تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د سليمان بن صالح الغصن
فضيلة الشيخ أ.د سليمان بن صالح الغصن

المقدمة - من قوله: "الحمد لله رب العالمين .." (1)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ.

ففي هذا اليوم؛ يوم السبت الموافق الرابع والعشرين من شهر صفر من عام (1445)، نلتقي لقراءة كتابٍ مُهمٍّ، والتعليق على رسالةٍ مُهمةٍ للشيخ ابن تيمية رحمه الله؛ رسالةٍ تتعلق بالمنهج وتقعيده؛ منهج أهل السُّنة والجماعة، منهج السلف الصالح في التلقي والاستدلال، والرد على المخالفين.

هذه الرسالة التي ألَّفها شيخ الإسلام ابن تيمية، المولود عام (661)، والمتوفَّى عام (728)، والموسومة بـ "القاعدة المراكشية"، ألَّفها رحمه الله جوابًا لسؤالٍ وُجِّه إليه من بعض المغاربة الذين اختلفوا في منهج إثبات الصفات، فذكر رحمه الله بين يدي الجواب قواعدَ مُهمةً في هذا الباب.

وقبل أن نقرأ هذه القاعدة نُقدِّم بين يديها بمُقدِّماتٍ مُهمةٍ تتعلق بمنهج أهل السُّنة والجماعة في هذا الباب، وبيان حقيقة مذهب المخالفين الذين قصد شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكتاب الرد عليهم، ولا سيَّما من طائفة أو منهج أهل التفويض وكذلك أهل التأويل.

منهج أهل السُّنة في التلقي والاستدلال

فبدايةً نقول: إن أهل السُّنة والجماعة يُعظِّمون النصوص الشرعية، وإن مصدر التلقي للاعتقاد عندهم: هو الوحي وما جاء في كتاب الله وما صحَّ عن رسول الله ، ومنهجهم في ذلك يمكن أن نُلخِّصه في عدة أمور:

1- تعظيم النص الشرعي، وتلقيه بالقبول، والعمل به؛ بتصديقه إن كان في الأخبار، والعمل به إن كان في الطلبيات: الأوامر والنواهي، ونحو ذلك.

2- أن أهل السُّنة والجماعة يعتقدون أن النصوص الشرعية كافيةٌ ووافيةٌ لكل ما يحتاجه المسلم في دينه، فلا حاجةَ إلى زياداتٍ بدعيةٍ من الأهواء البشرية والآراء المُنحرفة؛ بل النصوص كافيةٌ، ومن تمسَّك بها نجا، ومن عدل عنها هلك.

3- الأمر الثالث في المنهج: الاعتصام بالشرع، وأن الاكتفاء به فيه الهداية واليقين والعصمة من الضلال والحيرة والشك، كما قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124]، فمن اكتفى بالشرع هُدي، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، فالهداية واليقين في اتِّباع الكتاب والسُّنة، والضلال والشك والحيرة والاضطراب في البُعد عنهما والإعراض عنهما.

وهذا ما حصل لأهل الكلام الذين زهدوا وتركوا الوحي، وعظَّموا أهواءهم وجعلوها هي الحاكمة على ما يُؤخَذ وما يُرَدّ من كتاب الله، فوقعوا في الحيرة والشك والضلال، وهذا مشهورٌ ومعلومٌ فيما نُقِل من كلامهم وما تواتر من أقوالهم في التحذير من مسلك أهل الكلام والحثِّ على اتِّباع الكتاب والسُّنة، وهذا معلومٌ ومسطورٌ من كُتب أولئك؛ كما جاء عن الآمدي والرازي والغزالي، وغيرهم كثيرٌ.

4- الرابع من المنهج: أن النصوص الشرعية لا تُخالف العقول السليمة؛ فأهل السُّنة والجماعة يعتقدون أن النصوص الشرعية متوافقةٌ مع العقول السليمة، وإنما يُخالف في ذلك أهل الأهواء، فأهل العقول القاصرة الناقصة المُنحرِفة هم الذين يدَّعون مخالفة بعض النصوص للعقول، وأنه يجب تأويلها بمعنى: تحريفها عن ظاهرها. أما أهل السُّنة والجماعة وما سار عليه السلف الصالح، فإنهم يعتقدون أن العقل السليم لا يُخالف النص الشرعي، وإذا وجدت مُخالَفةٌ ظاهرةٌ فهي مُخالَفةٌ في الظاهر، أو أن العقل الذي خالف الشرع عقلٌ فاسدٌ.

5- الأخذ بظاهر النص الذي دلَّ عليه السياق: فأهل السُّنة والجماعة يُجرون النصوص على ظاهرها دون تحريفٍ لمعانيها، ودون تأويلٍ يصرفها عن ظاهرها، فالأصل في الكلام أن يُفهَم على ظاهره وعلى مقتضى السياق، وأهل السُّنة والجماعة يأخذون بالظاهر في صفات الله، يأخذون بظاهر النص، ويعتقدون أن ظواهر النصوص لها معانٍ تليق بالله، ولا يقولون ما يقوله أهل الكلام الباطل: إن ظواهر النصوص لا تليق بالله، وإن ظاهرها هو التشبيه بصفات المخلوقين، ونحو ذلك من الشُّبَه التي سنذكرها إن شاء الله.

فأهل السُّنة والجماعة يأخذون بظاهر النص الشرعي من الآيات والأحاديث، ويعتقدون أن الظاهر مرادٌ، وأن الظاهر الذي يُفهَم هو ما يليق بالله .

6- الأمر السادس: أن النصوص الشرعية لا تتعارض ولا تتناقض: فليس بين الآيات تناقضٌ ولا تضادٌّ، وإنما هذا القرآن مُحكَمٌ: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1]، فالله ​​​​​​​ أحكَمَ الآيات، فآياته يُصدِّق بعضُها بعضًا، ويُفسِّر بعضُها بعضًا، وليس هناك تناقضٌ ولا اختلافٌ بين الآيات، وإذا وُجدَ تناقضٌ فهو في الظاهر في فهم هذا الشخص الذي ظنَّ التناقض، ولو أنه ردَّ المتشابه إلى المُحكَم وجمعَ بين الآيات لما وجد هذا التناقض الذي ظهر في ذهنه.

إذن؛ فالآيات متفقةٌ ومؤتلفةٌ، وكذلك الأحاديث النبوية، وكذلك لا تناقُضَ بين القرآن والسُّنة؛ فكلها وحيٌ وكلها شرعٌ، وأهل السُّنة يعتقدون أنه لا تناقُضَ ولا تعارُضَ بين النصوص الشرعية.

7- وهذا هو الأمر السابع: وهو الجمع بين النصوص الشرعية وردُّ المتشابه إلى المُحكَم: فأهل السُّنة والجماعة يجمعون بين النصوص، فيأخذون بكل النصوص الشرعية من القرآن والسُّنة؛ فينجون من البدع. أما أهل الضلال، فإنهم يأخذون ببعض الكتاب ويتركون بعضًا، فيقعون في الضلال.

فتجد مثلًا: الخوارج والمعتزلة يأخذون بنصوص الوعيد وبالنصوص التي ظاهرها التخليد لمرتكب الكبيرة، ويتركون النصوص الأخرى المتواترة الموضِّحة المبيِّنة أنه لا يُخلَّد في النار مُوحِّدٌ، وأن المعاصي والكبائر لا تُخرِج من الملة. وفي الجانب الآخر: تجد المُرجئة يأخذون بنصوص الوعد التي ظاهرها أنه لا يُعذَّب من يقول: "لا إله إلا الله"، ويتركون النصوص الصريحة التي فيها دليلٌ على دخول بعض أهل التوحيد النار ممن ارتكب الكبائر ولم يُغفَر له.

فأهل السُّنة والجماعة يجمعون بين هذا وذاك، فيقولون: إن الكبائر لا تُخرِج صاحبها من الملة، وأن مَن مات على كبيرةٍ فهو تحت مشيئة الله: إن شاء عاقبه وعذَّبه بقدر ذنبه، ثم يُخرِجه من النار، فلا يُخلَّد في النار مُوحِّدٌ؛ وإن شاء غفر له ابتداءً.

وكذلك في باب الصفات: فهم وسطٌ بين أهل التعطيل وأهل التمثيل؛ فأهل التعطيل الذين نفوا الصفات، وأهل التمثيل الذين غَلَوا في الإثبات حتى مثَّلوا الله بخلقه. فأهل السنة والجماعة جمعوا بين النصوص، وقالوا كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

فالله ليس كمثله شيءٌ؛ لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ذاته، وهذا التنزيه لا يلزم منه التعطيل، فهم يُنزِّهون الله بلا تعطيلٍ، ويُثبتون لله الصفات بلا تمثيلٍ، فيجمعون بين النصوص الشرعية كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، فقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ردٌّ على المُمثِّلة، وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ردٌّ على المُعطِّلة، وهذا ما دلَّت عليه عموم الآيات.

8- الأمر الثامن في منهج السلف الصالح: اعتبارُ فَهْمِ السلف الصالح؛ فَهْمِ الصحابة ومن سارَ على نهجهم من السلف الصالح؛ لأن الصحابة  هم الذين شهدوا التنزيل وسألوا النبي عما أشكل عليهم، فرضي الله عنهم ووعدهم الجنة. فمَن كانت هذه حاله، ففَهْمُه أقوى الأفهام، فيعتبرون فهم الصحابة ويردُّون ما يخالفه ويعارضه من الأفهام الباطلة.

9- الأمر التاسع في المنهج: هو فهم النصوص الشرعية على وفق لغة العرب؛ لأن القرآن نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، كما قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف:2]، فيجب أن يُفهَم على وفق لغة العرب، وما تفهمه العرب من كلامها، ولا يجوز أن يُفسَّر القرآن بمُصطلَحاتٍ حادثةٍ، ولا بلُغاتٍ مُخالِفةٍ، وإنما يُفهَم على وفق لغة العرب وما تفهمه من سياق الكلام وقرائن الأحوال.

10- ما يتعلق بالسُّنة النبوية: فإن أهل السُّنة يأخذون بكل ما صحَّ عن رسول الله ، سواءٌ أكان مُتواتِرًا أو آحادًا، في العقائد وغيرها لا يُفرِّقون، وإنما جاء التفريق بين العقائد وغيرها وبين المُتواتِر والآحاد في الأخذ به عند أهل الكلام، هم الذين فرَّقوا وقالوا: إنما يُؤخَذ في العقائد بالمُتواتِر فقط، وردُّوا ما صحَّ عن رسول الله من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي هي من قبيل الآحاد، مع أن الآحاد يُفيد العلم إذا احتفت به القرائن، وهؤلاء ردُّوا الآحاد، بل ردُّوا حتى المُتواتِر الذي لا يتوافق مع عقولهم القاصرة وأهوائهم المُنحرِفة.

أما أهل السُّنة والجماعة: فإنهم يأخذون بكل حديثٍ صحَّ عن رسول الله ، سواءٌ أكان مُتواتِرًا أم آحادًا، في العقائد وغيرها.

هذه مُقدِّمةٌ مُختصَرةٌ في بيان منهج أهل السُّنة والجماعة في التلقي والاستدلال.

مذهب المُخالِفين الذين قصد شيخ الإسلام ابن تيمية الرد عليهم

وبعد ذلك أيضًا، نحتاج إلى مُقدِّمةٍ تُبيِّن مذهب المخالفين الذين قصد شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الكتاب الرد عليهم، ولا سيَّما في باب الأسماء والصفات.

المُخالِف في ذلك إجمالًا اتجاهان: اتجاه التمثيل، واتجاه التعطيل.

تمثيل الله بخلقه

التمثيل: الذين يُمثِّلون الله بخلقه، ويجعلون صفات الله كصفات خلقه، وهذا لا شكَّ أنه كفرٌ والعياذ بالله، فلا يجوز أن تجعل صفات الله كصفات المخلوقين. والاتجاه الثاني: هو اتجاه التعطيل.

إذن؛ الأول: هو اتجاه التمثيل، وهذا باطلٌ، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  [الشورى:11].

تعطيل صفات الله سبحانه

والاتجاه الثاني: اتجاه التعطيل؛ تعطيل الله عن كماله بنفي صفاته، إمّا نفيًا مُطلقًا لكل الصفات كما هو عند أهل الاعتزال والتجهم، وإمّا نفيًا لبعضها كما عند الأشاعرة والماتريدية وغيرهم.

والتعطيل أيضًا يكون على مناهج: فهناك تعطيل أهل التأويل؛ هذا الأول، والثاني: أهل التفويض؛ أهل التعطيل المؤولة، وأهل التعطيل المفوضة، وهؤلاء هم الذين ركَّز الشيخ رحمه الله في الرد عليهم. وهناك أيضًا طائفةٌ هم: أهل التخييل؛ أهل التخييل من الفلاسفة.

إذن؛ عندنا أهل التأويل، وعندنا أهل التفويض، ويُسمِّيهم شيخ الإسلام أهل التجهيل، يعني يقولون: نحن نجهل المعنى. والطائفة الثالثة: هم الباطنية، وهم أهل التخييل: الذين يزعمون أن الأنبياء خيَّلت للناس أشياءَ لا حقيقةَ لها، وأنهم قالوا: إن هناك جنةً ونارًا ونحو ذلك، وهذا من باب التخييل لتستقيم أحوال الناس، وكذلك في باب الصفات كما سيُشير الشيخ رحمه الله في ثنايا هذا الكتاب.

إذن؛ عندنا المُؤوِّلة والمُفوِّضة.

الفرق بين أهل التأويل وأهل التفويض

ما الفرق بين أهل التأويل وأهل التفويض؟ ما الذي يجمعهما؟ وما الذي يفترقان فيه؟

أولًا: بالنسبة للتفويض، فالتفويض: هو ترك تعيين المعنى الذي يحتمله اللفظ، فيقولون: إن هذا اللفظ -مثلًا: صفةٌ من صفات الله مثل اليد- يحتمل عدة معانٍ، فاليد تحتمل معنى القوة أو القدرة أو النعمة، ولا نعلم أيها المراد، فنفوِّض العلم بها إلى الله، حسب زعمهم.

وبعضهم يجعل اليد، وسائر الصفات التي لا يُثبتها، كالاستواء والنزول وغيرها؛ من باب المُشترَك اللفظي: كلفظ المشتري، المشتري يُطلَق على المبتاع، ويُطلق على النجم؛ وكذلك العين: تُطلَق على الباصرة والجارية وغيرها، فقالوا: إن الصفات مقولةٌ بالاشتراك اللفظي، وفي هذا طبعًا نفيٌ لحقيقة المعنى، وقالوا: لا ندري ما المعنى، الله أعلم بمراده به.

إذن؛ نَفَوا ما دلَّت عليه النصوص الشرعية من صفات الله، ولم يُثبتوا معنًى آخر لا حقًّا ولا باطلًا، وقالوا: إن النصوص تحتمل معانيَ كثيرةً، نحن لا نعلم المراد بها، ولا نعلم أيَّ المعاني يُقصَد بها؛ فنقول: الله أعلم بمُراده بها.

هذا مذهب مَن؟ أهل التفويض، أو المُفوِّضة، أو أهل التجهيل.

يتفق أهل التأويل مع أهل التفويض في أيش؟ في نفي المعنى الحقيقي، ونفي الصفات، ونفي ما تدل عليه الآيات من المعاني.

إذن؛ يتفق المُعطِّلة مع المُؤوِّلة والمُفوِّضة على أن ظواهر نصوص الصفات:

أولًا: لا تليق بالله -تعالى الله عمَّا يقولون- يقولون: هذه الظواهر لا تليق بالله، يتفقون في أن ظاهرها لا يليق بالله؛ لأن ظاهرها عندهم التمثيل أو التشبيه أو التجسيم كما يقولون.

ثانيًا: يقولون الظاهر غير مُرادٍ، ظاهرها غير مُرادٍ.

الثالث: قالوا: لا يجوز اعتقاد ظواهر نصوص الصفات التي لا يُثبتونها.

الرابع: قالوا: إن نصوص الصفات من المُتشابه، فأيُّ صفة لا يُثبتونها يقولون: إن نصها الذي دلَّ عليها من المُتشابه، هذا كله يتفقون فيه، يتفق فيه المُفوِّضة والمُؤوِّلة.

إذن؛ يتفقون في: أن الظاهر غير مُرادٍ، وأن الظاهر لا يليق بالله، وأنه لا يُعلَم، وأنه لا يثبت هذا الظاهر، وأنها من المُتشابه.

ويفترقون في أيش؟ يفترق المُؤوِّلة والمُفوِّضة في: أن المُؤولة يصرفون النص عن ظاهره إلى معنًى آخر، يعني: يذكرون معنًى آخر يحتمله اللفظ كما يقولون، فيقولون مثلًا: اليد المُراد بها: النعمة، أو القدرة؛ ويقولون: الاستواء المراد به: الاستيلاء، وغير ذلك تحريفاتٌ لمعاني النصوص.

أما أهل التفويض: فإنهم ينفون المعنى الحقيقي الظاهر من النص، ولا يُثبِتون معنًى آخرَ، فيقولون: إن الاستواء يحتمل عدة معانٍ الله أعلم بمُراده بها، اليد تحتمل عدة معانٍ الله أعلم بمُراده بها: الرحمة، والغضب، والنزول، والقدم، وغير ذلك من الصفات التي وردت في الكتاب والسُّنة، فيقولون: الله أعلم بمراده بها، فلا يُثبِتون معنًى، لا حقًّا ولا باطلًا .

أما أهل التأويل: فإنهم يُثبِتون معنًى باطلًا، ينفون معنى الحق ويُثبتون معنًى باطلًا من التأويلات.

وأما أهل التفويض: فإنهم ينفون المعنى الحق الذي دلَّت عليه الآية وظاهر الآية، ولا يُثبِتون تأويلًا ولا يُثبتون معنًى آخر، ويكتفون بالتلاوة، ويقولون: الإيمان بها تلاوتها بغير علمٍ بمعناها، قالوا: لا يعلم معناها إلا الله، لا يعلم معنى الآيات لا الرسول ولا الملائكة ولا أحدٌ من المؤمنين؛ فيجعلون الناس يتلون القرآن ولا يعلمون معناه! وقالوا: إن الواجب تلاوته بلا فَهْمٍ؛ لأن الفهم عندهم مستحيلٌ، لا يعلمه إلا الله، ولهذا من منظوماتهم يقولون:

وكلُّ نصٍّ أَوْهَمَ التشبيها أوِّلْه أو فوِّضْ ورُمْ تنزيهًا

يعني: عندهم منهج التأويل، وعندهم منهج التفويض. ويزعمون أن التفويض مذهب السلف، وأن التأويل مذهب الخلف، ويقولون: "مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم".

وهذا كله باطلٌ، فليس مذهب السلف هو التفويض، وليس مذهب الخلف هو الأعلم والأحكم؛ بل مذهب السلف الصالح هو الإثبات لمعاني الصفات كما تواترت أقوالهم بذلك، فهم يفهمون ويعلمون معنى الصفات، كما قال الإمام مالك رحمه الله لمن سأله عن الاستواء: "الاستواء معلومٌ"، أي: معلوم المعنى.

وهؤلاء يقولون: "مذهب السلف: هو التفويض، وهو أسلم"، لماذا أسلم؟ قالوا: لأنه آثر السلامة، ولم يخوضوا في التأويل المحتمل.

وقالوا: "ومذهب الخلف أعلم وأحكم"؛ لأنهم دخلوا في المعاني، وذكروا الاحتمالات، وفصَّلوا في الأقوال؛ فهم أعلم -يعني أكثر علمًا- وأحكم.

وهذا باطلٌ؛ بل نفس الكلام متناقضٌ، كما ذكر شيخ الإسلام، فكيف يكون مذهب السلف أسلم وليس عندهم علمٌ والعلم عند الخلف؟! فكيف تكون السلامة بلا علمٍ؟! لا تكون السلامة إلا بعلمٍ، فأنتم تجعلون العلم عند الخلف، وتقولون: مذهب الخلف أعلم وأحكم. فإذا كان مذهب السلف أسلم، فيستلزم أن يكون أعلم؛ لأن السلامة لا تكون إلا بعلمٍ، فكلامهم هذا متناقضٌ وباطلٌ.

فنقول: مذهب السلف هو الإثبات، وأما التفويض فليس مذهب السلف، وليس هو أسلم. ومذهب الخلف -الذي هو التأويل- ليس بأعلم ولا أحكم؛ بل مذهب السلف الصالح، الذي هو الإثبات لظواهر نصوص الصفات على ما يليق برب الأرض والسماوات، هو الأسلم والأعلم والأحكم. هذا هو الحق الذي يجب اتباعه.

ولأهل التفويض شُبَهٌ سيذكرها شيخ الإسلام رحمه الله، ويردُّ على بعضها، ولعلَّنا نذكُر أيضًا شيئًا منها في ثنايا القراءة في هذه الرسالة المباركة.

سؤال أهل مراكش لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

القارئ: الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين.

قال المُصنِّف شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحرَّاني:

الحمد لله رب العالمين، يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي .

الشيخ: السؤال الأول.

القارئ: أحسن الله إليكم. الحمد لله رب العالمين.

سُئل شيخ الإسلام، فريد الزمان، بحر العلوم، تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمة الله عليه: عن رجلين تباحثا في مسألة الإثبات للصفات، والجزم بإثبات العلو على العرش.
فقال أحدهما: لا يجب على أحدٍ معرفة هذا ولا البحث عنه، بل يُكرَه له، كما قال الإمام مالكٌ رحمه الله للسائل: "وما أراك إلا رجل سوءٍ"؛ إنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن الله تعالى واحدٌ في مُلكه، وهو رب كل شيءٍ، ومليكه، وخالقه؛ بل من تكلَّم في شيءٍ من هذا فهو مُجسِّمٌ حشويٌّ.
فهل هذا القائل لهذا الكلام مُصيبٌ أم مُخطئٌ؟ فإذا كان مُخطئًا، فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش -الذي هو أعلى المخلوقات- ويعرفونه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟
أفتونا في ذلك، وابسُطوا القول بسطًا شافيًا يُزيل الشبهات، مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى.

الشيخ: هذا هو السؤال الذي يترتب عليه الجواب. وكثيرٌ من كُتب شيخ الإسلام رحمه الله ورسائله إنما كانت جوابًا عن سؤالٍ: كـ "الواسطية"، و"الحموية"، وغيرها كثيرٌ من كُتبه، وهذا من ضمن ما كتبه رحمه الله جوابًا عن سؤالٍ، وهذا من أواخر كُتبه، الكتاب هذا من أواخر ما كَتبه الشيخ رحمه الله، فهذا كَتبه بعدما كتب "الحموية".

وتضمَّن هذا السؤال عدة أمورٍ، فهذا السائل أو هذان المختلفان، تضمَّن كلام المُخالف المُعطِّل عدة أمورٍ:

الأول: أنه لا يجب على أحدٍ معرفة صفات الله تعالى ولا إثبات علو الله على العرش، وهذا نفيٌ، وهذا النفي الإجمالي هو مذهب أهل التفويض؛ ولذلك يُوسَم مذهب المُفوِّضة بأنه "التأويل الإجمالي"، بينما يُوسَم مذهب التأويل بأنه "التأويل التفصيلي"؛ يعني: يذكرون تفاصيل ما يُحرِّفونه من معاني نصوص الصفات. أما أهل التفويض: فعندهم تأويلٌ إجماليٌّ، يقول: الله أعلم بالمراد به، لكن لا يجوز أن تعتقد ظاهر النص.

الأمر الثاني: مما تضمَّنه كلام هذا المُعطِّل: أنه يُكرَه البحث في صفات الله وتعلُّمها. سبحان الله! يعني: أن الله ​​​​​​​ يُنزِّل في كتابه آياتٍ فيها أوصافه، التي يتعرَّف العباد من خلالها على ربِّهم ، فيقول هذا المعطِّل: يُكرَه البحث في صفات الله، ولا تُبحَث ولا تُتعلَّم.

الأمر الثالث: قال: إن الواجب هو معرفة الربوبية فقط، يقول: واجب معرفة الربوبية. أيش قال هنا؟

قال: "إنما يجب عليه أن يعرف ويعتقد أن الله تعالى واحدٌ في مُلكه، وهو رب كل شيء، ومليكه، وخالقه".

لا يجوز الاقتصار على الربوبية، بل لا بُدَّ من توحيد الألوهية: توحيد العبادة؛ التوحيد العملي القصدي الطلبي، وكذلك توحيد الأسماء والصفات الذي يمنعه هذا المُعطِّل، ويجعل الكلام في الأسماء والصفات من باب التجسيم والتشبيه؛ فعند هذا المُعطِّل أن مَن أثبت الصفات لله ​​​​​​​ الواردة في كتاب الله وسُنة رسوله : أنه مُجسِّمٌ مُمثِّلٌ أو مُشبِّهٌ.

هذا ما تضمَّنه كلام هذا المُعطِّل الذي وقع السؤال عنه، وكما جاء في بعض النسخ: أن السائل اسمه محمد بن محمد المغربي من مراكش، وهؤلاء من المالكية، الذين اختلفوا من المالكية، وكان هذا السؤال وُجِّه لشيخ الإسلام ابن تيمية عام (712)، وبيَّن الشيخ رحمه الله فساد هذا الاعتقاد؛ اعتقاد أهل التفويض الذين يمنعون الكلام في صفات الله، ويمنعون التعرُّف على الله ​​​​​​​ بصفاته الواردة في كتابه، وبيَّن فساد هذا المنهج، وما يلزم عليه من اللوازم الباطلة.

قواعد ذكرها شيخ الإسلام في التلقِّي والاستدلال قبل الجواب

القارئ: أحسن الله إليكم.

فأجاب المُشار إليه قائلًا:
-نفعنا الله بعلومه وعلوم شيخنا-
الحمد لله ربِّ العالمين، يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ، فما جاء به القرآن العزيز أو السُّنة المعلومة، وجب على الخلق الإقرار به جملةً وتفصيلًا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يُقِرَّ بما جاء به النبي : وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الشيخ: نعم، الشيخ رحمه الله ذكر بين يدي الجواب مُقدماتٍ، ذكر تقريبًا ثمانيَ مُقدماتٍ مُهمةٍ، كلها تُعَدُّ قواعدَ في التلقِّي والاستدلال، ومُهمةً في بيانها قبل الدخول في الرد على هذا المُبطِل.

وجوب الإقرار بما جاء في الكتاب والسُّنَّة جملةً وتفصيلًا

الأمر الأول والقاعدة الأولى: وجوب الإقرار بما جاء في الكتاب والسُّنة جملةً وتفصيلًا.

حينما تريد أن تَرُد على مُبطِلٍ يُحرِّف نصوص الصفات، وينفي عن الله ​​​​​​​ ما وصف به نفسه؛ تُذكَر هذه القواعد:

الأول: أنه يجب على كل مسلمٍ أن يُقِرَّ بما جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله إجمالًا وتفصيلًا، يعني: الإجمال فيما أُجمل، والتفصيل فيما جاء مُفصَّلًا؛ وهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

فكيف يكون الشخص موحِّدًا ومؤمنًا، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضٍ؟! وهو يأخذ ببعض القرآن ويترك بعضًا؟ وهو يؤمن ببعض الصفات ولا يؤمن ببعضٍ؟! هذا لا يصحُّ! فمن مُقتضى الشهادتين: الإقرار بما جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله  إجمالًا وتفصيلًا.

الشهادة بصدق الرسول  فيما أخبر به عن الله

القارئ: أحسن الله إليكم.

فمن شهد أنه رسول الله؛ شهد أنه صادقٌ فيما يُخبِر به عن الله تعالى، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة؛ إذ الكاذب ليس برسولٍ فيما يَكْذِبه، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ۝ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ۝ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  [الحاقة:44-46]،

الشيخ: هذه أيضًا مُقدمةٌ ثانيةٌ وقاعدةٌ ثانيةٌ، وهي: أن من مُقتضى الإيمان وتحقيق الشهادتين: الشهادة بصدق الرسول فيما أخبر به عن الله، فمقتضى أنك تشهد أن محمدًا رسول الله: يجب أن تعتقد أنه صادقٌ في كل ما أخبر به وما بيَّنه وما جاء في القرآن، وهذا هو مُقتضى الشهادة؛ لأن الكاذب لا يكون رسولًا.

ومُقتضى الشهادة له بالرسالة: الشهادة له بالصدق، ومن ذلك: ما يُخبر به عن الله ​​​​​​​ من صفاته؛ لأنه لو كان كاذبًا لم يكن نبيًّا رسولًا، وهو أخبرنا بصفات الله؛ فيجب أن نُصدِّقه ولا نُعارِضه ولا نُحرِّف كلامه.

القارئ: أحسن الله إليكم.

وبالجملة: فهذا معلومٌ بالاضطرار من دين الإسلام، لا يحتاج إلى تقريره، وهو الإقرار بما جاء به النبي ، وهو ما جاء به القرآن والسُّنة، كما قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164]، وقال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:151]، وقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [البقرة:231].

الشيخ: كل هذه استدلالاتٌ لبيانِ أن ما جاء به الرسول هو الكتاب والسُّنة، الرسول بلَّغ هذا القرآن وبيَّنه. وذكر المُصنِّف هنا جملةً من الآيات: قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ؛ فالكتاب: القرآن، والحكمة: السُّنة. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ؛ فالكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي السُّنة، فالرسول بلَّغ وبيَّن، ويجب تصديقه واتباعه فيما جاء به، ومن ذلك: الأخذ بكل ما جاء في كتاب الله وسُنة رسوله ، وطاعته، وتصديقه في ذلك.

القارئ: أحسن الله إليكم.

وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

رضا الله عن السابقين الأوَّلين، وعمَّن اتَّبعهم بإحسانٍ

ومما جاء به الرسول: رضاه عن السابقين الأوَّلين، وعمَّن اتَّبعهم بإحسانٍ، كما قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

الشيخ: يعني: أن النبي جاء بالقرآن والسُّنة، فيجب اتِّباعه وطاعته وتصديقه، ومما جاء به: ما جاء في القرآن أن الله ​​​​​​​ رضي عن الصحابة السابقين ، كما في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

إذن؛ مما جاء به: الرضا عن هؤلاء، ومن مُقتضى الرضا: الأخذ بمنهجهم وفهمهم.

القارئ: أحسن الله إليكم.

إكمال دين الإسلام

ومما جاء به الرسول: إخباره تعالى بأنه قد أكمل الدين بقوله سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].

الشيخ: كل هذه من المُقدمات التي ذكرها الشيخ بين يدي الرد؛ المقدمات: رسولٌ يجب تصديقه، والرسول جاء بالقرآن والسُّنة، والرسول مما جاء به: الرضا عن الصحابة، ومما جاء به: أن الدين قد كَمُلَ؛ كل هذا تمهيدٌ وتوطئةٌ للرد، فالدين كاملٌ كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].

القارئ: أحسن الله إليكم.

أمر الله للرسول   بالبلاغ المبين

ومما جاء به الرسول: أمرُ الله له بالبلاغ المبين، كما قال تعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور:54]، وقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

الشيخ: أيضًا مما جاء به الرسول: أن الله ​​​​​​​ قد أمره بالبلاغ في القرآن، في آياتٍ كثيرةٍ؛ فهو مأمورٌ بالبلاغ والتبليغ، كما قال تعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ [النور:54]، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]؛ فالرسول مأمورٌ بالبلاغ والبيان، وهذا من مُقتضى الرسالة.

فقول المفوضة: "إن هذه الآيات لا يُفهَم معناها" يتناقض مع مُوجِب الرسالة، ويتناقض مع مَهمةِ الرسول، وهي البلاغ والبيان. هم يقولون: الرسول ما بيَّن المراد بهذه الآيات، لم يُبيِّن المراد بآية الصفات. الشيخ في كل هذا يُقعِّد ويُمهِّد للرد عليهم: بأن الرسول مأمورٌ بالبلاغ والبيان.

القارئ: أنعم الله عليكم.

ومعلومٌ أنه قد بلَّغ الرسالة كما أُمِرَ، ولم يَكتُم منها شيئًا؛ فإن كتمان ما أنزله الله تعالى يُناقِض مُوجِب الرسالة.

الشيخ: أيضًا هنا ردٌّ، نقول لهؤلاء الذين يزعمون أن الرسول لم يُبيِّن المراد بمعاني نصوص الصفات: هذا يتعارض مع مَهمة البيان والبلاغ، كما أنه يلزم عليه أن يكون قد كتم، هو لم يُبيِّن، لماذا؟ هل هو جاهلٌ، أم كاتمٌ؟

فحينما يلزم على القول لوازمُ باطلةٌ؛ فهذا يدل على فساده، فهنا بيَّن رحمه الله: أن الرسول بلَّغ كما أُمِرَ، ولم يَكتُم شيئًا مما أُمِرَ ببلاغه، ومُوجِب الرسالة: أن يُبيِّن وأن يُوضِّح. وقول هؤلاء المفوضة: "إن معاني نصوص الصفات لا يعلمها إلا الله" يتنافى مع مَهمة البيان والبلاغ التي أُمِرَ بها النبي ، وكذلك ما يلزم عليه من الكتمان: إما أنه عَلِمَ وكتم ولم يُبيِّن، أو أنه جهل، أو أنه يلزم عليه أنه كذَب على الناس؛ وهذا كله يتناقض مع تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

القارئ: أحسن الله إليكم.

عصمة النبي من الكتمان والكذب

كما أن الكذب يُناقِض مُوجِب الرسالة، ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصومٌ من الكتمان لشيءٍ من الرسالة، كما أنه معصومٌ من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلَّغ الرسالة كما أمر الله تعالى، وبيَّن ما أُنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه أكمل الدين، وإنما كَمُلَ بما بلَّغه؛ إذ الدين لم يُعرَف إلا بتبليغه، فعُلِمَ أنه بلَّغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده، كما قال : قد تركتُكم على البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالكٌ [1]، وقال : ما تركتُ من شيءٍ يُقرِّبكم إلى الجنة إلا وقد حدَّثتكم به، ولا من شيءٍ يُبعِّدكم عن النار إلا وقد حدَّثتكم به [2]. وقال أبو ذرٍّ : "لقد تُوفِّي رسول الله ، وما من طائرٍ يُقلِّب جناحيه في السماء إلا أفادنا منه عِلمًا".

الشيخ: هذه كلها طبعًا -كما ذكرنا- توطئةٌ من الشيخ للرد عليهم، ومن ذلك: أن النبي معصومٌ من الكذب؛ وعلى هذا: يجب على كل مسلمٍ أن يُصدِّق الرسول فيما أخبر به عن الله تعالى من أسمائه وصفاته، وهذا التصديق بمضمون الكتاب والسُّنة هو الذي عليه الصحابة   ومن تبعهم بإحسان.

فالرسول بلَّغ البلاغ المبين، بلَّغ جميع الدين، لم يترك شيئًا يُقرِّب إلى الجنة إلا وقد بيَّنه وحدَّثنا به، ولا من شيءٍ يُبعِّد عن النار إلا وقد حدَّثنا به.

وكما قال أبو ذرٍّ : "لقد تُوفِّي رسول الله ، وما من طائر يُقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه عِلمًا"، فعلَّمهم كلَّ شيءٍ، بل حتى لما قال اليهودي للصحابي: علَّمكم رسولكم حتى الخراءة؟ قال: نعم، علَّمنا ألا نستقبل القبلة بغائطٍ ولا بولٍ.

فإذا كان علَّمهم هذه الآداب، فكيف يكون قد أهمل أعظم شيءٍ، وهو صفات الله ​​​​​​​؟! هل يُعقَل أن الرسول يذكر لهم تفاصيل بعض الآداب، ويُهمل ويترك أو يكتم هذه اللوازم والكلام عن صفات الرَّب  وما يجب له ؟ هذا من أبطل الباطل.

القارئ: أحسن الله إليكم.

واجب المسلم تجاه ما أخبر به النبي عن ربه

إذا تبين هذا؛ فقد وجب على كل مسلمٍ تصديقه فيما أخبر به عن الله، من أسماء الله وصفاته، مما جاء في القرآن وفي السُّنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه.

الشيخ: هذا بعد هذه المُقدمات التي ذكرها الشيخ، وهي: أن الرسول مأمورٌ بالبلاغ، وأن الدين قد كَمُل، وأنه لم يَكتُم شيئًا، وأنه ذكر تفاصيل كل شيءٍ؛ قال: "الواجب على المسلم هو التصديق فيما أخبر به عن الله، من أسمائه وصفاته، مما جاء في القرآن أو السُّنة"، يجب التصديق بكل ما أخبرنا به النبي عن ربه من هذه الصفات الواردة في القرآن أو السُّنة.

قال: "كما كان عليه السابقون الأوَّلون" يعني: كما هو منهج الصحابة ، وهم الفرقة الناجية ومن سار على نهجهم، كما في حديث الافتراق: ستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً -أو مِلَّةً-، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي [3]، وفي روايةٍ: هم الجماعة [4].

فمن سار على نهج إثبات الصفات لله ​​​​​​​​​​​​ على الوجه اللائق به سبحانه؛ فقد سار على منهج الصحابة ، وأثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه وما أثبته له رسوله من الصفات دون تفريقٍ بينها؛ لأن الكلام في بعض الصفات كالكلام في بعض، فلا يصح ولا يجوز أن يقال: إننا نُثبت لله الصفات التي دلَّ العقل عليها، وننفي عن الله الصفات التي منعها العقل.

سبحان الله! كيف تجعلون عقولكم القاصرة وأهواءكم الفاسدة حاكمةً على كتاب الله وعلى سُنة رسول الله ؟! فهي التي تنتقي، وهي التي تختار، وهي التي تُعيِّن ما يُقبَل وما يُرَد، أأنتم أعلم أم الله؟! هل يُعقل أن يُنزِّل الله ​​​​​​​ في كتابه صفاتٍ لا تليق بجلاله، كما يزعم هؤلاء المُعطِّلة الذين يقولون: "إن ظواهر النصوص والصفات لا تليق بالله، وإن الله أنزل في كتابه آياتٍ ظاهرها لا تليق بالله"؟! هذا لا يقوله عاقلٌ، فضلًا عن مسلمٍ.

فالواجب: الاتِّباع والأخذ والاعتقاد بظواهر هذه النصوص بأسماء الله وصفاته، كما كان عليه الصحابة .

القارئ: أحسن الله إليكم.

فإنَّ هؤلاء هم الذين تلقَّوا عنه القرآن والسُّنة، وكانوا يتلقَّون عنه ما في ذلك من العلم والعمل، كما قال أبو عبدالرحمن السُّلَمي رحمه الله: "لقد حدَّثنا الذين كانوا يُقرِئوننا القرآن؛ كعثمان بن عفانٍ وعبدالله بن مسعودٍ، وغيرهما : أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي عشر آياتٍ، لم يُجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا".
وقد أقام عبدالله بن عمرَ -وهو من أصاغر الصحابة - في تعلُّم البقرة ثمانيَ سنين؛ لأجل الفهم والمعرفة.

الشيخ: الآن، الشيخ رحمه الله لما بيَّن أن الواجب اتِّباع منهج الصحابة ؛ سيُبيِّن مُسوِّغات اتِّباع فهم الصحابة ومنهج الصحابة ؛ لأنهم تلقَّوا القرآن والسُّنة عن رسول الله ، وتلقَّوها وما تضمَّنته من العلم والعمل، كما في هذا الأثر عن أبي عبدالرحمن السّلَمي، قال: "لقد حدَّثنا الذين كانوا يُقرِئوننا القرآن -يعني: الصحابة- كعثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود وغيرهما : أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي عشر آياتٍ، لم يُجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا".

فكيف يقول هؤلاء المُفوِّضة: إن آيات الصفات لا أحد يعلم معناها؟! سبحان الله! الصحابة  تلقَّوا عن الرسول وسألوه وتعلَّموا منه، وفهموا القرآن وتعلَّموا العلم والعمل، وفهموا الآيات، وهؤلاء يقولون: لا، آيات الصفات...

^1 رواه ابن ماجه: 43، وأحمد: 17142؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4369.
^2 رواه الحاكم في "المستدرك": 2165، وابن أبي شيبة في "المصنف": 37051، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 9891، والبغوي في "شرح السنة": 4110؛ وصححه الألباني في "النصيحة": 120.
^3 رواه الترمذي: 2641.
^4 رواه ابن ماجه: 3992، وأحمد: 16937؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2641.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©