تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

كتاب الصلاة – من قوله: "ثم يجلس بين السجدتين مُفترشًا رجله اليسرى.." (05)

جدول المحتويات

أما بعد:

فنواصل الكلام عن صفة الصلاة

القارئ: قال المُصنِّف رحمه الله تعالى ووالدينا وشيخنا والسامعين:

ثم يجلس بين السجدتين مُفترشًا رجله اليسرى ناصبًا رجله اليمنى، وجميع جلسات الصلاة يفترش هذا الافتراش، إلا في التشهد الأخير في الصلاة التي فيها تشهدان؛ فإنه يتورك: بأن يجلس على الأرض ويخرج رجله اليسرى من تحت رجله اليمنى، واليمنى على حالها منصوبةً. ويقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني"، ثم يسجد الثانية كالأولى، ثم يقوم للركعة الثانية فيصليها كالأولى، إلا أنه لا يُكبِّر فيها للإحرام، ولا يستفتح ولا يستعيذ.
فإذا جلس للتشهد قال: "التحيات لله.." إلى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ثم يقوم إن كانت الصلاة ثلاثيةً أو رباعيةً، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب وحدها، ثم يجلس للتشهد الأخير، ويصلي فيه على النبي ، ويتعوذ من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو في آخر صلاته بما أحبَّ من خير الدنيا والآخرة، فهذه الصفة الكاملة.
والأركان منها: الركوع، والسجود، والرفع منهما، والقيام، والقعود، والطمأنينة فيها كلها، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير والصلاة على النبي فيه، والتسليمتان.
والواجبات التي تسقط سهوًا وجهلًا ويجبرها سجود السهو: التكبيرات كلها إلا التحريمة، و"سمع الله لمن حمده" للإمام والمُنفرد، و"ربنا ولك الحمد" للكل، و"سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود، و"رب اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول والجلوس له.
وما سوى ذلك فإنه سُنن أقوالٍ وأفعالٍ، لا تبطل الصلاة بتركه، ولو عمدًا؛ ولكنها تكون ناقصةً بحسب ما تَرَكَ من مسنوناتها، والله أعلم.
فصل:
تَبطُل الصلاة بترك شيءٍ من شروطها وأركانها، عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، إلا في حق العاجز. وتَبطُل بترك الواجبات عمدًا، وتبطل بالقهقهة والكلام إذا تعمَّده الإنسان وكان عالمًا، وبالحركة الكثيرة عُرفًا إذا توالت وكانت لغير ضرورة، فإن قَلَّتْ لحاجة فلا بأس بها، وإن كانت لغير حاجة كُرِهَت. وتَبطُل بالأكل والشرب فيها إلا اليسير مع السهو أو الجهل.

صفة الصلاة

الشيخ: تقدَّم معنا شيءٌ من صفة صلاة المسلم، وكنا قد توقفنا عند الجلسة بين السجدتين، وصفة هذه الجلسة أن يجلس الإنسان مُفترِشًا، وذكر المؤلف هنا صفتها: بأن يَنْصِبَ الرِّجل اليمنى ويجعلها واقفةً بجوار وَرِكِه الأيمن، ثم بعد ذلك يفرش رِجله اليسرى ويجعل إليته عليها.

خلاف الفقهاء في كيفية جلسات الصلاة

وقد اختلف الفقهاء في كيفية الجلوس بالنسبة لأنواع الجلسات في الصلاة:

  • وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أن جميع جلسات الصلاة يُجلَس فيها بهذه الصفة؛ صفة الافتراش.
  • وذهب الإمام مالك إلى أنه يُجلَس في جلسات الصلاة بصفة جلسة التورك، والمراد بجلسة التورك: أن يَنْصِبَ الإنسان رِجله اليمنى ويُدخِل رِجله اليسرى من أسفل رِجله اليمنى، بحيث يجلس بوَرِكِه على عقب رِجله اليسرى.
  • وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أن المستحب في جلسات الصلاة أن يفترش الإنسان، إلا في جلسة التشهد التي يعقبها سلامٌ، فإنه يستحب فيها أن يجلس الإنسان مُتوركًا، سواءٌ أكانت الصلاة ثنائيةً، أو ثلاثيةً، أو رباعيةً.
  • وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه لا يتورك إلا في جلسة التشهد الثاني من الصلاة الثلاثية والرباعية.

ولعل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة هو الذي تجتمع عليه النصوص؛ فإنه في حديث عائشة رضي الله عنها: أنها أخبرت أن النبي كان يتورك في جلسته الأخيرة التي يعقبها سلامٌ. وفي بقية الأحاديث دلالةٌ على أنه كان يفترش في أثناء جلوسه.

الذكر بين السجدتين

ثم قال المؤلف: ويقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني"، وذلك أن رجلًا سأل النبي : ماذا يقول في صلاته؟

يعني: من الدعاء، فأرشده إلى أن يقول هذا اللفظ، وبأي لفظٍ قال الإنسان الدعاء أجزأه على الصحيح. فلو قال: رب اغفر لي ولوالدي، أو قال: اللهم اغفر لي، ونحو ذلك؛ فإنه يُجزئه.

وظاهر كلام الحنابلة: أن قول: "رب اغفر لي" واجبٌ، وأنه لا يُجزِئ غيرها مكانها، ولكن ظواهر النصوص تدل على أن المطلوب هو الدعاء، فمتى حصل هناك دعاءٌ؟ فإنه يكون مُجزِئًا.

كيفية وضع اليد أثناء الجلوس بين السجدتين

ثم بعد ذلك يسجد السجدة الثانية، وهذه السجدة الثانية تكون على صفة السجدة الأولى.

وينبغي أن يعلم أن الإنسان عند جلسته بين السجدتين أن يضع يده اليمنى على فخذه الأيمن، بحيث تكون مضمومة الأصابع، وتكون أطراف الأصابع عند الفخذ، وهكذا اليد اليسرى تكون على الفخذ اليسرى وأطراف الأصابع تكون عند طرف الركبة.

قبض الأصابع في الصلاة

ولا يستحب في هذه الحال أن يشير الإنسان بسبَّابته، ولا أن يقبض أصابعه من اليد اليمنى؛ وذلك لعدم ثبوت ذلك عن النبي ، وأما الرواية التي فيها ذكر قبض الأصابع فإن الروايات على ثلاثة أنواعٍ:

  • نوعٍ نصَّ على أن قبض الأصابع كان في جلسات التشهد.
  • ونوعٍ من الروايات ذكر أن قبض الأصابع كان عند الجلوس، وعند الجَلسة. والأظهر أن لفظ "الجلوس" و"الجَلسة" عند إطلاقه يُراد به: جلسات التشهد.
  • وورد في روايةٍ ثالثةٍ أنه أشار عند جَلسته بين السجدتين، لكن هذه الرواية رواها الإمام أحمد في "مسنده"، لكنها وهمٌ من الراوي؛ حيث اختصر حديثه فنقل لفظًا من مكانٍ إلى مكانٍ آخر، فحصل وهمٌ في هذه الرواية، ومن ثَمَّ فإن الصواب: أن اليد اليمنى في حال الجلسة بين السجدتين لا تقبض أصابعها ولا يُشار بسبابتها.

الجلوس الثاني والقيام في الركعة الثانية

قال: ثم يسجد الثانية، وتكون صفة السجدة الثانية كصفة السجدة الأولى.

وفي السجود يُستحب للإنسان أن يوجِّه أصابعه جهة القبلة، فإنه قد ثبت أن النبي كان يوجِّه أصابعه تجاه القبلة أثناء سجوده، ثم إذا انتهى يقول في هذا السجود: "سبحان ربي الأعلى"، كسجداته الأخرى.

ثم بعد ذلك يقوم للركعة الثانية مُكبِّرًا، ويكون تكبير الإنسان في هذا الموطن وفي بقية المواطن مُتضامنًا ومُتزامنًا مع الانتقال؛ لأنها تكبيرة انتقال فتكون متزامنةً معه، بحيث يسكت عن التكبير حال وصوله إلى العضو المنتقل إليه.

ويَحسُن بالإنسان في التكبير ألا يُطيل صوته، وأن يُقصِّر فيه، خصوصًا الإمام؛ لئلا ينتقل المأمومون ويُكبِّروا قبل أن يفرغ من تكبيرته.

فيصلي الركعة الثانية كالأولى، وعند انتقاله من الركعة الأولى إلى الركعة الثانية لا يُشرَع له أن يرفع يديه حذو منكبيه؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي .

اختلاف الركعة الثانية عن الأولى

والركعة الثانية تماثل الركعة الأولى إلا في عددٍ من الأمور:

  • أولها: أن الركعة الثانية ليس فيها تكبيرة إحرامٍ؛ لأن تكبيرة الإحرام للبداءة في الصلاة، وقد ابتدأها في الركعة الأولى.
  • وكذلك لا يُشرَع للإنسان أن يستفتح؛ وذلك لأن الاستفتاح هو الدعاء الذي يقوله المرء في أول صلاته، وليس هذا أول صلاته.
  • هكذا قال المؤلف بأنه لا يستعيذ؛ لأنه استعاذ في أول صلاته فيكتفي بهذا.

وذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية الاستعاذة، وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها اجتهاد شيخ الاسلام ابن تيمية مع ابن القيم: فأحدهما يرى مشروعية الاستعاذة في كل ركعةٍ، والآخر يرى أنه يُكتفى بالاستعاذة في الركعة الأولى.

الجلوس للتشهد وأذكاره

قال: فإذا انتهى من الركعة الثانية فإنه يجلس للتشهد، يجلس بعد السجدة الثانية من الركعة الثانية للتشهد، فيقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله... [1].

فإذا قال الإنسان التحيات بهذا اللفظ جاز له ذلك، وهذا هو لفظ ابن مسعودٍ، وإذا قاله بأي لفظٍ واردٍ عن النبي في اللفظ الذي رواه ابن عباسٍ، أو رواه غيرُه؛ فإنه يُجزِئ ولا حرج عليه في ذلك؛ لثبوت الكل عن النبي .

ولا ينبغي أن يقتصر الإنسان على ما تشترك فيه هذه الألفاظ من ألفاظ التحيات؛ لأنه قد يكون أحد الألفاظ بديلًا عن اللفظ الآخر، مما لا يعني أنه يجوز الاقتصار والاكتفاء ببقية الألفاظ دونهما.

القيام من التشهد الأول ورفع اليدين

قال: ثم إن كانت الصلاة ثلاثيةً أو رباعيةً، فإنه يقوم للركعة الثالثة.

ويُستحب له في هذا الموطن أن يرفع يديه؛ لما ورد في حديث ابن عُمر في "الصحيح": أن النبي كان إذا قام للثالثة رفع يديه [2].

الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين

وفي الركعتين الأخيرتين: يقتصر المُصلي على قراءة الفاتحة ولا يقرأ سورةً أخرى معها؛ وذلك لأن النبي لم يكن يفعله، وربما كان النبي قرأ الآية الواحدة في ثالثة المغرب ونحوها، لكن ليس هذا هو غالب حال النبي .

التشهد الأخير

ثم بعد ذلك في نهاية صلاته: إن كانت الصلاة ثلاثية في نهاية الثالثة، وإن كانت رباعية في نهاية الرابعة؛ يجلس للتشهد الأخير، ويقول "التحيات"، ثم يصلي على النبي الصلاة الإبراهيمية، ويُستحب له أن يتعوذ من أربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال [3].

فقد أخبر سعد بن أبي وقَّاصٍ : أن النبي كان يُعلِّم أصحابه ذلك، فكان سعدٌ يُعلِّم أبناءه أن يقولوها قبل سلامهم.

الدعاء في آخر الصلاة

ثم بعد ذلك، يُستحب للإنسان أن يدعو في آخر صلاته لما ورد في حديث ابن مسعودٍ  قال: "ثم ليدعو بعد ذلك بما شاء" [4]، وقوله: "بما شاء" دليلٌ على جواز أن يدعو الإنسان بأي دعاءٍ يريده، سواءٌ أكان هذا الدعاء من ألفاظ القرآن، أو ليس من ألفاظ القرآن، وسواءٌ أكان هذا الدعاء مأثورًا عن النبي أو لم يكن مأثورًا، وسواءٌ أكان بأمرٍ دنيويٍّ أو بأمرٍ أخرويٍّ، وسواءٌ أكانت بملاذ الدنيا أو بغيرها من الأمور، فإن هذه الأنواع قد وجد من بعض الفقهاء من يخالف فيها.

والصواب: جواز أن يدعو الإنسان بأي شيءٍ منها؛ لعموم حديث ابن مسعودٍ السابق، فهذه هي الصفة السابقة، فيها ذكرٌ لكثيرٍ من أفعال الصلاة وسُننها وآدابها؛ وإن كان المؤلف قد أغفل شيئًا يسيرًا منها.

قال: ما في الصلاة على ثلاثة أنواعٍ:

النوع الأول: الأركان، والمراد بالركن: جزء الشيء الذي لا يتم إلا به.

حكم ترك الركن عمدًا أو سهوًا

وهذه الأركان إذا تركها الإنسان عمدًا بطلت صلاته، وإذا تركها سهوًا فإنه: إن كان في نفس الركعة عاد فأتى بالركن، وإن كان قد انتقل إلى ركعةٍ أخرى أبطل الركعة التي أسقط الركن فيها، وجعل الركعة التي بعدها تقوم مقامها.

ومثال ذلك: إنسانٌ نسي الركوع في صلاته، فتذكر وهو في السجود؛ قلنا: يلزمه أن يعود فيأتي بالركوع ويأتي بما بعده من الأركان. أما إذا لم يتذكر تركه للركوع إلا بعد أن ابتدأ في الركعة التي تليها؛ فإننا حينئذ نقول: يُسقط الركعة التي ترك فيها الركوع، ويجعل الركعة التي بعدها تقوم مقامها.

أركان الصلاة

وذكر المؤلف من الأركان:

الركوع والسجود والرفع منهما

الركوع: لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، والسجود في هذه الآية، والرفع منهما لأن النبي قد أمر به المسيء في صلاته.

القيام والقعود والطمأنينة

والقيام: لقوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، والجلسة بين السجدتين؛ لأن النبي أمر المسيء في صلاته بذلك، والطمأنينة في جميع أركان الصلاة؛ لأن المسيء في صلاته لمَّا لم يطمئن، أمره النبي أن يعيد، وقال له: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ [5]؛ فدلَّ هذا على أن الطمأنينة ركنٌ من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة: مالكٍ والشافعي وأحمد.

تكبيرة الإحرام

هكذا أيضًا من أركان الصلاة: تكبيرة الإحرام؛ لأن الإنسان لا يدخل في صلاته إلا بتكبيرة الإحرام؛ لقوله : وتحريمها التكبير [6]، ولقوله للمسيء في صلاته: إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر [7].

قراءة الفاتحة

كذلك من أركان الصلاة: قراءة الفاتحة؛ لقوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، ولقوله : لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب [8]؛ فدلَّ هذا على أن قراءة الفاتحة ركنٌ من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها.

وهذه الأركان السابقة أركانٌ في كل ركعةٍ، فلو تركها الإنسان في ركعةٍ من الركعات عمدًا؛ بطلت صلاته بذلك.

التشهد الأخير والصلاة على النبي

وكذلك من أركان الصلاة: التشهد الأخير؛ لأن النبي قد أمر به، والصلاة على النبي فيه.

هذا هو مذهب الإمام أحمد: أن الصلاة على النبي ركنٌ في التشهد الأخير، وأن مَن لم يُصَلِّ عليه فإن صلاته باطلةٌ.

والجمهور لا يرون أنها ركنٌ: فمنهم من يرى وجوبها، ومنهم من يرى استحبابها.

التسليمتان

وأما الركن الأخير فهو: التسليمتان؛ لأن النبي قال: وتحليلها التسليم [9]؛ فدلَّ هذا على أن غير التسليم لا يُجزئ.

الأظهر: أن الركن هو التسليمة الأولى، وأن التسليمة الثانية ليست ركنًا، وإنما هي من الأمور المشروعة وليست من أركان الصلاة.

واجبات الصلاة

النوع الثاني: ثم ذكر المؤلف بعد ذلك الواجبات، والواجبات يجب على الإنسان أن يأتي بها، فلو تركها عمدًا فإنه يأثم بذلك وتَبطُل صلاته بتركها عمدًا، لكن لو قُدِّر أن إنسانًا تركها سهوًا قلنا: امضِ في صلاتك واجبُر نقص هذا الواجب بالإتيان بسجود السهو.

حكم ترك الواجب سهوًا أو عمدًا

قال: والواجبات تسقط سهوًا، يعني: ويجبرها سجود السهو، لكنها حال العمد لا تسقط وتَبطُل الصلاة بتركها عمدًا.

التكبيرات كلها غير التحريمية

قال: التكبيرات كلها، يعني: بقية التكبيرات التي تكون في الصلاة كتكبيرة الركوع، والسجود، والرفع من الركوع، والقيام من التشهد، فهذه التكبيرات واجباتٌ؛ لأن النبي كان يُكبِّر في كل خفضٍ ورفعٍ، وقد أرشد إلى التكبير فيها.

قول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمُنفرد

وهكذا أيضًا قول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمُنفرد؛ لأن النبي قد أخبر أن هذا هو شأن الإمام، فقال: وإذا قال -يعني: الإمام- سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد [10].

قول: "ربنا ولك الحمد"

وفيه دلالةٌ على أن قول: "ربنا ولك الحمد" من الأمور المشروعة في حق المأموم.

قول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع.. و"سبحان ربي الأعلى" في السجود

ثم يقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود؛ لأن النبي لمَّا نزل قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1]، قال: اجعلوه في سجودكم [11]، والأصل في الأوامر أن تكون للوجوب. ولما نزل قوله فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، قال النبي : اجعلوه في ركوعكم [12].

وهكذا أيضًا قول: "رب اغفر لي" بين السجدتين.

وقد تقدَّم أن الصواب: الاقتصار على أي دعاءٍ يدعو به الإنسان، ولو قال المرء: "رب اغفر لي ولوالديَّ"، فلا حرجَ عليه في ذلك؛ لأن المقصود هو الدعاء، فبأي دعاءٍ دعا الإنسان فإنه يكون بذلك قد أدى الواجب عليه.

التشهد الأول والجلوس له

وهكذا أيضًا: التشهد الأول، فإنه من الواجبات، وقلنا بأن التشهد الأول من الواجبات وليس من الأركان؛ لأنه قد ثبت أن النبي قال: إذا قام أحدكم ولم يجلس للتشهد، فاستتم قائمًا؛ فليُتم صلاته، وليسجد للسهو [13]؛ فدلَّ هذا على أن التشهد الأول ليس ركنًا؛ إذ لو كان ركنًا لأمر النبي من ترك التشهد أن يعود إليه، ودلَّ هذا على أن التشهد الأول واجبٌ وليس مُجرَّد سُنةٍ؛ لأن النبي أمر بجبره بسجود السهو.

وهكذا أيضًا من واجبات الصلاة: الجلوس له.

ولو سها المأموم في صلاته وترك شيئًا من الواجبات؛ قلنا: إن كان هذا حال متابعته للإمام فإنه لا يسجد للسهو، وأما إذا ترك الواجب بعد مفارقته للإمام فإنه يُشرَع للمسبوق أن يأتي في هذه الحال بسجود السهو.

هذه الواجبات بعض الفقهاء يرى أنها من السُّنن وليست بواجبةٍ، لكن بما أنه قد ثبت الأمر بها فدلَّ هذا على أنها واجبةٌ.

سُنن الصلاة

النوع الثالث من أنواع ما في الصلاة: السُّنن، سواءٌ أكانت سُننًا قوليةً أو فعليةً، والمراد بالسُّنة: ما طلبه الشارع طلبًا غير جازمٍ، فلم يُؤكَّد فيه الطلب.

والسُّنة يُثاب فاعلها، ولا يُعاقَب تاركها، ولا تؤثِّر على صحة الصلاة، فمن تركها ولو عمدًا لم تَبطُل صلاته بذلك. أما إذا تركها الإنسان سهوًا فإننا نرجو أن يحصل على أجرها وثوابها؛ لأنه كان حريصًا على فعلها باذلًا لأسباب ذلك، لكن الله جلَّ وعلا أنساه إياها. وأما إذا تركها عمدًا لم يؤثِّر على صحة صلاته، ولكنه يَنقُص من أجره بمقدار ما ترك من السُّنن.

مُبطلات الصلاة

ثم ذكر المؤلِّف مُبطلات الصلاة، بحيث إذا حصل شيءٌ من هذه الأمور في الصلاة فإن صلاة الإنسان تَبطُل.

ترك شيءٍ من شروط الصلاة

قال: تَبطُل الصلاة بترك شيءٍ من شروطها.

فلو ترك الإنسان شيئًًا من شروط الصلاة بَطَلَت صلاته، سواءٌ أكان الترك قبل الصلاة أو في أثنائها. ومثال ذلك: لم يستقبل الإنسان القبلة في صلاته، فإن صلاته حينئذٍ لا تصح؛ لماذا؟ لعدم وجود شرطٍ من شروط الصلاة، ألا وهو استقبال القبلة.

هكذا لو صلى عريانًا فإنه لا تصح صلاته؛ لم؟ لأنه ترك شرطًا من شروط الصلاة.

هكذا أيضًا لو كان في أثناء الصلاة قد نزع ثيابه، أو جاء ريحٌ فأخذ ثيابه فظهرت عورته، كما لو جاءت الريح لامرأةٍ فرفعت خمار رأسها فبدا شعرها؛ فحينئذ نقول: تَبطُل صلاتها، إلا إذا تداركت ذلك في الحال وغطت شعرها مُباشرةً، فإنه لا يؤثِّر هذا فيها لعدم تعمُّده والمعرفة به.

(كذلك تَبطُل الصلاة بترك ركنٍ من الأركان)...

إذا ترك الإنسان شرطًا من الشروط لعجزه عنه فإنه لا تبطل صلاته بذلك؛ وذلك لقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]. وسبب نزول هذه الآية: أن جماعة من أصحاب النبي خرجوا فاشتبهت عليهم القبلة، فاجتهدوا وصَلُّوا، فتبيَّن أنهم صَلُّوا إلى غير القبلة؛ فلم يأمرهم النبي بإعادة الصلاة [14].

وهكذا أيضًا لو كان الإنسان عاجزًا عن ستر عورته؛ لعدم وجود الثياب لديه، وهكذا في بقية شروط الصلاة.

ترك شيءٍ من أركان الصلاة

الأمر الثاني مما تبطل به الصلاة: ترك ركنٍ من أركان الصلاة السابق ذكرها.

فلو قُدِّر أن الإنسان ترك الركوع فإن صلاته تَبطُل بذلك، إن تركه عمدًا بَطَلَت صلاته في الحال، وإن ترك الركن سهوًا ونسيانًا ولم يأتِ به بعد ذلك؛ قلنا: تَبطُل ركعته. وإن لم يتذكر إلا بعد وقتٍ من فراغ الصلاة؛ قلنا: تَبطُل صلاته وعليه أن يأتي بصلاةٍ أخرى.

إلا إذا ترك الإنسان شيئًا من هذه الأركان لعجزه عنه، فإنه حينئذٍ لا يُطالَب به؛ لقوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، ولقول النبي : صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ [15].

ترك الواجبات عمدًا

الأمر الثالث مما تبطل به الصلاة: ترك الواجبات عمدًا؛ فإذا ترك الإنسان واحدًا من واجبات الصلاة كالتشهد الأول عمدًا، فإننا نُبطل صلاته بذلك، أما إذا تركه سهوًا ونسيانًا فإننا نقول: يجبر ذلك الواجب بالإتيان بسجود السهو.

القهقهة في الصلاة

كذلك من مُبطلات الصلاة: القهقهة؛ فإن مَن قهقه في الصلاة حكمنا على صلاته بالبطلان؛ وذلك لأن الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الآدميين، كما أخبر النبي ؛ ولأن من قهقه فإنه يُخرج حروفًا وكلامًا واضحًا، فنبطل صلاته بذلك.

والصواب: أن من قهقه في الصلاة فإنه آثمٌ، وعليه التوبة إلى الله، لكنه لا يَبطُل وضوؤه بهذا، كما قال الجمهور خلافًا للحنفية؛ إذ الأحناف يقولون: من قهقه في أثناء الصلاة بطل وضوؤه. واستدلوا على ذلك بحديث قد رواه بعض أهل الحديث: أن جماعةً من الصحابة قهقهوا في الصلاة، فأمرهم النبي بإعادة الوضوء والصلاة، لكن هذا الحديث ضعيف الإسناد جدًّا، لا يَثبُت، ومن ثَمَّ لا يصح لنا أن نبني عليه حكمًا.

الكلام في الصلاة

المُبطل الآخر من مُبطلات الصلاة: الكلام؛ فمن تكلَّم في صلاته فإن صلاته تَبطُل بذلك، وذلك لقول الله جلَّ وعلا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[البقرة:238]، ولقول النبي : إن الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الآدميين [16]، ولقول النبي : إن الله يُحدِث من أمره ما شاء، وإن مما أحدثه الله: أن لا تَكَلَّموا في الصلاة[17].

أما لو قُدِّر أن الإنسان تكلَّم في الصلاة عن جهلٍ يظن جواز هذا الكلام، فإننا نُعلِّمه ونُبيِّن له الحكم، ولا تَبطُل صلاته بذلك. فقد جاء في حديث معاوية بن الحكم: أن رجلًا عطس فحمد الله، فشمَّته أحد المصلين، فسكَّت الصحابة هذا الرجل، فحينئذٍ قال لهم: ما لكم تنظرون إليّ؟! ثم تكلَّم بكلامٍ آخر، فلم يُبطل النبي صلاته؛ لكونه كان جاهلًا بالحكم

الحركة الكثيرة في الصلاة

المُبطل الآخر من مُبطلات الصلاة: الحركة الكثيرة، فإن الله جلَّ وعلا قال: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. ومن مُقتضى القنوت ترك الحركة، أما إذا كانت هناك حركةٌ قليلةٌ فإنها لا تؤثِّر على صلاة المصلي، فقد ثبت أن النبي كان يحمل أُمامةَ، فيحملها إذا قام ويضعها إذا سجد [18].

ويُشترط في الحركة حتى تكون مُبطلةً للصلاة أربعة شروطٍ:

شروط الحركة المُبطلة للصلاة

الشرط الأول: أن تكون الحركة كثيرةً، فأما إذا كانت حركة قليلةً فإنها لا تُبطل الصلاة، فقد ثبت عن النبي حركةٌ قليلةٌ في صلاته.

والمرجع في التفريق بين يسير الحركة وكثير الحركة هو: العُرف؛ لأنه لم يأتِ ضابطٌ له في الشرع ولا في اللغة، فيرجع فيه إلى عُرف الناس: فما عدُّوه حركةً كثيرةً حكمنا بأنها حركةٌ كثيرةٌ، وما عدُّوه حركةً يسيرةً حكمنا بها كذلك.

الشرط الثاني: أن تكون متواليةً؛ فإن كانت الحركات متفرقةً فإن الصلاة لا تَبطُل بذلك.....

والشرط الرابع: ألا تكون لضرورةٍ؛ فإن كانت لضرورةٍ فلا حرج على الإنسان فيها ولا تَبطُل صلاته بذلك.

ومن أمثلة الضرورة: لو كان هناك ثعبانٌ قد اجتاز أمام المصلي، أو عقرب، فاحتاج إلى حركةٍ من أجل قتلها؛ جاز له ذلك، ولو كانت حركةً كثيرةً ولا تَبطُل صلاته بهذا.

أما إذا كانت الحركة لحاجةٍ وكانت كثيرةً؛ فهل تبطل الصلاة بها؟

ما الفرق بين الضرورة وبين الحاجة؟

الصواب في الفرق بين الضرورة والحاجة: أن الضرورة ما يُقدَّر بفقده الضرر ولا يقوم غيرُه مقامَه، وأما الحاجة فإذا قُدِّر فقدُها لَحِقَ ضررٌ لكن غيرها يقوم مقامَها، وحينئذٍ نقول: إن المرء إذا أمكنه الاكتفاء عن الحركة تعيَّن عليه ذلك إذا لم يلحقه ضررٌ بترك الحركة.

قال: فإن قلَّت الحركة وكانت تلك الحركة لحاجةٍ؛ فإنها مباحة ولا بأس بها، وليست بمكروهةٍ؛ لثبوتها عن النبي ، فقد تقدَّم النبي في أثناء صلاته ففتح الباب [19]، وثبت أنه كان في صلاة الليل إذا أراد أن يسجد غمز عائشة رضي الله عنها من أجل أن ترفع رجلها؛ ليتمكن من السجود [20].

أما إذا كانت الحركة لا حاجة لها فحينئذٍ تكون مكروهةً؛ وذلك لأنها تُنافي ما رغَّبت فيه الشريعة من الخشوع والطمأنينة في الصلاة.

الأكل أو الشرب في الصلاة

وتَبطُل الصلاة أيضًا بالأكل والشرب، فإن مَن أكل في صلاته أو شرب في صلاته بَطَلَت صلاته بذلك.

واستثنى الفقهاء في ذلك: الأكل اليسير حال السهو أو الجهل، واستدلوا على ذلك بآثارٍ وردت عن بعض الصحابة، كابن الزبير رضي الله عنهما، وغيره.

مكروهات الصلاة

ثم ذكر المؤلف شيئًا من مكروهات الصلاة، فقال: ويُكرَه في الصلاة: الالتفات في العنق.

الالتفات في الصلاة على نوعين:

الالتفات بالبدن

النوع الأول: التفاتٌ بالبدن.

فإذا التفت الإنسان ببدنه ووجَّه القبلة جهةً أخرى فحينئذٍ نقول: إنه قد ترك شرطًا من شروط الصلاة وهو استقبال القبلة، فتَبطُل صلاته بذلك؛ لأنه قد استدبر الكعبة وهو مأمورٌ بالتوجه إليها.

والثاني: التفاتٌ بالوجه والعنق.

أما إذا التفت الإنسان بوجهه وعنقه فحينئذ نقول: لا تبطل صلاته بذلك، لكنه يُنافي إقبال المصلي على الله في أثناء صلاته؛ ولذلك يَحسُن بالإنسان أن يتوجه أثناء الصلاة إلى جهة القبلة، أما التفاته فلا يُرغب فيه.

وقد ورد في الخبر: أن النبي سُئل عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: ذلك اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد [21]، لكنه قد ورد عن بعض الصحابة في عهد النبوة أنهم التفتوا، وأن النبي أقرَّهم، ولم ينكر عليهم؛ فدلَّ ذلك على عدم تحريم هذا الفعل.

وضع اليدين على الخاصرة

وهكذا أيضًا من مكروهات الصلاة: أن يضع الإنسان يده على خاصرته، والخاصرة موطنٌ من الجسد فوق الحقو، وتحت عظام الصدر في جنب الإنسان، فوضع الإنسان يده على خاصرته قد ورد النهي عنه في الحديث، فنهى النبي  أن يصلي الرجل مُختصِرًا [22].

وقوله مُختصِرًا أي: يده على خاصرته، هكذا.

الإقعاء في الجلوس

أيضًا من مكروهات الصلاة: الإقعاء في الجلوس. والإقعاء له صفات؛ منها: أن يضع الإنسان إليته على الأرض ويَنْصِب رجليه، فهذه الصفة منهيٌّ عنها.

افتراش الذراعين

كذلك مما ورد نهيٌ عنه: أن يفترش الإنسان ذراعيه حال السجود، فإنه يصلي إذا سجد يضع كفيه على الأرض، أما الذراعان فإنه يرفعهما، وقد نهى النبي عن افتراش كافتراش الكلب [23]؛ ولذلك فإن من الأمور المكروهة في الصلاة هذا الافتراش.

استقبال ما يشغل ويلهي

وهكذا أيضًا مما يُكرَه في الصلاة: أن يكون بين يدي المصلي أمورٌ تشغله وتلهيه عن صلاته؛ لأن المطلوب من المسلم أن يكون خاشعًا في صلاته، فإذا وجد عنده ما يشغله فإن هذا يُنافي مقصود الصلاة بالخشوع؛ ولذلك جاء في الحديث: أن النبي صلَّى في ثوبٍ فيه نقوشٌ، فلما فرغ من صلاته نزعه، وأمر بالإتيان بثوبٍ آخر، وقال: إن ما فيه شغلني آنفًا عن صلاتي [24].

استقبال الصورة

وهكذا أيضًا مما يُكرَه في الصلاة: أن يكون الإنسان مُستقبِلًا لصورةٍ من الصور في صلاته.

نعم، اقرأ الفصلين: هذا والذي قبله: ويُكرَه..

القارئ: قال رحمه الله:

ويُكرَه في الصلاة: الالتفات بالعنق، ووضع يده على خاصرته، وإقعائه في الجلوس، وافتراش ذراعيه، وأن يكون بين يديه أو عنده ما يشغله ويلهيه، واستقبال الصورة.
فصل:
روح الصلاة وكمالها لحضور القلب، وأن يجتهد في تدبُّر ما يقوله من قراءةٍ وذكرٍ وتسبيحٍ ودعاءٍ، وتدبُّر ما يفعله من خضوعٍ لله في ركوعه وسجوده، ويستحضر أنه واحدٌ من بين يدي الله يناجيه، ويتعبَّد له، ويحقِّق مقام الإحسان: أن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يقوَ على ذلك استحضر أن الله يراه، ويجاهد قلبه عن ذهابه في الأفكار والوساوس التي لا تفيده إلا نقصان صلاته، والله أعلم
فصل:
إذا ترك ركنًا من أركان صلاته، ولم يَطُل الفصل؛ أتى به وبما بعده من الركعة، وسجد للسهو قبل السلام. وكذلك لو زاد في صلاته ركوعًا أو سجودًا، قيامًا أو قعودًا، ناسيًا أو جاهلًا؛ فعليه السجود للسهو، وكذلك لو شكَّ في صلاته فيبني على اليقين -وهو الأقل- ثم يسجد للسهو.

مُكمِّلات الصلاة ومُستحبَّاتها

سبب عدم نهي الصلاة عن المعاصي عند بعض الناس

الشيخ: ذكر المؤلف روح الصلاة وأنه لا يكمل إلا بأن يكون القلب حاضرًا؛ لأن رب العزة والجلال قد أوجب الصلاة على المُكلَّفين لمعانٍ عظيمةٍ، منها: أن النفوس تَكمُل بهذه الصلاة؛ لأنها تتصل بخالقها جلَّ وعلا، فيكون ذلك من أسباب زيادتها ورفعة درجتها وطهارتها؛ ولذلك وصف الله جلَّ وعلا الصلاة بفوائدَ عظيمةٍ، منها قوله سبحانه: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، ومنها قوله جلَّ وعلا: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[البقرة:45]، ونحو ذلك.

ومن هنا، يحضر الجواب عن سؤالٍ يسأله كثيرٌ من الناس يقول: أنا أواظب على صلاتي لكنني لا أجدها تنهاني عن المعاصي!

فيقال له: إنك لو كنت لله جلَّ وعلا حاضر القلب، لأدى بك ذلك إلى أن تنهاك صلاتك عن معصيتك، لكن صلاتك فيها نقصانٌ، ولذلك لن تؤدي ثمرتها ونتيجتها على أكمل الوجوه.

من أسباب حضور القلب في الصلاة

كيف يخشع الإنسان في صلاته؟

خشوع الإنسان في الصلاة يكون بوسائل كثيرةٍ، منها: أن يستحضر الإنسان مقام الإحسان: بأن يعبد الله كأنه يرى الله، وإن كانت الحقيقة أنه لا يرى الله بعينيه، لكن الله جلَّ وعلا مُطَّلعٌ عليه لا يخفى عليه شأنٌ من شؤونه.

كذلك مما يستدعي حضور القلب في الصلاة: أن يحرص الإنسان على تعلُّم سُنن الصلاة وتطبيقها، فإن المرء متى كان حريصًا على تطبيق هذه السُّنن؛ استحضر قلبه في صلاته، وابتعدت عنه هذه الوساوس والهواجس.

كذلك من أسباب حضور القلب في الصلاة: أن يتفكر الإنسان في معاني الألفاظ التي يقولها، سواء من ألفاظ القرآن أو من ألفاظ أذكار الصلاة، فإن من اجتهد في تعرُّف معاني هذه الألفاظ وتدبُّرها؛ فإن ذلك سيكون سببًا من أسباب حضور قلبه بين يدي الله.

كذلك من الأسباب: أن يعلم أنه هو المستفيد من حضور قلبه.

ومن الأسباب: أن يعرف العبد أن مقدار ما يُحصله من الأجر بمقدار حضور قلبه في صلاته، فكلما كان القلب حاضرًا كان الأجر أكثر.

كذلك من الأسباب: أن يعلم العبد بأن هذه الوساوس من عدوه الشيطان، والعاقل لا يُسلِّم نفسه لعدوه، فيستجيب لوساوسه، ثم إن هذه الوساوس لا تفيده شيئًا ولا تزيده عند الله، ولا تجلب له أمرًا من أمور الدنيا، لا يستفيد منها إلا نقصان الصلاة.

أحكام سجود السهو

ثم ذكر المؤلف ما يتعلق بسجود السهو، وقد تقدَّم معنا الحكم فيما إذا ترك الإنسان ركنًا أو ترك واجبًا، ويبقى معنا ما يتعلق بأحكام سجود السهو.

سجود السهو: سجدتان يسجدهما المرء في آخر صلاته؛ لتحصيل وجبر نقصٍ حصل عليه في أثناء الصلاة.

والنقص الذي في الصلاة على ثلاثة أنواعٍ: زيادةٍ، ونقصانٍ، وشكٍّ.

الزيادة في الصلاة

فإذا زاد الإنسان في صلاته زيادة، فإنه يجب عليه حينئذٍ أن يسجد للسهو. ومثال ذلك: من ركع ركوعين في ركعةٍ، أو سجد ثلاث سجداتٍ، أو قام أدى ركعةً خامسةً؛ قيل: زاد في صلاته، وفي هذه الحال يجب عليه أن يسجد للسهو.

والأظهر من أقوال أهل العلم: أنه في هذه الأحوال يسجد للسهو قبل السلام.

النقص من الصلاة

الحالة الثانية: إذا أنقص من صلاته واجبًا من الواجبات، فإنه حينئذٍ يجبر نقصان صلاته بالإتيان بسجود السهو، وليعلم بأن هذا في الواجبات الفعلية على الصحيح دون الواجبات القولية؛ فإن الواجبات القولية لا يُشرَع جبرها بسجود سهوٍ.

الشك في الصلاة

النوع الثالث: إذا شكَّ الإنسان في صلاته فإنه يُشرَع له أن يسجد للسهو، مَن شك في صلاته ماذا يفعل؟ هل يبني على غالب ظنه، أم يبني على الأقل؟

هذه المسألة موطن خلافٍ بين الفقهاء، والراجح في هذه المسألة: أن من كان عنده غالب ظنٍّ فإنه يعمل بغالب ظنه ويسجد للسهو بعد السلام؛ لورود ذلك في حديث ابن مسعودٍ .

وأما من تساوت عنده الاحتمالات ولم يُرجِّح أحد الاحتمالات فإنه حينئذٍ يبني على الأقل، ويسجد للسهو قبل السلام؛ لقول النبي : إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا؛ فَلْيَبْنِ على ما استيقن، وَلْيَدَعِ الشك [25].

مثال ذلك: إنسانٌ صلى ثم شكَّ: هل هو في الثالثة أم في الرابعة، وغالب ظنه أنه في الرابعة؟

قلنا: اعمل بغالب ظنك، بالتالي لا تأتي إلا بركعةٍ واحدةٍ، واسجد للسهو بعد سلامك، سواء أكان الإنسان إمامًا أو مأمومًا؛ لأنه قد ورد حديث ابن مسعود في هذا في "الصحيحين"، وهو مُطلَقٌ غير مُقيَّدٍ بالإمام، فنقول به على عمومه.

مثال آخر: لم يدرِ هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، وكانت الاحتمالات عنده متساويةً.

قلنا: خذ العدد الأقل الثلاث، فهذا هو ما تستيقنه، ثم أكمل صلاتك، وحينئذ اسجُد للسهو قبل السلام.

من سلَّم في أثناء صلاته كمن صلى ركعتين ثم سلَّم ثم نُبه؛ فإنه يأتي ببقية صلاته، ثم يُسلِّم، ثم بعد ذلك يسجد للسهو ثم يُسلِّم.

والصواب: أنه لا يأتي بتشهدٍ آخر بعد سجود السهو؛ لعدم ثبوته عن النبي ، فقد جاء في حديث ذي اليدين أن النبي صلى في إحدى صلاتَي العشي -إما الظهر وإما العصر- ركعتين ثم سلَّم، فتنحى جانبًا في المسجد، فنُبِّه النبي على ذلك؛ فعاد فأكمل صلاته ثم سجد ثم سلَّم ثم سجد للسهو بعد سلامه، ثم سلَّم مرة أخرى.

هذا شيءٌ من أحكام سجود السهو، ولعلنا إن شاء الله تعالى نتكلم عن صلاة الجماعة، وصلاة التطوع، وصلاة أهل الأعذار في يومٍ آخر.

نسأل الله جلَّ وعلا أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، هذا والله أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 831، ومسلم: 402.
^2 رواه البخاري: 739، بلفظ: أن ابن عمر كان إذا قام من الركعتين رفع يديه.. ورفع ذلك ابنُ عمر إلى نبي الله .
^3 رواه البخاري: 1377، ومسلم: 588.
^4 رواه البخاري: 835، بلفظ: ثم يتخيَّر من الدعاء أَعْجَبه إليه فيدعو، ومسلم: 402، بلفظ: ثم يتخيَّر من المسألة ما شاء.
^5 رواه البخاري: 757، ومسلم: 397.
^6, ^9 رواه أبو داود: 61، والترمذي: 3، وابن ماجه: 275، وأحمد: 1006، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5885.
^7 رواه البخاري:757، ومسلم: 397.
^8 رواه البخاري: 756، ومسلم: 394.
^10 رواه البخاري: 689، ومسلم: 404.
^11, ^12 رواه أبو داود: 869، وابن ماجه: 887، وأحمد: 17414.
^13 رواه أبو داود: 1036، والترمذي: 365، وابن ماجه: 1208، وأحمد في: 18222، وصححه محققو "المسند"، والألباني في "صحيح الجامع": 623.
^14 رواه الترمذي: 345، وابن ماجه: 1020، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل": 291.
^15 رواه البخاري: 1117.
^16 رواه مسلم: 537.
^17 رواه البخاري: 7521.
^18 رواه البخاري: 516، ومسلم: 543.
^19 رواه أبو داود: 922، والترمذي: 601، والنسائي في "السنن الكبرى": 1130، وأحمد: 24027، وحسَّن إسناده محققو "المسند".
^20 رواه البخاري: 382، ومسلم: 512.
^21 رواه البخاري: 751.
^22 رواه البخاري: 1219، ومسلم: 545.
^23 رواه أبو داود: 897، والترمذي: 275، والنسائي: 1103، وابن ماجه: 891، وأحمد: 14276، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 596.
^24 رواه البخاري: 373، ومسلم: 556.
^25 رواه مسلم: 571

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©