تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

كتاب الصيام – من قوله: "صيام رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه.." (09)

جدول المحتويات

الشيخ: نواصل ما كنا ابتدأنا به من قراءة كتاب "نور البصائر والألباب"، وكنا بالأمس أتممنا "كتاب الزكاة"، وفي يومنا هذا نقرأ "كتاب الصيام" بإذن الله ​​​​​​​.

تفضل شيخ محمد.

القارئ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.

أما بعد:

كتاب الصيام

قال المصنف رحمه الله تعالى ووالدينا وشيخَنا والسامعين:

كتاب الصيام
صيام رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه، فهو فرض على كل مكلف قادر، فمَن كان مريضًا مرضًا لا يُرجى زواله، أو كبيرًا لا يستطيع الصيام بالكلية؛ أطعَمَ عن كل يوم مسكينًا، ومَن كان مريضًا مرضًا يُرجى زواله، أو مسافرًا؛ فله الفطر في رمضان، ويقضي بعدده أيامًا أُخَر.
ويجب الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ وهي: الأكل، والشرب، والجماع ومقدِّماته، والحجامة، والقيء عمدًا. وما سوى ذلك فلا دليل على الفطر به؛ كالاكتحال ونحوه.
ويتأكد في حق الصائم تركُ جميع المحرمات من أقوال وأفعال، وإذا سابَّه أحد أو شاتَمه؛ فَلْيَقُل له -زاجرًا له ولنفسه-: إني امرؤٌ صائم[1].
وينبغي للصائم الاشتغال بأنواع العبادات، وأن يُؤخِّر السحور، ويُقدِّم الفطور على رُطب، فإن عُدِمَ فَتَمْر، فإن تعذَّر فماء، ويدعو في صيامه وعند فطره.
فصل
ويُستحب صيام الأوقات الفاضلة؛ كإتباع رمضان بسِتٍّ من شوال، وعشر ذي الحجة وخصوصًا يوم عرفة، وصوم المحرم وخصوصًا التاسع والعاشر، وثلاثة أيام من كل شهر؛ وينبغي أن تكون الثلاثة عشر والأربعة عشر والخمسة عشر، والإثنين والخميس.
ويُسَنُّ الاعتكاف في عشر رمضان الأخيرة؛ ليتجرد لعبادة الله، وليتحرى فيها ليلة القدر؛ وتتأكد في أوتار العشر.
ومَن صام رمضان، وقامه، وقام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه.

تشريع صيام رمضان

الشيخ: الصيام يُراد به إمساك الإنسان عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والصيام عبادة قد جاءت الشريعة بالأمر بها؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

وصيام شهر رمضان قد جاء تأكيده في العديد من النصوص، وهو ركنٌ من أركان دين الإسلام؛ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين، أن النبي قال: بُني الإسلام على خمس...، وذكر منها صيامَ شهر رمضان[2]، وقد قال الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]. ومن ثَمَّ؛ فإن صيام شهر رمضان من فروض الإسلام.

"فهو فرضٌ"؛ أي: واجبٌ متحتِّمٌ على كل مكلف. والمُراد بالمكلف: البالغ العاقل، أما المجنون وزائل العقل فإنه لا يجب عليهما الصيام. ومن أمثلة ذلك: الخَرِف؛ كبير السن الذي لا يُحسن الصيام، فإنه لا يجب عليه الصيام، ولا الإطعام، ولا شيء.

لماذا؟ لأنه لم يتوجه إليه التكليف.

وأما صغير السن؛ فإن كان لم يُميِّز بعد، فهذا لا يجب عليه الصيام ولا يُؤمر به، وأما إذا ميَّز ولم يبلغ بعد، فحينئذٍ إذا أطاق الصوم حَسُنَ أمرُه به ليتعوَّد على الصوم، إلا أنه ليس بواجب عليه، ولو قُدِّر أنه أفطر؛ لم يلحقه إثمٌ في ذلك لعدم تكليفه. وقد ثبت أن النبي كان يأمر الصحابة بأن يُعوِّدوا صغارهم على الصيام؛ فقد جاء في الحديث أن النبي لمَّا أمر الناس بصوم يوم عاشوراء -وكان صوم يوم عاشوراء في أول الإسلام واجبًا قبل فرض رمضان-؛ كانوا يأمرون صبيانهم بذلك، ويتخذون لهم اللعب من العِهْن -أي: القطن- من أجل أن يشتغلوا عن طلب الطعام[3].

وكان في أول الإسلامِ الواجبُ صيامَ يوم عاشوراء -وهو اليوم العاشر من شهر المحرم-، ثم لما جاء شهر رمضان نُسخ إيجاب صوم يوم عاشوراء، وكان صوم رمضان في أول الإسلام على الخيار؛ يُخيَّر الإنسان بين الصوم وبين الإطعام، ثم بعد ذلك قال تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ...، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، ثم بعد ذلك تحتم صوم شهر رمضان؛ قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وصام النبي رمضان تسع سنوات -من السنة الثانية-.

الأعذار المُبيحة للفطر في رمضان

أما أهل الأعذار الذين يُرخَّص لهم في ترك الصيام؛ فهم على أنواع:

صوم المريض

النوع الأول: المريض؛ والمريض على ثلاثة أنواع:

  • النوع الأول: مَن زال عقله؛ فهذا لا يجب عليه الصيام، ولا يجب عليه فدية ولا إطعام ولا كفارة ولا شيء. ومثله الخَرِف؛ كبير السن الذي لم يَعُد يُحسن، ولم يُفرِّق بين شهر الصيام وغيره.
  • النوع الثاني: مَن كان عنده مرض لا يُرجى زواله، ويظن الأطباء أنه لن يُشفى منه؛ فإنه حينئذٍ يُطعِم عن كل يوم مسكينًا، ولا حرج عليه في الفطر؛ وذلك لقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].
  • والنوع الثالث: مَن كان فيه مرض مؤقت، والصوم يُؤثِّر عليه؛ فإنه يفطر، ويجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

حالات المرض المُبيحة للفطر

والمرض الذي يُرخَّص للإنسان أن يفطر به على ثلاثة أنواع:

  • النوع الأول: المرض الذي يزيد عند الصيام؛ كما لو كان هناك مرض يحتاج صاحبه إلى التغذية ليقوى بدنه على مكافحة هذا المرض، فحينئذٍ نقول: يفطر؛ لأنه لو صام لأدى ذلك إلى زيادة مرضه.
  • والنوع الثاني: المرض الذي يتأخر شفاؤه مع الصوم؛ كما لو كان هناك مريض يحتاج إلى تناول أدوية، وهذه الأدوية لا بُدَّ أن يتناولها نهارًا؛ فحينئذٍ نقول: يفطر، ويقضي عن الأيام التي أفطرها.
  • والنوع الثالث: إذا كان المريض يتألم عند الصوم؛ كمَن به قرحة في معدته، إذا لم يوجد فيها طعام آلمَهُ ذلك؛ فحينئذٍ لا حرج عليه في أن يفطر، ويقضي مكان الأيام التي أفطرها.

صوم المسافر

النوع الثاني ممَّن يُرخَّص له في ترك الصيام: المسافر، فمَن كان مسافرًا جاز له الفطر؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

شروط الفطر في السفر

والسفر الذي يُجيز للإنسان الترخص برخص الفطر في شهر رمضان؛ يشترط له العلماء عددًا من الشروط:

أولها: أن يكون سفرًا تُقصَر الصلاة فيه، وأما السفر القليل والمسافة القليلة التي يقطعها الإنسان في شهر رمضان، فإنها لا تُجيز له الفطر، ولا الترخص برخصة ترك الصيام؛ وذلك لأنه لا يُقال بأنه مسافر في لسان الشرع.

وقد تقدم معنا الخلاف بين الفقهاء في ضابط السفر المُبيح للترخص.

الشرط الثاني: أن يكون هذا السفر سفرًا غير محرم، فإن سافر الإنسان من أجل أمرٍ محرم، لم يَجُز له أن يترخص برخص السفر؛ كمَن سافر ليقطع الطريق، أو سافر ليسرق، أو سافر من أجل أن يعقد المعاملات الربوية، أو سافر من أجل أن يزني؛ قالوا: هذا سفر محرم، والرخص الشرعية -ومنها فطر رمضان- لا تُناط بالمعاصي. والقول بذلك هو مذهب جمهور أهل العلم -ومنهم مالك والشافعي وأحمد-؛ ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة:173]، قالوا: فاشتُرط للترخص بالرخص عدمُ البَغْي والعَوْد. ومن ثَمَّ؛ فمَن كان باغيًا بكونه يعصي بسفره، لم يَجُز له أن يترخص برخص السفر.

الشرط الثالث: أن يكون الإنسان قد خرج من عامر بلده؛ فإذا كان الإنسان لا يزال في بلده، فإنه لا يُعَدُّ مسافرًا في لغة العرب، والشريعة إنما أباحت الفطر للمسافر، وهذا ليس بمسافر؛ لأنه لا يُعَدُّ مسافرًا إلا عند ظهوره وإسفاره خارج البلد.

كذلك، إذا أفطر الإنسان في سفره، فإنه يجب عليه أن يقضي الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

هل الأفضل في السفر الصوم أم الفطر؟

وقد اختلف الفقهاء: هل الأفضل للمسافر أن يصوم أو أن يفطر؟

فقال الجمهور بأن الأفضل له الصوم؛ ليكون في رمضان صائمًا، وقد قال الله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:184].

وذهب الإمام أحمد إلى أن الأفضل الفطر في السفر؛ واستدل على ذلك بقول النبي : ليس من البِر الصوم في السفر[4]، واستدلوا عليه بما ورد في الحديث الصحيح أن النبي سافر في رمضان ومعه أصحابه ، فلما جاء في الطريق أفطر، وأَمَرَ أصحابَه بأن يفطروا، فقيل له بأن بعضهم لم يفطر، فقال : أولئك العُصاة[5].

وذهب طائفة إلى أن المسافر يُراعي الأرفقَ بحاله؛ فإن كان الأرفق أن يفطر ويقضي لكونه يحتاج إلى الفطر في سفره فَعَلَ ذلك، وإن كان الأرفق به أن يصوم ليسلَم من القضاء بعد رمضان فحينئذٍ الأفضل له أن يصوم؛ واستدلوا على ذلك بما ورد في حديث عمرو بن حمزة الأسلمي  أنه سأل النبي ، فقال: يا رسول الله، إني امرؤٌ كثير السفر، وإني أسرد الصوم، أأصوم في السفر؟ فقال النبي : إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر[6].

ولعل القول الثالث هو الذي تجتمع عليه الأدلة السابقة.

الحائض والنفساء ورخصة الفطر في رمضان

كذلك من أهل الأعذار في ترك الصيام: الحائض والنفساء؛ فإنه يجب عليهما فطر رمضان، ويجب عليهما قضاؤه؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كنا نحيض على عهد رسول الله ، فنُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة[7].

رخصة الفطر للمرأة الحامل والمرضع

كذلك من أهل الأعذار: المرأة الحامل والمرأة المُرضع؛ فإنهما إذا خافتا على نفسَيهما أو على ولدَيهما جاز لهما الفطر، كامرأة تُرضع ولدها، ولكنها شعرت بأن حليبها ينقص بسبب صيامها، وابنها يحتاج إلى الحليب في الرضاعة؛ فحينئذٍ نقول: يجوز لها الفطر، بل الفطر في حقها أفضل.

فإذا كانت الحامل والمُرضع أفطرتا من أجل الخوف على نفسَيهما؛ فإنهما تقضيان ولا تُطعمان، وذلك لأنهما مريضتان، والمريضتان يُشرع لهما القضاء فقط. أما إذا خافتا على ولدَيهما؛ فحينئذٍ نقول: يجب عليهما مع القضاء إطعامُ مسكين عن كل يوم من هذا الشهر، من الأيام التي أفطرتاها، وذلك لورود هذا عن جماعة من الصحابة ؛ وفسَّروا به قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].

تبييت النية في الصيام

قال المؤلف: "ويجب الإمساك عن المفطرات".

الصوم مبني على أمرين:

الأمر الأول: النية؛ فلا بُدَّ أن ينوي الإنسان أنه صائم، فإذا لم ينوِ المرء الصيام فإنه لا يُعَدُّ صائمًا. ومن هنا، فلا بُدَّ -على الصحيح- من تبييت النية في الصيام الواجب؛ ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن النبي قال: ‌مَن ‌لم ‌يُبَيِّت ‌الصيامَ ‌من ‌الليل؛ ‌فلا ‌صيام ‌له[8]؛ فدلَّ هذا على أن الصيام لا بُدَّ فيه من تبييت النية.

وهذا الحديث قد وقع اختلافٌ في إسناده: هل هو مرفوع أو موقوف؟ وهل هو من حديث ابن عمر أو حديث حفصة ؟

ولذلك رجح كثير من أهل العلم أنه موقوفٌ على ابن عمر رضي الله عنهما؛ ويدل على إيجاب النية قولُ النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[9]، ولأنه لا يُعَدُّ الإنسان صائمًا -بالمعنى الشرعي- إلا إذا كان ممسكًا عن المفطرات بنية التقرب لله ​​​​​​​، فلا بُدَّ أن تكون هذه النية في جميع اليوم.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى جواز أن يصوم الإنسان بنية من النهار إلى ما قبل الزوال؛ واستدل على ذلك بأن النبي لما أمر أصحابَه  بصوم يوم عاشوراء، أرسل مناديه يُنادي ضحًى: مَن أصبح مفطرًا فَلْيُمسك بقية يومه، ومَن لم يَطعم فَلْيَصم بقية يومه[10]، ولكن هذا فيما لم يُوجَب صيامه بعد، أما إذا كان الصيام قد استقر وجوبه قبل ذلك فلا يصح الاستدلال فيه بهذا.

ومن ثَمَّ؛ فإن الأظهر رجحان مذهب الجمهور في إيجاب وجود النية ليلًا بالنسبة لصائم رمضان. أما الصيام الواجب فيما عدا رمضان -كصيام القضاء والكفارة والنذر-؛ فهذا لا بُدَّ فيه من تبييت النية بلا إشكال.

حُكم تبييت النية في صوم التطوع

أما صوم النفل -صوم التطوع-؛ فهل يجب على الإنسان أن يُبيِّت النية فيه من الليل؟

قال الإمام مالك: لا بُدَّ من تبييت النية؛ لعموم حديث: مَن ‌لم ‌يُبَيِّت ‌الصيامَ ‌من ‌الليل؛ ‌فلا ‌صيام ‌له[11].

وذهب الجمهور إلى أن التطوع يجوز أن يكون بنيةٍ من النهار، واستدلوا على ذلك بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قَدِمَ على أهله، فسألهم: هل عندكم من طعام؟، قالوا: لا، قال: فأنا صائم إذَن[12]، فدلَّ هذا على أنه لم ينوِ الصيام إلا في ذلك الوقت.

وقد اختلف الفقهاء الذين أجازوا صوم التطوع بنيةٍ من النهار: ما هو الحد الذي ينتهي فيه وقت النية؟

فقال طائفة: إلى زوال الشمس.

وقال آخرون: ليس هناك حد، ولو لم ينوِ صوم التطوع إلا قُبيل غروب الشمس صح منه ذلك، بشرط ألَّا يكون قد تناول مفطرًا في ذلك اليوم، ولكنه لا يحوز من الأجر إلا بقدر ما نواه؛ لحديث: وإنما لكل امرئ ما نوى[13]، ولعل هذا القول أظهر، لعدم وجود الدليل المُفرِّق بين ما قبل الزوال وما بعده.

بداية ونهاية وقت الصيام

وأما وقت الصيام فإنه يبتدئ من طلوع الفجر الثاني.

الفجر فجران:

أحدهما: نورٌ يظهر من جهة المشرق، ثم يأتي إلى وسط السماء، ثم بعد ذلك ينتهي ويتلاشى.

والنوع الثاني من أنواع الفجر: نورٌ يخرج من جهة المشرق، فيأتي حتى يتوسط في كبد السماء، ثم بعد ذلك ينتشر في الأفق.

والفجر الثاني يبتدئ بمجرد بزوغ الفجر، فأول نورٍ للفجر نُثبِت به حُكم الفجر.

فاشتراط بعض الناس أن يكون الفجر قد انتشر، هذا يخالف ظواهر النصوص الشرعية التي تدل على أن وقت الفجر الصادق يبدأ بمجرد بزوغ الفجر الصادق، ولو لم يصل بعد إلى كبد السماء أو ينتشر في الأفق.

وأما انتهاء وقت الصوم: فغروب الشمس؛ والمراد بغروب الشمس أن يغيب كامل قرص الشمس، فإن بعض أهل الفلك يقول عن غروب الشمس: هو غياب مركزها ووسطها؛ وهذا ليس غروبًا بالاصطلاح الشرعي؛ يدل على ذلك ما ورد في الحديث أن النبي قال: إذا غربت الشمس، وأقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم[14].

والأفضل للإنسان أن يبادر بالفطر بمجرد دخول وقته؛ لأنه يمتثل بذلك قول الله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، وقد جاء في الحديث أن النبي قال: قال الله تعالى: إن أحَبَّ عبادي إليَّ أَعجَلُهم فِطرًا[15].

أنواع المفطرات

وأما المفطرات التي تُؤثِّر على صوم الإنسان؛ فإنها على أنواع:

الأكل أو الشرب أثناء الصيام

أولها: الأكل؛ فمَن أدخل إلى بدنه نوعًا من أنواع الأكل فإنه يُعَدُّ مفطرًا بذلك، فإن كان ناسيًا فإنه لا يفطر بهذا عند جماهير أهل العلم؛ لقول النبي : مَن أكل أو شرب ناسيًا فَلْيُتِمَّ صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه[16] كما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة .

وذهب الإمام مالك إلى أن مَن أكل ناسيًا فسد صومه بذلك، وعليه القضاء، بل يُوجبون عليه الكفارة المُغلَّظة بإعتاق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين.

وحديث أبي هريرة السابق صريحٌ في هذا الباب؛ ومن ثَمَّ فإن الصواب أن مَن أكل ناسيًا فإن ذلك لا يُؤثِّر على صحة صومه، أما إذا أدخل الإنسان إلى جوفه شيئًا من المأكولات متعمدًا فإنه يفسد صومه بذلك، وهذا يكون بإدخال شيء من هذه المأكولات إلى الحلق، فمَن أدخل مأكولًا إلى فمه ثم أخرجه لم يفطر بهذا؛ لأن الفم من ظاهر البدن وليس من باطنه -على الصحيح-، لكنه إذا أوصل الأكل إلى حلقه، فإنه يفسد صومه بذلك.

وهكذا لو أدخل عن طريق الفم شيئًا مما يصل إلى المعدة، لو أدخل حبلًا أو حصاةً أو دواءً -ولو مجرد الحبوب التي يأكلها المريض بدون ماء-؛ فإن هذا يُؤثِّر على صحة الصوم، وقد حُكي الاتفاق على ذلك.

وإذا أدخل الإنسان من أنفه شيئًا فإنه يتأثر صومه بذلك أيضًا؛ فإن النبي قال: وبالِغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا[17]؛ فدل هذا على أن إدخال شيء مع الأنف ليصل إلى الجوف يُؤثِّر على صحة الصوم، أما إذا أدخل الإنسان في عينيه شيئًا -كما لو قطَّر في عينيه-؛ فإنه إذا لم يصل إلى حلقه لم يُؤثِّر على صومه بالاتفاق، أما إذا وجد طعم ذلك في حلقه؛ فقال أحمد ومالك بأنه يفطر بهذا، وقال الشافعي وأبو حنيفة بأنه لا يفطر بهذا.

ولعل القول بعدم الفطر أرجح؛ لأن إثبات شيء مفطر لا بُدَّ فيه من دليل، وكون الطعم وصل إلى الحلق لا يعني أنه قد وصل شيء منه إلى الجوف، فإن المرء إذا شمَّ ما اعتاده سابقًا، فإنه في مراتٍ يجد طعم ذلك في حلقه، ومع ذلك لا يُعَدُّ مفطرًا. ومثله أيضًا في مسائل ذَوْق الطعام؛ قد تجد المرأة طعم الطعام في حلقها فلا يُؤثِّر ذلك على صومها.

الحقن والمغذيات الطبية وأثرها على الصوم

وأما بالنسبة لإدخال شيء في البدن من طريقٍ آخر -كما في المغذيات وفي الحقن ونحوها، ومثله أيضًا إبر الإنسولين وما ماثَلَها-؛ فهذه على ثلاثة أنواع:

  • النوع الأول: ما يكون مغذِّيًا؛ فهذه تُؤثِّر على صوم الصائم، لأنها في معنى الأكل والشرب، فتأخذ حُكمهما، ولأن الإنسان قد يكتفي بهذا المغذي أيامًا عديدة؛ لأن بدنه يتغذى بهذا.
  • النوع الثاني: تلك الإبر التي المراد منها العلاج، لكن يدخل فيها نسبة من نِسَب التغذية، فمثل هذا أيضًا مؤثِّر على صوم الصائم؛ ومن أمثلته: إبر الإنسولين، فإنه يُوضع فيها شيء من التغذية من أجل أن تحفظ توازن البدن بالنسبة لنسبة السكر في الدم.
  • وأما تلك الإبر التي ليس فيها شيء من نِسَب التغذية، وإنما هي علاجٌ مجرد؛ فقد اختلف الفقهاء المعاصرون فيها:

فقال طائفة: لا يصح للصائم أن يأخذها، فإذا أخذها أفطر بذلك، فإن مَن تناوَلَ علاجًا بفمه فإنه يفطر به -ولو لم يكن فيه شيء من التغذية-.

وقال آخرون: لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس في معنى الأكل ولا الشرب.

وهذه المسألة نشأ الخلاف فيها من خلافٍ فقهي سابق؛ يُعرَف عند الفقهاء بمسألة "مداواة الجائفة والمأمومة".

المأمومة: جرحٌ في الرأس يصل إلى أم الدماغ، فيحتاجون إلى وضع علاجٍ من أجل أن يكون سببًا من أسباب الشفاء -بإذن الله-؛ فمثل هذا هل يُؤثِّر على صوم الصائم؟

ومثله الجائفة؛ والمراد بها: الجرح الذي يكون في البدن ويصل إلى الجوف، إذا وُضع في هذا الجرح علاج فهل يُؤثِّر على صوم الصائم أو لا؟

اختلف في ذلك الفقهاء المتقدمون.

ومن أنواع المفطرات: الشرب؛ فمَن شرب في رمضان متعمدًا فإنه يُعَدُّ مفطرًا؛ وقد قال النبي : قال الله ​​​​​​​ عن الصائم: يَدَعُ طعامَه وشرابَه...[18]، وقال جل وعلا: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].

الجماع أثناء الصيام

هكذا أيضًا من المفطرات: الجماع؛ فإذا جامع الرجل زوجته فإنه يُعَدُّ مفطرًا بذلك، وعليه الكفارة المُغلَّظة بإعتاق رقبة، فإن لم يجد رقبةً صام شهرين متتابعين؛ فإن الله جل وعلا قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ويدل على ذلك قول النبي : قال الله ​​​​​​​ عن الصائم: يَدَعُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي[19].

وقد ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن رجلًا قال: يا رسول الله، هلكت! قال: ما أهلكك؟، قال: وقَعْتُ على أهلي في رمضان، فقال النبي : أَعتِق رقبةً؟، قال: ليس لي، قال: فَصُم شهرين متتابعين؟، قال: لا أستطيع، قال: فأطعِم ستين مسكينًا؟[20] الحديث. ومَن عجز عن هذه الخصال سقطت عنه -على الصحيح- كما هو مذهب الإمام أحمد.

وقال الجمهور بأنها تبقى في ذمته، والحديث السابق يدل على سقوطها؛ فإن الرجل قال: يا رسول الله، والله ما بين لابَتَيْها أهلُ بيت أفقرُ مِنَّا، فقال النبي : أطعِمه أهلك[21].

مقدمات الجماع وتأثيرها على الصوم

وهكذا أيضًا إذا كان هناك مقدمات للجماع يترتب عليها إنزال المني؛ فإن صوم الصائم يفسد بذلك، فمَن كان تقبيله يُنزل فَسَدَ صومه إذا قبَّل فأنزل، إذا قبَّل الإنسان فأنزل فَسَدَ صومه، ومثلهما لو كرر النظر فأنزل، أو فعل فعلًا يترتب عليه الإنزال؛ فإنه يفسد صومه بذلك لأنه لم يدع شهوته لله.

أما مَن قبَّل فأمذى ولم يُمنِ؛ فهل يفسد صومه بهذا؟

قال الإمام مالك والإمام أحمد: يفسد صومه بهذا؛ إذ لم يدع شهوته، وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي إلى عدم بطلان الصوم بذلك، ولعله أظهر؛ لأن القول بأن شيئًا من الأشياء يُفسد الصوم لا بُدَّ فيه من دليل، والدليل إنما ورد في الإنزال للمني، فيُقتصر عليه.

الاحتلام في نهار رمضان

أما مَن احتلم في نهار رمضان وهو نائم، فهذا إذا استيقظ فعليه أن يغتسل، وصيامه صحيح؛ إذ الاحتلام ليس من فعله.

ويجوز للإنسان أن يُؤخِّر غُسل الجماع بحيث لا يغتسل إلا بعد أذان الفجر، فقد ورد ذلك من فعل النبي [22].

الحجامة والفصد للصائم

كذلك من أنواع المؤثرات على صوم الصائم: الحجامة؛ لقول النبي : أفطرَ الحاجم والمحجوم[23].

والقول بأن الحجامة مفطرة هو مذهب الإمام أحمد.

وقال الجمهور بأنها غير مفطرة؛ واستدلوا على ذلك بما ورد في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: احتجم النبي وهو صائم[24].

وهذا الحديث لا يصح الاستدلال به؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما يحكي سياق سَفْرة من سفرات النبي ، والمسافر يجوز له الفطر، فلو احتجم فأفطر بها لم يُؤثِّر هذا على حاله؛ فحينئذٍ يُقال بأنه قد أفطر بالحجامة وكان صائمًا قبلها. وقد طعن بعض الرواة هذه اللفظة، وقالوا: إن الصواب فيها رواية مَن روى: احتجم النبي وهو مُحرِم[25]؛ فإذا ثبت الحديث بأن الحجامة مفطرة قلنا بذلك.

أما ما يتعلق بإخراج الدم من البدن بغير الحجامة كما في تحليل الدم، سواء كان قليلًا كما في تحليل السكر، أو كان كثيرًا كما تأخذ المختبرات "براويز" الدم به؛ فهذا هل يُؤثِّر على صوم الصائم؟

قال الجماهير بأنه لا يُؤثِّر على صوم الصائم؛ وذلك لأن الحديث إنما ورد في الحجامة، فيُقتصر على محل ورود الحديث؛ إذ إننا لم نعرف المعنى الذي من أجله أثبت الشارع الفطر في الحجامة، ومن ثَمَّ فلا يصح لنا أن نقيس عليها.

وهناك قول آخر بأن الفَصْد وأخذ الدم الكثير من البدن يُؤثِّر على صوم الصائم؛ يُستدل على ذلك بأن الشارع أمر الحائض والنفساء بالفطر لِمَا ينزل منهما من الدم.

ولعل القول الأول أظهر؛ لأن النص إنما ورد في الحجامة، ولم نعرف المعنى الذي من أجله أثبت الشارع حُكم الفطر في الحجامة؛ ومن ثَمَّ نقتصر على محل النص.

القيء عمدًا

قال المؤلف: "والقيء عمدًا".

إذا تناول الإنسان طعامًا فوصل إلى جوفه، فخرج هذا الطعام مرة أخرى من الفم؛ فهل يُؤثِّر هذا على صومه أو لا؟

إن كان الإنسان لم يتعمد ذلك، وقد ذَرَعه القيءُ فإنه لا يُؤثِّر هذا على صومه، أما إذا تعمد إخراج القيء فإن هذا مؤثِّر على صحة صومه؛ وقد ورد في حديث أبي هريرة أن النبي قال: مَن ذَرَعه قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فَلْيَقض[26]. وقد اختلف أهل الحديث في هذا الحديث؛ فقال طائفة بأنه مرفوعٌ للنبي ، وقال آخرون بأنه موقوفٌ على أبي هريرة ؛ والأظهر أنه مرفوع.

ما لا يؤثر على صحة الصيام

قال المؤلف: "وما سوى ذلك فلا دليل على الفطر به".

أي: بقية الأمور لا دليل على أن الإنسان يفطر بها؛ ومن أمثلة ذلك: ما لو وضع الإنسان دهانات على جسده، فإنه لا يفطر بهذا. وهكذا لو بقي بدن الإنسان في الماء -في المسبح أو في غيره-، فإنه لا يُؤثِّر على الصوم. ومثله أيضًا ما تفعله بعض النساء من وضع بعض الأطعمة على شيء من البدن من أجل تجميله، فإنه لا يُؤثِّر على صحة الصوم.

قال المؤلف: "كالاكتحال".

مَن اكتحل فلم يُحِسّ بالاكتحال في حلقه لم يتأثر صومه بذلك، أما إذا أَحَسَّ بطعمه في حلقه؛ فقال مالك وأحمد بأنه يفسد صومه بهذا، وقال الشافعي وأبو حنيفة بأنه لا يفسد الصوم بهذا؛ ولعل القول الثاني أظهر القولين في المسألة.

معاني الصيام وآدابه العملية

الصائم في موسم عظيم، ومن هنا فينبغي به أن يتعلم من صومه، وأن يتأدب ويتخلَّق بأخلاق الصائمين، بل عليه أن يكتسب من الصيام معاني التقوى التي تبقى معه طول سَنته؛ وقد قال الله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]؛ فأخبر أن العلة من إيجاب الصوم هي تحصيل التقوى، وقد قال النبي : مَن لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه[27]؛ إذ إن مقصودَ الشارع من أمر المكلفين بالصيام تهذيبُ نفوسهم، فإذا لم تتهذب نفوسهم بالصيام فإن مقصود الشارع لم يتحقق في صيام مَن كان كذلك؛ هذا هو المراد بالحديث.

جاء في الحديث أن النبي قال: الصوم جُنَّة...؛ أي: وقاية، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخط، فإنْ سابَّه أحد أو شاتَمَه؛ فَلْيَقُل: إني امرؤ صائم[28]؛ وذلك لأن الصائم ينتهي عن أشياء مباحة تحِلُّ لغيره، فالصائم ينتهي عن الأكل والشرب المباح، وهكذا لا يجاوب مَن سابَّه، فإن إجابة السابِّ الأصلُ إباحتها؛ لقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، مع أن الأفضل الصبر والعفو، لكن بالنسبة للصائم لا يحِلُّ له أن يُقابل السباب بمثله.

والصوم عبادة عظيمة يكثر أجر الإنسان فيها متى استغل أوقاتها بأنواع الطاعات، فإذا اشتغل الإنسان بأنواع العبادات: إما بالتسبيح، أو بالتهليل، أو بالصلاة على النبي ، أو بقراءة القرآن، أو باللُّبث في المسجد، أو بالطواف، أو بغير ذلك من أنواع العبادات؛ فإن هذا يجعله يحفظ أجر صيامه، فإن أجر الصوم ينقص بما يفعله العبد من المعاصي والذنوب في يوم صومه.

السحور وتعجيل الإفطار

كذلك من المستحبات: أَكْلةُ السَّحر؛ فقد قال النبي : تسحَّروا فإن في السَّحور بَرَكة[29]. السُّحور -بضم السين-: وجبة السَّحر، أما السَّحور -بفتح السين-: فهي الوقت الذي يكون في آخر الليل. وقد قال النبي : فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ أَكْلةُ السَّحر[30]، وكان النبي يؤخر هذه الوجبة، فلم يكن يتناولها إلا قُبيل الأذان، فإذا أذن ذهب إلى الصلاة.

ومن الأمور المستحبة: أن يُقدِّم الإنسان الفطور بمجرد أذان المغرب، فإن أحَبَّ الناس إلى الله أَعجَلُهم فِطرًا -كما ورد ذلك في الخبر-[31].

الإفطار على الرُّطب والتمر أو الماء

ويُستحب أن يكون على رُطب، فإن عُدِمَ الرُّطب فَتَمْر، فإن تعذَّر فماء؛ لورود ذلك عن النبي  في حديثين:

1- في أحدهما ذِكرُ هذه الأنواع الثلاثة، لكن في رُواته مَن هو مجهول[32].

الدعاء أثناء الصيام ووقت الإجابة

قال المؤلف: "ويدعو في صيامه".

فإنه قد ورد في الحديث أن النبي قال: ثلاثة لا تُرد دعوتهم؛ وذكر منهم: الوالد، والمسافر، والصائم حتى يفطر[33]؛ فدل هذا على أن الصيام من أوقات الإجابة التي يُرجى للداعي أن يُجاب دعاؤه فيها. ومثله أيضًا عند الفطر؛ فقد ورد في الخبر أن للصائم دعوة عند فطره[34].

فإن قال قائل بأن الله قد تكفَّل بإجابة الدعاء في كل وقت؛ كما في قوله سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]؛ فكيف تقولون بأن هناك أوقاتًا تكون أحرى للإجابة؟

فنقول: هذه الأوقات أحرى لأن يُشرَع للإنسان بإجابة دعائه، وأما مجرد الدعاء فقد يُستجاب للإنسان ولو بعد حين.

كذلك الداعي عندما يدعو؛ قد يكون عنده موانع تمنع من إجابة دعائه؛ كالمَطعم الخبيث، والكسب الحرام، وكما لو كان الإنسان قد دعا بعدم خشوع أو خضوع، أو لم يدعُ بإخفاءِ قولٍ، أو لم يدعُ بقلبٍ حاضر، ونحو ذلك؛ فحينئذٍ إذا دعا مَن كان كذلك في أوقات الإجابة، فإن الله بفضله قد يتجاوز عن هذه الموانع، فيُجيب دعاء الداعي.

صيام التطوع

إذا كان الصيام الواجب يحرص المؤمنون عليه، فإن هناك صيام نافلة يَعظُم به أجرُ العبد؛ فقد ورد في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد  أن النبي قال: مَن صام يومًا في سبيل الله؛ بعَّدَ الله بينه وبين نار جهنم سبعين خريفًا[35]. والصيام عمل صالح يَعظُم به أجرُ الإنسان؛ فقد قال النبي : كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به[36].

كما أن العبد في أثناء صيامه للفريضة يحصل منه نقص في هذا الصوم، فإنه قد يغتاب الآخرين، وقد يتكلم في أعراضهم، وقد يفعل معاصي أخرى؛ فحينئذٍ ينقص أجر صيامه، فشُرع له أن يكمِّل هذا النقص بصيام النافلة.

الأيام التي يُنهى عن صيامها

وصيام النافلة مطلق؛ فأيُّ يومٍ صامه الإنسان جاز له ذلك، إلا في الأيام التي يُنهى عنها؛ وهي:

  • يومَا العيد: عيد الفطر وعيد الأضحى.
  • وأيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
  • ويوم الشك: وهو يوم الثلاثين من شهر شعبان. ومثله أيضًا اليوم التاسع والعشرون من شهر شعبان؛ فقد قال النبي : لا ‌تَقدَّموا ‌رمضان ‌بصوم ‌يوم ‌ولا ‌يومين، ‌إلا ‌رجل ‌كان ‌يصوم ‌صومًا؛ ‌فَلْيَصُمْه[37].

صيام الست من شوال

من الأيام الفاضلة التي يَعظُم أجرُ صومها: ستةُ أيام من شهر شوال، كما قال بذلك الإمام الشافعي والإمام أحمد؛ لِمَا ورد في حديث أبي سعيد  أن النبي قال: مَن صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال؛ فكأنما صام الدهر[38]؛ وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فمَن صام شهرًا فكأنه صام عشرة أشهر بالنسبة للأجر، ومَن صام ستة أيام فكأنما صام ستين يومًا -وهما الشهران الباقيان من السنة-. وبعضهم طعن في هذا الحديث بأمور لا يصح الطعن بها، خصوصًا أن هذا الحديث ورد من طُرُق متعددة، ثم إنه ورد من طريق صحابة آخرين.

صيام عشر ذي الحجة

هكذا أيضًا من الأيام الفاضلة التي يُستحب صومها: عشرُ ذي الحجة، فإذا دخل شهر ذي الحجة استُحب للناس أن يصوموا؛ لقول النبي : ما من أيام العمل الصالح فيها خير وأحب إلى الله من هذه العَشر[39]؛ فقوله : العمل الصالح يشمل سائر أنواع الأعمال الصالحة.

وجاء في السننِ الترغيبُ في صوم هذه الأيام، وترتيب أجر كثيرٍ عليها؛ عند الترمذي وابن ماجه أن صيام يوم منها كصيام سَنة[40].

وقوله: "وعشر ذي الحجة"؛ المراد به: تسعة أيام. أما اليوم العاشر فهو يوم عيد الأضحى، فهذا مما يحرم صومه؛ فإن النبي قد نهى عن صوم يوم الأضحى[41].

صيام يوم عرفة

قال المؤلف: "وخصوصًا يوم عرفة".

ويوم عرفة هو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة؛ وقد قال النبي : أحتسب على الله في صوم يوم عرفة أن يُكفِّر سنتين[42] كما رواه الإمام مسلم من حديث أبي قتادة ، قال: إلا أنه يُستثنى من هذا الحاج، فإن الحاج يَحسُن أن يفطر يوم عرفة؛ من أجل أن يكون ذلك أقوى له في ذكر الله ودعائه في ذلك اليوم الفاضل.

وهذا يدلك على أن الأيام الفاضلة قد يُستحب للإنسان ترك صومها؛ لأنها تشغله عن واجب من الواجبات ألزم من هذا الصوم المُتطوَّع به.

الصوم في شهر المحرم

كذلك من الأيام الفاضلة التي يَعظُم أجرُ صومها تطوعًا: صومُ شهر الله المحرم، وهو أول شهر في السنة الهجرية؛ وقد قال النبي : أفضلُ الصيام بعد رمضان صومُ شهر الله المحرم[43]، وقد قال العلماء: المراد بذلك صومُ شهرٍ كامل، وليس المراد به أفراد الصوم.

صوم عاشوراء

فقد ثبت أن صومَ يوم عرفة أرجحُ من صوم يوم عاشوراء -وخصوصًا التاسع والعاشر-، أما العاشر فهو يوم عاشوراء الذي أمر النبي بصومه، وكان أهل الجاهلية يصومونه، فصامه النبي معهم، فلما قَدِمَ المدينةَ وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن سبب ذلك، فقالوا: يوم نجَّى الله فيه موسى فنحن نصومه شكرًا؛ فقال النبي : نحن أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمرَ بصيامه[44].

فلما فُرض صوم رمضان نُسخ وجوبُ صومِ يوم عاشوراء، وبقي استحبابه؛ وقد قال النبي عن صوم يوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يُكفِّر سَنةً[45]، وفي السنة الأخيرة أراد النبي أن يُخالف طريقة اليهود، فقال: لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومنَّ اليوم التاسع[46]، وقد ورد في مسند الإمام أحمد أنه قال: صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده[47]، وفي بعض نسخ المسند: صوموا يومًا قبله ويومًا بعده[48]؛ فمَن صام يوم العاشر أجزأه، ومَن صام التاسع كَثُر أجره بذلك.

صيام ثلاثة أيام من كل شهر

هكذا أيضًا يُستحب للإنسان أن يصوم من كل شهر ثلاثةَ أيام؛ لقول النبي : صوم ثلاثة أيام من كل شهر كصوم الدهر[49]؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. وينبغي أن تكون الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؛ فقد وردت روايات متعددة يُقوِّي بعضُها بعضًا تُرغِّب في أن تكون هذه الأيام الثلاثة هي أيام البيض.

وليس ذلك على سبيل التحتُّم؛ فلو أراد الإنسان أن يصوم ثلاثة أيام من أول الشهر أو من آخره، أو أراد أن يُفرِّقها، أو أراد أن يصوم الإثنين مرتين والخميس ثلاثًا، أو لم يكن عنده فرصة في عمله إلا في يوم الخميس فأراد أن يصوم الخميس من كل أسبوع ليكون بذلك قد صام ثلاثة أيام من كل شهر؛ جاز له ذلك وحصل على الأجر الوارد في هذا.

صوم الإثنين والخميس

كذلك يُستحب للإنسان أن يصوم يومَي الإثنين والخميس؛ فقد سُئل النبي عن صومهما، فقال: إنهما يومان تُعرَض فيهما الأعمال على الله، فأُحِبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم[50].

عبادة الاعتكاف

من العبادات التي يذكرها الفقهاء بعد "كتاب الصيام" عبادةُ الاعتكاف؛ والمراد بالاعتكاف: لزوم المسجد واللُّبث فيه؛ بنية التقرب لله ​​​​​​​.

والاعتكاف يكون في أيِّ مسجد من المساجد، ولا يختص بالمساجد الثلاثة؛ لقوله تعالى: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وأما ما ورد من حديث: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة[51] فالصواب أن هذا اللفظ فيه علة، وأنه ليس بمتصل.

والاعتكاف يكون في جميع أيام السنة؛ لأن النبي ثبت أنه اعتكف في شوال، واعتكف في رمضان، وبقي الاعتكاف بعده.

والاعتكاف ليس خاصًّا بالرجال، بل حتى للنساء؛ فإن أزواج النبي اعتكفنَ معه واعتكفنَ بعده. ولكن لِيُعلَم بأن بقاء المرأة في بيتها -خصوصًا إذا كان عليها واجبات تجاه بيتها وزوجها وأبنائها- أَوْلى وأفضل؛ لأنه ليس من الفقه أن يترك الإنسان واجبًا من الواجبات من أجل فِعل مستحب من المستحبات.

والاعتكاف؛ هل يُشترط له الصوم أو لا؟

قال أحمد والشافعي: لا يُشترط له؛ فإن عمر قال للنبي : نذرت أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فقال النبي : أوفِ بنذرك[52]، فدَلَّ هذا على أنه يصح الاعتكاف بدون صوم، ودَلَّ هذا على أنه لا يُشترط في الاعتكاف أن يكون يومًا كاملًا، فلو اعتكف الإنسان جزءًا من النهار فإنه يصح اعتكافه حينئذٍ.

ولا يجب الاعتكاف إلا بالنذر، فإذا نذر الإنسان الاعتكاف وجب عليه الوفاء به، وإذا اعتكف استحبابًا فخرج؛ انقطع اعتكافه بهذا. أما إذا كان الاعتكاف واجبًا؛ فلا يجوز له الخروج من المسجد لغير حاجة، فإن خرج لغير حاجة أَثِم بذلك، وعليه أن يقضي اعتكافه.

ويُستحب بالمؤمنين أن يتحرَّوا ليلة القدر؛ فإنها خيرٌ من ألف شهر -كما جاءت في سورة "القدر"-، وليلة القدر تتنقَّل ما بين ليلة وأخرى -على الصحيح-، وأن ليالي الوتر أَرجى أن تكون ليلة القدر؛ فإن النبي قال: أرى رؤياكم تواطأت، فمَن تحرَّى ليلة القدر فَلْيتحرَّها في السبع الأواخر[53]، وفي لفظ: فَلْيتحرَّها في الوتر من العشر الأواخر[54].

فإن قال قائل: ما الدليل على انتقالها؟

قلنا: الحديث ...

^1 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151.
^2 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
^3 رواه البخاري: 1960، ومسلم: 1136.
^4 رواه البخاري: 1946، ومسلم: 1115.
^5 رواه مسلم: 1114.
^6 رواه البخاري: 1943، ومسلم: 1121.
^7 رواه البخاري: 321، ومسلم: 335.
^8 رواه أبو داود: 2454، والترمذي: 730، والنسائي: 2334، واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6534.
^9 رواه البخاري:1، ومسلم: 1907.
^10 رواه البخاري: 7265، ومسلم: 1135.
^11, ^13, ^31 سبق تخريجه.
^12 رواه مسلم، بنحوه: 1154.
^14 رواه البخاري1955، ومسلم: 1101، بنحوه.
^15 رواه الترمذي: 700، وأحمد: 7241، وابن حبان في صحيحه: 4262.
^16 رواه البخاري: 1933، ومسلم: 1155.
^17 رواه أبو داود: 142، والترمذي: 788، والنسائي: 87، وابن ماجه: 407، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 333.
^18, ^19 رواه البخاري، بنحوه: 1894.
^20 رواه البخاري: 1936، واللفظ له، ومسلم: 1111.
^21 التخريج السابق؛ وجاء فيه: فمكث النبيُّ ، ثم أُتي بعَرَقٍ -والعَرَق: المِكْتَلُ [الوعاء]- فيه تَمْر، قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال : خذه فتصدَّق به، فقال الرجل: على أحوج مِنَّا يا رسول الله؟ والذي بعثك بالحق، ‌ما ‌بين ‌لابَتَيْها ‌أهلُ ‌بيت أحوجُ مِنَّا، فضحك النبي حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعِمه أهلك.
^22 رواه البخاري: 1925.
^23 رواه أبو داود: 2367، وابن ماجه: 1680، وأحمد: 22503، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2369.
^24 رواه البخاري: 5694.
^25 رواه البخاري: 5695، ومسلم: 1202.
^26 رواه أبو داود: 2380، والترمذي: 720، والنسائي: 3130، وابن ماجه: 1676، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2380.
^27 رواه البخاري: 1903.
^28 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151.
^29 رواه البخاري: 1923، ومسلم: 1095.
^30 رواه مسلم1096.
^32 عن أنس بن مالك قال : "كان رسول الله يفطر على رُطَبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رُطَبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حَسَا حَسَوات من ماء". رواه أبو داود: 2356، واللفظ له، والترمذي: 696، وأحمد: 12676.)).

2- وفي الحديث الآخر أنه ذَكَرَ التمر والماء ولم يذكر الرُّطب، وهو بإسناد جيد((إذا ‌أفطر ‌أحدكم ‌فَلْيُفطر ‌على ‌تمر، ‌فإن ‌لم ‌يجد ‌فَلْيُفطر ‌على ‌ماء؛ فإنه طَهور؛ رواه الترمذي: 695، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، وأحمد: 16228.

^33 رواه الترمذي: 3598، وابن ماجه: 1752، وأحمد: 8030، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 1432.
^34 رواه البيهقي في شعب الإيمان: 3621.
^35 رواه البخاري2840، ومسلم: 1153، بنحوه.
^36 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151، بنحوه.
^37 رواه مسلم: 1082.
^38 رواه مسلم: 1164.
^39 رواه البخاري، بنحوه: 969.
^40 رواه الترمذي: 758، وابن ماجه: 1728.
^41 رواه مسلم: 1140.
^42 رواه مسلم، بنحوه: 1162.
^43 رواه مسلم: 1163.
^44 رواه البخاري: 2004، ومسلم: 1130، بنحوه.
^45 رواه مسلم، بنحوه: 1162.
^46 رواه مسلم: 1134.
^47 رواه أحمد: 2154.
^48 التخريج السابق.
^49 رواه البخاري: 3419، ومسلم: 1159.
^50 رواه الترمذي: 747، وابن ماجه: 1740، وأحمد: 8343، وصححه ابن الملقن في البدر المنير: 5/ 755.
^51 رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار: 2771، وقال ابن باز في مجموع الشروح الفقهية 2/ 420: شاذ.
^52 رواه البخاري: 6697، ومسلم: 1656.
^53 رواه البخاري: 2015، ومسلم: 1165، بنحوه.
^54 رواه البخاري: 2016، 2017، ومسلم: 1167، بنحوه.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©