تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

كتاب الصلاة - من قوله: "فرض الله ورسوله على الأمة خمس صلوات.." (04)

... فالصلاة؛ والفقهاء يبتدئون بالصلاة لأنها الركن الثاني من أركان دين الإسلام بعد الشهادتين، والغالب في أحكام الشهادتين أنها تُفرد فيها مؤلفات، وهذه المؤلفات تختص بأحكام الشهادتين وما ماثلها من أحكام العقائد.

 لعلنا نقرأ في "كتاب الصلاة"، نعم.

 القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين، آمين.

كتاب الصلاة

 قال المؤلف رحمه الله:

كتاب الصلاة:
فرض الله ورسوله على الأمة خمس صلوات في اليوم والليلة على كل مسلم مكلف إلا الحائضَ والنُّفَساءَ، ومَن جحد وجوب الصلاة أو تركها تهاونًا وكسلًا حُكم بكفره وجرى عليه ما جرى على المرتدين.
وللصلاة شروط تتقدمها، وهي: الطهارة من النجاسات في البدن والثوب والبقعة، والطهارةُ من الحدث، ودخولُ الوقت، واستقبال القبلة إلا عند الضرورة أو النافلةِ في السفر؛ فإنه يصلي على ظهر مركوبه إلى الجهة التي يقصدها.
ومن شروط الصلاة: ستر العورة، الرَّجُل من السُّرَّة إلى الركبة، والمرأة الحرة البالغة تستر جميع بدنها إلا وجهها.
ومن شروطها: النية، فينوي الصلاة إن كانت فرضًا أو نفلًا معينًا كالراتبة. فإن كان النفل مطلقًا غير معين كفاه نية الصلاة.
قال رحمه الله:
باب: صفة الصلاة المشتملة على الأركان والواجبات والسنن:
ينبغي للمصلي أن يجتهد فيصلي كما كان النبي يصلي،  وكما أرشد أمته إلى ذلك.
وذلك أنه إذا قام إلى الصلاة كبَّر تكبيرة الإحرام، ورفع يديه إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه، ويضع يده اليمنى على اليسرى ويجعلهما فوق سُرَّته، أو تحتها، أو على صدره، وينظر موضع سجوده.
ثم يستفتح ويتعوذ سرًّا، ويقول "بسم الله الرحمن الرحيم" سرًّا، ثم يقرأ الفاتحة ويقرأ بعدها سورة أو بعض سورة، يُطيل في صلاة الفجر ويخفف في المغرب ويتوسط في بقيتها.
ثم يرفع يديه حذو منكبيه ويكبر للركوع، فيضع يديه مُفرَّجَتَيِ الأصابع على ركبتيه، ويجعل رأسه حِيَالَ ظهره، ثم يقول: "سبحان ربي العظيم" يكررها، وإن قال مرة واحدة أجزأت، ثم يرفع رأسه من الركوع ويقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" إن كان إمامًا أو منفردًا، وإن كان مأمومًا قال: "ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، ويقول الجميع: "ربنا ولك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد"، ويرفع يديه إلى حذو منكبيه عند الرفع من الركوع، وهكذا في كل ركعة يرفعهما عند الركوع وعند الرفع منه.
ثم يهوي ساجدًا على سبعة أعضائه: وجهه مع أنفه، وكفيه، وركبتيه، وأطراف قدميه، ويقول: "سبحان ربي الأعلى" يكررها.
ثم يجلس بين السجدتين مفترشًا رِجْله اليسرى ناصبًا رجله اليمنى، وجميع جلسات الصلاة يفترش هذا الافتراش، إلا في التشهد الأخير في الصلاة التي فيها تَشَهُّدان فإنه يَتَورَّك بأن يجلس على الأرض ويُخرج رِجْله اليسرى من تحت رجله اليمنى واليمنى على حالها منصوبة. ويقول بين السجدتين: "رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني".
ثم يسجد الثانية كالأولى، ثم يقوم للركعة الثانية فيصليها كالأولى إلا أنه لا يكبر فيها للإحرام، ولا يستفتح، ولا يستعيذ.
فإذا جلس للتشهد قال: "التحيات لله.." إلى قوله: "أشهد أن لا إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
ثم يقوم إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب وحدها، ثم يجلس للتشهد الأخير ويصلي فيه على النبي ، ويتعوذ من عذاب جهنم وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال،  ويدعو في آخر صلاته بما أحب من خير الدنيا والآخرة.

الشيخ: قال المؤلف رحمه الله:

كتاب الصلاة.

أي هذا مجموع نجمع فيه أحكام الصلاة.

حكم الصلاة

قوله:

فرض الله.

الفَرْض: المراد به الواجب المتحتم؛ فإن الصلوات الخمس فرض متحتم، قد تواترت النصوص دالة على إيجاب هذه الخمس الصلوات؛ قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، وقال النبي  لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: وأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة[1].

وفي حديث طلحة بن عبيد: أن أعرابيًّا جاء إلى النبي فسأله عن الواجب عليه؟ فقال في ضمن ما أوجب عليه: خمس صلوات في اليوم والليلة، فلما انتهى النبي من تعداد الواجب قال: والله لا أزيد على ذلك، فقال النبي : أفلح إن صدق[2].

ويدل على أهمية الصلاة ومكانتها: أن الله ​​​​​​​ قد فرضها في حادثة الإسراء والمعراج، ولم يكتف بإرسال الوحي بها حتى فرضها الله ​​​​​​​ فوق سبع سماوات، فعرج بالنبي حتى خاطبه ربه بإيجاب هذه الصلوات الخمس، مما يدل على أهميتها وتأكدها.

ولما فرض الله الصلوات كانت خمسين؛ رحمة بالأمة وبعد سؤال النبي خفَّفها الله فجعلها خمس صلوات في اليوم والليلة.

شروط وجوب الصلاة

وقال المؤلف:

على كل مسلم مكلف.

أي أن المسلم يخاطب بهذه الصلوات، والأظهر أن غير المسلم يخاطب بها أيضًا،  بمعنى أنه يعاقب عليها زيادة عقوبة في الآخرة.

وقوله:

مكلف.

المراد بالمكلف: مَن جمع صفتين: الصفة الأولى العقل، والصفة الثانية البلوغ؛ فإن الصلاة لا تجب على المجنون، ولا تجب على غير البالغ؛ وذلك لقول النبي : رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ[3].

قوله:

إلا الحائض والنفساء.

فإن الحائض والنُّفَساء لا تجب عليهما الصلاة لا أداء ولا قضاء، كما جاء في الحديث: أن النبي قال للحائض: دَعِي الصلاة أيام أقرائك[4].

وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة[5].

حكم تارك الصلاة

أما من ترك الصلاة فهذا على نوعين:

الأول: من جحدها، من جحد وجوب الصلاة فهو مُكذِّب لله ​​​​​​​ ومكذب لرسوله ؛ لأن الله قد أوجبها ورسوله قد أوجبها في نصوص كثيرة سبق نماذج منها، فمَن جحد وجوبها فقد كذب الله ورسوله؛ ولذلك وقع الاتفاق على أن من جحد وجوب الصلاة فإنه يكفر بذلك، ويرتد عن دين الإسلام.

والنوع الثاني: من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، فإنه قد أقدم على جريمة عظيمة بإجماع أهل العلم، هي أكبر من الربا والزنا وغيرها من كبائر الذنوب، هذا باتفاق أهل العلم.

وماذا يُفعَل به؟ قال الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: بأن حدَّه السيف، فيُقتل. وقد اختلفوا في السبب الذي من أجله يقتل: فقال الشافعي ومالك: بأنه يقتل حدًّا، وقال الإمام أحمد: يقتل ردة.

ومذهب الإمام أحمد وطائفة من أهل العلم من التابعين: أن تارك الصلاة تهاونًا يكفر بذلك؛ واستدلوا عليه بعدد من الأدلة:

من ذلك قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، قالوا: دل هذا على أنه إذا لم يُقم الصلاة فليس أخًا لنا في الدين.

واستدلوا عليه بقوله جل وعلا -قالوا-: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42- 43]، قالوا: فدل هذا على أن ترك الصلاة يجعل الإنسان من أهل نار جهنم خالدًا فيها.

واستدلوا على هذا أيضًا بما ورد في الحديث: أن النبي قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر[6].

واستدلوا على هذا أيضًا لقول النبي : بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة[7].

واستدلوا أيضًا على ذلك بما حكي من إجماع الصحابة على الحكم على تارك الصلاة بالكفر.

وهذه نصوص متتابعة تدل على هذا المعنى، مما يجعل الإنسان يصعب عليه أن يخالف مقتضى هذه النصوص.

شروط الصلاة

ثم ذكر المؤلف شروط الصلاة. وما في الصلاة على أربعة أنواع: شروط، وأركان، وواجبات، وسنن.

أما الشروط فإنها أمور لازمة لكنها ليست من الصلاة وإنما هي أمور متقدمة على الصلاة.

أما الأركان والواجبات والسنن فهي أجزاء في الصلاة.

قال:

وللصلاة شروط...

بحيث إذا انتفى أحد هذه الشروط فإن الصلاة لا تُعد صحيحة، بل تكون باطلة ولابد أن تكون هذه الشروط متقدمة على الصلاة.

أول هذه الشروط:

الطهارة من النجاسات.

لقول الله وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]؛ ولقوله سبحانه: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، فدلت الآية الأولى على وجوب التطهر من أنواع النجاسات.

وقد جاء في الحديث: أن النبي جاءه جبريل فأخبره أن في نعليه قذرًا فخلعهما؛ لتصح صلاته بذلك[8].

وجمهور أهل العلم على أن الطهارة من النجاسات شرط لصحة الصلاة، ولكن هناك قول آخر في هذه المسألة يقول: بأن النجاسة مانع من صحة الصلاة، وليست شرطًا فيها.

ما الفرق بين كون الشيء مانعًا وبين كونه شرطًا؟

فنقول: بأن المانع إذا أقدم عليه الإنسان ناسيًا فإنه لا يؤثر على عبادته، بخلاف الشرط فإن الإنسان إذا تركه ناسيًا فإنه يؤثر على صحة صلاته.

مثال ذلك: في الوضوء، لو ترك الإنسان الوضوء ناسيًا فإن صلاته لا تصح؛ لماذا؟ لأن الطهارة من الحدث شرط من شروط صحة الصلاة؛ قال: "والطهارة من النجاسات".

هكذا أيضًا في دخول الوقت؛ دخول الوقت شرط، فلو صلى الإنسان قبل الوقت -ولو ناسيًا- لم تصح صلاته؛ وذلك لأن دخول الوقت شرط من الشروط.

أما الموانع فإن الإنسان إذا فعلها ناسيًا أو جاهلًا فإن صلاته تصح بذلك.

هل الطهارة من النجاسة من شروط الصلاة؟

والأظهر من أقوال أهل العلم أن النجاسة مانع وليست الطهارة منها شرطًا فيها؛ وذلك لما ورد في الحديث: أن النبي في أثناء صلاته خلع حذاءه فخلع الصحابة نعالهم، فلما فرغ من الصلاة سأل أصحابه عن سبب خلعهم لنعالهم؟ فقالوا: رأيناك فعلت ذلك يا رسول الله. فقال: إن جبريل قد أتاني آنفًا فأخبرني أن فيهما قذرًا[9].

ولو كانت الطهارة من النجاسة شرطًا لأعاد النبي الصلاة، لكن لما واصل فيها دل هذا على أن النجاسة مانع وليست الطهارة منها شرطًا.

والطهارة من النجاسة تكون في ثلاثة أمور:

  • في البدن؛ فلا يكون على البدن شيء من النجاسات، فإذا كان على البدن إما نجاسة بول أو غائط، أو نجاسة من أنواع النجاسات الأخرى؛ لم يجز للإنسان أن يصلي.
  • وهكذا في الثوب؛ لا بد أن يكون طاهرًا، فإن كان الثوب مشتملًا على نجاسة لم يجز للإنسان أن يصلي.
  • وهكذا لا بد أن تكون البقعة التي يصلي عليها الإنسان طاهرة. يسأل بعض الناس فيقول: في موطننا نصلي في مكانٍ تكون النجاسات تحتنا، تكون بالوعة القاذورات تحتنا ونحن فوق سطحها؟ فنقول: سطحها ليس فيه نجاسة؛ ومن ثم يجوز لكم أن تُصَلُّوا عليها.

ومن مسائل هذا الشرط: أن بعض الحدائق قد يُسقَى بالنجاسات، فحينئذٍ نقول: هذه الحدائق لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها؛ وذلك لأن النجاسة قد وُجدت فيها، فمن ثم لم يصح للإنسان أن يصلي فيها. لكن لو وَضَع عليها سجادة ونحوها فإنه لا حرج عليه في الصلاة حينئذ.

الشرط الثاني: من شروط صحة الصلاة:

الطهارة من الحدث.

إما الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر؛ فلا بد قبل الصلاة أن يكون الإنسان متطهرًا.

وقد تقدم معنا أحكام الطهارة، سواء من الحدث الأكبر أو من الأصغر، بالوضوء أو الاغتسال أو التيمم.

ويدل على اشتراط هذا الشرط قوله ​​​​​​​: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]. ويدل على هذا قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6]؛ فدل هذا على أن من وجد الماء وجب عليه استعماله.

وجاء في الحديث الصحيح: أن النبي  قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ[10].

الشرط الثالث من شروط صحة الصلاة:

دخول الوقت.

فإن الله جل وعلا قد جعل لأوقات الصلوات أوقاتًا محددة، جعل للصلوات أوقاتًا محددة تدخل فيها، فيدخل الفجر بطلوع الفجر، ويدخل وقت صلاة الظهر بزوال الشمس، ويدخل وقت صلاة العصر بصيرورة ظل كل شيء مثله، ويدخل وقت صلاة المغرب بغروب الشمس، ويدخل وقت صلاة العشاء بغياب الشفق.

وقد قال الله جل وعلا: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] أي: لزوال الشمس إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] أي: تغطية الليل، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  [الإسراء:78].

وقد ثبت أن النبي أخبر عن أوقات الصلوات، وبين وقت دخولها ووقت خروجها في حديث جماعة من الصحابة[11].

كما أن النبي صلى في يومين في اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال لأصحابه: إن الوقت بين هذين[12].

ولا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها؛ قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، كتابًا: أي فرضًا واجبًا، موقوتًا: أي له وقت محدد.

والشرط الرابع من شروط صحة الصلاة:

استقبال القبلة.

بأن يكون وجه المصلي في أثناء صلاته إلى الكعبة المشرفة؛ وذلك لقول تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144]، ويُستثنى من ذلك عدد من المسائل:

المسألة الأولى: مسائل الضرورات، ومن أمثلة ذلك: حال المسايفة مع العدو؛ فإنه في هذه الحال لا يتمكن الإنسان من أداء صلاته إلى جهة القبلة وإلا لتمكن العدو منه، ومن ثَمَّ فإنه يصلي على حسب حاله.

ومثل ذلك أيضًا: ما لو كان الإنسان في وادٍ وقد جرى هذا الوادي، فكان يجري فخشي على نفسه أن يلحقه السيل فيُغرقه، وحلَّ عليه وقت الصلاة؛ فحينئذ يصلي على حسب حاله وهو يجري، ولا حرج عليه في هذا.

ومثله أيضًا: ما لو كان الإنسان يطلبه عدو يريد الفتك به أو أخذ ماله فحينئذ حل عليه وقت الصلاة؛ فإنه يجوز له والحال هذه أن  يصلي إلى الجهة التي تَوَجَّه إليها، ولا يلزمه أن يتوجه إلى القبلة.

ومن الأحوال المستثناة من استقبال القبلة: حال أداء صلاة النافلة في السفر؛ فقد كان النبي في أسفاره يصلي الصلاة النافلة على راحلته حيث توجهت به كما ورد ذلك في الصحيح من حديث ابن عمر وغيره[13].

فدل هذا على أن المسافر إذا أراد أن يصلي النفل جاز له أن يصليها على الراحلة إلى أي جهة توجه إليها.

ومثله أيضًا: لو كان الرجل المسافر قد سافر على قدميه، فإنه يجوز له والحال هذه أن يصلي النافلة وهو سائر إلى الجهة التي يتوجه إليها. هل يلزمه عند تكبيرة الإحرام أن يتوجه إلى القبلة؟ الظاهر من النصوص أن ذلك لا يلزمه؛ إذ لم يُنقل ذلك عن النبي .

الشرط الخامس من شروط صحة الصلاة:

ستر العورة.

لقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ  [الأعراف:31]، أي يجب عليكم أن تستتروا عند كل صلاة تصلونها، فإذا صلى الإنسان وعورته مكشوفة فإن صلاته باطلة لذلك.

والواجب على الرجل أن يغطي من السرة إلى الركبة، فإذا فعل ذلك قيل: قد أدى الشرط، وإن كان الأولى بالإنسان أن يستر ما استطاع من بدنه.

وقد ورد في حديث أبي هريرة : أن النبي قال: لا يصلي أحدكم ليس على عاتقه شيء[14].

وأما بالنسبة للمرأة الحرة فإنه يجب عليها أن تستر جميع بدنها؛ لقول النبي : إذا بلغت المرأة المحيض... لقول النبي : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار[15]، والمراد بالخمار: ما يغطي الرأس.

ويستثنى من ذلك الوجه؛ فإنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها في الصلاة بشرط ألا يكون هناك رجال أجانب، فإذا كان هناك رجال أجانب فالأظهر من أقوال أهل العلم وجوب تغطية الوجه على ما سيأتي في "باب النكاح" بإذن الله جل وعلا.

وأما بالنسبة لليدين؛ فظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن تُغطي المرأة يديها، وهكذا قدميها، والأظهر من أقوال أهل العلم: أن المرأة إذا كشفت يديها في الصلاة أو انكشف قدماها فإن صلاتها صحيحة؛ وذلك لورود أقوال من عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، ولم يُعلم لهم مخالف.

إذا تقرر هذا فإن بعض الناس يظن أن كشف المرأة لوجهها في الصلاة من الواجبات، وهذا فهم خاطئ، بل إذا غطت المرأة وجهها ولو لم يكن عندها أحد فإن صلاتها صحيحة ولا يلحقها مأثم بهذا.

من شروط صحة الصلاة أيضًا:

النية.

والنية: المراد بها عقد القلب الجازم بما يريد الإنسان فعله، والدليل على إيجاب النية...

والدليل على اشتراط النية قول النبي : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[16].

والنية يُقصد بها وجهان:

الوجه الأول: أن ينوي الإنسان بصلاته أنها لله ​​​​​​​؛ لأنه متى نوى أن الصلاة لغير الله فهذا شرك؛ إما شرك أكبر إذا نوى بصلاته التقرب لغير الله، وإما شرك أصغر إذا نوى رياء الخلق.

وأما الوجه الثاني من أوجه النية: أن يقصد الإنسان نوع الصلاة التي يريدها، فينوي أن ما يريد أن يفعله صلاة، ثم بعد ذلك ينوي هل هي فرض أو نفل، ثم ينوي أنها عينُ الفرض الذي يريد أن يصليه، فينوي أنها ظهر مثلًا أو عصر مثلًا، ولكن إذا نوى أنها عصر فحينئذ تكفي عن نية الصلاة وعن نية الفرضية؛ لأن مما استقر عند الإنسان أن صلاة العصر صلاة مفروضة، ومن ثم لا يلزمه أن يتذكرها عند النية. فالمقصود أنه إذا نوى نوع الصلاة كفاه ذلك.

وهكذا إذا كانت الصلاة من السنن فإنه لا بد أن يُعيِّنها، فإن كانت سنة راتبة عيَّنها:  هل هي سنة الفجر القبلية، أو سنة الظهر البعدية؟

وأما النفل المطلق كما إذا أراد الإنسان أن يتطوع تطوعًا مطلقًا بالصلاة؛ فهذا يكفي فيه الإنسان أن ينوي الصلاة.

صفة الصلاة

ذكر المؤلف بعد ذلك صفة الصلاة الكاملة التي يكون الإنسان قد قارب في صلاته صلاة النبي ، قال: ينبغي للمصلي أن يجتهد في الاقتداء بصلاة النبي ؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأول: الأمر الجازم من النبي بذلك، كما في قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي[17]؛ ولذلك حرص الصحابة على نقل أحوال النبي في صلاته،  فلم يتركوا منها شيئًا، نقلوا كيف كانت أصابعه، نقلوا الأذكار التي يقولها، نقلوا وقت رفعه الصوت بالذكر ووقت خفضه، وهكذا.

والأمر الثاني: أن النبي لما رأى المسيء في صلاته قال له: ارجع فصَلِّ؛ فإنك لم تصل[18]؛ ومن هنا نخشى على من لم يُصَلِّ بالصفة المشروعة أن تكون صلاته مردودة غير مقبولة عند الله جل وعلا.

القيام وتكبيرة الإحرام

إذا وُجدت الشروط السابقة، وهي قبل الصلاة، ويجب أن تستمر مع المصلي في... الصلاة، فإنه إذا قام إلى الصلاة: لا بد من القيام في الصلاة، فلا يصح للقادر على القيام أن يصلي الصلاة المفروضة جالسًا؛ لأن النبي قال: إذا قمت إلى الصلاة[19]؛ ولأن رب العزة والجلال يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ [المائدة:6].

ثم بعد ذلك يكبر تكبيرة الإحرام؛ لقوله  في حديث المسيء في صلاته: ثم كبِّر[20].

وتكبيرة الإحرام ركنٌ من أركان الصلاة، من لم يكبر فإن صلاته لا تصح؛ لقول النبي : تحريمها التكبير[21].

فدل هذا على أنه لا يصح للإنسان أن يبتدئ الصلاة بلفظ آخر، فلو قال: الله أعظم، أو قال: الله أكرم، أو قال: الله أحكم، أو غير ذلك من الألفاظ؛ فإن هذا لا يجزئه على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأن النبي قد أمر بالتكبير، ولازم التكبير، ولم يُؤثَر عنه أنه استخدم شيئًا من الألفاظ غير التكبير.

وتكبيرة الإحرام ركنٌ من أركان الصلاة، لا تنعقد الصلاة إلا بها.

وعند تكبيرة الإحرام يُستحب للإنسان أن يرفع يديه إلى حذو منكبيه، وإن رفعهما بحيث تكون أصابعه عند فروع الأذنين ويكون أسفل الكف عند المَنْكِب؛ فإن هذا أولى وأحسن؛ جمعًا بين الأحاديث الواردة في هذا الباب[22].

رفع اليدين ووضع اليمنى على اليسرى

ورفع اليدين في هذا الموطن محل إجماع بين العلماء.

ثم بعد ذلك يضع يده اليمنى على يده اليسرى؛ لما ورد في الحديث: أُمِرْنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة[23].

وقد تواتر عن النبي أنه يضع اليمنى على اليسرى، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم: أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وأما مذهب الإمام مالك فإن جمهور أصحابه خصوصًا المغاربة يرون استحباب سَدْلِ اليدين، ولا يرون مشروعية قبض اليدين، وينسبون ذلك إلى الإمام مالك.

وإن كان المالكية المشارقة لا يوافقونهم في هذا، وبعض محدثي المالكية من أهل المغرب رأوا خلاف هذا كابن عبد البر وجماعة من المالكية.

وبعض أهل العلم قال: إن الإمام مالكًا في كتابه "الموطأ" قد نص نصًّا صريحًا بمشروعية قبض اليدين في الصلاة. وقالوا: بأن السبب الذي جعل بعض الناس ينسب إلى مالك أنه يقول بسدل اليدين أن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى فُتن في فتوى يمين المكره هل هي مُلزِمة أو ليست بملزمة؟ فلم توافق فتواه بعض أهل ذلك العصر مِن الولاة؛ ولذلك أخذوه فضربوه رحمه الله تعالى حتى انخلعت كتفه؛ ولذلك في آخر زمانه لم يكن رحمه الله يَقْدر على قبض اليدين بسبب هذا، وليس بسبب كونه لا يرى مشروعية القبض.

قال:

ويجعلهما فوق سرته أو تحتها أو على صدره.

يعني أن المصلي مخير في الموطن الذي يضع يديه فيهما: إن شاء على الصدر، وإن شاء فوق السرة، وإن شاء تحتها؛ وذلك لأنه لم يُنقل تقييدٌ للموطن الذي توضع فيه اليدان، وكل ما نُقل في هذا الباب فإنه لا يثبت عن النبي ، فلما لم يثبت ذلك كله قيل بالتخيير فيه.

النظر إلى موضع السجود

قال:

وينظر موضع سجوده.

أي يستحب للمصلي أن ينظر إلى موطن السجود، جاء في الحديث نهي المصلي عن رفع بصره إلى السماء، فقد قال النبي : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في الصلاة حتى اشتد قول النبي  في ذلك، فقال يوشك إذا رفعوها أن تؤخذ فلا ترد عليهم[24].

وأما نظر الإنسان تلقاء وجهه؛ فظاهر كلام المؤلف أنه من غير المستحب، وقد ثبت أن النبي نَظَرَ في صلاته تلقاء وجهه، وورد عن طائفة من التابعين استحبابُ أن يكون النظر إلى موطن السجود.

الاستفتاح

قال:

ثم يستفتح.

يعني يُشرع للإنسان أن يبتدئ بعد تكبيرة الإحرام بذكر دعاء الاستفتاح، فقد جاء في حديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إسكاتتك بين التكبير والقراءة، ما تقول فيها؟ قال: أقول: اللهم باعِد بيني وبين ذنوبي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من ذنوبي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسِلني من ذنوبي بالثلج والماء والبَرَد[25].

وجمهور أهل العلم يرون مشروعية دعاء الاستفتاح خلافًا للإمام مالك، وما دام أنه قد ثبت ذلك في السنة فما في السنة يُقدَّم على غيره.

التعوذ والبسملة

قال:

ويتعوذ سرًّا.

لقوله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا أمر بذلك فقال: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ  [النحل:98].

ثم بعد ذلك يسمي، فيقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، والإمام مالك لا يقول بمشروعية التعوذ ولا البسملة.

أما البسملة؛ فقد ثبت أن النبي كان يقولها ولكنه كان يُسِر بها[26].

ومذهب أحمد وأبي حنيفة: أن البسملة تقال ولكنها لا تقال جهرًا وإنما يُسَر بها؛ وذلك لما ورد في حديث أنس قال: كان النبي وأبو بكر وعمر لا يفتتحون الصلاة إلا بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[27]. وفي لفظ: لا يجهرون في الصلاة إلا بالحمد لله رب العالمين[28].

 وذهب الإمام الشافعي إلى استحباب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنشأ الخلاف بين الشافعي والجمهور: أن الإمام الشافعي رحمه الله يرى أن البسملة جزء من الفاتحة، وإذا جُهر بالفاتحة كذلك يُجهر بالبسملة؛ لأنها جزء منها.

وجمهور أهل العلم يرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة، بل هي آية مستقلة يؤتى بها للفصل بين السور وليست جزءً من الفاتحة.

ولعل قول الجمهور أرجح؛ وذلك لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة : أن النبي قال الله ​​​​​​​: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال العبد: الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قال الله: حَمِدَني عبدي. وإذا قال العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال الله: مجَّدني عبدي. وإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي سأل[29].

فإذا أكمل بقية السورة قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل، فلم يذكر البسملة فيها؛ ومن هنا فإن الصواب أن البسملة ليست جزءً من الفاتحة.

فلو قُدِّر أن إنسانًا لم يقرأ البسملة فإن صلاته صحيحة ولا يعد هذا مبطلًا؛ وذلك لأن الركن هو قراءة سورة الفاتحة، وأما البسملة فإنها مستحبة وليست جزءً من الفاتحة على الصحيح من أقوال أهل العلم.

قراءة الفاتحة

قال:

ثم يقرأ الفاتحة.

وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة من ركعات الصلاة؛ وذلك لأن النبي   قال للمسيء في صلاته: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن[30]. وأرشَد مَن لا يعرف الفاتحة بأذكار معينة تسبيحًا وتهليلًا وحمدًا وتكبيرًا[31].

فدل هذا على أن من كان عارفًا الفاتحة تعيَّنت عليه قراءتها.

قال:

ويقرأ بعدها سورة أو بعض سورة.

أي يستحب للإنسان أن يقرأ بعد الفاتحةٍ سورةً أو بعض سورة؛ فإن النبي قد حُفظ عنه المحافظة على ذلك، ولم يؤثر عنه أنه ترك قراءة السورة بعد سورة الفاتحة[32].

ما مقدار ما يقرؤه المصلي؟

قال:

يُطيل في صلاة الفجر.

لقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  [الإسراء:78]، وكان النبي يقرأ في صلاة الفجر ما بين الستين إلى المائة آية[33].

قال:

ويخفف في المغرب.

لأن النبي كذلك يفعل، وإن أطال فيها قليلًا في بعض الأيام فلا حرج في هذا، فقد ثبت أنه قرأ في المغرب مرة بالمرسلات[34]، وقرأ في المغرب مرة بسورة الطور[35].

قال:

ويتوسط في بقيتها.

أي في بقية الصلوات، وهي العشاء والظهر والعصر، يتوسط فيها فيقرأ من أواسط المفصل. وهذا على جهة الاستحباب وليس على جهة الإيجاب والحتم.

وينبغي بالأئمة أن يلاحظوا حال من يصلي خلفهم من جهتين:

الجهة الأولى: أن ينتقوا من الآيات ما يكون مؤثرًا عليهم، جالبًا لهم إلى الطاعات مبعدًا بهم عن المعاصي.

والجهة الثانية: ألا يشق عليهم في الصلاة؛ فإن النبي لما علم أن معاذًا يقرأ بأصحابه في صلاة العشاء بسورة البقرة، قال له: أفَتَّان أنت يا معاذ؟ أيما أحدكم صلى بالناس فليخفف؛ فإن من ورائه الكبير والمريض وذا الحاجة[36].

ثم أرشده إلى أن يقرأ بسورة سبح اسم ربك الأعلى، والسماء ذات البروج، والسماء الطارق.

صفة الركوع

قال:

ثم يرفع يديه حذو منكبيه ويكبر للركوع.

إذا انتهى من القيام فإنه يُشرع له أن يكبر للركوع ويرفع يديه في هذه الحال.

أما التكبير؛ فلأن النبي  كان يكبر في كل خفض ورفع[37].

وأما رفع اليدين حذو المنكبين؛ فهذا هو قول الجمهور خلافًا للإمام أبي حنيفة؛ لأنه قد ورد في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا كبر تكبيرة الإحرام، وإذا ركع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من التشهد للركعة الثالثة[38].

فدل هذا على مشروعية رفع اليدين في هذه المواطن. وقد ورد هذا المعنى من حديثِ جماعةٍ كثيرة من أصحاب النبي [39].

وجاء في السنن من حديث ابن مسعود: أن النبي كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود[40]، لكن هذا الحديث ضعيف الإسناد لا يصح أن يعول عليه.

ومن ثم؛ فإن الصواب مشروعية رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، فإذا ركع فإنه حينئذ يحني ظهره ويجعله مستويًا، ويضع يديه على ركبتيه مُفرَّجَتَيِ الأصابع، كما هو المنقول عن النبي .

وقوله:

مُفرَّجَتَيِ الأصابع.

أي مفتوحة، وكان الناس في أول الإسلام يطبقون أيديهم بين ركبتيهم، ثم نُسخ ذلك فجُعل المشروع حال الركوع أن يضع الإنسان يديه على ركبتيه.

ولا بد من حَنْي الظهر، فمن لم يَحْنِ ظهره لم يُقَل له بأنه ركع، ولم يصح منه الركوع.

والركوع ركن من أركان الصلاة؛ قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا  [الحج:77]؛ ولأن النبي أرشد المسيء في صلاته إلى الركوع.

الذكر الوارد في الركوع

قال:

ثم يقول: "سبحان ربي العظيم" يكررها.

فإن النبي لما نزل قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، قال: اجعلوها في ركوعكم[41].

وذهب الإمام أحمد إلى أن هذا اللفظ واجب يسقط مع النسيان، أما من كان ذاكرًا له فلا بد أن يأتي به، فلو تركه عمدًا أبطل صلاته.

والجمهور على أن هذا اللفظ من المستحبات وليس من الواجبات.

قال:

وإن قالها مرة واحدة أجزأت.

لأن الأمر يصدق بالمرة الواحدة.

الرفع من الركوع والذكر الوارد فيه

إذا جاء أمر فإن العبد يعد ممتثلًا إذا فعله مرة واحدة، ثم بعد ذلك يرفع رأسه من الركوع ويقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".

"سمع الله لمن حمده" يقولها الإمام والمنفرد؛ فإن النبي قد حافظ عليها، وأما المأموم فإنه لا يقول هذه اللفظة؛ لقول النبي : إنما جُعل الإمام ليؤتم به[42].

إلى أن قال:

فإذا قال: "سمع الله لمن حمده"، فقولوا: "ربنا ولك الحمد".

 وأما بالنسبة للمأموم والإمام والمنفرد فإنهم بعد هذه اللفظة يقولون: "ربنا ولك الحمد". وقد وردت هذه اللفظة بصيغ متعددة:

"ربنا ولك الحمد" بإثبات الواو بدون اللهم[43].

 وكذلك ورد "اللهم ربنا لك الحمد" بإثبات لفظ اللهم بدون الواو[44].

 وكذلك ورد بإثبات الواو واللهم: "اللهم ربنا ولك الحمد".

وكل هذه الصيغ ثابتة واردة، فيجوز للإنسان أن يتلفظ بها.

وإذا رفع الإنسان من الركوع فإنه يشرع له أن يرفع يديه أيضًا. متى يرفع الإنسان يديه؟

إن رفعها قبل الركن أو في أثناء الإتيان به أو بعد استقراره فيه فكل ذلك جائز.

مثال ذلك: لو رفع يديه قبل أن يرفع أجزأه، وقيل: فعل السنة. أو رفع يديه حال رفعه لظهره فإنه يقال عنه: بأنه قد أجزأه ذلك.

وهكذا لو لم يرفع اليدين إلا بعد أن يستقر واقفًا فإنه يعد ممتثلًا للسنة؛ لأنه قد نُقلت الأفعال الثلاثة عن النبي ؛ فدل ذلك على جوازها جميعًا.

موضع اليدين بعد الرفع من الركوع

وإن قال قائل: أين يضع يديه في هذا الموطن؟ هل يقبضهما، أم يرسلهما؟

ذهب الإمام مالك وأبو حنيفة إلى إرسالهما، وذهب الإمام أحمد إلى أن المصلي مُخيَّر بين القبض والإرسال، وهناك قول ثالث بأنه يقبض اليدين وأن هذا هو المستحب المشروع.

ولعل القول الأخير أرجح من الأقوال السابقة؛ وذلك لعدد من الأدلة:

منها أن الأدلة الدالة على مشروعية وضع اليد اليمنى على اليسرى أدلة عامة في حال الوقوف تشمل ما قبل الركوع وما بعده.

والدليل الثاني: ما ورد في الحديث أن النبي وصفت صلاته بأنه لما رفع من الركوع عاد كل عظم مكانه[45]. وكانت عظام اليد بعضها على بعض قبل الركوع، فعودها إلى مكانها أن تكون اليد اليمنى على اليسرى.

ثم بعد ذلك يستحب للإنسان أن يقول: "ربنا ولك الحمد، ملء السماوات والأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد".

وقد وردت هناك أذكار أخرى تقال في هذا الموطن إذا زادها الإنسان فإنه يؤجر عليها، وهذا الذكر من المستحبات وليس من الواجبات.

قال:

وهكذا في كل ركعة.

يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه. وهناك موطن ثالث: ألا وهو القيام من التشهد الأول؛ فإن الإنسان إذا قام من التشهد الأول شُرع له أن يرفع يديه أيضًا.

صفة السجود وما يقال فيه

قال:

ثم يهوي ساجدًا.

السجود ركن من أركان الصلاة؛ لقوله تعالى: وَاسْجُدُوا [الحج:77]؛ ولأن النبي   أمر به وحافظ عليه.

والسجود لا يكون سجودًا إلا إذا كان على الأعضاء السبعة؛ لما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيح قال: أُمرنا أن نسجد على سبعة أعضاء[46].

فدل هذا على أن من لم يسجد على الأعضاء السبعة فإنه لا تصح صلاته؛ لعدم صحة سجوده.

والأعضاء السبعة هي كما يأتي:

القدمان عضوان، والركبتان عضوان، واليدان عضوان، هذه ستة أعضاء، والجبهة والأنف عضو واحد فهذا هو العضو السابع.

إذا تقرر هذا فليلحظ الإنسان سجوده؛ فإن بعض الناس عند السجود قد لا يضع بعض أعضائه على الأرض. مثال ذلك: بعض الناس عند السجود يضع يديه على ركبتيه ولا يُنزلهما إلى الأرض فيسجد؛ فحينئذ نقول: صلاته ليست بصحيحة، لماذا؟ لأنه لم يسجد على الأعضاء السبعة.

مثال آخر: بعض الناس عند السجود يرفع قدميه ولا يجعلهما على الأرض. فنقول: سجوده ليس بصحيح، ومن ثم لا تصح صلاته.

ويقول:

"سبحان ربي الأعلى" يكررها.

فإنه لما نزل قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1]، قال النبي : اجعلوها في سجودكم[47].

وأحمد يقول: إن الواجب فيها مرة واحدة، وما زاد عن ذلك فهو مستحب، وأعلى درجات الكمال فيها التسبيح عشر مرات؛ فإن بعض الصحابة لما صلى خلف بعض ولاة المدينة قال: "ما أشبه صلاة هذا بصلاة رسول الله ، فحُسب مقدار ركوعه وسجوده فوجد عشر تسبيحات"[48].

الدعاء في السجود

ومن الأمور المتعلقة بالسجود أنه يُشرع للإنسان أن يدعو في سجوده بخلاف الركوع، فجمهور أهل العلم قالوا بعدم مشروعية الدعاء إلا ما ورد عن النبي ؛ فإن النبي قال: أما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم[49]؛ يعني: حَرِيٌّ أن يستجاب لكم.

هذا شيء من أحكام صفة الصلاة، ولعلنا بإذن الله ​​​​​​​ نواصل مبحث.. أحكام هذا المبحث وما بعده في يوم آخر.

أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، كما أسأله جل وعلا أن يُصلح أحوال الأمة، وأن يردهم إلى دينه ردًّا جميلًا، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين لكل خير، وأن يجعلهم من أسباب الهدى والتقى والصلاح والسعادة.

هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19.
^2 رواه البخاري: 46، ومسلم: 11.
^3 رواه أحمد: 956، وأبو داود: 4401، والترمذي: 1423، وابن ماجه: 2041، وقال الترمذي: "حسن غريب"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3512.
^4 رواه أحمد: 26255، والترمذي: 125 وقال: "حسن صحيح". وأصله في الصحيحين؛ فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ ‌فَدَعِي ‌الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي. رواه البخاري: 331، ومسلم: 333.
^5 رواه مسلم: 335.
^6 رواه أحمد: 22937، والترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وقال الترمذي: "حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4143.
^7 رواه مسلم: 82.
^8 رواه أحمد: 11877، وأبو داود: 650، والحاكم في "المستدرك": 491 وقال: "حديث صحيح على شرط البخاري".
^9, ^39 سبق تخريجه.
^10 رواه البخاري: 6954، ومسلم: 225.
^11 من ذلك ما رواه محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: قدم الحجَّاجُ المدينةَ، فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان النبي  يصلي ‌الظهر بالهاجرة، ‌والعصر والشمس نقية، ‌والمغرب إذا وجبت، ‌والعشاء أحيانًا، وأحيانًا إذا رآهم اجتمعوا عجَّل وإذا رآهم أبطئوا أخَّر، والصبح كانوا أو كان النبي  يصليها بغلس. رواه البخاري: 565، ومسلم: 646.
^12 رواه مسلم: 614.
^13 رواه البخاري: 1105، ومسلم: 700.
^14 رواه البخاري: 359، ومسلم: 516.
^15 رواه أحمد: 25167، وأبو داود: 641، وابن ماجه: 655، والحاكم في "المستدرك": 833 وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود": 648.
^16 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^17 رواه البخاري: 631.
^18, ^19, ^20, ^30 رواه البخاري: 757، ومسلم: 397.
^21 رواه أحمد: 1006، وأبو داود: 61، والترمذي: 3، وابن ماجه: 275، وقال الترمذي: "أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ"، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود": 55، وصححه في "صحيح الجامع": 5885.
^22 ومنها: ما رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله كان يرفع ‌يديه ‌حَذْوَ ‌منكبيه إذا افتتح الصلاة. رواه البخاري: 735، ومسلم: 390. وما رواه مالك بن الحويرث : أن رسول الله كان إذا كبَّر رفع ‌يديه حتى يحاذي بهما ‌أذنيه. رواه مسلم: 391.
^23 رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده": 2776، والطبراني في "الأوسط": 1884، والبيهقي في "الكبرى": 8205، قال قاسم بن قطلوبغا في "التعريف والإخبار" 1/ 156: "سنده سند الصحيح إلا شيخ الطبراني"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2286.
^24 رواه البخاري: 750، ومسلم: 428.
^25 رواه البخاري: 744، ومسلم: 598.
^26 ومن ذلك: ما رواه أنس بن مالك : أن رسول الله  كان يُسِرُّ بـبِسْمِ ‌اللَّهِ ‌الرَّحْمَنِ ‌الرَّحِيمِ في الصلاة. رواه ابن خزيمة في "صحيحه": 498، والطبراني في "الأوسط": 739.
^27 رواه البخاري: 743، ومسلم: 399.
^28 رواه أحمد: 12845 عن أنس بن مالك  بلفظ: ‌صليت خلف رسول الله ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا ‌لا ‌يجهرون بـبِسْمِ ‌اللَّهِ ‌الرَّحْمَنِ ‌الرَّحِيمِ.
^29 رواه مسلم: 395.
^31 فقد روى عبد الله بن أبي أوفى: أنه جاء رجل إلى النبي  فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من ‌القرآن؛ فعَلِّمني ما يجزئني. قال: قل: ‌سبحان ‌الله، ‌والحمد ‌لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رواه أحمد: 19110، وأبو داود: 832، والنسائي: 924، والحاكم في "مسنده": 797 وقال: "صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه".
^32 فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال: في كل صلاة قراءة؛ فما أسمَعَنا النبيُّ أسمعناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم. ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت عنه، ومن ‌زاد ‌فهو ‌أفضل. رواه مسلم: 396.
^33 رواه البخاري: 541، ومسلم: 461.
^34 رواه البخاري: 763، ومسلم: 462.
^35 رواه البخاري: 765، ومسلم: 463.
^36 رواه البخاري: 6110، ومسلم: 468.
^37 رواه البخاري: 785، ومسلم: 392.
^38 رواه البخاري: 739، ومسلم: 390.
^40 فقد ورد عن عبد الله بن ‌مسعود  أنه قال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله . فصلى، فلم ‌يرفع ‌يديه ‌إلا ‌في ‌أول ‌مرة. رواه الترمذي: 257 وقال: "حديث حسن".
^41, ^47 رواه أحمد: 17414، وأبو داود: 869، وابن ماجه: 887، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود": 152، و"إرواء الغليل": 334.
^42 رواه البخاري: 378، ومسلم: 412.
^43 رواه البخاري: 689، ومسلم: 392.
^44 رواه البخاري: 796، ومسلم: 404.
^45 رواه البخاري: 828.
^46 رواه البخاري: 809، ومسلم: 490.
^48 رواه أحمد: 12661، وأبو داود: 888، والنسائي: 1135، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود": 157، و"إرواء الغليل": 348.
^49 رواه مسلم: 479.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©