْي، فبقي على إحرامه، لكنه تمنَّى لو لم يَسُقِ الهَدْي، ولو تمتع، فقال: لو استقبلتُ من أمري ما استَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْي، وجعلتُها عمرةً [17]، ولولا أن معي الهَدْي لَأَحْلَلْتُ [18].
أفضل أنواع النُّسُك
اختلف علماء الأمة في أيِّ الأنساك الثلاثة السابقة أفضل، فقالت طائفةٌ -منهم أحمد وجماعة- أن التَّمتع أفضل الأنساك، وذهب الإمام مالكٌ إلى أن الإفراد أفضل الأنساك، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن القِرَان أفضل الأنساك.
والأظهر أن مَن ساق الهَدْي فإن أفضل الأنساك في حقِّه هو القِرَان، كما فعل النبي ؛ إذ إن الله اختار لنبيه أحسن الهَدْي وأفضله.
أما مَن لم يَسُقِ الهَدْي فإن الأفضل في حقِّه التمتع؛ لهذا الحديث الذي ذكرتُه قبل قليلٍ: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْي، ولتمتعتُ.
أعمال النبي في مكة
بعد فراغهم من الطواف والسعي حلَّ المسلمون، وقلبوا أَنْسَاكَهم إلى التَّمتع إلا مَن ساق الهَدْي، وبَقَوا على إحلالهم، والمُحْرِمون بَقَوا على إحرامهم، والنبي قدم في يوم الرابع من شهر ذي الحجة، وكان قد أحرم في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، فجلس قُرابة عشرة أيام في الطريق، ثم جلس قُرابة أربعة أيام في مكة بإحرامه، ثم ذهب إلى مِنًى وإلى عرفة يومان وهو على إحرامه، فكان مجموع ما بقي فيه النبي على إحرامه ستة عشر يومًا.
يوم التَّروية (اليوم الثامن)
لما كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة- مَن أحرم مُتمتعًا وأحلَّ فإنه في صباح اليوم الثامن أحرم بالحجِّ، وأحرم كل إنسانٍ من محلِّه، وبعضهم أحرم من الطريق، وبعضهم أحرم من مِنًى.
وليس للإحرام من مسجد الكعبة خاصيةٌ، بل إحرام الإنسان في بيته أفضل؛ لأنه هو فعل الصحابة.
فأحرموا وهم ذاهبون إلى مِنًى، فذهبوا إلى مِنًى في ضُحى اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وهو يوم التروية، وسُمِّي بيوم التَّروية؛ لأن الناس يأتون بالماء إلى مِنًى من أجل أن يكفيهم في ريِّهم.
فصلَّى النبي في مِنًى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، ويُصلي كل صلاةٍ في وقتها، وبات هذه الليلة -ليلة عرفة- بِمِنًى.
والمبيت بِمِنًى ليلة عرفة وأداء هذه الصلوات بِمِنًى ليس من الواجبات، بل هو من المُستحبات؛ وذلك أن النبي صحَّح حجَّ أولئك الذين لم يقدموا عليه إلا في يوم عرفة، ولم يأمرهم بفديةٍ ولا جزاء، مما يدل على أن المبيت بِمِنًى في ليلة عرفة ليس من الواجبات، وإنما من المُستحبات.
يوم عرفة (اليوم التاسع)
لما طلعت الشمس في يوم عرفة -اليوم التاسع- ذهب النبي من مِنًى إلى نَمِرَة قبل حدود عرفة، والطريق الذي سلكه النبي لم يقصده لذاته، فجميع الطرق سواء، ولا فرق بين طريقٍ وطريقٍ آخر في ذلك.
ضُرِبَ للنبي قُبَّةٌ بِنَمِرَة، فلما زالت الشمس في وقت الظهر خطب النبي بأصحابه خارج حدود عرفة، فصلَّى هو والصحابة الظهر والعصر مجموعتين، مقصورتين.
خطب أولًا خطبةً بيَّن فيها معالم دين الإسلام، ثم بعد ذلك صلَّى الظهر والعصر مجموعتين، مقصورتين، وكانت صلاته خارج حدود عرفة، وكان ذلك بأذانٍ وإقامتين.
فلما فرغ من صلاته ركب ناقته ودخل حدود عرفة، فلم يدخل عرفة إلا بعد زوال الشمس من يوم عرفة.
وقد اختلف الفقهاء في الوقوف قبل الزوال: هل يتأدَّى به الركن -وهو الوقوف بعرفة- أو لا؟
فقال أحمد: يتأدَّى به الركن.
وقال الجمهور: لا يتأدَّى به الركن.
ولعل قول أحمد أظهر؛ لقول النبي : مَن صلَّى معنا صلاتنا هذه يعني: صلاة الفجر بالمُزدلفة ثم أقام معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا؛ فقد تمَّ حَجُّه [19].
ثم إن النبي بقي على ناقته، ولم يصعد الجبل الذي في وسط عرفة، وإنما وقف خلفه بحذاء الصخرات، مُتوجِّهًا إلى القبلة، ودعا ربه دعاءً كثيرًا وهو على ناقته، لم ينزل من النَّاقة ، ودعا دعاءً كثيرًا حتى إن حبل النَّاقة كان يسقط من يده أحيانًا.
ثم إنه قال: وقفتُ هاهنا، وعرفة كلها موقف [20]، فدلَّ هذا على أن مَن وقف في أي مكانٍ بعرفة فإن وقوفه مُجْزِئٌ، وأما الوقوف بوادي عُرَنَة فإن الصواب أنه لا يُجزئ؛ لأنه خارج حدود عرفة.
وصعود الجبل الذي في وسط عرفة ليس من الأمور المشروعة، فلم يصعده النبي ، ولم يقصد صعوده أحدٌ من الصحابة.
ومن هنا فإن صعود هذا الجبل ليس مقصودًا في نفسه.
الإفاضة إلى مُزدلفة
ثم إن النبي لم يَزَلْ في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس، فلما غربت الشمس دفع بأصحابه إلى المُزدلفة، وأمرهم بترك الإسراع في المشي، وقال: فإن البرَّ ليس بالإيضاع [21]، يعني: سرعة المشي.
ثم إنه سلك بعض الطرق بين عرفة ومُزدلفة، وجميع الطرق في هذا سواء، لا فرق بين طريقٍ وآخر.
فلما وصل إلى المُزدلفة صلَّى المغرب والعشاء، وذلك قبل أن يَحُطَّ الرِّحال، وصلَّاهما في المُزدلفة، جمعهما، وقَصَرَ العشاء، وجعلهما بأذانٍ وإقامتين على الصحيح من أقوال أهل العلم.
ثم صلَّى المغرب، ثم أمر بإنزال الرِّحال، ثم صلَّى العشاء.
والأفضل أن يُصلي الإنسان صلاة المغرب والعشاء ليلة جَمْعٍ -في آخر اليوم التاسع من ذي الحجة- في المُزدلفة، لكن إذا كان هناك ازدحامٌ، وخشي الإنسان ألا يتمكن من الوصول إلى مُزدلفة قبل منتصف الليل؛ فلا بأس أن يُصليهما في الطريق.
ولو قُدِّر أن إنسانًا صلَّاهما -المغرب والعشاء- في عرفة قبل سيره إلى المُزدلفة، فإن هذا صحيحٌ، لكنه يُخالف سُنة النبي .
وبات النبي بمُزدلفة حتى طلع الفجر، ولم يُنْقَل عنه أنه أحيا هذه الليلة..... عموم النصوص يدل على أنه صلَّى صلاة الوتر، وأنه صلَّى سُنة الفجر.
فلما دخل وقت الفجر صلَّى صلاة الفجر في أول الوقت مُغَلِّسًا بها، أي: مُظْلِمًا بها قبل انتشار النور، بمجرد بزوغ الفجر صلَّاها في وقتٍ لم يكن من عادته أن يُصليها فيه، مما يدلك على أن وقت صلاة الفجر يكون بأول بزوغ الفجر، فمَن اشترط انتشار الضوء في الأفق لصلاة الفجر فهو مُخالفٌ للهدي النبوي الكريم الوارد في هذا الباب.
يوم النَّحر (اليوم العاشر)
ثم إن النبي بعد صلاته للفجر دعا الله في المُزدلفة دعاءً كثيرًا، وذهب إلى جبلٍ يُسمَّى "قُزَح" في وسط مُزدلفة.
بعض الناس يُسميه "المَشْعَر الحرام"، وهذا خطأٌ، فإن اسم "المَشْعَر الحرام" يَصْدُق على المُزدلفة كلها.
وهذا الجبل الصواب أنه ليس له خاصيةٌ في الدعاء، وأن أي موطنٍ وقف الإنسان فيه للدعاء بعد صلاة الفجر في المُزدلفة فإنه يكون بذلك قد أدَّى السُّنة، ويُرْجَى له أن يُجاب دعاؤه.
ثم بقي يدعو ربَّه إلى أن أَسْفَرَ جدًّا، فلما أَسْفَر دفع قبل طلوع الشمس.
فلما قدم النبي مِنًى استفتح مِنًى برمي جمرة العقبة.
وكان في أيامه السابقة حال إحرامه يُكْثِر من التَّلبية كلما تغيّرتْ به الحال، ويرفع صوته بالتَّلبية.
فلما رمى جمرة العقبة ترك التَّلبية، وابتدأ بالتَّكبير، فكان يُكبِّر بعد هذا ولا يُلَبِّي.
وأما صحابة رسول الله أثناء انتقالهم من عرفة إلى مُزدلفة، ومن مُزدلفة إلى مِنًى، كانوا مُختلفين، فمنهم المُلَبِّي، ومنهم المُكَبِّر، ولا يعيب بعضُهم على بعضٍ شيئًا.
رمى جمرة العقبة، وجمرة العقبة هي الجمرة الأخيرة المُوالية إلى مكة، وسُمِّيت جمرة العقبة؛ لأنه كان بجوارها في الزمن السابق جُبَيْلٌ صغيرٌ بمثابة العقبة، فقيل لها: جمرة العقبة، وكانت مفتوحةً من ثلاثة أطرافٍ، لكن أحد الأطراف فيه جُبَيْلٌ صغيرٌ؛ ولذلك كان بعض الناس يرمي جمرة العقبة من الأعلى، فأخذ منه الفقهاء جواز أن تُرْمَى الجمرات من الأدوار العليا.
ثم إن النبي رماها بسبع حصياتٍ، ولم يَدْعُ بعد ذلك، ورجع إلى منزله، فنحر هَدْيَه، فذبح مئة ناقةٍ، ذبح ثلاثًا وستين بيده ، ووكَّل في ذبح باقيها، وحلق رأسه ، وحينئذٍ تحلل التَّحلل الأول، فلبس المَخِيط وتطيب ، قالت عائشة: "طيَّبْتُ رسول الله لإحرامه حين أَحْرَم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت" [22].
ثم إن النبي في ضُحَى يوم العيد -اليوم العاشر من شهر ذي الحجة- أفاض من مِنًى إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة -وهو طواف الحجِّ الذي هو ركنٌ من أركان الحجِّ- سبعة أشواط، وعاد إلى مِنًى، فصلَّى بها الظهر، ولم يَسْعَ النبي مع هذا الطواف، فدلَّ هذا على أن المُقْرِن يكتفي بِسَعْيٍ واحدٍ، وأن مَن عجَّل سعيه مع طواف القدوم أجزأه ذلك.
وقد كان النبي في المُزدلفة أمر الضَّعَفَة من أهله ومَن يُرافقهم بأن ينتقلوا من المُزدلفة إلى مِنًى، والظاهر من أحوالهم أنهم رموا الجمرة قبل الفجر، مما يدل على جواز رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة العيد.
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز أن تُرْمَى إلا بعد طلوع الشمس.
وقال آخرون: لا تُرْمَى إلا بعد طلوع الفجر؛ لأن الرمي من أعمال يوم النَّحر؛ ولذلك سُمِّي: يوم الحجِّ الأكبر، ولكن إذا ورد في ذلك إذنٌ من النبي فإننا نُقدِّمه على غيره من التَّعليلات.
أيام التَّشريق
ثم إن النبي أقام في مِنًى يوم العيد، واليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر إلى زوال الشمس.
كان في هذه الأيام يبيت بِمِنًى، ولم يثبت عنه أنه كان يذهب بالليل إلى مسجد الكعبة.
وكان يُصلي الصلوات الخمس مقصورةً: الرباعية يُصليها ركعتين، وكل صلاةٍ في وقتها، لا يجمع صلاةً مع صلاةٍ.
في اليوم الحادي عشر رمى الجمرات الثلاث، ابتدأ بالجمرة الصُّغرى، وهي المُوالية لِمِنًى، وهي القريبة إلى مسجد الخَيْف، فرماها بسبع حصياتٍ، ثم بعد ذلك أسهل في الوادي، ثم دعا دعاءً طويلًا، ثم رمى الجمرة الوسطى، دعا وهو واقفٌ، رافعًا يديه، ثم بعد ذلك رمى الجمرة الوسطى.
وهو مع كل حصاةٍ يُكبِّر فيقول: "الله أكبر" استحبابًا، ولا يُشرع أن يقول معها: "بسم الله، والله أكبر"، فإن البسملة لم ترد عن النبي .
وبعد رمي الجمرة الوسطى يقف ويدعو ربَّه دعاءً طويلًا، ثم بعد ذلك يذهب إلى جمرة العقبة -الجمرة الكُبرى- وهي المُحاذية لمكة، فيرميها بسبع حصياتٍ، ولا يدعو بعدها.
وإذا جاء في اليوم الثاني عشر فعل مثل ذلك، وإن تعجَّل الحاجُّ غادر مِنًى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، فسقط عنه مَبِيت ليلة الثالث عشر ورَمْي اليوم الثالث عشر، فيرمي المُتعجِّل في اليوم الثاني عشر إحدى وعشرين حصاةً، ويكتفي بها، ويسقط عنه رَمْي اليوم الثالث عشر.
وأما إذا تأخَّر الإنسان -كما هو فعل النبي - فإنه يبيت بِمِنًى، فإذا زالت الشمس من الغد رمى الجمرات الثلاث، وأخَّر صلاة الظهر إلى أن يخرج من مِنًى.
فلما رمى الجمرات الثلاث ذهب إلى المُحَصَّب، وصلَّى به الظهر مقصورةً بركعتين.
جلس النبي في المُحَصَّب حتى قُبيل الفجر، ثم سار إلى المدينة.
والجلوس في المُحَصَّب ليس سُنَّةً، وليس من أنساك الحجِّ، وإنما فعله النبي لكونه أسهل في خروجه، فهو في طريقه .
عائشة رضي الله عنها لما قدمتْ مع النبي قدمتْ وهي مُتمتعةٌ، فلما قربتْ من البيت حاضتْ، فتأثرتْ وتغيَّرتْ وبكتْ، فدخل عليها النبي فقال: لعلكِ نَفِسْتِ؟ قالت: نعم. فقال : هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاجُّ، غير ألا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري [23].
فبقيتْ على إحرامها، ولما جاء يوم التروية لم تتمكن من الطواف بَعْدُ؛ فقلبتْ نُسُكَها من التَّمتع إلى القِرَان.
فلما جاءتْ في آخر الحجِّ، ورأتْ نفسها لم تَطُفْ إلا طوافًا واحدًا وسَعْيًا واحدًا؛ ظنَّتْ أنها لم يُكْتَب لها إلا أجر الحجِّ خاصةً.
والصواب أنها قارنةٌ، ومن ثَمَّ فلها أجر حجٍّ وعمرةٍ.
فذهبتْ إلى النبي فقالت: يا رسول الله، يرجع أصحابك بأجر حجٍّ وعمرةٍ، ولم أَزِدْ على الحجِّ. فأذن لها النبي أن تعتمر، وأمر أخاها عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يُعْمِرَها من التَّنْعِيم [24].
فدلَّ هذا على أن أهل مكة إذا أرادوا العمرة لا يصحُّ لهم أن يُحْرِموا من بيوتاتهم، ولا بد أن يكون إحرامهم من خارج حدود الحرم.
طواف الوداع والرجوع إلى المدينة
قال: "ثم ودَّع البيت" يعني: أن النبي ذهب إلى الكعبة، وطاف طواف الوداع سبعة أشواط، وصلَّى بعده سُنَّة الطواف، ثم سافر ورجع إلى المدينة.
ومن هنا يُعلم أن الأفضل للإنسان أن يبقى في البلد الذي يكون فيه أعبد لله، والبلد الذي عاش فيه الإنسان، ويتمكن فيه من بِرِّ أبويه، ومن صِلَة إخوانه، ومن القيام بشؤون أهله، فإن رجوعه إليه أحبُّ إلى الله تعالى من بقائه في مكة، ولم يُقِم النبيُّ في مكة بعد أيام التَّشريق.
أنواع أعمال الحجِّ
من خلال ما سبق نعرف أن أمور الحجِّ على ثلاثة أنواعٍ:
النوع الأول: الأركان
والمراد بالركن: جزء الشيء الذي لا يَنْفَك عنه.
وهذه الأركان بالنسبة للحجِّ أربعةٌ:
- أولها: الإحرام، والمراد به: نية الدخول في النُّسك، فلا يُراد به التَّلبية، ولا يُراد به التَّجرد من المَخِيط، ولبس الإزار والرداء، وإنما المراد به: ما يكون في القلب من نية الدخول في النُّسك.
أما ما في القلب من رغبةٍ في الحجِّ، فهذا ليس الإحرام.
الإحرام: أن يجزم بأنه الآن سيدخل في النُّسك، وأنه الآن سيمتنع من محظورات الإحرام.
والدليل على أن الإحرام ركنٌ في الحجِّ: قول الله جلَّ وعلا: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، فقوله: فَرَضَ أي: أحرم. - الركن الثاني من أركان الحجِّ التي لو قُدِّرَ فَقْدُها لم يكن الإنسان حاجًّا هو: الوقوف بعرفة، فإن النبي قال: الحج عرفة [25].
والقاعدة عند الأصوليين: أن المبتدأ المُعَرَّف ينحصر في الخبر، فإن كان ينحصر انحصارًا حقيقيًّا، وإلا جعلناه انحصارًا نسبيًّا، ولا يكون ذلك إلا بجعل الوقوف بعرفة ركنًا من أركان الحجِّ.
وكان أهل مكة في الجاهلية لا يُغادرون إلى عرفة، ويجلسون في المُزدلفة، يقولون: إن عرفة حِلٌّ، وأن أهل مكة لا يلزمهم الذهاب إلى الحِلِّ في نُسُكهم.
وقد قال الله جلَّ وعلا: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197].
فَلَا رَفَثَ أي: الأمور المُتعلقة بالنساء، وأما الفسوق فالمعاصي، وأما الجدال فالمُناقشات العقيمة ومُرادّة الكلام.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: لا حرج على الإنسان أن يُتاجر في الحجِّ، فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أي: مُزدلفة وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أي: لا تَسِرْ على طريقة أهل مكة، وإنما سِرْ على طريقة عموم الناس التي أخذوها من هدي إبراهيم : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌفَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ أي: فعلتم أفعال يوم العيد فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا؛ لأن أيام التَّشريق ويوم العيد من الأيام التي يتأكد فيها الإكثار من ذكر الله، وخصوصًا التكبير، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [البقرة:198- 200]، همُّه مُقْتَصِرٌ على الدنيا، ومن ثَمَّ فليس له منزلةٌ في الآخرة.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ أي: أيام مِنًى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أي: اليوم الحادي عشر والثاني عشر فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:201- 203] أي: أن عدم الإثم في حال التَّعجل وفي حال التَّأخر مشروطٌ بالتقوى، فمَن كان مُتقيًا فلا إثم عليه، سواء كان مُتأخرًا، أو كان مُتقدمًا.
المقصود أن من أركان الحجِّ: الإحرام والوقوف بعرفة.
- كذلك من أركان الحجِّ: الطواف؛ لقوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فلا يتمّ حجُّ إنسانٍ إلا إذا طاف، والمراد بذلك: طواف الإفاضة.
أما طواف القدوم فهو مُستحبٌّ، وأما طواف الوداع فهو واجبٌ، وليس بركنٍ، الركن هو طواف الإفاضة.
وطواف الإفاضة يُستحب أن يكون يوم عيد الأضحى، ولا حرج على الإنسان في أن يُؤخره في أيام التَّشريق، أو بعد أيام التَّشريق. - الركن الرابع من أركان الحج: السَّعي بين الصفا والمروة، وذلك أن الله جلَّ وعلا جعله من شعائر الحجِّ، فقال سبحانه: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].
وهناك قولٌ آخر -وهو روايةٌ عن أحمد- بأن السَّعي سُنَّةٌ، وليس بواجبٍ ولا ركنٍ.
وهناك قولٌ ثالثٌ يقول: إن السَّعي واجبٌ من واجبات الحجِّ، وليس ركنًا، فمَن تركه فإن حجَّه صحيحٌ، وعليه دمٌ، فإن كان مُتعمدًا فهو آثمٌ، وتجب عليه التوبة، ومع التوبة يذبح دمًا في مكة لمساكين مكة.
ولعل هذا القول أرجح الأقوال؛ وذلك لأنه لم يَأْتِ دليلٌ يدل على أن السَّعي ركنٌ في الحجِّ، إنما دَلَّت النصوص على إيجاب السَّعي، كما قال : إن الله كتب عليكم السَّعي؛ فَاسْعَوا [26].
النوع الثاني: الواجبات
أما بالنسبة للواجبات، فالمراد بالواجبات: ما يجب على الإنسان أن يفعله في الحجِّ، ويَحْرُم عليه تركه، ومَن تركه مُتعمدًا فإنه آثمٌ، وعليه دمٌ بذبح شاةٍ يذبحها في مكة لمساكين مكة؛ لقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "مَن ترك نُسُكًا فعليه دمٌ" [27].
وابن عباسٍ رضي الله عنهما كان مُفتي مكة في عهد الصحابة، وقوله مظنَّة الانتشار، ولم يُعْرَف عن غيره خلافه، فكان إجماعًا سكوتيًّا.
وقد قيل: إن هذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه، فيظهر أن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد أثره عن النبي [28].
هذه الواجبات هي:
- أولًا: الإحرام من الميقات، الإحرام ركنٌ كما تقدم، لكن كون الإحرام من الميقات واجبٌ، ولا يجوز للإنسان أن يتجاوز المواقيت وهو مُريدٌ للنُّسك بدون إحرامٍ، فإن النبي وقَّت هذه المواقيت.
- الواجب الثاني من واجبات الحجِّ: أن يقف الإنسان بعرفة إلى غروب الشمس.
وفي مذهب الإمام مالكٍ أن هذا ركنٌ، وفي مذهب الشافعي أنه مُستحبٌّ، وعند أحمد أنه واجبٌ.
ولعل قول أحمد أظهر الأقوال، فإن النبي بقي في عرفة حتى غربت الشمس، فانتقل إلى المُزدلفة، وقال: لتأخذوا مناسككم [29]، ولم يأذن لأحدٍ من أصحابه في أن يُغادر عرفة قبل غروب الشمس. - كذلك من واجبات الحجِّ: المَبِيت في مُزدلفة.
والمراد بالمبيت: البقاء فيها جزءًا بعد منتصف الليل.
فإذا بقي الإنسان جزءًا في المُزدلفة بعد منتصف الليل فإنه يكون بذلك قد أدَّى الواجب عليه، فإن النبي رخَّص لِضَعَفَة أهله بالنَّفر من مُزدلفة بليلٍ [30]، وكلمة "بليلٍ" يعني: بعد مُضي جزءٍ غالبٍ منه، ولا يكون ذلك إلا بمنتصف الليل.
فدلَّ هذا على أن مَن غادر المُزدلفة قبل منتصف الليل فإنه قد ترك واجبًا من واجبات الحجِّ، فعليه التوبة إلى الله، وعليه دمٌ.
وقال الإمام مالكٌ رحمه الله: إن الواجب البقاء في المُزدلفة لحظات، ولو لم يكن ذلك بعد منتصف الليل.
ولكن الحديث السابق -حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما- ظاهرٌ في اشتراط بقاء الإنسان جزءًا بعد منتصف الليل في المُزدلفة. - كذلك من واجبات الحجِّ: المَبِيت بِمِنًى ليالي أيام التَّشريق، فإن النبي بات بها، وقال: لتأخذوا مناسككم.
والقول بذلك هو مذهب جمهور أهل العلم، منهم مالكٌ والشافعي وأحمد.
وقالت طائفةٌ: إن المبيت بِمِنًى مُستحبٌّ، وليس بواجبٍ.
والصواب هو القول الأول، ويدل على ذلك: أن النبي رخَّص للسُّقاة والرُّعاة في ترك المَبِيت بِمِنًى، فدلَّ هذا على أن غيرهم لا يُرَخَّص له، ودلَّ هذا على أن أهل الأعذار يُرخَّص لهم في ترك المبيت.
ومن أمثلة أهل الأعذار: مَن لم يجد مكانًا مُناسبًا في مِنًى لبيتوتته، فإن هذا الواجب يسقط عنه. - كذلك من واجبات الحجِّ: رَمْي الجِمَار، فإن النبي قد حافظ على رَمْيها، وقال: لتأخذوا مناسككم.
- كذلك من واجبات الحجِّ: الحَلْق أو التَّقصير، فإن الله تعالى قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، فأثنى عليهم بذلك، مما يدل على أن هذا الفعل نُسُكٌ من الأنساك يُثْنَى على صاحبه به.
ويدل على هذا: أن النبي دعا للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقَصِّرين في المرة الأخيرة [31]، فدلَّ هذا على أن الحَلْق نُسُكٌ بدلالة دعاء النبي لصاحبه.
والحَلْق لا يختص أن يكون في مِنًى، ففي أي مكانٍ حلق الإنسان أجزأه، سواء في مكة، أو خارج حدود مكة. - كذلك من واجبات الحجِّ: طواف الوداع، بأن يطوف الإنسان بالبيت قبل سفره مباشرةً، بحيث لا يبقى بعد هذا الطواف في مكة.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض" [32].
النوع الثالث: المُستحبَّات
ما سوى ذلك فإنه من المُستحبَّات، لو تركه الإنسان لم يلحقه مَأْثَمٌ بتركه، ولا يُفْسِد حَجَّه، لكنه ينقص من أجره، ومن ذلك: التَّلبية.
والتَّلبية يُشرع للرجال رفع الصوت بها، ويُشرع لهم أن يُكرروها كلما اختلفت الأحوال صعودًا أو نزولًا، تلاقت الرُّكْبَان، تفرَّق الناس، ونحو ذلك.
العمرة وأحكامها
مما لم يذكره المؤلف هنا: ما يتعلق بالعمرة.
والعمرة قد اختلف العلماء فيها: هل هي واجبةٌ أو لا؟
فقال الجمهور: هي واجبةٌ.
وقال مالكٌ: ليست بواجبةٍ.
والأظهر هو القول بالوجوب؛ لما ورد في حديث الصُّبَيِّ بن مَعْبَدٍ، قال لعمر بِمَحْضَرٍ من الصحابة: "إني وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبين عليَّ" [33]، فلم يُنْكِر عليه أحدٌ.
والأدلة الدالة على عدم إيجابها ضعيفة الإسناد، لم تثبت عن النبي .
والفقهاء يقولون: إن أركانها ثلاثةٌ:
- الإحرام: وهو نية الدخول في النُّسُك.
- والطواف.
- والسعي بين الصفا والمروة.
والصواب: أن السعي واجبٌ، وليس ركنًا.
وأما واجبات العمرة فهي:
- الإحرام من الميقات.
- والحَلْق أو التَّقصير.
هذا شيءٌ من أحكام الحجِّ والعمرة.
أسأل الله جلَّ وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم من الهُدَاة المُهتدين، وأن يُصلح أحوال الأُمة، وأن يردَّهم إلى دينه ردًّا جميلًا، وأن يُوفِّق ولاة أمور المسلمين لكل خيرٍ، وأن يجعلهم مُحَكِّمين لكتابه، عاملين بِسُنَّة نبيه .
هذا، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
| ^1 | رواه بهذا اللفظ البيهقي في "السنن الكبرى": 9600، ورواه مسلم: 1297 بلفظ: لتأخذوا مناسككم. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 1526، ومسلم: 1181 باختلافٍ يسيرٍ. |
| ^3, ^16 | رواه أبو يعلى في "مسنده": 1672، وقال مُحقق "المسند": رجاله رجال الصحيح. |
| ^4 | رواه البخاري: 1651، ومسلم: 1218. |
| ^5 | "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 26/ 160- 163. |
| ^6 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
| ^7 | روى الترمذي: 2998 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجلٌ إلى النبي فقال: مَن الحَاجُّ يا رسول الله؟ قال: الشَّعِثُ التَّفِلُ، فقام رجلٌ آخر فقال: أيُّ الحجِّ أفضل يا رسول الله؟ قال: الْعَجُّ والثَّجُّ، فقام رجلٌ آخر فقال: ما السَّبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2527. |
| ^8 | رواه مسلم: 1336. |
| ^9 | رواه مسلم: 1337. |
| ^10, ^29 | رواه مسلم: 1297. |
| ^11 | رواه البخاري: 1530، ومسلم: 1181. |
| ^12 | رواه البخاري: 317، ومسلم: 1211. |
| ^13 | رواه البخاري: 1531. |
| ^14 | رواه مسلم: 1224. |
| ^15 | رواه البخاري: 2505. |
| ^17, ^20 | رواه مسلم: 1218. |
| ^18 | رواه البخاري: 1651. |
| ^19 | رواه النسائي: 3039، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2845. |
| ^21 | رواه البخاري: 1671. |
| ^22 | رواه البخاري: 1539، ومسلم: 1189. |
| ^23 | رواه البخاري: 305، ومسلم: 1211. |
| ^24 | رواه البخاري: 2984. |
| ^25 | رواه الترمذي: 889، والنسائي: 3016، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2822. |
| ^26 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 11437، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1798. |
| ^27 | "البدر المُنير" لابن المُلقن: 6/ 91. |
| ^28 | قال الألباني في "إرواء الغليل" (4/ 299): "ضعيف مرفوعًا، وثبت موقوفًا". |
| ^30 | رواه البخاري: 1676، ومسلم: 1295. |
| ^31 | روى البخاري: 1728، ومسلم: 1302 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : اللهم اغفرْ للمُحَلِّقِين، قالوا: يا رسول الله، وللمُقَصِّرين. قال: اللهم اغفرْ للمُحَلِّقِين، قالوا: يا رسول الله، وللمُقَصِّرين. قال: اللهم اغفرْ للمُحَلِّقِين، قالوا: يا رسول الله، وللمُقَصِّرين. قال: وللمُقَصِّرين. |
| ^32 | رواه البخاري: 1755، ومسلم: 1328. |
| ^33 | رواه أبو داود: 1799، والنَّسائي: 2719، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2548. |