- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
كتاب الطهارة – من قوله: "فصلٌ فإن كان عليه خِفافٌ من جلودٍ أو غيرها.." (03)

جدول المحتويات
الشيخ:... نواقض الوضوء، وصفة الوضوء والاستنجاء والاستجمار.
ونواصل أحكام الطهارة بإذن الله في درسنا هذا اليوم.
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى ووالدينا وشيخنا والسامعين:
فإن كان عليه خِفافٌ من جلودٍ أو غيرها وقد لبسها وهو طاهرٌ؛ فله أن يمسحها بدل غسل الرجلين، للمقيم يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيامٍ بلياليها، وذلك خاصٌّ بالحدث الأصغر.
فإن كان عليه حدثٌ أكبر، كجنابةٍ ونحوها، وأراد التطهر؛ غَسَل فرجه وما لوَّثه من الأذى، ثم نوى رفع الحدث الأكبر، وقال: "بسم الله"، وتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم أفاض الماء على رأسه ثلاثًا، وغسل سائر جسده، وغسل رجليه في مكانٍ آخر كما كان النبي يفعله [1]، وهو الأفضل الأكمل.
وطهارة الحدث الأكبر والأصغر للصلاة والطواف فرضِ ذلك ونفلِه، ومس المصحف، فإن كان عليه حدثٌ أكبر؛ لم يَحِلَّ له أن يقرأ شيئًا من القرآن، ولا يَلبَث في المسجد إلا بوضوءٍ.
والحائض والنُّفَساء حكمهما حكم الجنب فيما مُنع منه، وكذلك لا يحل لزوجها وطؤها، وتحل المباشرة دون الفرج، ولا يحل لهما أن يصوما، ويقضيان الصوم لا الصلاة.
أحكام المسح على الخفين ومشروعيته
الشيخ: ذكر المؤلف في أوائل هذه الفصول أحكام المسح على الخفين.
المراد بالخفين: ما يُغطَّى به القدمان، والغالب أنهما يصنعان من الجلود، وقد يصنعان من غير الجلود، وقد ثبت المسح على الخفين عن النبي في حديث جماعةٍ كثيرةٍ من أصحاب رسول الله ، ومن هنا فلا شك في أن المسح على الخفين ثابتٌ، وأن النبي قد فعله؛ فيكون مخصِّصًا لقوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6].
ومن الأحاديث المتأخرة: حديث جَرير بن عبدالله ، فإنه لم يُسْلِم إلا بعد نزول سورة المائدة [3]؛ ولذلك كان السلف يُعجبهم حديث جريرٍ ؛ لتأخر إسلامه؛ مما يدل على أنه قد ثبت عن النبي المسح على الخفاف بعد نزول سورة المائدة، التي فيها الأمر بغسل القدمين.
ويلحق بالخفاف: كل ما كان ساترًا للقدم من أنواع الجوارب ونحوها -على الصحيح من أقوال أهل العلم- كما هو مذهب الإمام أحمد وطائفةٍ؛ وذلك أنه قد ثبت عن جماعةٍ من الصحابة أنهم مسحوا على الجوارب، ولأن المعنى الذي من أجله جاءت الشريعة بمشروعية المسح على الخفاف يوجد في المسح على الجوارب.
شروط المسح على الخفين
- ويُشترط في الخفاف ليجوز المسح عليهما عند طائفةٍ من أهل العلم: أن تكون ساترةً لمحل الفرض، فإنها إذا كانت أقل من محل الفرض؛ كتلك الخفاف التي لا تُغطي الكعبين، قالوا: هذه لا يصح أن يُمسحَ عليها؛ قالوا: لأن الخف لا بد أن يكون مغطِّيًا لمحل الفرض؛ لأنه إذا كان بعض القدم مكشوفًا؛ فيكون محل الكشف لا بد من غسله، وحينئذٍ لا يمكن أن نُلفِّق بين طهارة الغسل والمسح؛ ومن ثَمَّ قيل بأنه لا يصح المسح على الخف في هذه الحال.
- واشترط بعضهم: ألا يكون الخف مخرَّقًا؛ قالوا: لأنه إذا كان مخرَّقًا؛ فإن محل الخرق لا بد من غسله، ولا يُجمع بين غَسلٍ ومسحٍ، وقال طائفةٌ من الفقهاء بأن الخرق القليل لا يمنع من المسح على الخف، وقال بعضهم بتقدير ذلك بحجم الدينار ونحوه.
- والقول الثالث في المسألة بأن الخف المخرَّق يجوز المسح عليه، ولعل هذا القول أظهر الأقوال وأرجحها؛ وذلك لعددٍ من الأدلة:
- الدليل الأول: أن الأدلة الدالة على مشروعية المسح على الخف تشمل الخف المخرَّق؛ فإنه يسمى في لغة العرب "خُفًّا".
- والدليل الثاني: أن أحوال الصحابة لم تكن على أكمل الأحوال بالنسبة لأنواع اللباس، والأظهر أن كثيرًا من الصحابة كانت خفافهم فيها خروقٌ، ومع ذلك لم يأمرهم النبي بنزع تلك الخفاف.
- ومن شروط المسح على الخفين: أن يكون الإنسان قد لبسهما وهو طاهرٌ طهارةً كاملةً، فأما إذا لبس الخف وهو على غير وضوءٍ؛ لم يصح له المسح عليه. وهكذا لو كان في الوضوء قد مسح، فإذا كان في الوضوء قد غسل رجلًا ولم يغسل الأخرى، فلا يصح له أن يلبس الخف الأيمن في هذه الحال حتى يغسل القدم اليسرى؛ وذلك لأن النبي لما هوى المغيرة بن شعبة إلى قدميه لينزع خُفَّيه؛ قال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين [4]، ولا تسميان "طاهرتين" إلا إذا اكتملت الطهارة، فقبل كمال الوضوء لا يقال بأنها طاهرةٌ.
هل الأفضل مسح الخفين أو غسل الرجلين؟
وقوله: "فله أن يمسحها بدل غسل الرجلين"، يعني يجوز له أن يمسح على الخفين في هذه الحال.
فإن قال قائل: أيهما أفضل: المسح على الخفين، أو الغسل للرجلين؟ قيل: الأفضل في حق المؤمن ألا يتكلف ضد حاله، فإن كان قد لبس الخفاف؛ فليمسح، وإن كان بدون خفافٍ؛ فالأفضل أن يغسل قدميه ولا يلبس الخفين من أجل أن يمسح عليهما.
فإذنْ الأفضل ألا يتكلف الإنسان ضد حاله، إن كان لابسًا للخف؛ فليمسح، وإن كان غير لابسٍ له؛ فليغسل الرجلين.
مدة المسح على الخفين وبدايتها ونهايتها
أما عن مدة المسح: فقد قال النبي : للمقيم يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيامٍ ولياليهن [5]، كما ورد ذلك من حديث جماعةٍ من صحابة رسول الله .
بداية المسح
متى تبتدئ مدة المسح؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:
- القول الأول: أن المدة تبتدئ من لبس الخفين؛ قالوا: لأنه بلبس الخفين يأتي حكم المسح، ففسَّروا قوله : للمقيم يومٌ وليلةٌ، أي: للمقيم حكم المسح مدة يومٍ وليلةٍ.
- والقول الثاني: يقول بأن مدة المسح تبدأ من الحدث الذي يكون بعد اللبس؛ مثال ذلك: إذا توضأ الإنسان الفجر، ولبس الخفين الظهر، وأحدث قُبيل العصر، قالوا: بوقت الحدث يبتدئ حينئذٍ وقت المسح، وكأنهم فسَّروا قوله : للمقيم يومٌ وليلةٌ، بأن المراد: للمقيم جواز المسح مدة يومٍ وليلةٍ.
- والقول الثالث: في هذه المسألة: أن المسح على الخفين يبتدئ من الوضوء الذي يكون بعد الحدث؛ مثال ذلك: لو صلى الفجر بوضوءٍ، وقد غسل رجليه ولبس الخف الظهر، ثم لما صلى العصر؛ أحدث بعد صلاة العصر، فمسح على خفيه صلاة المغرب، قالوا: يبتدئ وقت المسح صلاةَ المغرب، قالوا بأن قوله : للمقيم يومٌ وليلةٌ، أي: للمقيم مسحُ يومٍ وليلةٍ.
ولعل القول الثالث أرجح الأقوال؛ وذلك لأنه إذا أمكن تفسير اللفظ بحقيقته؛ فهو أولى من تفسيره بتقييده بجوازٍ أو بوقتٍ أو نحو ذلك؛ ومن ثَمَّ فإن الأظهر: أن وقت المسح يبتدئ من الوضوء الذي بعد الحدث الذي يكون بعد لبس الخفين.
نهاية المسح
وأما نهاية وقت المسح على الخفين: فقال طائفةٌ بيومٍ وليلةٍ، خمسة أوقاتٍ، فإذا انتهت الأوقات الخمسة؛ وجب على الإنسان نزع خفيه.
وقال آخرون بأن المراد بالحديث: أنه بعد يومٍ وليلةٍ لا يجوز له المسح على خفيه بعد ذلك، وأما إذا كان الإنسان متطهرًا، ولو كانت طهارةَ مسحٍ على الخفين؛ فإنه لا حرج عليه في أن يستمر على طهارته.
وقوله : وللمسافر ثلاثة أيامٍ ولياليهن؛ وذلك لأن المسافر يشُقُّ عليه نزع الخفاف؛ لكثرة العمل والحركة، فناسب أن يُعطى من المدة ما ليست للمقيم.
لو كان جزءٌ من وقت الإنسان مقيمًا وجزءٌ مسافرًا؛ غُلِّب جانب الإقامة.
المسح على الخفين خاص بالحدث الأصغر
قال: "وذلك خاصٌّ بالحدث الأصغر".
أي: أن المسح على الخف إنما يكون في الأحداث الصغرى التي تنقض الوضوء، وأما الحدث الأكبر الذي يوجب الاغتسال فإنه لا يصح فيه المسح على الخفين؛ وذلك أن النبي في حديث صفوان بن عَسَّالٍ أخبره بأن الجنابة لا تُجيز للإنسان المسح على خفيه، قال : لا من جنابةٍ، لكن من بولٍ وغائطٍ ونومٍ [6]؛ فدل هذا على اختصاص المسح على الخفين بالحدث الأصغر دون الحدث الأكبر.
المسح على الحوائل
ثم بعد ذلك ذكر المؤلف رحمه الله أحكام المسح على بقية الحوائل، فقال: "وإن كان على بعض أعضاء طهارته جبيرةٌ".
المراد بالجبيرة: تلك الأعواد وما ماثلها من جِبسٍ ونحوه، من أجل أن يجبر الكسر الذي حصل في تلك الأعضاء، أو خِرقةٍ، بأن يحتاج الإنسان إلى خرقةٍ يلف بها شيئًا من أعضاء وضوئه، أو احتاج إلى دواءٍ، وهذا الدواء يتأثر بوصول الماء إليه؛ ولذلك احتاج إلى لفِّه واضطر إلى وضعه؛ بحيث إذا نزع الجبيرة أو الخرقة أو الدواء؛ فإنه يتضرر بذلك، فإننا نقول: يجوز له المسح عليه.
الفرق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفاف
والفرق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفاف في ثلاثة أمورٍ:
- الأمر الأول: أن الجبيرة مقيدةٌ بالاضطرار إليها، بخلاف الخفاف.
- والأمر الثاني: أن الجبيرة وما ماثلها ليس لها توقيتٌ، فلو طالت المدة؛ جاز للإنسان المسح عليها.
- والفرق الثالث: أن الجبيرة يُمسح عليها في الحدث الأكبر والحدث الأصغر، بخلاف المسح على الخف فإنه لا يُمسح عليه إلا في الحدث الأصغر.
المسح على اللزقات الطبية
وقد يَسأل سائلٌ عن أحكام تلك اللزقات التي تُوضع على بعض الناس؛ كاللزقة التي تُوضع في الظهر من أجل (مَشْعِه) [7] ونحوه، هل يصح للإنسان أن يمسح عليها في طهارة الحدث الأكبر؟ ومثله أيضًا ما قد يَسأل عنه بعض النساء من تلك اللزقات التي تُوضع على الظهر من أجل منع الحمل، فهل يجوز المسح عليها؟ وهل يُجزئ إمرار الماء من فوقها أو لا؟
فأما بالنسبة لما يحتاج إليه الإنسان؛ كما لو كان فيه تمزُّقٌ، أو (مَشْعٌ) في عضلاته، فحينئذٍ يجوز له وضع هذه الأشياء التي تكون على أعضاء بدنه، وعند الاغتسال يُمِرَّ الماء عليها إن لم تتأثر بالماء، وإذا أَمَرَّ الماء؛ لم يحتج حينئذٍ إلى المسح.
وأما بالنسبة لما يكون لمنع الحمل: فلا بد من النظر فيها من جهتين:
- الجهة الأولى: هل يجوز للمرأة أن تتعاطى موانع الحمل؛ لأن بعض النساء يجوز لهن تعاطي وسائل منع الحمل، فمن كانت كذلك؛ جاز لها المسح، جاز لها إمرار الماء من فوق هذه اللزقات.
- وأما إذا كانت المرأة لا يجوز لها شرعًا وضع هذه اللزقات واستعمال وسائل منع الحمل؛ فإنه حينئذٍ لا يصح لها أن تُمِرَّ الماء من فوقها.
أسباب وصفة الاغتسال من الحدث الأكبر
ثم ذكر المؤلف صفة الاغتسال فقال: "فإن كان عليه حدثٌ أكبر".
"الحدث" كما تقدم: وصفٌ معنويٌّ يُوصف به بدن الإنسان، فليس وصفًا حسِّيًّا، بل هو وصفٌ معنويٌّ وصفَه به الشارع عند وجود بعض أسبابه.
أسباب الحدث الأكبر
ما هي أسباب الحدث الأكبر؟
تقدم معنا أن من أسبابه: الجنابة، والجماع ولو لم يُنزل، الإنزال، والجماع ولو لم يُنزل، والحيض والنفاس، وكذلك إسلام الكافر، والسبب الآخر: الموت، فإن من مات؛ وجب تغسيله على ما سيأتي إن شاء الله في أحكام الجنائز.
قوله: "كجنابةٍ ونحوها، وأراد التطهر"، لا بد من وجود النية.
ما هي صفة الاغتسال؟
أولًا يبتدئ بغسل فرجه، وبعد ذلك يغسل ما لوَّثه من الأذى، فتلك المواطن من جسده التي وصل إليها ماؤه أو ماء زوجه فإنه يبتدئ بغسلها، ثم بعد ذلك ينوي، ماذا ينوي في الاغتسال؟ إما ينوي استباحة ما يُشترط له الاغتسال، وإما أن ينوي رفع الحدث الأكبر، ولا يصح للإنسان أن يتلفظ بالنية؛ لأن النية -على مقتضى لغة العرب- محلها القلب؛ ولذلك فإن الإنسان ينوي بقلبه ويكتفي بذلك.
والنية شرطٌ من شروط صحة الاغتسال -على الصحيح- لقول النبي : إنما الأعمال بالنيات [8]، ثم بعد ذلك يُستحب له أن يُسمِّي؛ قياسًا على الوضوء، فإنه وإن لم يُنقل عن النبي التسمية في أول اغتساله؛ إلا أن ذلك مَظِنةٌ؛ لكونه يُخفي ويُسِرُّ بسملته، والوضوء يُشرَع فيه البسملة مع أنه رفع حدثٍ أصغر؛ فرفع الحدث الأكبر من باب أولى أن تُستحب له التسمية.
ثم يُستحب له أن يتوضأ وضوءًا كاملًا، وظاهر كلام المؤلف: أن هذا يشمل غسل قدميه أيضًا، فكأن القدمين تُغسلان ثلاثًا، تُغسل مع الوضوء، وتُغسل أو يمر عليها الماء مع الاغتسال، ثم تغسل مرةً أخرى بعد فراغه من الاغتسال وانتقاله إلى مكانٍ آخر.
ثم يُشرع للإنسان أن يُفيض الماء على رأسه ثلاث مراتٍ، وبعد ذلك يَغسل سائر جسده مرةً واحدةً، يُفيض الماء على سائر الجسد، وإن دَلَك جسده؛ فهو أولى، ولكنه ليس من الواجبات، ثم يُستحب له أن ينتقل إلى مكانٍ آخر؛ ليغسل قدميه؛ كما كان فعل النبي [9].
وقد قال طائفةٌ بأن انتقال النبي لمكانٍ آخر من أجل غسل قدميه؛ من أجل أن المكان الأول فيه ترابٌ وطينٌ؛ فناسب أن ينتقل إلى مكانٍ آخر؛ من أجل ألا يبقى في قدميه شيءٌ من العوالق؛ من الطين والتراب ونحوهما، ولعل الأظهر: أن الأصل هو مشروعية الاقتداء بالنبي ، وهذا المعنى الذي ذكروه علةٌ مستنبطةٌ ليست مذكورةً في الحديث؛ ومن ثَمَّ لا يصح لنا أن نُخصِّص الحديث بها؛ لأنها علةٌ مستنبطةٌ.
قال: "كما كان النبي يفعله"، يعني أنه يُشرع للإنسان أن يقتدي في اغتساله بالنبي ، وهذه الصفة السابقة هي الصفة الكاملة الفُضلى.
وهناك صفةٌ مجزئةٌ اشتملت على أقل مقدارٍ من الواجبات، ألا وهي: تعميم الماء على سائر بدنه، فقال: "والفرض المجزئ من ذلك: أن يغسل جميع بدنه"، فمتى غسل جميع بدنه؛ فإنه يُجزئه حينئذٍ، بشرط ألا يَترك منه شيئًا، فيتفقَّد المَواطن الخفية؛ كالمغابن [10] والآباط ونحوها، ويتفقد أيضًا ما تحت شعره؛ ليوصِل له الماء، فإنه متى أوصل الماء إلى جميع بدنه؛ قيل: هذا غسلٌ مجزئٌ.
هل يجزئ الغسل عن الوضوء؟
قد يسأل سائلٌ فيقول: هل يجوز أن أكتفي بالاغتسال عن الوضوء، أو لا يجوز ذلك؟
فنقول: يجوز الاكتفاء بالاغتسال عن الوضوء بشرطين:
- الشرط الأول: أن يكون هذا الاغتسال عن جنابةٍ، فإنه إذا كان عن جنابةٍ، فإذا رفع الحدث الأكبر؛ رفع الحدث الأصغر.
- والشرط الثاني: أن ينوي المكلف رفع الحدثين أو استباحة الصلاة بذلك الاغتسال؛ فحينئذٍ يُجزئه هذا الاغتسال عن الوضوء.
الأشياء التي يُتطهر لها
قال المؤلف: "باب الأشياء التي يُتطهر لها".
اشتراط الطهارة للصلاة
تجب الطهارة -طهارة الحدث الأكبر والأصغر- لعددٍ من الأمور؛ بحيث لا يصح فعل هذه الأمور إلا بوجود الطهارة كاملةً من الحدث الأكبر والأصغر:
أولها: الصلاة، فلا يصح للإنسان أن يُصلِّي وهو جُنُبٌ، ولا يصح له أن يُصلِّي وهو مُحدِثٌ حدثًا أصغر؛ لقول النبي : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ [11]، فلو قُدِّر أن الإنسان صلى وهو على حدثٍ عالمًا بذلك؛ فقد فعل جريمةً كبيرةً ومعصيةً عظيمةً، وهذه الصلاة يأثم بها فاعلها.
وأما إذا صلى وهو محدثٌ -سواءٌ كان حدثًا أكبر أو أصغر- غير عالمٍ بحدثه؛ كمن نسي الحدث؛ فإنه إذا صلى ثم علم بعد ذلك؛ نقول: يُطالب بأداء الصلاة مرةً أخرى؛ لأن الصلاة الأولى لم تُسقِط القضاء في حقه، وإن كان يُؤجر على الصلاة الأولى؛ وذلك لأنه قد وافق أمر الشارع حسب ظنه، فأُجر على تلك الصلاة؛ لأنه إنما صلى طاعةً لله ، ولكنها لا تُجزئه ولا تُسقِط الصلاة من ذمته، فمتى علم بحدثه؛ وجب عليه أن يتطهر ثم بعد ذلك يُعيد الصلاة.
اشتراط الطهارة للطواف
وأما بالنسبة للطواف: فإن الطواف لا يصح ممن عليه حدثٌ أكبر؛ وذلك لأن النبي قال لعائشة رضي الله عنها لما حاضت: افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت [12]؛ فدلَّ هذا على أن من كان عليه حدثٌ أكبر لم يصح له أن يطوف بالبيت، وإذا كان هذا بالنسبة للمرأة التي حاضت وحدثها ليس بيدها، وليس لها اختيارٌ ولا قدرةٌ في رفعه؛ فمِن باب أولى أن نُثبت هذا الحكم بالنسبة للجُنُب.
وأما اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للطواف: فهذا هو مذهب جماهير أهل العلم، فهو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد ومالكٍ؛ وذلك لأن النبي توضأ ثم طاف [13]، وفي بعض المواطن اغتسل ثم طاف [14]، قالوا: فدل ذلك على أنه تُشترط الطهارة للطواف.
واستدلوا على ذلك ثانيًا بما ورد عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "الطواف بالبيت صلاةٌ" [15]، قالوا: والصلاة يُشترط لها الطهارة من الحدثين؛ فهكذا الطواف.
وهناك روايةٌ عن الإمام أحمد، وهو قول بعض الحنفية، بأن الطهارة من الحدث الأصغر ليست شرطًا في صحة الطواف؛ قالوا: لأن اشتراط هذا الأمر يحتاج إلى دليلٍ، وأما كون النبي توضأ ثم طاف؛ فليس فيه دلالةٌ على إيجاب الوضوء؛ لأن الفعل النبوي المجرد لا يصح أن يُستدل به على الإيجاب.
فإن قال قائلٌ: إن النبي قال: خذوا عني مناسككم [16]؛ قلنا: لكن الوضوء ليس من المناسك؛ وبالتالي: لا يصح أن يُستفاد من هذا الدليل إيجاب الوضوء للطواف.
وأما أثر ابن عباسٍ رضي الله عنهما: فإنه لا يصح مرفوعًا إلى النبي ، والصواب: أنه موقوفٌ على ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وهذا اللفظ لا ينتهض لأن يكون دالًّا على إيجاب الطهارة للطواف؛ وذلك لأنه قال: "الطواف بالبيت صلاةٌ"، فكما أننا لم نأخذ اشتراط بقية شروط الصلاة في الطواف من هذا الأثر؛ فهكذا فيما يتعلق بالطهارة.
وقد يُستدل على الجواز بأنه لا زال الناس يطوفون بأبنائهم من المميِّزين وغير المميزين، وغير المميز لا يصح منه وضوءٌ... وصحح النبي طوافه [17]؛ مما يدل على أن الطواف لا يُشترط له وضوءٌ.
قوله: "فَرْضِ ذلك ونفله"، يعني: أن الصلاة لا يصح للإنسان أن يدخلها وهو محدثٌ، سواءٌ كانت تلك الصلاة من الصلوات المفروضة أو من النوافل.
اشتراط الطهارة لمس المصحف
هكذا أيضًا يُشترط لمس المصحف: أن يكون الإنسان متطهِّرًا من الحدثين الأكبر والأصغر؛ لأن النبي كتب كتابًا قال فيه: ولا يمس القرآن إلا طاهرٌ [18].
ومن هنا: فإنه لا يصح للإنسان أن يمس المصحف وهو على غير طهارةٍ، وبذلك قال الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماهير أهل العلم.
وأما بالنسبة لبرامج القرآن الكريم التي توضع في الأشرطة أو الجوالات أو نحوها: فهذه لا تسمى مصحفًا؛ ومن ثَمَّ لا حرج في أن يمسها الإنسان وهو على غير طهارةٍ.
وأما بالنسبة لتلك الكتب التي تحتوي على تفسيرٍ في ضمنه آيات القرآن: فإن هذه كتب تفسيرٍ وليست مصاحف؛ وبالتالي فإنه لا حرج على غير المتوضئ أن يمسها.
وأما إذا كان المصحف في عِلَاقَةٍ ونحوها: فهذه العلاقة إن كانت متصلةً بالمصحف؛ فلا يجوز مسها؛ لأن هذه العلاقة تابعةٌ للمصحف، والتابع يأخذ أحكام المتبوع.
وأما إن كانت هذه العلاقة منفصلةً عن المصحف ويمكن إخراج المصحف منها؛ فحينئذٍ هل يجوز مس هذه العلاقة أو لا؟ هذا موطن خلافٍ بين العلماء، والأظهر من أقوالهم أنه لا يصح مسها إلا بالطهارة؛ لأن هذه العلاقة تابعةٌ للمصحف؛ فتأخذ أحكامه.
هذه هي الأمور التي يُشترط للإنسان أن يكون فيها متطهِّرًا من الأمرين معًا؛ الحدث الأكبر والأصغر.
حكم قراءة القرآن للجنب والحائض
وهناك أمورٌ يُشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر ولا يُشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر؛ وذلك مثل قراءة القرآن، فإن المحدث حدثًا أصغر إذا أراد أن يقرأ القرآن، إما حفظًا، أو من ورقةٍ ليست من المصحف، أو من جوالٍ؛ فإنه يصح له أن يقرأ؛ وذلك لأنه لم يمس المصحف، ولكنه إذا كان جُنُبًا، عليه الحدث الأكبر؛ فإنه لا يصح له أن يقرأ شيئًا من القرآن؛ وذلك لقول النبي لما قرأ شيئًا من القرآن: هكذا لمن ليس بجُنبٍ، فأما الجنب فلا، ولا آيةً [19]؛ فدل هذا على أن الجُنُب لا يصح له أن يقرأ شيئًا من القرآن.
وأما بالنسبة للحائض: فجمهور أهل العلم على أن المرأة الحائض لا تقرأ القرآن، ومثله المرأة النُّفَساء، واستدلوا على ذلك بقياس الحائض على الجُنُب، كما استدلوا على ذلك بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها في "الصحيحين" قالت: "كان النبي يضع رأسه في حجري وأنا حائضٌ ثم يقرأ القرآن" [20]، فلولا منافاة قراءة القرآن مع الحيض؛ لم تستغرب عائشة رضي الله عنها هذا الفعل من النبي ؛ فدل هذا على أن مِن المستقر عندهم في الزمان الأول: أن الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن.
هناك قولٌ عند الإمام مالكٍ بأن المرأة الحائض أو النفساء إذا خشيت نسيان القرآن؛ فلا حرج عليها في قراءته، لكن إذا أمكنها تحصيل هذا المقصد من خلال الاستماع لآيات القرآن؛ فلعل المرأة تكتفي بسماع الآيات عن قراءتها.
حكم اللَّبْث في المسجد للجنب والحائض
من الأمور التي يُشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر: اللَّبْث في المسجد، فإن من كان محدِثًا حدثًا أصغر؛ يجوز له اللَّبْث في المسجد، فقد كان صحابة رسول الله رضي الله عنهم ينامون في المسجد، والنائم يُنتقض وضوؤه بالنوم، ومع ذلك لم يُؤمروا بترك اللبث في المسجد؛ فدل هذا على أن من كان محدِثًا حدثًا أصغر؛ يجوز له اللبث في المسجد ولا حرج عليه في ذلك.
أما من كان جُنُبًا: فجمهور أهل العلم قالوا: لا يحل له اللبث في المسجد، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، كما استدلوا على ذلك بما روى الإمام أبو داود في "سننه" أن النبي قال: لا أُحِلُّ المسجد لحائضٍ ولا جُنُبٍ [21]، وهذا الحديث الصواب: أنه جيد الإسناد يصح الاستدلال به؛ ومن ثَمَّ نقول بأن الحائض والجُنُب لا يصح ولا يجوز لهما اللبث في المسجد.
حكم مكث الحائض في ساحات المسجد
قد يسأل سائلٌ فيقول: ساحات المسجد هل يجوز للمرأة الحائض أن تبقى فيها؟
فنقول: ساحات المسجد على نوعين:
- النوع الأول: ما كان محاطًا بسور المسجد، فهذه الساحات المحاطة بسورٍ تابعٌ للمسجد، لها حكم المسجد؛ فلا يصح للإنسان الجُنُب أن يلبث فيها.
- أما النوع الثاني: وهو تلك الساحات التي ليست محاطةً بسورٍ، فهذه لا حرج على الإنسان الجُنُب في أن يلبث فيها؛ لأنها لم تُسوَّر لتكون جزءًا من المسجد الذي هو محل الصلاة، وإنما هي أرضٌ تابعةٌ للمسجد، فهي بمثابة مَرَافقه؛ كدورة مياهه، ومواقف سياراته، ونحو ذلك.
قال: "ولا يلبث في المسجد إلا بوضوءٍ"، يعني: أن الجُنُب إذا توضأ؛ جاز له اللَّبث في المسجد، وهذا هو مذهب الامام أحمد؛ وذلك لأنه قد ورد عن قتادة أو مجاهدٍ أنه قال: كان أصحاب رسول الله إذا توضؤوا وهم على جنابةٍ؛ لبثوا في المسجد [22]، قالوا: وهذا نقلٌ للإجماع؛ فيصح الاستدلال به.
وجمهور أهل العلم على أن الجُنب لا يلبث في المسجد ولو توضأ؛ لأن الوضوء لا يرفع الحدث الأكبر، والأولون قالوا: لكنه يُخفِّفه.
قد يقول قائلٌ: إنه قد ورد في الحديث أن النبي قال لعائشة رضي الله عنها: ناوليني الخُمْرة من المسجد، فقالت رضي الله عنها: إني حائضٌ، فقال: إن حيضتك ليست بيدك [23]، فنقول: هذا الحديث ليس فيه إقرارٌ على اللَّبث في المسجد، ولا أمرٌ للحائض بأن تلبث فيه، وإنما هذا اجتيازٌ في المسجد، والجُنُب والحائض يجوز لهما المرور في المسجد إذا لم يلبثا فيه؛ لقوله تعالى: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43].
أحكام الحيض والنفاس
وفي الفصل الأخير من فصول "كتاب الطهارة" ذكر المؤلف أحكام الحيض والنفاس.
معنى الحيض والنفاس
والحيض: دمٌ طبيعيٌّ، دمُ خِلقةٍ يخرج من المرأة في بعض أيامها، وقد قال النبي عنه: إن الله قد كتب هذا على بنات آدم [24]، يعني: أن الحيض من الأمور التي تجري على النساء؛ ومن ثَمَّ فلا بد من معرفة أحكامه.
قال: "الحائض والنفساء حكمهما..".
المراد بالنفساء: المرأة التي ينزل منها الدم بعد الولادة.
ما يحرم على الحائض والنفساء
حكم الحائض والنفساء حكم الجُنُب فيما يُمنع منه من الصلاة والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن واللبث في المسجد.
إذا توضأت الحائض؛ هل يجوز لها أن تلبث في المسجد؟
يجري فيها من الخلاف مثل ما جرى في مسألة الجُنُب إذا توضأ.
الحائض والنفساء يتعلق بهما أحكامٌ أخرى غير تلك الأحكام التي تتعلق بالجُنُب؛ فمن ذلك: أن الحائض والنفساء لا يجوز وطؤهما؛ وذلك لقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]؛ أي: يتوقف الدم، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ؛ أي: اغتسلن بعد ذلك، ولكن الزوج يجوز له أن يُباشر امرأته وهي حائضٌ، فيُقبِّلها ويضمها، وله مباشرةُ سائر جسدها إلا الفرج، ما بين الركبة والسرة.
حكم الاستمتاع بالزوجة الحائض
هل يجوز لزوج الحائض أن يستمتع بها فيما دون الفرج؟
إذنْ محل الاتفاق: أن الزوج يجوز له أن يستمتع بزوجته الحائض بما كان أسفل من الركبة وأعلى من السرة اتفاقًا، وقد ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: "كان النبي يأمرني فأتَّزِرُ، فيُباشرني وأنا حائضٌ" [25].
وأما بالنسبة لما بين الركبة والسرة دون الفرج: هل يجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها فيه أو لا؟
قال أحمد وجماعةٌ: يجوز له ذلك؛ لأن النبي منع زوج الحائض من الاستمتاع بها في الفرج [26]؛ فدَلَّ ذلك على أن ما سوى الفرج يبقى على جواز الاستمتاع به.
وذهب الجمهور إلى أن زوج الحائض لا يستمتع بما دون السرة وفوق الركبة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها السابق، لكن حديث عائشة رضي الله عنها فعلٌ نبويٌّ، والحديث الذي استدل به أصحاب القول الآخر قولٌ، والقول مقدَّمٌ، خصوصًا أن النبي قد يترك الاستمتاع بذلك لا لمنعه شرعًا، وإنما لمعنًى آخر.
الصلاة والصوم أثناء الحيض والنفاس
"ولا يحل لهما" أي للحائض والنفساء "أن يصوما ولا أن يُصلِّيا، ويجب عليهما قضاء الصوم لا الصلاة".
جاء في حديث عائشة قالت: "كنا نحيض على عهد رسول الله فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة" [27]، وجاء في حديث فاطمة بنت أبي حبيشٍ رضي الله عنها أن النبي قال: دعي الصلاة أيام أقرائك [28]؛ فدل هذا على أن الحائض يجب عليها أن تترك الصلاة أيام الحيض.
والمعنى في وجوب قضاء الصوم دون الصلاة: أن الصلاة تتكرر وتحتاج إلى فعلٍ كثيرٍ، بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر، كما أن المرأة الحائض إذا طهرت؛ ستجب عليها صلواتٌ أخرى فتُعوِّض ما فاتها وقت حيضها، بخلاف الصوم فإنها إذا أفطرت وقت حيضها؛ فإنه إذا قلنا بعدم وجوب القضاء؛ لم يجب عليها صيامٌ آخر؛ ففاتتها هذه العبادة.
ليس للحيض مدةٌ ولا سِنٌّ
قال: "وليس للحيض مدةٌ ولا سِنٌّ".
بعض الفقهاء يقول: للحيض سِنٌّ؛ في بدايته لا تحيض إلا بنتُ تسعٍ، ولا يأتي الحيض إلا بعد هذا السن، وإذا أتى الحيض قبل هذه السن؛ قيل بأنه دمُ فسادٍ وليس بدم حيضٍ، ولا يُحكم فيه ببلوغ المرأة.
وقال بعضهم في آخر سن الحيض بأنه خمسون سنةً، وأن المرأة لا تحيض بعد ذلك، وأنها إذا رأت الدم بعد الخمسين؛ فإنه يُعتبر دم فسادٍ.
وقال آخرون بأن آخر سنٍّ للحيض: هو ستون سنةً.
والصواب: هو ما ذكره المؤلف هنا: أنه لا سن لأقل الحيض ولا لأكثره؛ وذلك لأن الشريعة قد علَّقت الحكم بالحيض ولم تُعلِّقه بأوصافٍ أخرى، ومن ثَمَّ فإذا وُجد حيضٌ بصفته وهيئته وطريقته؛ حكمنا عليه بأنه حيضٌ، خصوصًا أن اسم الحيض مأخوذٌ من السَّيَلان؛ ولذلك يقال: حوض الماء؛ لأنه يجتمع فيه الماء السائل، وبالتالي فإذا خرج دمُ المرأة على هذه الصفة؛ قيل له: حيضٌ، ولو كان لامرأةٍ سنها أكثر من الخمسين أو الستين أو أقل من التسع.
وقوله: "وليس للحيض مدةٌ".
الفقهاء يقولون: أقل مدة الحيض: يومٌ وليلةٌ، وأكثره: خمسة عشر يومًا.
ولعل قول الفقهاء أقوى؛ وذلك لأننا إذا لم نجعل للحيض مدةً؛ فإنه سيُؤدِّي إلى ترك بعض النساء الصلوات الواجبة عليهن؛ لأن بعض النساء يستمر الدم معها طول سَنَتِها؛ ومن ثَمَّ قد تترك الصلاة من أجل ذلك؛ ولذلك قلنا بأن المرأة الحائض لا يزيد وقت حيضها على خمسة عشر يومًا.
وقد عُلِّل قوله عن النساء بأنهن ناقصات دينٍ [29] بأنهن يَتركن الصلاة نصف الدهر، شطر الدهر، وما ذاك إلا أن الحيض قد يصل إلى خمسة عشر يومًا.
الفرق بين دم الحيض ودم المرض
قال: "إذا وجدت المرأة الدم المعتاد" يعني دم الحيض "بحسب صفاته المعتادة؛ فحينئذٍ تجلس عن العبادات السابقة".
والدم الذي يَخرج من المرأة على نوعين:
- دم الحيض، وله صفاتٌ سيأتي تفصيلها.
- ودم جرحٍ.
وبينهما فروقٌ: فالمرأة لا تترك الصلاة إلا في دم الحيض دون دم الجرح، ودم الحيض دم خِلقةٍ، دم جِبِلَّةٍ، دم طبيعةٍ، بخلاف دم الجرح فإنه لمرضٍ يُصيب المرأة.
علامات انتهاء الحيض
قال المؤلف: "ومتى انقطع الدم انقطاعًا بيِّنًا اغتسلت".
تعرف المرأة الحائض انتهاء وقت حيضها بإحدى علامتين:
- العلامة الأولى: رؤية القَصَّة البيضاء؛ وهي شيءٌ يخرج من الفرج بعد الحيض، بمثابة الجص ونحوه، يكون لونه أبيض.
- والعلامة الثانية التي تعرف المرأة بسببها انقطاع الدم: هي الجفاف، فإذا جَفَّ فرج المرأة فلم تَرَ فيه شيئًا، وأدخلت القطن والكرسف فلم يخرج معهه شيءٌ؛ فإننا حينئذٍ نحكم بطهارة هذه المرأة، وإذا طهرت المرأة من الحيض؛ وجب عليها الاغتسال.
حكم الطلاق وقت الحيض
من الأمور التي تتعلق بالحائض: أنه لا يجوز لزوجها أن يطلقها وقت حيضها، ولا يطلقها إلا بعد طهارتها من الحيض.
قال: "إلا أن تكون المرأة مستحاضةً قد أطبق عليها الدم"، يعني: أن الدم لا يتوقف عنها، فإذا كانت المرأة مستحاضةً؛ بأن يكون الدم يجري معها أبدًا ودائمًا، أو كانت المرأة لا يتوقف الدم عنها إلا وقتًا يسيرًا لا يُذكَر؛ فحينئذٍ نقول بأن هذه المرأة امرأةٌ مستحاضةٌ.
أحكام الاستحاضة
ما الواجب على المستحاضة؟
نقول: المستحاضة أيام حيضها تجلس عن الصلاة، ولا تصوم ولا تفعل ما يُشترط له الطهارة من الحدث الأكبر.
وأما إذا كان الدم الخارج منها دم استحاضةٍ؛ فحينئذٍ يجوز لها أن تفعل الصلاة والصوم، ويجب عليها أن تتوضأ لوقت كل صلاةٍ، فإذا توضأت بعد أذان الظهر؛ جاز لها أن تُصلِّي صلاة الظهر، وجاز لها أن تتسنَّن بالسُّنن القبلية والبعدية، وجاز لها أن تتنفَّل نفلًا مطلقًا، وجاز لها أن تقرأ القرآن وتمس المصحف حتى يدخل وقت الصلاة الثانية؛ لقول النبي : توضئي لوقت كل صلاةٍ [30].
الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة
كيف تفرِّق المرأة بين دم الحيض ودم الاستحاضة؟
دم الحيض الذي لا تُصلِّي فيه ولا تصوم، ودم الاستحاضة الذي تصوم المرأة معه وتُصلِّي، نقول: التمييز بينها أو التفريق بينها بحسب ثلاثة أمورٍ:
- الأمر الأول: إذا كان للمرأة عادةٌ سابقةٌ لحيضها؛ كما لو كانت تحيض خمسة أيامٍ، هذه الأيام تكون في أول يومٍ من أيام الشهر، فإنها إذا استحاضت؛ جلست الأيام التي اعتادت عليها قبل ذلك؛ وذلك لأن النبي قال: دعي الصلاة أيام أقرائك [31]، أي: أيام عادتك.
- فإذا لم تعرف المرأة عادتها السابقة، أو لم يكن لها عادةٌ سابقةٌ؛ فإنها حينئذٍ تنتقل إلى التمييز، فتُفرِّق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فإن دم الحيض يُخالف دم الاستحاضة في عدد من الأحكام وفي عدد من الصفات:
- الصفة الأولى: دم الحيض أسود، ودم الاستحاضة دم جرحٍ أحمرُ.
- والصفة الثانية: أن دم الحيض غليظٌ، بينما دم الاستحاضة رقيقٌ.
- والصفة الثالثة: أن دم الحيض فيه رائحةٌ منتنةٌ، بخلاف دم الاستحاضة فرائحته كمثل رائحة سائر الدماء.
وقد أخبر النبي وأمر المستحاضة بأن تُفرِّق بينهما، فقال: إن دم الحيض دمٌ أسود يُعرَف [32]، أي يكون له رائحةٌ، وقال: إذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة [33].
- الحال الثالثة للمستحاضة: ألا يكون لها عادةٌ سابقةٌ، ولا تتمكن من التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فماذا نفعل؟
نقول لمن كانت كذلك: يجب عليها أن تجلس غالب ما يجلسه النساء اللاتي يُماثلنها، إما ستة أيامٍ أو سبعة أيامٍ، فإن عرفت بداية عادتها؛ جلست هذه الأيام من وقت عادتها السابقة، أما إذا لم يكن لها معرفةٌ بعادةٍ سابقةٍ؛ فإنها تجلس هذه الأيام الستة من أول الشهر القمري؛ ذلك لأن النبي أمر من استُحيضت ولم يكن عندها عادةٌ ولا تمييزٌ بذلك، فقال: تَحَيَّضي في علم الله ستة أيامٍ أو سبعةً [34].
إذا انتهت أيام الحيض بالنسبة للمستحاضة؛ وجب عليها أن تغتسل؛ لترفع حدث الحيض، فإذا اغتسلت؛ ارتفع عنها حكم الحدث الأكبر، أما الدم الذي ينزل عليها بعد ذلك فهذا ينتج منه حكم الحدث الأصغر؛ ولذلك حكم الحدث الأصغر يرتفع بوضوء المرأة لوقت كل صلاةٍ كما تقدم.
وإذا تمكنت المرأة من إيقاف دم الاستحاضة؛ فلا حرج عليها في ذلك، بل هو نوعٌ من أنواع التداوي؛ لأن الاستحاضة دمُ جرحٍ كما تقدم، وقد جاءت الشريعة بمشروعية التداوي، فقال : عباد الله، تداووا؛ فإنه ما من داءٍ إلا وله دواءٌ، علمه من علمه، وجهله من جهله [35]، إلا إذا كانت هذه الأدوية أو العلاجات فيها مَضرَّةٌ بالمرأة؛ فحينئذٍ لا تستعملها؛ نفيًا للضرر عنها، وقد قال النبي : لا ضرر ولا ضرار [36].
والمرأة المستحاضة في وقت الاستحاضة يجوز لها أن تتعبَّد لله بجميع أنواع العبادات ولو كان الدم الخارج منها كثيرًا، فقد أُثر عن بعض نساء الصحابة أنها كانت تضع الطَّست تحتها وهي تُصلي في المسجد [37].
ومن هنا: فلا حرج على المرأة المستحاضة أن تُصلي في المسجد وأن تلبث فيه، ويجب عليها أن تتوضأ لوقت كل صلاةٍ.
وبذلك نكون قد أتممنا "كتاب الطهارة" بفضل الله ، وننتقل إلى "كتاب الصلاة" فنتدارسه بإذن الله في يومٍ آخر.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين.
اللهم أصلح أحوال أمة محمدٍ ، وردهم إلى دينك ردًّا جميلًا.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لكل خيرٍ، واجعلهم أسباب هدًى وتقًى وصلاحٍ.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 249، ومسلم: 317. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 287، والترمذي: 128، وابن ماجه: 627، وأحمد: 27474، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الألباني في إرواء الغليل: 188، وأصله عند مسلم: 334، مختصرا. |
| ^3 | رواه البخاري: 387، ومسلم: 272، بلفظ: قال همام بن الحارث: رأيت جرير بن عبدالله بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى، فسئل فقال: "رأيت النبي صنع مثل هذا"، قال إبراهيم: فكان يعجبهم؛ لأن جريرا كان من آخر من أسلم. |
| ^4 | رواه البخاري: 206، ومسلم: 274. |
| ^5 | رواه أحمد: 1277، واللفظ له، ورواه مسلم: 276، بنحوه. |
| ^6 | رواه الترمذي:3535، وصححه الألباني. |
| ^7 | المشع: ألم في الظهر. |
| ^8 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^9, ^31 | سبق تخريجه. |
| ^10 | المغابن: الآباط وبواطن الأفخاذ عند الحوالب، وثنايا الجلد ومعاطفه. ينظر لسان العرب لابن منظور (غ ب ن). |
| ^11 | رواه البخاري: 6954. |
| ^12 | رواه البخاري: 294، ومسلم: 1211. |
| ^13 | البخاري: 1614، ومسلم: 1235. |
| ^14 | رواه البخاري (1573)، ومسلم (1259)، بلفظ: "كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طُوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويُحدِّث أن نبي الله كان يفعل ذلك". |
| ^15 | رواه الترمذي: 960، مرفوعا، ورواه النسائي في السنن الكبرى: 3931، موقوفا، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 121. |
| ^16 | رواه مسلم: 1297، بنحوه. |
| ^17 | رواه مسلم: 1336، ولفظه: "رفعت امرأة صبيا لها فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر". |
| ^18 | رواه ابن حبان: 6559، والحاكم: 1447، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 7780. |
| ^19 | رواه أحمد: 872، وقال محققو المسند: إسناده حسن. |
| ^20 | رواه البخاري: 297، ومسلم: 301 بنحوه. |
| ^21 | رواه أبو داود: 232. |
| ^22 | رواه سعيد بن منصور: 646، عن عطاء بن يسار. |
| ^23 | رواه مسلم: 298. |
| ^24 | رواه مسلم: 1213، بنحوه. |
| ^25 | رواه البخاري: 300. |
| ^26 | رواه مسلم: 302، بلفظ: "اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح". |
| ^27 | رواه البخاري: 321، ومسلم: 335. |
| ^28 | رواه أحمد: 25681، والدارقطني: 822، وأصله عند البخاري: 228، ومسلم: 333. |
| ^29 | رواه البخاري: 304، ومسلم: 80. |
| ^30 | رواه البخاري: 228، ومسلم: 334. |
| ^32 | رواه أبو داود: 304، والنسائي: 216، وصححه الألباني. |
| ^33 | رواه البخاري: 320، ومسلم: 333. |
| ^34 | رواه ابن ماجه: 2058، وصححه الألباني. |
| ^35 | رواه الترمذي: 2038، وابن ماجه: 3436، من حديث أسامة بن شريك، ورواه ابن ماجه: 3439، من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد: 3578، من حديث ابن مسعود بنحوه، وقال محققو المسند: صحيح لغيره. |
| ^36 | رواه ابن ماجه: 2340، وصححه الألباني. |
| ^37 | رواه البخاري: 2037. |