- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
كتاب الطهارة - من قوله: "فصلٌ في نواقض الوضوء" (02)

جدول المحتويات
الشيخ: نواصل ما كنا ابتدأنا قراءته من كتاب "نور البصائر والألباب" للشيخ السعدي رحمه الله تعالى.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المُصنف رحمه الله وغفر له ولوالدينا وشيخنا والسَّامعين:
وغسل هذه الأعضاء الأربعة فرضٌ فرضه اللهُ في كتابه، وكذلك الترتيب بينها والمُوالاة.
وأما النية فإنها شرطٌ في جميع العبادات من طهارةٍ وصلاةٍ وغيرهما.
وإن كان على بعض أعضاء طهارته جبيرةٌ أو خِرْقَةٌ أو دواءٌ مُضطرًّا إلى وضعها فله المسح على ذلك في الحَدَث الأكبر والأصغر حتى يَبْرَأ، ليس لذلك توقيتٌ.
والفرض المُجْزِي من ذلك: أن يغسل جميع بدنه، ولا يترك منه شيئًا، حتى الذي تحت الشعور الكثيفة والمواضع الخفية.
وليس للحيض مدةٌ ولا سِنٌّ، بل متى وَجَدَت المرأةُ الدَّمَ المُعتاد جلستْ عن العبادات ونحوها، ومتى انقطع انقطاعًا بَيِّنًا اغتسلتْ إلا أن تكون مُستحاضةً قد أطبق عليها الدَّم، أو كانت لا تطهر إلا وقتًا لا يُذْكَر، فإنها تعمل بما أرشد إليه النبي ؛ تجلس عادة أيامها إن كان لها عادةٌ، فإن لم يكن جلست الدم الأسود دون الأحمر، أو الغليظ دون الرقيق، أو المُنْتِن دون غيره، فإن لم يكن لها تمييزٌ جلست ستة أيامٍ أو سبعة أيامٍ، ثم اغتسلتْ وغسلت الدَّم، واجتهدتْ في إيقاف الدم إن قَدَرَتْ عليه، ولا عليها ضررٌ، وَصَلَّتْ وتَعَبَّدَتْ مع وجود هذا الدَّم؛ لأنه ليس بحيضٍ، والله أعلم.
نواقض الوضوء
الشيخ: ما زال المؤلف في سياق أحكام الطَّهارة، ابتدأ ذلك بأحكام استصحاب الطهارة.
الاستصحاب يُراد به: إبقاء الوصف السابق، بحيث إذا كان الإنسان عنده وصفٌ سابقٌ من طهارةٍ أو حدثٍ، ثم بعد ذلك شَكَّ: هل تغير هذا الحكم أو ما زال باقيًا؟
فالأصل بقاء ذلك الوصف.
مثال ذلك: مَن كان مُتطهِّرًا في أثناء صلاة الفجر، ولا يتيقن بوجود ناقضٍ من نواقض الوضوء، فلما أذَّن الظهر أو جاء وقت صلاة الضُّحى شَكَّ: هل أحدث بعد صلاة الفجر أو لم يُحْدِث؟
فجمهور أهل العلم قالوا: إن الأصل أنه ما زال على الطهارة، وأن الحكم السابق لم يَنْتَفِ؛ لعدم وجود الدليل الدال على انتفاء ذلك الوصف.
وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد، قالوا: لأن الوصف السابق مُتيقَّنٌ منه، فلا نُزيله بوصفٍ مشكوكٍ فيه.
واستدلوا على ذلك بما ورد في الحديث: أن النبي شُكِيَ إليه الرجل يُخَيَّل إليه في الصلاة أنه أحدث، فقال : لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا [1].
وذهب الإمام مالكٌ في هذه المسألة إلى أن مَن كان مُتيقنًا الطهارة، ثم شَكَّ في وجود الحدث: أنه لا يحقُّ له أن يستبيح الصلاة، قال: لأن بقاء الصلاة في الذّمة مُتيقَّنٌ منه، فلا نُزيل هذا المُتيَقَّن من وجوده في الذّمة بصلاةٍ مشكوكٍ في طهارتها.
ولعل قول جمهور أهل العلم في هذه المسألة أرجح وأقوى؛ لحديث عبدالله بن زيد السابق.
الخارج من السَّبيلين
قال المؤلف: "حتى يوجد ناقضٌ".
إذا وُجِدَ ناقضٌ من نواقض الوضوء فإنه حينئذٍ لا يصح للإنسان أن يفعل الأفعال التي تُشترط لها الطَّهارة، ويُعَدُّ الإنسان مُحْدِثًا بذلك.
وقد مثَّل لنواقض الوضوء بأمثلةٍ:
أولها: الخارج من السَّبيلين؛ لقول الله جلَّ وعلا: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] في سياق أسباب الحَدَث، فدلَّ هذا على أن الغائط من نواقض الوضوء.
وجاء في حديث صفوان بن عَسَّال : أن النبي قال: لكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ [2]، فدلَّ هذا على أن الخارج من السَّبيلين ناقضٌ من نواقض الوضوء.
وهكذا أيضًا لو كان الخارج من السَّبيلين مُغايرًا للغائط والبول، فإنه لما شاركهما في المخرج حكمنا بأن الوضوء مُنْتَقِضٌ.
ومن ذلك: أن الإنسان إذا خرج منه المَذْي فإنه ينتقض وضوؤه؛ لما ورد في الحديث: أن النبي سُئل عن المَذْي فقال فيه: تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فرجك [3].
وهكذا أيضًا جاء في الحديث: أن النبي أمر المُستحاضة أن تتوضأ لكل صلاةٍ [4]، وهي لم يخرج منها بولٌ ولا غائطٌ، وإنما خرج منها الدَّم.
الدَّم والقَيْح الخارج من غير السَّبيلين
قال المؤلف: "وكذلك الدَّم والقَيْح الخارج من غير السَّبيلين إذا كثر".
الخارج النَّجس من غير السَّبيلين: إما أن يكون بولًا أو غائطًا، فحينئذٍ يُحْكَم بأنه ناقضٌ للوضوء؛ لدلالة الأحاديث السابقة.
ومن هنا فأولئك الذين يضعون فتحاتٍ في أبدانهم لإخراج البول والغائط، نقول: إذا خرج بولٌ وغائطٌ من هذه الفتحات فإن الوضوء حينئذٍ ينتقض.
أما إذا كان الخارج من غير السَّبيلين ليس بولًا ولا غائطًا، فحينئذٍ إن كان هذا الخارج طاهرًا فإنه لا ينتقض الوضوء به.
ومن أمثلة ذلك: اللُّعَاب والمُخَاط والعرق، فهذه الأشياء لا ينتقض الوضوء بها؛ لعدم نجاستها، وقد حُكِي الاتِّفاق على ذلك.
أما إذا كان الخارج من غير السَّبيلين نجسًا، وكان قليلًا، فإن جمهور أهل العلم يرون أن ذلك لا ينقض الوضوء؛ لقلته.
أما إذا كان الخارج النَّجس من غير السَّبيلين كثيرًا، فحينئذٍ هل يُحْكَم بانتقاض الوضوء بذلك أو لا؟
مثال ذلك: لو خرج من الإنسان دمٌ كثيرٌ من بدنه، فهل ينتقض وضوؤه بهذا؟
وهكذا لو كان الإنسان قد جاءه قَيْءٌ، فخرج من بطنه شيءٌ كثيرٌ، فحينئذٍ هل نحكم بانتقاض الوضوء أو لا؟
اختار المؤلف أن الوضوء ينتقض بهذا، وهو مذهب أحمد والشافعي وجماعةٍ.
واستدلوا على ذلك بما ورد أن النبي قاء فتوضأ [5].
قالوا: فدلَّ هذا على أن القَيْءَ عِلةٌ للوضوء؛ لأنه إذا عُطِفَ بين فعلين بواسطة حرف الفاء دَلَّ على أن الفعل الأول علةٌ للفعل الثاني.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن الخارج النَّجس من غير السَّبيلين لا ينتقض الوضوء به ولو كان كثيرًا، ولعلَّ هذا القول أرجح.
وأما حديث: "قاء فتوضأ" ففيه دلالةٌ على مشروعية الوضوء عند وجود القَيْء، وليس فيه دلالةٌ على أن الوضوء في هذه الحال واجبٌ، وبالتالي لا يصحُّ الاستدلال به على انتقاض الوضوء في ذلك، والأصل أننا لا نُثْبِت فعلًا من الأفعال ناقضًا للوضوء إلا بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ، ولم يوجد ذلك هنا.
واستدلَّ بعض مَن يرى النَّقض بأن هذا هو قول ابن عباسٍ، لكن الصحابة قد اختلفوا في هذه المسألة، والقاعدة في أقوال الصحابة: أنه إذا وُجِدَ اختلافٌ بينهم لم يصحّ للإنسان أن يستدلَّ بأقوال بعضهم دون بعضٍ.
النوم الكثير المُسْتَغْرِق للإحساس
النَّاقض الآخر من نواقض الوضوء: "النوم الكثير المُسْتَغْرِق للإحساس"؛ لقول النبي : مَن نام فليتوضأ [6]؛ ولقوله: العين وِكَاءُ السَّه [7]؛ ولقوله : لكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ [8] في تعداد نواقض الوضوء.
وإذا نظر الإنسان في الأدلة وجد أنها قد استثنت النوم القليل وحكمتْ بأنه لا ينقض الوضوء.
وقد اختلف العلماء في الهيئة التي يكون عليها النَّائم التي لا تنقض الوضوء، فما الهيئة والصفة التي إذا نام الإنسان عليها نومًا قليلًا فإنه لا ينتقض وضوؤه؟
قالت طائفةٌ: إن هذا من نوم القائم وحده، أما إذا كان الإنسان قاعدًا أو ساجدًا أو راكعًا فإنه إذا نام فإننا نحكم بأن هذا النوم يُعَدُّ ناقضًا للوضوء ولو كان قليلًا.
قالوا: لأن القائم مُتمكِّنٌ من نفسه، ماسِكٌ لمقعدته، وأما بقية الهيئات فإن الإنسان لا يكون ماسكًا لمقعدته، مُتمكِّنًا من نفسه.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن مَن نام نومًا يسيرًا وهو قائمٌ أو قاعدٌ فإننا نحكم بأن وضوءه لم ينتقض، لكن إذا نام نومًا يسيرًا على صفةٍ أخرى -كما لو كان ساجدًا أو راكعًا- فإننا نحكم بأن وضوءه قد انتقض.
والقول الثالث في المسألة: أن مَن نام نومًا يسيرًا على شيءٍ من هيئات الصلاة فإنه لا يُعَدُّ قد انتقض وضوؤه بذلك، بخلاف ما إذا نام نومًا يسيرًا على هيئةٍ مُغايرةٍ لهيئات الصلاة، كمَن نام نومًا يسيرًا وهو مُضطجعٌ.
والقول الرابع في هذه المسألة: أن النوم اليسير غير ناقضٍ للوضوء مطلقًا على أيِّ هيئةٍ، وعلى أيِّ صفةٍ.
ولعل هذا القول الأخير أرجح الأقوال، وهو مذهب الإمام مالكٍ رحمه الله تعالى؛ وذلك لأنه قد ثبت أن النبي رخَّص لأصحابه في بدء الصلاة وقد ورد عليهم نومٌ يسيرٌ، فقد جاء في الحديث: أن الصحابة كانوا ينتظرون النبي في صلاة العشاء وكانت رؤوسهم تَخْفِق، بل قد ورد في بعض روايات الحديث: أنه قد اضطجع بعضهم [9].
مَسّ الفرج بلا حائلٍ
ثم ذكر المؤلف ناقضًا من نواقض الوضوء، ألا وهو مَسّ الفرج بلا حائلٍ؛ وذلك لأنه قد جاء في حديث بُسْرَة وأبي هريرة وطائفةٍ من صحابة رسول الله : أن النبي قال: مَن مَسَّ ذكره فليتوضأ [10]، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
وأما ما ورد من حديث: أن النبي سُئل عن المَسَاس بالفرج في الصلاة فقال : وهل هو إلا بَضْعَةٌ منك؟ [11]، فالظاهر في هذا الحديث أن المراد به المَسُّ من وراء حائلٍ؛ وذلك لأنه يَبْعُد أن يكون المُصلِّي في أثناء صلاته ممن يُفْضِي إلى فرجه ويُبَاشره بدون حائلٍ، فلعل المراد بهذا الحديث: مَسُّه من وراء حائلٍ، ومن ثَمَّ فإن الأظهر أن مَسَّ الفرج ينقض الوضوء.
وإذا كان مَسُّ الإنسان لفرجه ناقضًا للوضوء فإنه يُلحق بذلك مَسُّ الإنسان لفرج غيره.
فلو مَسَّ الزوجُ فرجَ زوجته انتقض وضوؤه بذلك، ولا يُشترط في هذا المَسِّ أن يكون بشهوةٍ، بل إذا مَسَّ الفرجَ انتقض وضوؤه بمجرد ذلك.
وهنا مسألةٌ هي: هل مَسُّ فرج الصبي من نواقض الوضوء أو ليس الأمر كذلك؟
الأظهر أنه إذا ثبت الحكم في مَسِّ الإنسان لفرجه أن يثبت في مَسِّهِ لفرج غيره -كما تقدم- ومن ذلك فرج الصبي.
ومن هنا فإن الصواب من أقوال أهل العلم: أن مَسَّ فرج الصبي ناقضٌ من نواقض الوضوء إذا كان مَسُّه بلا حائلٍ، أما إذا كانت المرأة تلبس قُفَّازات على يديها، فلا تلمس فرجه إلا من وراء حائلٍ؛ فإنه لا ينتقض وضوؤها بذلك.
مَسُّ الرجل للمرأة بلذَّةٍ
النَّاقض الآخر من نواقض الوضوء: مَسُّ الرجل للمرأة بلذَّةٍ، فإن الله جلَّ وعلا قال: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43].
وقد اختلف أهل العلم في مَسِّ المرأة من قِبَل الرجل هل ينقض الوضوء أو لا ينقضه؟
على ثلاثة أقوالٍ مشهورةٍ:
القول الأول: أن مَسَّ الرجل للمرأة ينقض الوضوء مطلقًا، وهذا هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، قالوا: لَامَسْتُمُ كما يصدق على الجِمَاع يصدق على المُلامسة من الرجل للمرأة ولو لم يكن هناك جِمَاعٌ؛ لأن لفظ: لَامَسْتُمُ لفظٌ مُشتركٌ، والأصل في الألفاظ المُشتركة أن تُحْمَل على جميع معانيها.
والمراد باللفظ المُشترك: أن يكون هناك لفظٌ واحدٌ يدلُّ على معانٍ مُختلفةٍ بأوضاعٍ مُستقلةٍ، كما نقول للكوكب المعروف: المُشْتَري، ونقول في المُقابل للبائع: المُشْتَري.
والقول الثاني في هذه المسألة: التَّفريق بين ما إذا كان المَسُّ بِلَذَّةٍ أو بدونها، فإذا مَسَّ الرجلُ المرأةَ بِلَذَّةٍ انتقض وضوؤه بذلك، أما إذا مَسَّ الرجلُ المرأةَ بدون لَذَّةٍ فإنه لا ينتقض وضوؤه بذلك.
وهذا هو مذهب الإمام مالكٍ وأحمد رحمهما الله تعالى.
فأما إثبات انتقاض الوضوء بِمَسِّ المرأة فاستدلوا عليه بقوله تعالى: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ.
وأما استثناء المَسِّ بدون لَذَّةٍ فقالوا: قد ثبت في الصحيح أن النبي يَمَسُّ نساءه بلا لذَّةٍ لمُصافحةٍ وغيرها، ثم يذهب للصلاة ولا يُحْدِث وضوءًا.
والقول الثالث في هذه المسألة: أن مَسَّ الرجل للمرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة.
وقالوا في قوله : أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ المراد بذلك: الجِمَاع.
قالوا: لأن قوله: لَامَسْتُمُ فعلٌ على صفة أفعال المُشاركة، فكأنَّ هناك مُشاركةً في المُلامسة بين الرجل والمرأة، ولا يكون ذلك إلا في الجِمَاع.
واستدلوا على ذلك بما ورد في السُّنن: أن النبي كان يُقَبِّل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ [12]، لكن هذا الحديث ضعيف الإسناد؛ فيه عِلةٌ قادحةٌ، فلا يصحُّ الاستدلال به.
ولذلك فإن أظهر الأقوال في هذه المسألة هو التَّفريق بين المَسِّ: إذا كان بشهوةٍ، أو كان بدونها.
إذا تقرر هذا فعكس هذه المسألة هل نُثْبِت به انتقاض الوضوء؟
كما لو كانت هناك امرأةٌ مَسَّتْ رجلًا بشهوةٍ، فهل ينتقض وضوؤها بذلك أو لا؟
هذه المسألة من المسائل الخلافية بين أهل العلم، والخلاف فيها مبنيٌّ على الخلاف في المسألة السابقة.
أكل لحوم الإبل
النَّاقض الآخر من نواقض الوضوء: أكل لحوم الإبل، فإنه قد جاء في الحديث: أن النبي قال: تَوَضَّؤوا من لحوم الإبل [13].
وقد جاء في الحديث الآخر: أن النبي سُئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فقيل له : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا [14].
والوضوء من لحوم الغنم إما مُباحٌ أو مُستحبٌّ، ومع ذلك عُبِّر عنه هنا بالنَّفي، فدلَّ على أن المراد بإثبات الوضوء عند أكل لحم الإبل إيجاب الوضوء في هذه الحال.
وقوله هنا: "وأكل لحوم الإبل" يعني: أن بقية الاستخدامات التي تكون للإبل فإنها لا تنقض الوضوء.
والقول بأن أكل لحم الإبل ينقض هو مذهب الإمام أحمد، وقد وافقه طائفةٌ من فقهاء ومُحَدِّثي بقية المذاهب؛ وذلك لأن الدليل في هذا الباب دليلٌ صحيحٌ ثابتٌ.
وقوله هنا: "أكل" يعني: أن بقية الاستعمالات للحوم الإبل لا ينتقض الوضوء بها، من مثل: الركوب، ومن مثل: تقطيع لحم الإبل، ومن مثل: حمل لحم الإبل، فالحكم خاصٌّ بالأكل وحده.
هل شحم الإبل وألبانها ينقض الوضوء؟
وقوله: "لحوم" فيه دلالةٌ على أن الوضوء لا ينتقض إلا بأكل اللحم، وأما ما لا يُسمَّى "لحمًا" فإنه لا ينقض الوضوء، ومن أمثلة ذلك: الشَّحْم، فإنه لا يُسمَّى "لحمًا"، وهكذا أيضًا: العَصَب لا يُسمَّى "لحمًا"، وهكذا أيضًا: شُرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء، ومن ذلك أيضًا: شُرب المَرَقَة التي وُضِعَتْ فيها لحوم الإبل، وكذا بقية أنواع الاستعمالات.
وذهبتْ طائفةٌ من أهل العلم إلى أن هذا الحكم يشمل جميع أجزاء الإبل، قالوا: لأنه لمَّا مُنِعَ من أكل لحوم الخنزير في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة:3]، قلنا بتحريم جميع أجزاء لحم الخنزير.
قالوا: فهكذا في الإبل لمَّا أوجب الوضوء من أكل لحوم الإبل شمل جميع أجزائها.
وهذا الاستدلال استدلالٌ خاطئٌ؛ لأنه قياسٌ مع وجود الفرق؛ لأن المعنى الذي من أجله مُنِعَ من أكل لحوم الخنازير هو نجاستها، والنَّجاسة تنتقل بواسطة المُجاورة، بخلاف المعنى الذي من أجله ثبت وجوب الوضوء عند أكل لحوم الإبل، فليس لنجاستها، وهذا المعنى لا ينتقل من اللحوم إلى ما جاورها.
ومن ثَمَّ فإنَّ الصواب الاقتصار في هذه المسألة على القول بأن نقض الوضوء لا يكون إلا بواسطة لحم الإبل دون بقية أجزائها.
وبقي هنا ما يتعلق بالكبد والطِّحَال، هل هما لحمٌ فَنُثْبِت أنَّهما ناقضان للوضوء عند أكلهما، أو نقول: ليسا كذلك؟
جمهور أهل العلم يرون أن الكبد والطِّحَال ليسا من اللحم، وأنهما نوعٌ من أنواع الدماء؛ لما ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان، ثم ذكر في الدَّمَين: الكبد والطِّحَال [15]، فدلَّ هذا على أن الكبد والطِّحَال ليسا من اللحم.
يبقى هنا ما يتعلق بلحم الرأس: هل ينتقض الوضوء به أو لا؟
قالت طائفةٌ: لا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يُسمَّى "لحمًا" مُطلقًا، وإنما يُسمَّى "لحمًا" عند تقييده بكونه لحم رأسٍ، وبالتالي قالوا بأن اللسان واللحم الذي في تجاويف الرأس لا ينتقض الوضوء به.
ولعل الصواب انتقاض الوضوء بذلك؛ لأنها تُسمَّى "لحمًا" في لغة العرب، فَنُثْبِت هذا الحكم وهو: انتقاض الوضوء لمَن أكلها.
وقوله هنا: "الإبل" فيه دلالةٌ على اقتصار هذا الحكم على الإبل، فلا يصحُّ أن نقيس عليها شيئًا من الحيوانات.
فمَن قال -مثلًا-: إن مَن أكل اللحوم المُحرمة انتقض وضوؤه.
أو قال بأن مَن أكل لحم بعض الحيوانات التي يكون لحمها قويًّا شديدًا.
نقول: كل ذلك لا يثبت حكمه، لماذا؟
لأن المعنى الذي من أجله جاءت الشريعة بانتقاض الوضوء عند أكل لحوم الإبل غير معروفٍ لنا، والقاعدة: أننا إذا لم نعرف العِلة التي من أجلها ثبت الحكم؛ فإنه لا يصحُّ لنا أن نقيس عليها.
لو قال قائلٌ: إن أكل لحم الأَيْل ينقض الوضوء؛ لكونه لحمًا حارًّا كلحم الإبل.
قيل: لم يثبت أن المعنى في انتقاض الوضوء كون اللحم حارًّا، وإنما ثبت الحكم في الإبل، فلا يصحُّ أن نقيس عليها غيرها إلا بدليلٍ.
وقوله هنا: "الإبل" يشمل جميع أنواع الإبل مهما اختلفتْ ألوانها، ومهما اختلفتْ بلدانها، وسواء كانت من ذوات السَّنام الواحد، أو كانت من ذوات السَّنامين، وسواء كانت من الإبل ..... أو العُرَابَة أو غيرها من أنواع الإبل.
تغسيل الميت
النَّاقض الآخر من نواقض الوضوء: تغسيل الميت، فإن الإنسان إذا غسَّل ميتًا انتقض وضوؤه بذلك، وَرَدَ عن جماعةٍ من صحابة رسول الله ، وقد وَرَدَ مرفوعًا، لكن إسناده ضعيفٌ.
والصواب من أقوال أهل العلم في هذه المسألة: أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء؛ وذلك لعدم ثبوت كون تغسيل الميت ناقضًا للوضوء، فإن الأصل عدم جعل شيءٍ من الأشياء ناقضًا من نواقض الوضوء إلا بدليلٍ، ولا يوجد دليلٌ يدل على هذا.
وأما أقوال الصحابة في هذا الباب فإنها مُختلفةٌ، وإذا اختلف الصحابة لم يصحّ الاستدلال بقول بعضهم دون بعضٍ.
مُوجِبَات الغُسْل
ثم ذكر المؤلف أن من نواقض الوضوء: مُوجِبَات الغُسْل، فإن الأمور التي تُوجِب الاغتسال -الذي هو تعميم البدن بالماء- تُعَدُّ نواقض للوضوء.
ومُوجِبَات الغُسْل على أنواعٍ:
- منها: تغييب الحَشَفَة في فرجٍ أصليٍّ؛ لقوله : إذا جلس بين شُعَبِهَا الأربع ثم جَهَدَها فقد وجب الغُسْل وإن لم يُنْزِل [16]؛ ولقوله : إذا مَسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسْل [17].
- والمُوجِب الثاني من مُوجِبَات الغُسْل: خروج المني؛ لقول النبي لما سُئل: هل على المرأة من غُسْلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال النبي : نعم إذا رأت الماء [18]؛ ولقوله جلَّ وعلا: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، فالمراد بقوله: فَاطَّهَّرُوا أي: اغتسلوا.
- والمُوجِب الثالث والرابع من مُوجِبَات الغُسْل: الحيض والنِّفاس.
قيل: المُوجِب هو انقطاع الدم فيهما.
وقيل: المُوجِب خروجهما، وانقطاعه شرطٌ لصحة الاغتسال، وقد قال الله جلَّ وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ... الآية [البقرة:222] يعني: اغتسلن. - كذلك من مُوجِبات الغُسل عند كثيرٍ من أهل العلم: الإسلام، فمَن أسلم وجب عليه أن يغتسل، كما هو مذهب الإمام مالكٍ وأحمد؛ لأن النبي أمر ثُمَامَة بن أُثَالٍ وجماعةً من الصحابة بأن يغتسلوا لَمَّا أسلموا، والأصل في الأوامر أن تكون للوجوب.
وذهبتْ طائفةٌ إلى أن الإسلام لا يُوجِب الاغتسال مطلقًا.
وقال آخرون بأن الاغتسال لا يجب على مَن أسلم إلا إذا وُجِدَ منه سببٌ آخر من مُوجِبَات الغُسل، كما لو جامع أو أنزل في وقت كفره، فإنه إذا أسلم وجب عليه أن يغتسل، أما إذا لم يُوجد عنده مُوجِبٌ من مُوجِبَات الاغتسال حال كفره فإنه لا يجب عليه الاغتسال إذا أسلم.
والصواب هو القول الأول بأنه يجب على مَن أسلم أن يغتسل.
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة: هل أخبار الآحاد تُقْبَل فيما تَعُمُّ به البَلْوَى؟
فإن مسألة الاغتسال لمَن أسلم قد عَمَّتْ بها البلوى في وقت النبوة، وذلك أن مَن أسلم كثيرٌ، ومع ذلك لم يَرِد الأمر بالغُسل إلا في وقائع قليلةٍ، فحينئذٍ هل نقول: خبر الواحد مقبولٌ؟ ونقول: إن بقية الرواة لم ينقلوا الوقائع التي وصلتْ إليهم اكتفاءً بخبر هذا الواحد؟ أو نقول بأنه ما دام أن هذه المسألة مما تَعُمُّ بها البلوى ولم يُنْقَل فيها إلا خبر آحادٍ؛ فإنه لا يُقْبَل خبر الواحد فيها؟
الصواب من أقوال الأصوليين: أن خبر الواحد مقبولٌ فيما تَعُمُّ به البلوى؛ لأن الأدلة الدالة على حُجّية خبر الواحد عامَّةٌ، تشمل ما إذا كان خبر الواحد فيما تَعُمُّ به البلوى، وفيما عداها من المسائل.
صفة الطهارة
ثم ذكر المؤلف صفة الطهارة، والطهارة على ثلاثة أنواعٍ:
- أولها: استجمارٌ واستنجاء.
- وثانيها: وضوء.
- وثالثها: اغتسالٌ.
الاستجمار والاستنجاء
أما الاستجمار والاستنجاء فَلْيُعْلَم بأنه لا يجب إلا إذا خرج من السَّبيلين شيءٌ، أما إذا لم يخرج من السَّبيلين شيءٌ له مادةٌ؛ فإن الاستجمار والاستنجاء لا يَجِبَان.
ومن هنا نعلم أن فعل بعضهم كلما استيقظ ذهب للاستنجاء أو الاستجمار، أن هذا لا دليل عليه؛ لعدم وُرُوده في الشرع.
وهكذا بعض الناس إذا خرجتْ منه الريح استجمر أو استنجى، وهذا أيضًا لا دليل عليه، وإنما الاستجمار والاستنجاء عند خروج شيءٍ نجسٍ له مادةٌ من السَّبيلين.
والناس في ذلك على ثلاثة أحوالٍ:
- الحال الأكمل والأعلى: أن يجمع الإنسان بين الاستجمار والاستنجاء، فإذا جمع بينهما فإنه قد استكمل أفضل الحالات وأفضل الأوضاع؛ لأنه قد جمع استجمارًا واستنجاءً، وكلٌّ منها مشروعٌ في هذا الموطن.
- الحال الثاني: أن يكتفي بالاستنجاء بالماء فقط، ولا يستجمر، وهذه الحالة جائزةٌ على الصحيح من أقوال أهل العلم أيضًا.
وقد ورد أن النبي ذكر أن الله أثنى على أهل قباء بأنهم مُتَطَهِّرون بسبب أنهم يستعملون الماء عند وجود الخارج [19]. - والحال الثالث: الاستجمار؛ بأن يكتفي الإنسان بالمواد الأخرى غير الماء.
فهذه الحال مُجْزِأَةٌ أيضًا، ولا حرج على الإنسان في الاكتفاء بها، وقد ثبت أن النبي اكتفى بالاستجمار في أحاديث مُتعددةٍ؛ فدلَّ هذا على جواز الاقتصار على الاستجمار.
والاستجمار هو: استعمال الحجارة ونحوها في إزالة الخارج من السَّبيلين، ولا يضرُّ الإنسانَ أثرُه بعد ذلك.
وهذا الحكم لا يقتصر على الحجارة، بل أيُّ شيءٍ يُزيل بقايا الخارج من السَّبيلين فإنه يصحُّ الاستجمار به، ومن أمثلة ذلك: المناديل، فإنها مما يجوز الاستجمار به، لماذا؟
لأنها تُزيل الخارج من السَّبيلين.
ويُسْتَثْنَى من ذلك: الرَّوث والعظام، فإن النبي منع من الاستجمار بهما، وقال عن الرَّوث: هذا رِكْسٌ [20]، وقال عن العظام: طعام إخوانكم من الجنِّ [21]، فدلَّ هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يستجمر بطعام بني آدم؛ لأنه إذا مُنِعَ من الاستجمار بطعام الجنِّ فمن باب أولى أن يُمْنَع من الاستجمار بطعام الإنس.
وهكذا كل شيءٍ له احترامٌ فإنه لا يصحُّ الاستجمار به، من أمثلته: الأوراق التي عليها كتابة اسم الله تعالى، وهكذا كتب العلم، وهكذا النُّقود التي يُستفاد منها في البيع والشراء لا يجوز الاستجمار بها.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من العدد في الاستجمار، وأنه لا يصحُّ الاقتصار على أقلّ من ثلاثة أحجارٍ، وهذا هو مذهب الإمام أحمد وطائفةٍ؛ لقول النبي : مَن استجمر فَلْيُوتِر [22]، فدلَّ هذا على أن أقلَّ من الإيتار لا يُجْزِئ في الاستجمار.
قوله: "وتُجزئه إذا اقتصر عليها" أي: أن الاستجمار يُجْزِئ العبد المُكلَّف إذا قضى حاجته عند اقتصاره على الاستجمار، ولا يجب عليه أن يستعمل الماء، وإن كان الأفضل الجمع بينهما.
الوضوء
ثم بعد ذلك تكلم المؤلف عن النوع الثاني من أنواع الطهارات وهو الوضوء، قال: "فإذا غسل ما عليه من النَّجاسة فإنه ينوي بقلبه"، ينوي أنه سيتوضأ.
فإذا نوى الوضوء، أو نوى الطهارة، أو نوى رفع الحَدَث، أو نوى استباحة الصلاة أو أيَّ فعلٍ مما يُشترط له الوضوء؛ أجزأ هذا.
والنية محلها القلب كما هو المعهود من لغة العرب.
ومن ثَمَّ لا يصحُّ للإنسان أن يتلفَّظ بها، فإن التَّلفُّظ بها لم يكن منقولًا عن النبي ، فمَن اشترط التَّلفُّظ أو قال باستحبابه، قلنا: هذا مُخالفٌ لهدي النبي .
والصواب أن النية شرطٌ في الوضوء؛ وذلك لأن النبي قال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى [23].
قال: "ثم قال: بسم الله" يعني: أنه يُسمِّي قبل أن يبتدأ في الوضوء.
والتَّسمية قد اختلف العلماء فيها:
- فقالت طائفةٌ: هي فرضٌ في الوضوء، لا تسقط، لا عمدًا، ولا سَهْوًا.
- وقال آخرون: هي واجبةٌ عند تذكرها، لكن إذا نسيها الإنسان سقطتْ عنه.
- وقال آخرون بأنها مُستحبَّةٌ.
ولعلَّ القول بأنها مُستحبَّةٌ وليست بواجبةٍ هو أرجح الأقوال.
وأما ما ورد من حديث: لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله [24]، فهذا الحديث قد ورد من طرقٍ مُتعددةٍ، أحدها ضعيفٌ، وبقية الطرق ضعيفةٌ جدًّا، ومن ثَمَّ فإنه لا يتقوَّى بعض هذه الطرق ببعضها الآخر.
صفة الوضوء
قال: "ثم يتمضمض ويستنشق"، وظاهر كلام المؤلف مشروعية المضمضة والاستنشاق، وهذا محل اتِّفاقٍ بين العلماء، ولكن وقع الاختلاف بينهم في وجوبها، فقالت طائفةٌ بأنه تجب المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي : مَن توضأ فَلْيَسْتَنْثِرْ [25].
فقوله: فَلْيَسْتَنْثِرْ فعلٌ مضارعٌ مسبوقٌ بلام الأمر فيُفيد الوجوب.
ولعلَّ هذا القول أظهر وأقوى؛ لدلالة الحديث عليه.
وقوله: "ثلاثًا، ثلاثًا" أي: أن المُستحبَّ في المضمضة والاستنشاق أن تكون على ثلاث مراتٍ، ثلاث مراتٍ؛ وذلك لثبوت هذه الصفة عن النبي .
وقد نُقِلَ عن النبي في المضمضة والاستنشاق ثلاث صفاتٍ:
- الصفة الأولى: المضمضة والاستنشاق ثلاثًا بغرفةٍ واحدةٍ لكلٍّ منها؛ يتمضمض ويستنشق من جزءٍ من الغرفة، ثم يتمضمض ويستنشق من جزءٍ آخر، ثم يتمضمض ويستنشق من الجزء الأخير.
- كما ورد عنه أنه أخذ ثلاث غرفاتٍ؛ تمضمض واستنشق بغرفةٍ، ثم تمضمض واستنشق أخرى بغرفةٍ أخرى، ثم استنشق، ثم أخذ غرفةً ثالثةً فتمضمض واستنشق.
- وأما الصفة الثالثة الواردة عن النبي فهي: أنه تمضمض واستنشق بِسِتِّ غرفاتٍ، لكل مضمضةٍ ولكل استنشاقٍ غرفةٌ مُستقلةٌ، لكن هذه الرواية روايةٌ ضعيفةٌ معلولةٌ، ومن ثَمَّ لا يصحُّ بناءُ حكمٍ عليها، ونقول بأنها لم تثبت عن النبي .
ثم بعد أن يتمضمض ويستنشق يغسل وجهه ثلاثًا، وغَسْلُ الوجه ثلاثًا مُستحبٌّ؛ لأنه قد ثبت أن النبي غسل الوجه ثلاثًا [26]، وثنتين [27]، وواحدةً [28].
وغسل الوجه من الأمور المُتعينة في الوضوء، فهو فرضٌ من فروض الوضوء.
والظاهر أن المضمضة والاستنشاق جزءٌ من الوجه؛ لأنها من ظاهر البدن؛ ولذلك إذا وضع الصائم فيها طعامًا لم يُؤثِّر ذلك على صحة صومه.
والمراد بالمضمضة: إدخال الماء في الفم، ثم إدارته فيه.
وأما الاستنشاق: فسحب الماء بالأنف حتى يصل إلى تجاويفه.
وقوله: "يغسل وجهه"، الوجه: هو كل ما تحصل به المُواجهة، وبالتالي تدخل الجبهة، وتدخل اللحية إذا كانت كثيفةً، فالواجب غسل ظاهرها؛ لأنه تحصل المُواجهة بظاهر اللحية.
والظاهر أن ما استرسل من اللحية يجب غسل ظاهره؛ لأنه تحصل المُواجهة به.
ويستمر حَدُّ الوجه إلى منابت الشعر في العادة.
وقال المؤلف: "ثم يديه مع المِرْفَقَين ثلاثًا" يعني: أن المُتوضِّئ يغسل يديه بما يشمل السَّاعد، ويشمل المِرْفَقَين.
والمراد بالمِرْفَق: العظم النَّاتئ الذي يكون بين السَّاعد والذِّراع وبين العَضُد.
ويُستحب أن يكون ذلك ثلاثًا.
والمُستحب البداءة باليمين قبل الشمال كما هو فعل النبي ، بخلاف الوجه؛ فإنه عند غسل الوجه يغسله بجميع جهاته في غسلةٍ واحدةٍ.
وقوله: "مع المِرْفَقَين" فيه دلالةٌ على أن المِرْفَقَين يجب غسلهما في الوضوء، وبذلك قالت طائفةٌ من أهل العلم، قالوا: لأن الله تعالى قال: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، والأصل أن المرافق تدخل في المغسول؛ لأن الغاية تدخل في المُغَيَّا.
قوله: "ثلاثًا" أي: يُستحب أن يكون الغسل لليدين ثلاث مراتٍ، ثم يمسح رأسه، فيُشرع للإنسان بعد غسل اليدين أن يمسح الرأس.
والمراد بمسح الرأس: إمرار اليدين مَبْلُولتين على ما ظهر من شعر الرأس، فإن لم يكن عند الإنسان شعرٌ مسح على فروة رأسه، ولا يلزمه أن يمسح إلا ما كان على مقدار الرأس.
أما إذا كان عند المرأة شعرٌ كثيفٌ طويلٌ فإنه لا يجب عليها أن تمسح إلا ما كان على الرأس، أما المُسترسل من شعر الرأس فإنه لا يُشرع مسحه؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي .
والمُستحب أن يبدأ الإنسان بِمُقَدَّم رأسه مما يلي الجبهة إلى أن يصل إلى القَفَا، وهو المُقارب للظهر، المُوالي له، ثم يُستحب له أن يعود مرةً أخرى إلى أن يصل إلى مُقدَّم الرأس، والعود هذا مُستحبٌّ، وليس بواجبٍ، فلو اقتصر على مسحةٍ واحدةٍ أجزأه هذا.
وقد اختلف العلماء في المقدار المُجْزِئ في مسح الرأس:
- فذهب الإمام أحمد ومالكٌ إلى أنه يجب تعميم جميع الرأس بالمسح؛ لقوله جلَّ وعلا: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، قالوا: "رؤوس" جمعٌ مُضافٌ إلى معرفةٍ، فيكون مُفيدًا للعموم، فيجب تعميم أجزائه.
- وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المقدار الذي يجب مسحه من الرأس هو الربع، قال: لأنه هو الذي على قدر اليد.
ومثل هذا قولٌ بتحديدٍ وتوقيتٍ بدون دليلٍ، فحينئذٍ لا يكون مقبولًا. - وذهب الإمام الشافعي إلى أن المُجْزِئ مسحُ أقلِّ ما يَصْدُق عليه اسم الرأس.
وقد اختلف أصحابه في تفسير كلامه هذا؛ فقالت طائفةٌ: يكفيه ثلاث شعراتٍ. وقال آخرون: يكفيه شعرةٌ واحدةٌ.
ولعلَّ القول الأول هو أظهر هذه الأقوال.
ويُشرع للإنسان أن يمسح أُذُنيه عند مسحه لرأسه؛ وذلك لأنه قد ثبت أن النبي كان يمسح أُذُنيه [29].
قال: "ثم يغسل رِجْلَيه ثلاثًا" بعد أن ينتهي من مسح الرأس ينتقل إلى غسل الرِّجْلَين، فلا بد من غسلٍ، ولا يكفي المسح؛ لقوله جلَّ وعلا: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، فإن "أَرْجُل" منصوبةٌ، فتكون معطوفةً على المغسولات المذكورة في هذه الآية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، فلما نصب كلمة أَرْجُلَكُمْ دلَّ على أنها معطوفةٌ على الأيدي والوجه، وليست معطوفةً على الرأس.
ومن ثَمَّ فلا بد من غسل الرِّجْلَين، ولا يكفي المسح فيهما.
ولا بد من تعميم الرِّجْلَين بالغسل بما يشمل جميع أجزاء الرِّجْل حتى يدخل العَقِبُ في ذلك، فقد ثبت من طريق جماعةٍ من الصحابة: أن النبي رأى بعض أصحابه قد توضَّؤوا، فوجد أن أعقابهم تَلُوحُ لم يُصِبْهَا الماء، فقال : ويلٌ للأعقاب من النار [30]، فدلَّ هذا على وجوب غَسْل العَقِبَين في الوضوء.
وقوله: "رِجْلَيه" يعني: الرِّجْل اليُمنى واليُسرى، ويُستحب البداءة بالرِّجْل اليُمنى، وإن كان ذلك ليس من الواجبات المُتعيِّنة.
قوله: "ثلاثًا" أي: أن المُستحبَّ في غسل الرِّجْلين أن يكون ثلاث مراتٍ؛ لأن هذا هو أكمل حالات غسل الرِّجْلين، وإن اقتصر على مرةٍ أو مرتين أجزأه هذا، كما ورد أن النبي اقتصر على ذلك في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما [31] وغيره.
ولذلك قال: "فإن اقتصر على غسلةٍ واحدةٍ أو غسلتين في أعضائه جاز ذلك" أي: أن المشروع في غسل أعضاء الوضوء التَّكرار بأن تُغْسَل ثلاثًا، هذا هو المُستحب والأكمل.
فلو اقتصر الإنسان على غسلةٍ أو غسلتين أجزأه هذا، أما إذا زاد الإنسان غسلةً رابعةً، فإن هذه الغسلة الرابعة حرامٌ يأثم بها الإنسان؛ لأنها نوعٌ من أنواع البدع، فلم يَجُزْ للإنسان أن يفعله.
وقوله: "اقتصر على غسلةٍ واحدةٍ" هذا في الأعضاء المغسولة، أما الرأس فإن المشروع فيه مسحه مرةً واحدةً، ولا يُستحب تكرار المسح في الرأس كما قال الجمهور؛ لأن النبي لم يُنْقَل عنه التَّكرار في مسح الرأس.
وذهب الإمام الشافعي إلى استحباب التَّكرار، واستدلَّ على ذلك بما ورد في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي توضأ ثلاثًا ثلاثًا [32]، لكن هذا الحديث عامٌّ بَيَّنته الأحاديث الأخرى الخاصَّة والدالَّة على أنه في مسحه لرأسه اقتصر على مسحةٍ واحدةٍ.
قوله: "وغَسْل هذه الأعضاء الأربعة فرضٌ فرضه الله في كتابه".
الأعضاء الأربعة هي: الوجه واليدان ومسح الرأس وغَسْل الرِّجْلَين.
وقال بالغسل هنا من باب التَّغليب، وإلا فإن المشروع في الرأس هو المسح، لا الغسل.
وقوله: "فرضٌ فرضه الله في كتابه" أي: أن الله قد أوجبه.
المراد بالفرض هو: ما أمر به الشارع أمرًا لازمًا، لا يسوغ للعبد تركه.
وكثيرٌ من أهل العلم يقصر اسم الفرض على ما كان وجوبه قد ثبت بدليلٍ قطعيٍّ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6].
قال: "وكذلك الترتيب بينها" أي: يجب على الإنسان أن يُرتِّب بين هذه الأعضاء الأربعة، فيبتدأ بغسل الوجه، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرِّجْلَين؛ لأن الله جلَّ وعلا قد ذكرها كذلك مُرَتَّبةً، وقد ذكر ممسوحًا بين مغسولاتٍ، وليس لذلك فائدةٌ إلا التأكيد وإيجاب الترتيب، ويدل على ذلك: أن النبي قد حافظ على هذا الترتيب، ولم يتركه مرةً من المرات، وقد أمر أصحابه بأن يقتدوا به في وضوئه.
أما الركن السادس من أركان الوضوء فهو: المُوالاة.
والمراد بالمُوالاة: ألا يترك وقتًا بين غسل عضوٍ وعضوٍ بحيث ينشف العضو السابق.
فإذا غسل الإنسان عضوًا من أعضاء الوضوء بادر بعده لغسل العضو الآخر قبل أن ينشف العضو الأول.
وقد ورد في السنن: أن النبي رأى رجلًا قد صلَّى وفي قدمه لُمْعَةٌ لم يُصِبْهَا الماء، فأمره النبي بإعادة الوضوء والصلاة [33]، ولو كانت المُوالاة غير مُشترطةٍ لقال له: اكْتَفِ بغسل هذا الموطن فقط من قدمك، ولا يلزمك إعادة الوضوء كاملًا.
حكم النية للوضوء
أما النية فإنها شرطٌ.
الفرق بين الركن والشرط: أن الركن جزءٌ في الماهية، فالركوع ركنٌ في الصلاة، لكن استقبال القبلة يكون قبل الصلاة، والوضوء يكون قبل الصلاة، فتكون هذه شروطًا.
فالشرط خارجٌ من الماهية، بينما الركن جزءٌ من ماهية ما هو ركنٌ فيه.
وقد سمَّى المؤلف الأركان: فروضًا، وهذا اصطلاحٌ من بعض أهل العلم.
وقد اختلف العلماء في النية: هل هي شرطٌ أو ركنٌ؟
فقالت طائفةٌ: هي شرطٌ باعتبار أنه لا بد من وجودها قبل البدء في الوضوء.
وقال آخرون: هي ركنٌ؛ لأنه لا بد من اتِّصاف الإنسان بالنية عند وضوئه.
ولعل القول الصواب في هذا: أن النية شرطٌ، فإن النية التي تُراد هنا: نية رفع الحَدَث، وهذه تكون قبل الوضوء، وأما نية الاستمرار وعدم قطع الوضوء فهذه نيةٌ أخرى مُغايرةٌ للنية السابقة، وقطعها مانعٌ من موانع صحة الوضوء.
قال: "وأما النية فإنها شرطٌ في جميع العبادات" فلا تصحُّ عبادةٌ إلا بنيةٍ؛ لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى [34].
تَضَمَّن هذا الحديث أمرين:
- الأمر الأول: عدم صحة الأعمال إذا لم تكن معها نيةٌ.
- والأمر الثاني: أن العبد لا يُؤْجَر على ما أدَّاه من عملٍ حتى تكون معه نيةٌ.
هذا شيءٌ من أحكام صفة الطهارة، ولعلنا نقف على هذا الباب.
أسأل الله جلَّ وعلا أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وأن يجعلنا وإياكم من الهُدَاة المُهتدين.
هذا والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 137، ومسلم: 361. |
|---|---|
| ^2, ^8 | رواه الترمذي: 3535 وصححه، والنسائي: 158. |
| ^3 | رواه مسلم: 303. |
| ^4 | رواه البخاري: 228، ومسلم: 333. |
| ^5 | رواه الترمذي: 87، وصححه الألباني في "الإرواء": 111. |
| ^6 | رواه أبو داود: 203، وابن ماجه: 477، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 316. |
| ^7 | رواه ابن ماجه: 477، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4149. |
| ^9 | رواه البخاري: 642، ومسلم: 376. |
| ^10 | رواه أبو داود: 181، والترمذي: 82 وصححه. |
| ^11 | رواه النسائي: 165، وأحمد: 16295، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 159. |
| ^12 | رواه أبو داود: 179، والترمذي: 86 عن عائشة رضي الله عنها. |
| ^13 | رواه ابن ماجه: 497، وأحمد: 19096. |
| ^14 | رواه أحمد: 18703، وابن حبان: 1703. |
| ^15 | رواه ابن ماجه: 3314، وأحمد: 5723، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 210. |
| ^16 | رواه البخاري: 291، ومسلم: 348. |
| ^17 | رواه مسلم: 349. |
| ^18 | رواه البخاري: 282، ومسلم: 313. |
| ^19 | روى أبو داود في "سننه": 44 عن أبي هريرة ، عن النبي قال: نزلتْ هذه الآية في أهل قباء: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:10] قال: كانوا يَسْتَنْجُون بالماء فنزلتْ فيهم هذه الآية، وكذا رواه الترمذي في "سننه": 3100، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 34. |
| ^20 | رواه البخاري: 156. |
| ^21 | رواه مسلم: 450. |
| ^22, ^25 | رواه البخاري: 161، ومسلم: 237. |
| ^23, ^34 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^24 | رواه أبو داود: 101. |
| ^26 | رواه البخاري: 164، ومسلم: 226. |
| ^27 | رواه البخاري: 158. |
| ^28 | رواه البخاري: 140. |
| ^29 | رواه أبو داود: 121، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 112. |
| ^30 | رواه البخاري: 60، ومسلم: 241. |
| ^31 | رواه البخاري: 157. |
| ^32 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 12504. |
| ^33 | رواه أبو داود: 175، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 168. |