- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "الوجه الرابع أن يُقال.." (5)

جدول المحتويات
الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِهِ الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذا هو المجلس الخامس في قراءة كتاب "القاعدة المَرَّاكُشِيَّة" لشيخ الإسلام ابن تيمية والتَّعليق عليها، وقد سبق معنا ما ذكره الشيخ رحمه الله في الردِّ على أهل التَّفويض وأهل التَّأويل، وفي زعمهم أن ظواهر النصوص -نصوص الصفات- لا تُعلم عند المُفَوِّضة، أو أنها يجب صرفها عن ظاهرها إلى معانٍ أخرى كما عند المُؤوِّلة، ويجتمعون في أن الظاهر غير مُرادٍ؛ لأن الظاهر لا يليق بالله.
وقد ردَّ عليهم شيخ الإسلام رحمه الله هذه الفِرْيَة، وبيَّن لوازمها، وأن القول بأن ظواهر نصوص الصفات لا تليق بالله، وأن ظواهرها التَّجسيم والتَّشبيه والتَّمثيل، وأنه يجب عدم اعتقاد ظاهرها؛ أن هذا الاعتقاد اعتقادٌ باطلٌ، ويلزم عليه أن الله سبحانه وتعالى تكلم بالباطل، وفُهِمَ من كلامه ما لا يُريد فهمه، مع أنه لم يُنَزِّل في كتابه ما يدل على عدم اعتقاد هذا الظاهر، ولم يقرن بكلامه ما يصرفه عن ظاهره.
قال الشيخ رحمه الله -كما سبق معنا-: فكان ترك الناس بلا هذه النصوص وهذه الآيات خيرًا لهم؛ لأنهم لم يستفيدوا منها إلا الضَّلال؛ حيث إن ظاهرها الضلال، فلم يستفيدوا منها هدًى، وإنما استفادوا الهدى من عقولهم التي جعلوها هي القرينة الصَّارفة للنص عن ظاهره.
حينما يُسأل هؤلاء: لماذا لم تأخذوا بظاهر هذا النص؟ وما قرينتكم في أن الظاهر غير مُرادٍ؟
قالوا: إن القرينة هي العقل، فالعقل دَلَّ على عدم إرادة هذا الظاهر، وأن هذا الظاهر لا يجوز في حقِّ الله.
فجعلوا المرجع هو العقل البشري القاصر؛ فقدَّموا عقولهم على شرع الله.
فيذكر شيخ الإسلام أنه يلزم على ذلك أن تكون الهداية في عقول البشرية، وأن يكون تركهم كحال الجاهلية خيرًا من إنزال هذه الآيات التي لم يستفيدوا منها هدًى.
ونتابع ما ذكره الشيخ رحمه الله من الردود على هذه الفِرْيَة التي يلزم منها، بل حقيقتها أن الله تكلم بما لا يليق به، وكذلك الرسول ، وكذلك الصحابة، ولم يَرد عنهم ما ينفي هذا الظاهر، بل الوارد والمتواتر عن الصحابة والسلف الصالح هو الإثبات، ولم يَرد عنهم حرفٌ واحدٌ في النفي؛ في نفي صفات الله .
القارئ: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومُصطفاه، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه.
اللهم اغفر لشيخنا، وللحاضرين، والسامعين، آمين.
ثلاثة احتمالات في الموقف من نصوص الصفات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "القاعدة المَرَّاكُشِيَّة"، نفعنا الله بعلومه وعلوم شيخنا:
الاحتمال الأول: أن يكون الله يُحب منا أن نعتقد قول النُّفاة
فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول النُّفاة، وهو: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، وأنه ليس فوق السماوات ربٌّ، ولا على العرش إلهٌ، وأن محمدًا لم يُعْرَج به إلى الله، وإنما عُرِجَ إلى السماوات فقط، لا إلى الله، وأن الملائكة لا تعرج إلى الله، بل إلى ملكوته، وأن الله لا ينزل منه شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، وأمثال ذلك.
وإن كانوا يُعبِّرون عن ذلك بعباراتٍ مُبتدعةٍ فيها إجمالٌ وإبهامٌ؛ كقولهم: ليس بِمُتَحَيِّزٍ، ولا جسمٍ، ولا جوهرٍ، ولا هو في جهةٍ ولا مكانٍ، وأمثال هذه العبارات التي يفهم منها العامَّة تنزيه الربِّ تعالى عن النَّقائص، ومقصودهم بها: أنه ليس فوق السماوات ربٌّ، ولا على العرش إلهٌ يُعْبَد، ولا عُرِجَ بالرسول إلى الله.
والمقصود: أنه إن كان الذي يُحبه الله لنا أن نعتقد هذا النَّفي، فالصحابة والتابعون أفضل منَّا؛ فقد كانوا يعتقدون هذا النَّفي، والرسول كان يعتقده، وإذا كان الله ورسوله يرضاه لنا، وهو إما واجبٌ علينا أو مُستحبٌّ لنا، فلا بد أن يأمرنا الرسول بما هو واجبٌ علينا، ويَنْدُبنا إلى ما هو مُستحبٌّ لنا، ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثباتٌ لمحبوب الله ومَرْضِيِّه وما يُقرِّب إليه، لا سيما مع قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3].
لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين، وهو عندهم التوحيد الذي لا يُخالفه إلا شقيٌّ.
فكيف لا يُعلِّم الرسول أُمته التوحيد؟! وكيف لا يكون التوحيد معروفًا عند الصحابة والتابعين؟!
والمعتزلة والفلاسفة ومَن اتَّبعهم يُسمون مذهب النُّفاة "التوحيد"، وقد سمَّى صاحب "المرشدة" أصحابه "الموحدين"؛ إذ عندهم مذهب النُّفاة هو التوحيد.
الشيخ: الشيخ هنا رحمه الله يذكر ثلاثة احتمالات في الموقف من نصوص الصفات، فيقول: "إما أن يكون الله يُحب منا أن نعتقد قول النُّفاة" يعني: الذين ينفون عن الله الصفات، "أو نعتقد" فيه "قول أهل الإثبات" وهم السلف الصالح الذين أثبتوا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ، "أو لا نعتقد واحدًا منهما" لا نعتقد قول أهل النَّفي، ولا قول أهل الإثبات.
ثلاثة احتمالاتٍ، ثم بدأ يُفَصِّل ويُبيِّن ويُوضِّح اللوازم.
قال: فإن افترضنا أن الله أراد منَّا أن نعتقد قول النُّفاة -نُفاة الصفات- إن كان هذا هو المطلوب منَّا: أن نعتقد نفي الصفات، سواء العلو أو غيره، كما هو مذهب أهل الكلام، بأن الله لا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا مُباين، ولا مُحايث، وتأويل وتحريف نصوص العلو، وأن الله لا ينزل كل ليلةٍ، وغير ذلك.
وهؤلاء النُّفاة يُعبِّرون عن عقيدتهم الفاسدة بعباراتٍ مُجْمَلَةٍ ومُحْتَمِلةٍ، وظاهرها التَّنزيه، فيأتون بمثل قول: "إن الله ليس بِمُتَحَيِّزٍ، ولا جسمٍ، ولا جوهرٍ، ولا في جهةٍ"، ونحو ذلك؛ حتى يظن العامّة أن هؤلاء يُنَزِّهون الله عن النَّقائص، وهم -في الحقيقة- ينفون عنه الكمال، ينفون عنه صفات الكمال، لكن يأتون بهذه العبارات المُحْتَمِلة المُجْمَلة المُبْتَدعة التي يُوهِمُون الناس بها أنهم يُنَزِّهون الله عن النَّقائص، وهم -في الحقيقة- يُضَمِّنونها نفي ما ثبت لله من صفات الكمال؛ ولهذا يقول الشيخ: "ومقصودهم: أنه ليس فوق السماوات ربٌّ، ولا على العرش إلهٌ يُعْبَد، ولا عُرِجَ بالرسول ".
فهم حينما يقولون: "إن الله ليس بِمُتَحَيِّزٍ"، ما معنى هذا؟
قصدهم: أن الله ليس في العلو؛ لأنهم يجعلون العلوَّ تَحَيُّزًا، أو وصفه بالعلو تَحَيُّزًا، وينفون الصفات الذاتية، ويقولون: يلزم منها التَّجسيم، والأجسام من صفات المُحْدَثات، والله يتنزَّه عن ذلك.
فيأتون بمثل هذه العبارات التي يظن الجاهل بكلامهم أنهم يُنَزِّهون الله، وهم -في الحقيقة- يتوصلون بها إلى نفي صفات الكمال عن الله .
فالشيخ يقول: إن كان الله أراد منا أن نعتقد مذهب النُّفاة، ويفترض أن الصحابة كانوا على هذا النَّفي، وأن الرسول كان ينفي -كل هذه افتراضات- وأن الرسول كان ينفي عن الله الصفات.
وإذا كان الله يرضى بالنفي، والرسول يرضى بهذا النفي، وهو واجبٌ علينا أو مُستحبٌّ؛ فلا بد أن يأمرنا الرسول بهذا الواجب، ويَنْدُبنا إلى المُستحب، لا بد أن يأمرنا رسول الله بأن ننفي عن الله الصفات -صفات الكمال- على قول النُّفاة، ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثباتٌ لهذا الشيء إذا كان -كما يزعمون- الله يُحب هذا الشيء؛ يُحب نفي صفات الكمال عنه التي أنزلها في كتابه، إذا كان الله يُحب ذلك فلا بد أن الله يأمر بذلك، والرسول يأمر بذلك، والصحابة يتكلمون بذلك، لا سيما وقد كمَّل الله لنا الدين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3].
والجهمية يجعلون هذا أصل الدين، ويجعلون هذا هو التوحيد، فالتوحيد عند الجهمية والمُعتزلة هو نفي صفات الكمال، يقولون: لا بد أن تُوحِّد الله، يعني: أن تنفي عن الله صفاته؛ لأن إثبات الصفات -على ما يُقرِّرون- فيه التَّعدد، والله واحدٌ فلا يُوصَف، فيجب نفي هذه الصفات، ويُسمونه "توحيدًا"، ويُوجبون هذا النَّفي، قال: "لا يُخالفه إلا شقيٌّ".
"فكيف لا يُعلِّم الرسول أُمته التوحيد؟!" إذا كنتم تزعمون أن النَّفي هو التوحيد، فأين كلام رسول الله في هذا النَّفي؟!
أعطونا حرفًا واحدًا، اذكروا لنا حديثًا واحدًا: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].
لا توجد آيةٌ، ولا حديثٌ، ولا كلامٌ عن أحدٍ من السلف الصالح في نفي الصفات، وأنتم تقولون: إن هذا هو الواجب، فلو افترضنا أن هذا واجبٌ -أن النَّفي هو الواجب- وإذا كان النَّفي هو ما كان عليه النبي وصحابته، فأين الكلام الذي يُثْبِت زعمكم؟!
لا توجد آيةٌ، ولا حديثٌ، ولا كلامٌ عن السلف في هذا الزعم، وهو نفي الصفات الذي تُسمونه "توحيدًا".
يقول: "وكيف لا يكون التوحيد معروفًا عند الصحابة والتابعين؟!" إذا كان التوحيد هو نفي الصفات، فأين ما يدل عليه من كلام الصحابة والتابعين؟
لا يوجد أيُّ نقلٍ عن أيِّ صحابيٍّ ولا تابعيٍّ في نفي صفات الله ، وفي نفي أيِّ صفةٍ من صفات الله .
إذن هذا الذي يُسمِّيه النُّفاة "توحيدًا" وهو نفي صفات الله، أو يُسمونه "تنزيهًا" وهو نفي صفات الكمال عن الله ، هذا افتراضٌ، وهذا كذبٌ؛ كذبٌ على الله، وكذبٌ على رسول الله ، وكذبٌ على الصحابة والتابعين، ولا يمكن أن يكون نفي صفات الكمال عن الله توحيدًا أو تنزيهًا، لكنهم يُسمون الشيء بغير اسمه، ينفون الصفات عن الله ويُسمون نفيهم: تنزيهًا وتوحيدًا.
قال الشيخ: "وقد سمَّى صاحب "المرشدة" أصحابه "المُوحِّدين"؛ إذ عندهم مذهب النُّفاة هو التوحيد"، "المرشدة" هذه عقيدةٌ ألَّفها محمد بن تُومَرت، وتكلم العلماء في اعتقاده؛ فمنهم مَن جعله أشعريًّا، ومنهم مَن جعله مُعتزليًّا، ومنهم مَن قال: إنه شيعيٌّ بقوله بعصمة الأئمة، وأن الإمام ركن الدين. ومنهم مَن يقول: إنه قد جمع من كل مذهبٍ شيئًا، فهو مُخلِّطٌ في ذلك.
والأقرب أنه على عقيدة الأشاعرة، ولكنه وافق المُعتزلة في أشياء، ووافق الشيعة في أشياء، وهو عنده بعض الأمور، وعنده الظلم والكذب في تأسيس دولة المُوحِّدين، وزعم أنه المهدي، حتى إنه يأتي ببعض الجُهَّال من جهة البربر من البلاد التي كان ذهب إليها، وكذب عليهم وخدعهم، وزعم أنه المهدي، ويأتي ببعض أصحابه إلى المقابر، ويجعلهم هناك، ويأمرهم أن يتكلموا، وأن يُبَشِّروا به، فإذا سمع الناسُ ظنُّوا أنه يُخاطِب الموتى، وأنهم يتكلمون بما يريد، ثم يدفن هؤلاء ويُهْلِكهم؛ حتى لا يبين كذبه.
إلى قصصٍ كثيرةٍ مما ذُكِرَ عنه، وعن ظلمه، وعن عقيدته الفاسدة.
وله هذه العقيدة "المُرشدة" في صفحةٍ واحدةٍ، وهي تُمثِّل عقيدةً كلاميةً، وسمَّى أصحابه وأتباعه "المُوحِّدين"، وليس عنده إثباتٌ للصفات، بل سار على منهج أهل الكلام في نفي الصفات.
القارئ: أنعم الله عليكم.
قال رحمه الله:
الشيخ: يعني: هنا أبطل الشيخ الاحتمال الأول.
ما الاحتمال الأول؟
أحد الطلاب: .......
الشيخ: أحسنتَ، يعني: أن يكون الواجب علينا اعتقاد مذهب النُّفاة، بيَّن الشيخ أن هذا باطلٌ، ومعلومٌ بالضرورة من دين الإسلام أن الرسول والصحابة لم يتكلموا بمذهب النُّفاة، ولم ينفوا عن الله صفاته، فهذا الأمر باطلٌ، بل المعلوم من الدين بالضرورة أن الرسول تكلم بالتوحيد وبإثبات الصفات، وكذلك صحابته الكرام، ولا يوجد حرفٌ يُخالف ذلك.
إذن هذا الاحتمال الأول باطلٌ، وهو: أن الله أراد منا اعتقاد مذهب النُّفاة، هذا باطلٌ كما بَيَّنه الشيخ.
القارئ: أحسن الله إليكم.
الاحتمال الثاني: أن يكون الله يُحب منا أن نعتقد قول أهل الإثبات
قال رحمه الله:
ومعلومٌ أن في الكتاب والسُّنة من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من إثبات الوضوء والتيمم والصيام، وتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم، ونحو ذلك من الشرائع.
فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملًا، والرسول مُبلِّغًا مُبيِّنًا، والتوحيد عن السلف مشهورًا معروفًا، والكتاب والسُّنة يُصدِّق بعضه بعضًا، والسلف خير هذه الأمة، وطريقهم أفضل الطرق، والقرآن كله حقٌّ، ليس فيه إضلالٌ، ولا دَلَّ على كفرٍ ومُحالٍ، بل هو الشفاء والهدى والنور.
وهذه كلها لوازم مُلْتَزَمَةٌ، ونتائج مقبولةٌ، فقولهم مُؤْتَلِفٌ، غير مُخْتَلِفٍ، ومقبولٌ، غير مردودٍ.
الشيخ: هذا الاحتمال الثاني: أن الله أمرنا وطلب منَّا أن نعتقد مذهب أهل الإثبات، يعني: أن نُثْبِت لله صفاته، وأنه يجب علينا أن نتبع مذهب الإثبات، مذهب ما كان عليه رسول الله وصحابته.
قال: "وهو الذي أُمِرْنَا به"، وهذا هو المعلوم من كتاب الله وسُنة رسوله وما فيها من أنواع الأدلة في إثبات صفات الله ، بل إنَّ ما جاء من أدلةٍ في إثبات صفات الله أكثر مما جاء من الأدلة في إثبات بقية الأحكام الفقهية: كالصلاة، والصيام، والزكاة، والتيمم، وغير ذلك، وكذلك في تفصيل بعض المُحرَّمات؛ فدلَّ على أهمية هذا الباب، وأن هذا الباب قد تنوعتْ دلالاته في إثبات صفات الله .
فعلى هذا القول يكون الدين قد كَمُلَ، وظواهر النصوص مُرَادَةٌ، والرسول بلَّغ البلاغ المُبين، فليس هناك تناقضٌ.
والتوحيد: هو إثبات صفات الله ، كما هو مذهب السلف الصالح، والكتاب والسُّنة يُصدِّق بعضها بعضًا، النصوص الشرعية مُؤْتَلِفةٌ ومُتَّفقةٌ، وهذه هي طريقة السلف وما سار عليه الصحابة والتابعون.
والقرآن حقٌّ، ليس فيه ضلالٌ، وليس ظاهره ضلالًا، كما يقوله أهل التَّأويل، ولا دَلَّ على الكفر، وليس فيه ما يستحيل فهمه، بل هو الشفاء والنور.
وهذه كلها -كما يقول الشيخ- لوازم مُلْتَزَمَةٌ، أهل السُّنة يلتزمون ذلك؛ يلتزمون بأنه يلزم على قولهم أن الظاهر مُرادٌ، وأن الرسول تكلم بالحقِّ، وأنه بيَّن الحقَّ، وأن الصحابة اعتقدوا الحقَّ، كل هذه لوازم مُلْتَزَمَةٌ، وأقوالٌ مُؤْتَلِفَةٌ ومقبولةٌ.
أما على الافتراض الأول -وهو قول النُّفاة- فتجد التَّناقض، يقول: يجب على الناس ألا يعتقدوا الظاهر، والله أنزل أمورًا ظاهرها غير مُرادٍ، والرسول لم يعتقد هذا الظاهر، والصحابة لم يعتقدوا هذا الظاهر، والرسول لم يُبيِّن أن هذا الظاهر غير مُرادٍ، فتناقضٌ في مذهبهم وتضادٌّ وضلالٌ.
أما أهل السُّنة والجماعة الذين يقولون: إن الظاهر مُرادٌ، وأن الواجب هو الإثبات على ما يليق بربِّ الأرض والسماوات، فأقوالهم مُؤْتَلِفةٌ ومُتَّفقةٌ، والنصوص الشرعية مُؤْتَلِفةٌ ومُحْكَمةٌ، وفيها الهدى والنور، وليس ظاهرها الضَّلال كما يزعمه أهل التَّعطيل.
القارئ: أنعم الله عليكم.
الاحتمال الثالث: أن يُحب الله تعالى منَّا ألا نُثْبِت ولا ننفي
قال رحمه الله:
ومن المعلوم أن الله لا يُحب الجهل، ولا الشك، ولا الحيرة، ولا الضلال، وإنما يُحب الدين والعلم واليقين.
الشيخ: طيب، هذا الاحتمال الثالث يُمثِّل أيَّ اتجاهٍ؟
أحد الطلاب: .......
الشيخ: طيب، الوقفة أيَّ اتجاهٍ؟
أحد الطلاب: .......
الشيخ: التَّفويض، أحسنتَ.
يعني: الأول نُفاةٌ، وإن كان المُفَوِّضة نُفاةً، لكن هناك نفاةٌ ذكروا تأويلاتٍ، وهنا نفاةٌ توقفوا، قالوا: لا نعلم المراد، هل مرادٌ هذا أو ذاك؟
وهم واقفةٌ، قالوا: لا نعلم هل المراد هذا أو هذا، المعنى هذا أو هذا؟
وهذا المنهج هو منهج الجهل؛ ولهذا هم أهل التَّجهيل، قالوا: نحن نجهل المراد، لا نعلم المراد.
فهم حيارى، يجعلون المنهج ألا تستطيع أن تُميِّز بين الحقِّ والباطل، ولا بين الهدى والضَّلال، فهم مُذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، لا مُصدِّقون، ولا مُكذِّبون.
قال الشيخ: "لزم من ذلك أن يكون الله يُحب منَّا عدم العلم بما جاء به الرسول ، وعدم العلم بما يستحقُّه الله من الصفات التَّامات، وعدم العلم بالحقِّ من الباطل، ويُحب منا الحيرة والشَّك".
طبعًا هذا لازمٌ لقول الواقفة الذين يقولون: لا ندري أيّها المُراد.
مثلًا يقول: الاستواء يحتمل عدة معانٍ؛ يحتمل الاستيلاء، ويحتمل العلو، ويحتمل المُساواة -مستوى الماء والخشبة- ويحتمل النُّضج والكمال: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص:14].
وبعضهم يُبالغ ويقول: خمسة عشر معنًى، لا يُدْرَى أيّها المراد، ولا يُعيَّن أيّها المراد.
فهم يُفَضِّلون منهج الوقف والشَّك والارتياب وعدم معرفة الحقِّ.
الشيخ يقول: هل الله يُحب منَّا أن نقف حَيَارى، لا نستطيع أن نُميِّز الحقَّ من الباطل، والهدى من الضَّلال، لا نعلم المراد بكلامه، بل نقف حَيَارى، شاكِّين، مُتردِّدين؟
ثم يُجيب بأن "من المعلوم أن الله لا يُحب الجهل، ولا يُحب الشك، ولا الحيرة، ولا الضَّلال، وإنما يُحب الدين والعلم واليقين"، والعقائد تُبْنَى على اليقين، وأنزل هذا القرآن هدًى للناس، وأرسل رسوله ليُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، ويهديهم إلى الحقِّ.
القارئ: أنعم الله عليكم.
بُطلان مذهب الواقفة، ولوازم قولهم، والردّ عليهم
قال رحمه الله:
وفي "صحيح مسلم" وغيره عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي كان إذا قام من الليل يُصلِّي يقول: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مُستقيمٍ [1].
فهو يسأل ربَّه أن يهديه لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ، فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل الخلاف، وقد قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]؟!
وما يذكره بعض الناس عنه من أنه قال: "زدني فيك تَحَيُّرًا" كذبٌ باتِّفاق أهل العلم بحديثه ، بل هذا سؤال مَن هو حائرٌ، وقد سأله المزيد من الحيرة، ولا يجوز لأحدٍ أن يدعو بمزيدٍ من الحيرة إذا كان حائرًا، بل يسأل الهدى والعلم، فكيف بمَن هو هادي الخلق من الضَّلالة؟!
وإنما يُنْقَل مثل هذا عن بعض الذين لا يُقْتَدى بهم في مثل هذا، إن صحَّ النَّقل عنه.
الشيخ: الشيخ هنا يُبيِّن فساد هذا القول بالوقف وأنَّا لا نعلم الحقَّ في صفات الله، وأنَّا لا نستطيع أن نُعيِّن المراد من كلام الله، فيبقون في شكٍّ، وفي حيرةٍ، ويُبيِّن الشيخ أن الحيرة مذمومةٌ، واستشهد بقوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى، فالهُدَى هدى الله.
ومَن أراد البُعد عن الحيرة فَلْيَأْخُذْ بهدى الله، وَلْيَسْتَقِمْ على شرع الله، وَلْيَكْتَفِ بكتاب الله وسُنة رسوله ؛ ولهذا أُمِرْنَا أن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فنحن ندعو الله في كل صلاةٍ أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يُجَنِّبنا طريق المغضوب عليهم والضَّالين؛ طريق الذين يعلمون ولا يعملون، وطريق الذين يعملون بلا علمٍ، فكلاهما ضلالٌ، وكلاهما مُخالفٌ للطريق المُستقيم.
فالمسائل التي لا يَسْتَبِين للإنسان فيها الحقُّ والباطل عليه أن يدعو الله أن يهديه؛ ولهذا كان النبي يستفتح قيام الليل بهذا الدعاء: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، اهدني يسأل الله الهداية، وليس الحيرة: اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ، لسانٌ يتوجه إلى الله بسؤال الهداية، وأن يزيده علمًا يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والهُدى والضَّلال.
وأما هؤلاء الذين يختارون مواقف الحيرة والشَّك والاضطراب، فهؤلاء أهل ضلالٍ.
وأما ما يستدلون به من قوله: "زِدْنِي فيك تَحَيُّرًا"، فهذا لا يصحّ، ولا تجوز نسبته إلى الرسول ، بل معناه باطلٌ؛ لأن الله يأمر بدعائه الهداية والتوفيق، وليس دعاء الحيرة.
فكيف يُقال: إن الرسول الذي بعثه الله هاديًا للناس كان حائرًا، وكان يدعو الله أن يزداد حيرةً؟!
هذا تناقضٌ، يقول: "زِدْنِي فيك تَحَيُّرًا"! يعني: هو حائرٌ، ويريد زيادةً في الحيرة! أمرٌ عجيبٌ!
الحائر هل يكون هاديًا للناس؟ هل يكون داعيًا للناس؟ هل يأتي بالحقِّ واليقين للناس؟
لا، فهذا الكلام مُتناقضٌ، ولا يجوز لأحدٍ أن يدعو الله بأن يزيده من الحيرة، بل على الإنسان أن يسأل ربه الهداية والتوفيق للحقِّ والصواب، ولا يجوز أن يُنْسَب ذلك للرسول .
وإن هذا يَرِدُ عند بعض الجُهَّال من الصوفية وغيرهم، ويجعلون هذا من المقامات العَلِيَّة لأوليائهم؛ أنهم تكون عندهم حيرةٌ لمقام الله !
وعلى أيِّ معنًى فسَّروه، على أيِّ معنًى فُسِّر هذا فهو معنًى باطلٌ، فالحيرة ليست محمودةً في دين الله، بل ليست محمودةً حتى في العقول البشرية السليمة، فلا أحد يُحْمَد بأنه مُحتارٌ، وإنما يُحْمَد الشخص حينما يستطيع أن يُميِّز بين الحقِّ والباطل، والرُّشد والغَيّ، فيسلك طريق الهدى والرشاد، ويبتعد عن طريق الغواية والفساد.
القارئ: أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله:
أحدها: أن مَن قال هذا فعليه أن يُنْكِر على النُّفاة، فإنهم ابتدعوا ألفاظًا ومعاني لا أصل لها في الكتاب والسُّنة.
وأما المُثْبِتَة إذا اقتصروا على النصوص فليس له الإنكار عليهم.
وهؤلاء الواقفة هم في الباطن يُوافقون النُّفاة أو يُقِرُّونهم، وإنما يُعارضون المُثْبِتَة، فَعُلِمَ أنهم أقرُّوا أهل البدع، وعادوا أهل السُّنة.
الشيخ: شيخنا يُبيِّن اللوازم الباطلة على هذا القول، فإذا كان أهل التَّفويض يقولون: نحن لا نعلم أين المراد؟ ونقف. الشيخ يردُّ عليهم فيقول: إن الواجب على هؤلاء أن يُنْكِروا على النُّفاة الذين ذكروا معاني لا يدل عليها ظاهر الخطاب، ولا يُسْعِفها السياق.
إذا قلتم أنتم وقررتم أنه يجب الوقف، إذن لماذا لا تُنْكِرون على المُعطِّلة المُؤوِّلة الذين يقولون: الاستواء: الاستيلاء، واليد: القُدرة؟! لماذا لا تُنْكِرون عليهم؟! لماذا تسكتون عن نفيهم؟! وإنما تُنْكِرون على أهل السُّنة حينما يُثْبِتون ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله !
إذا كنتم صادقين بهذا النَّفي، فإن مُقتضى مذهبكم أن تُنْكِروا على الطائفتين، أما أنكم تُنْكِرون على أهل الإثبات الذين معهم الأدلة الشرعية، وتسكتون عن النُّفاة الذين نفوا عن الله صفات الكمال وذكروا معاني باطلةً؛ فأنتم -في الحقيقة- في الباطن مُوافقون للمُعطِّلة؛ ولهذا الشيخ يقول: "هم في الباطن يُوافقون النُّفاة أو يُقِرُّونهم، وإنما يُعارضون المُثْبِتَة"، وهذا تناقضٌ في المذهب والمنهج.
القارئ: أحسن الله إليكم.
الشيخ: يعني: الجهل مذمومٌ في الشرع، وعدم العلم ليس محمودًا، فلا يُحْمَد الإنسان بأنه جاهلٌ ومُستمرٌّ على جهله، ولا يُحب الله أن يكون الشخص جاهلًا بدينه، وجاهلًا بما أُمِرَ به، وجاهلًا بعبادة الله التي خُلِقَ لأجلها: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فالجهل مذمومٌ، لا يُحبه الله، ولا رسوله ، وإذا كان مذمومًا لم يكن منهجًا مُستقيمًا.
القارئ: أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله:
الشيخ: يعني: الشَّك والحيرة ليست محمودةً، وإذا كان الإنسان حائرًا أو شاكًّا فإنه يسكت، ولا يجوز له أن يُنْكِر على مَن عنده علمٌ.
أنت ليس عندك علمٌ تسكت، أنت حائرٌ تسكت، فلا تُنْكِر على مَن هداه الله ووفَّقه وعلم الحقَّ وتكلم به، فمَن علم الحقَّ فإنه يتكلم به، وليس للواقف الشَّاكِّ أن يُنْكِر على مَن علم وأيقن بما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله .
القارئ: أحسن الله إليكم.
إنكار السلف على الجهمية النُّفاة، وكلامهم في إثبات الأسماء والصفات
قال رحمه الله:
وجواب مالكٍ في ذلك صريحٌ في الإثبات، فإن السَّائل قال له: يا أبا عبدالله، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فقال مالكٌ رحمه الله: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ"، وفي لفظٍ: "استواؤه معلومٌ -أو معقولٌ- والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ".
فقد أخبر بأن نفس الاستواء معلومٌ، وأن كيفية الاستواء مجهولةٌ، وهذا بعينه قول أهل الإثبات.
وأما النُّفاة فما يُثْبِتون استواءً حتى تُجْهَل كيفيته، بل عند هذا القائل الشَّاكِّ وأمثاله أن الاستواء مجهولٌ غير معلومٍ، وإذا كان الاستواء مجهولًا لم يحتج أن يُقال: الكيف مجهولٌ، لا سيما إذا كان الاستواء مُنتفيًا، فالمنفي المعدوم لا كيفية له حتى يُقال: هي مجهولةٌ أو معلومةٌ.
كلام الإمام مالكٍ رحمه الله في الاستواء والعلو
يُبيِّن ذلك أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالكٍ رحمه الله أنه قال: "الله في السماء، وعلمه في كل مكانٍ"، حتى ذكر ذلك مكيٌّ خطيب قرطبة في "كتاب التفسير" الذي جمعه من كلام مالكٍ، ونقله أبو عمر الطّلمنكي وأبو عمر بن عبدالبر وابن أبي زيدٍ في "المُختصر" وغير واحدٍ.
ونقله أيضًا عن مالكٍ غير هؤلاء ممن لا يُحْصَى عددهم، مثل: أحمد بن حنبل وابنه عبدالله والأثرم والخلال والآجري وابن بطة، وطوائف غير هؤلاء من المُصنِّفين في السُّنة.
ولو كان مالكٌ من الواقفة أو النُّفاة لم يقل هذا الإثبات.
والقول الذي قاله مالكٌ قاله قبله ربيعة بن أبي عبدالرحمن شيخه، كما رواه عنه سفيان بن عيينة.
وقال عبدالعزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون كلامًا طويلًا يُقرِّر مذهب الإثبات، ويَرُدُّ على النُّفاة، قد ذكرناه في غير هذا الموضع.
الشيخ: الشيخ رحمه الله هنا يُبيِّن أن السلف الصالح .. المنقول عن العلماء -علماء أهل السُّنة- كله في الإثبات، وقد أفصحوا في ذلك، وكلامهم كثيرٌ، وذكر جملةً من هؤلاء العلماء، وتوقَّف هنا وركَّز على الإمام مالكٍ؛ لأن السؤال والخلاف الذي وُجِّه للشيخ وتسبب في كتابة هذه الرسالة هو من المالكية، من شخصٍ مالكيٍّ، فأراد الشيخ أن يُبيِّن أن الإمام مالكًا رحمه الله هو على منهج السلف الصالح في الإثبات، وذكر جوابه المشهور حينما سُئِلَ عن الاستواء فقال: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ"، أو "استواؤه معلومٌ -أو معقولٌ- والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ".
فالإمام مالكٌ رحمه الله أخبر أن الاستواء معلومٌ، وهذا فيه رَدٌّ على مَن؟
على أهل التَّفويض الذين يقولون: الله أعلم بمُراده به.
فبيَّن رحمه الله أن الاستواء معلومٌ، وأن الكيفية مجهولةٌ، قال: "والكيف مجهولٌ"، كيفية الاستواء مجهولةٌ، وهذا هو قول أهل الإثبات، فأهل الإثبات يقولون هذا الكلام في كل الصفات؛ أنها معلومة المعنى، وأنها مجهولة الكيفية.
يقول الشيخ: "وأما النُّفاة فما يُثْبِتُون استواءً حتى تُجْهَل كيفيته".
لو قال لك قائلٌ: أعطني دليلًا من كلام الإمام مالكٍ في الردِّ على أهل التَّعطيل، النُّفاة.
فالجواب أن يُقال أيش؟
إن قول الإمام مالكٍ: "الكيف مجهولٌ" فيه رَدٌّ على أولئك؛ لأن نفي الكيفية فرعٌ عن إثبات الصفة -إثبات المعنى- إذ لو أن الصفة مُنتفيةٌ أصلًا لم يحتج إلى أن يقول: "الكيف مجهولٌ".
فقوله: "الكيف مجهولٌ" دليلٌ على أنه يُثْبِت الصفة، ولكنه ينفي الكيفية؛ ولهذا يقول الشيخ رحمه الله: "وأما النُّفاة فما يُثْبِتُون استواءً حتى تُجْهَل كيفيته، بل عند هذا القائل الشَّاكِّ وأمثاله أن الاستواء مجهولٌ غير معلومٍ"، عندهم أن الاستواء -أصلًا- مجهولٌ، لا يُعْلَم معناه، فإذا كان الاستواء مجهولًا على كلامهم فلا حاجة إلى أن تقول: "الكيف مجهولٌ"؛ لأن أصل الاستواء -أصلًا- غير معلومٍ، فمَن ينفي الكيفية فهو يُثْبِت المعنى.
يقول الشيخ: "وإذا كان الاستواء مجهولًا لم يحتج أن يُقال: الكيف مجهولٌ، لا سيما إذا كان الاستواء مُنتفيًا، فالمنفي المعدوم لا كيفية له حتى يُقال: هي مجهولةٌ أو معلومةٌ".
إذن نفي الإمام مالكٍ للكيفية وللعلم بالكيفية هذا فرعٌ عن إثبات المعنى، فهو يُثْبِت المعنى؛ ولهذا قال: "الاستواء معلومٌ" يعني: معلوم المعنى، استواء الربِّ معلوم المعنى، وليس أنه معلومٌ أنه واردٌ في القرآن -الآيات واردةٌ في القرآن-؛ لأن السَّائل سأله عن آيةٍ، فقوله: "معلومٌ ورُوده في القرآن" تحصيل حاصلٍ، لا يستفيد منه السَّائل شيئًا، وكلام الإمام مالكٍ هنا: "الاستواء معلومٌ" يعني: أن معناه معلومٌ، وهو: العلو والارتفاع، "والكيف مجهولٌ" فنفى الكيفية.
قال الشيخ: "وأن له كيفيةً، لكن تلك الكيفية مجهولةٌ لنا، لا نعلمها"؛ ولهذا بدَّع السَّائلَ الذي سأله عن الكيفية، قال: "وما أراك إلا رجل سُوءٍ"، حينما سأل عن الكيفية، فالكيفية هي المجهولة.
فبيَّن الشيخ رحمه الله أن الذين نقلوا كلام الإمام مالكٍ من المالكية وغير المالكية كلهم ينقلون عن الإمام مالكٍ إثبات الصفات، إثبات العلو لله ، وأن مما نقلوه عن الإمام مالكٍ، نقلوا قوله: "الله في السماء، وعلمه في كل مكانٍ"، وهذا النَّقل مشهورٌ، نقله غير واحدٍ عن الإمام مالكٍ.
وفيه بيان أن الإمام مالكًا يُثْبِت الصفات، ويُثْبِت العلو، وليس من الواقفة، ولا من النُّفاة، يعني: ليس من أهل التَّعطيل الذين ينفون الصفة ويُؤوِّلونها بغير معناها، ولا من أهل التَّعطيل المُفوِّضة الذين يُفوِّضون العلم بمعناها، ويقولون: لا نعلم معناها، الله أعلم بمُراده به. بل المُتواتر عن الإمام مالكٍ إثبات الصفات وإثبات معانيها؛ ولهذا قال: "الاستواء معلومٌ".
هنا قال: "الله في السَّماء" هذا واضحٌ وصريحٌ، "وعلمه في كل مكانٍ".
يقول الشيخ: "والقول الذي قاله مالكٌ قاله قبله ربيعة بن أبي عبدالرحمن شيخه"، وجاء عن غير واحدٍ من السلف، كلهم على هذا القول، وعلى مذهب الإثبات والردّ على النُّفاة، وإنما ذكر شيخنا ما جاء عن الإمام مالكٍ رحمه الله؛ لأن السَّائل كان مالكيًّا، والإمام مالكٌ هو كغيره من أئمة السلف يُثْبِتون الصفات، كما كان عليه النبي وصحابته الكرام.
الأدلة والآثار في بُطلان قول الجهمية في إنكار صفة العلو
القارئ: أنعم الله عليكم.
قال رحمه الله:
وابن أبي زيدٍ إنما ذكر ما ذكره سائر أئمة السلف، ولم يكن من أئمة المالكية مَن خالف ابن أبي زيدٍ في هذا، وهو إنما ذكر هذا في مقدمة الرسالة لِتُلَقَّنَ لجميع المسلمين؛ لأنه عند أئمة السُّنة من الاعتقادات التي يُلَقَّنُها كل أحدٍ.
ولم يَرُدَّ على ابن أبي زيدٍ في هذا إلا مَن كان من أتباع الجهمية النُّفاة، لم يعتمد مَن خالفه على أنه بدعةٌ، ولا أنه مُخالفٌ للكتاب والسُّنة، ولكن زعم مَن خالف ابن أبي زيدٍ وأمثاله أن ما قاله مُخالفٌ للعقل، وقالوا: إن ابن أبي زيدٍ لم يُحْسِن فنَّ الكلام الذي يُعرف فيه ما يجوز على الله وما لا يجوز.
الشيخ: يعني: الشيخ بيَّن رحمه الله أن كلام أئمة المالكية مشهورٌ ومنشورٌ في ذمِّ الجهمية، وذمِّ النُّفاة، وذمِّ مَن يحمل النصوص على المجاز -نصوص الصفات- وكلامٌ كثيرٌ في ذلك، والشيخ هنا يُورد بعضه.
وهناك من المالكية مَن صرَّح بأن الله بذاته فوق عرشه، فوق عرشه بذاته، وكلمة "بذاته" إنما قالها مَن قالها من السلف تحقيقًا للصفة، ونفيًا لتأويلات المُعطلة الذين يُفَسِّرون الفوقية بغير فوقية الذات، يجعلون فوقية الصفات فوقية القَدْر والقهر ونحو ذلك، فصرَّح السلف بأن الله فوق عرشه بذاته.
ومن ذلك ابن أبي زيدٍ القيرواني المالكي في مقدمته المشهورة في الاعتقاد التي سطَّرها لِتُلَقَّن لعامة الناس، صارتْ هذه العقيدة تُلَقَّن وتُدرَّس وتُعلَّم ويُعتقد أنها هي الحقُّ الذي دَلَّ عليه كتاب الله وسُنة رسوله .
يقول الشيخ: لم يَرُدّ أحدٌ على ابن أبي زيدٍ إلا مَن كان على منهج أهل الكلام، ومعلومٌ أن في كل مذهبٍ مَن سلك مسلك أهل الكلام، وترك مذهب إمامه ومنهج إمامه في الاعتقاد، هذا موجودٌ في عموم المذاهب.
فمذهب الإمام مالكٍ رحمه الله على السُّنة، وعلى ما كان عليه الصحابة والتابعون، وابن أبي زيدٍ قرر ذلك، فجاء بعض الشُّراح لكلامه ممن ساروا على منهج أهل الكلام وحرَّفوا كلامه.
يقول الشيخ رحمه الله: إنه ما رَدَّ عليه إلا مَن كان من أتباع الجهمية النُّفاة، وذكر أن هؤلاء الذين خالفوه لم يذكروا دليلًا صحيحًا يردُّون به على ما قرره ابن أبي زيدٍ القيرواني، وإنما اعتمدوا على مجرد الزعم بأن قوله يُخالف العقل.
هذه حُجَّة أهل الكلام: العقل القاصر، الهوى، والعقول ليست شيئًا واحدًا، عقول الناس مُتفاوتةٌ ومُختلفةٌ، فجعلوا العقل هو الذي يمنع ويُبْطِل ما دَلَّتْ عليه النصوص الشرعية من إثبات علو الربِّ .
يقول: "وقالوا: إن ابن أبي زيدٍ لم يُحْسِن فنَّ الكلام الذي يُعرف فيه ما يجوز على الله وما لا يجوز".
نعم، صحيحٌ أن ابن أبي زيدٍ رحمه الله لم يكن من أهل الكلام، وإنما اكتفى بما جاء في كتاب الله، وفي سُنة رسوله ، وبما جاء عن الأئمة الأعلام ومنهم الإمام مالك، ولم يَخُضْ فيما خاض فيه أهل الكلام الباطل من تلك الاحتمالات والشُّبهات التي جعلتهم في حيرةٍ وشكٍّ واضطرابٍ، فهؤلاء الذين جاؤوا وحرَّفوا كلامه إنما حرَّفوه بمنهج أهل الكلام الذي يعتمد على الأهواء البشرية.
القارئ: أنعم الله عليكم.
قال رحمه الله:
الشيخ: يعني: أصل الإنكار لصفات الربِّ إنما جاء عن الجهمية، سواء الجهمية الخالصة، أو جهمية المُعتزلة ومَن سار على نهجهم من أهل الكلام ومَن تأثر بهم.
أما مَن سار على منهج أهل الأثر وأهل الحديث فإنه يُثْبِت، ولا يجد في نفسه حرجًا من الإثبات، ولا يجد في نفسه شيئًا من الحيرة والشَّك والاضطراب وتوهُّم النَّقص كما يتوهمونه في هذه المزاعم التي آلَتْ بهم إلى إنكار ما وصف الله به نفسه من صفات الكمال.
ولهذا يقول السلف: إن المُعطِّل مُمثِّلٌ، يعني: هو مثَّل أولًا، ثم عطَّل ثانيًا.
يعني: إن سبب تعطيله هو تخيُّل التَّمثيل وافتراض التَّمثيل، يعني: تمثيل صفات الربِّ بصفات الخلق، ثم عطَّل.
أما أهل السُّنة والجماعة فقد سَلِمُوا من ذلك، فإنهم أثبتوا الصفات على الوجه اللائق بالله ، ولم يجعلوها دالةً أو مُستلزمةً للتَّمثيل والتَّشبيه.
القارئ: أحسن الله إليكم.
الشيخ: الآن الشيخ سيذكر جملةً من النُّقول عن السلف الصالح في إثبات صفات الله ، والردّ على أهل التَّعطيل من النُّفاة والواقفة.
نحن قلنا في الدرس الأول: إن أهل التَّعطيل انقسموا إلى قسمين أو ثلاثةٍ:
هناك أهل التَّعطيل النُّفاة الذين يذكرون معاني باطلةً للصفات، ويصرفون النَّص عن ظاهره إلى معانٍ أخرى.
وهناك أهل التَّعطيل الواقفة المُفوِّضة الذين يقولون: الله أعلم بمُراده به. فلا يذكرون معنًى آخر، يعني: ينفون المعنى الظاهر، ولا يذكرون معنًى آخر، ويُسمَّون بـ"أهل التَّأويل الإجمالي"، وهذا مصطلحٌ ليس أصيلًا، ولكن هذا من التَّعبيرات المُعاصرة لوصف أولئك.
وهناك أيضًا الباطنية -كما أشار الشيخ- وهم أهل أيش؟
أحد الطلاب: .......
الشيخ: أهل التَّخييل، الباطنية الذين يقولون: إن ظواهر النصوص غير مُرادةٍ في الحقيقة وفي الباطن وعند الخاصَّة، وإنما هي مُرادةٌ للعامة؛ لأن العامَّة لا بد أن يُخاطَبوا بذلك، وإن كان هذا غير صحيحٍ، وإن كان هذا كذبًا.
ويقولون: إن الأنبياء يكذبون لأجل مصلحة الناس.
والشيخ هنا رحمه الله سيُبَيِّن بهذه النُّقول -جملة من النُّقول- أن السلف الصالح على الإثبات لما جاء في كتاب الله وسُنة رسوله من صفات الربِّ ، وأنهم يَرُدُّون على أهل التَّعطيل من الواقفة والمُؤوِّلة.
القارئ: أنعم الله عليكم.
قال رحمه الله:
وقال عبدالله بن نافع: كان مالك بن أنسٍ يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكانٍ.
وقال معدان: سألتُ سفيان الثوري عن قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، قال: علمه.
وقال حماد بن زيدٍ فيما ثبت عنه من غير وجهٍ -رواه ابن أبي حاتم والبخاري وعبدالله بن أحمد وغيرهم-: إنما يدور الجهمية على أن يقولوا: ليس في السماء شيءٌ.
وقال علي بن الحسين بن شقيقٍ: قلتُ لعبدالله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه.
وهذا مشهورٌ عن ابن المبارك، ثابتٌ عنه من غير وجهٍ، وهو أيضًا صحيحٌ ثابتٌ عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحدٍ من الأئمة.
وقال رجلٌ لعبدالله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن، قد خِفْتُ الله من كثرة ما أدعو على الجهمية. قال رحمه الله: لا تَخَفْ، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيءٍ.
وقال جرير بن عبدالحميد: كلام الجهمية أوله عسلٌ، وآخره سُمٌّ، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إلهٌ. رواه ابن أبي حاتم.
وروى هو وغيره بأسانيد ثابتةٍ عن عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا ضُرِبَتْ أعناقهم.
الشيخ: كل هذه نقولٌ عن السلف الصالح في إثبات الصفات ومنها العلو، فذكر عن الأوزاعي -والأوزاعي نقل هذا عن التابعين- أن التابعين كانوا يقولون: "إن الله فوق عرشه"، ويُؤمنون بما ورد في السُّنة من صفاته، وهذا كلامٌ عامٌّ، كل التابعين يُثْبِتون الصفات الواردة في السُّنة.
ونقل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله في إثبات الاستواء، والإنكار على مَن أنكر استواء الربِّ وعلوه، ونقل عن الإمام مالكٍ، وأيضًا عن سفيان الثوري، وعن البخاري، كلهم في إثبات أن الله عالٍ على خلقه، والردّ على مَن خالف ذلك من الجهمية الذين يقولون: إن الله في كل مكانٍ.
فبيَّن الإمام مالكٌ هنا أن الله في السماء، وعلمه في كل مكانٍ، علم الله في كل مكانٍ، أما الله فلا يجوز أن يُقال: إنه في كل مكانٍ؛ لأن هذا قول أهل الحلول والاتحاد، وهذا كفرٌ -والعياذ بالله- كيف يكون الله في كل مكانٍ؟!
وهذا ما صرَّح به ابن عربي المكي حينما قال:
| الربُّ عبدٌ، والعبد ربٌّ | يا ليت شعري مَن المُكلَّف |
| إن قلتُ: عبدٌ، فذاك ربٌّ | أو قلتُ: ربٌّ، أنَّى يُكلَّف |
فعندهم لا فرق بين الربِّ والعبد، ليس هناك ربٌّ ولا عبدٌ، بل الجميع هو الله -تعالى الله عن ذلك- فيقول: لا نرى إلا الله، لا يوجد إلا الله، ليس في الوجود إلا الله.
وكما قال البسطامي: "ليس في الجُبَّة إلا الله" [3]، ويقول: "سبحاني! ما أعظم شأني!" [4].
ويزعمون أن الذين عبدوا النار إنما عبدوا الله! وفرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] صادقٌ؛ لأن الله حالٌّ فيه!
فليس هناك كافرٌ ولا مسلمٌ، ولا حقٌّ ولا باطلٌ، ولا عبدٌ ولا ربٌّ؛ لأنهم جعلوا أن الله هو عين الوجود -والعياذ بالله-؛ ولهذا كفَّرهم السلف، كفَّروا الجهمية، وصاروا يُصرِّحون بأن الله بائنٌ عن خلقه، كما في هذا النَّص الذي أورده الشيخ رحمه الله عن ابن المبارك لما قيل: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه.
ما معنى: بائنٌ من خلقه؟
أي: أن الله بائنٌ ومُنفصلٌ، ليس حالًّا في خلقه، ليس في ذاته شيءٌ من خلقه، ولا في خلقه شيءٌ من ذاته، فهو بائنٌ من خلقه، وهو فوق سماواته .
فصار السلف يُصرِّحون بذلك ردًّا على الجهمية الذين يقولون: إن الله في كل مكانٍ. أو: إن الله هو عين المخلوقات، أو نحو ذلك، وينفون علوَّ الله على خلقه.
ولما قال رجلٌ لعبدالله بن المبارك: "قد خِفْتُ الله من كثرة ما أدعو على الجهمية"، قال ابن المبارك: "لا تَخَفْ، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيءٍ"، يعني: لا يوجد إلهٌ في السماء حينما يُنْكِرون العلو.
وقال جرير بن عبدالحميد: "كلام الجهمية أوله عسلٌ، وآخره سُمٌّ".
ما معنى هذا الكلام؟
"أوله عسلٌ" أين العسل؟
أحد الطلاب: تنزيه.
الشيخ: أحسنتَ، يُنَزِّهون، يزعمون أنهم يُنَزِّهون الله، ويستدلون بقول الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وأن الله ليس مُتَحَيِّزًا، وأن الله لا يُشبه المخلوقات.
نقول: نعم، لكن يتوصلون بهذا التَّنزيه المزعوم إلى نفي الصفات، وأن يجعلوا الربَّ بلا صفةٍ، وأنه ليس في السماء إلهٌ، ولم يُكلِّم موسى تكليمًا.
وفي هذا حكى ابن القيم رحمه الله تكفير السلف للجهمية الخالصة المحضة الذين ينفون عن الله صفاته، ويجعلون الله عين المخلوقات، أو يجعلونه هو العدم، يعني: يصفونه بما يجعله معدومًا، يسلبون عنه النَّقيضين.
قال ابن القيم:
| ولقد تقلَّد كفرهم خمسون في | عشرٍ من العلماء في البلدان [5] |
50 × 10 خمسمئة عالمٍ ذكروا تكفير الجهمية الخالصة المحضة التي تنفي عن الله أسمائه وصفاته.
والمؤلف رحمه الله هنا ذكر جملةً من أقوال السلف في إثبات الصفات والردِّ على هؤلاء الجهمية المُعطلة.
القارئ: أنعم الله عليكم.
قال رحمه الله:
وقال سعيد بن عامر الضُّبَعِي، وذُكِرَ عنده الجهمية فقال: هم أشرُّ قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس عليه شيءٌ.
وقال عبَّاد بن العوام الواسطي: كلمتُ بِشْرًا المَرِيسي وأصحابه، فرأيتُ آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيءٌ، أرى -والله- ألا يُنَاكَحُوا، ولا يُوارثوا.
وهذا كثيرٌ في كلامهم.
كلام الأشعري في الاستواء
إلى أن قال: "وأن الله على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وأقرُّوا أن لله علمًا، كما قال: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر:11].
وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نَفَتْهُ المُعتزلة، وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خيرٍ ولا شرٍّ إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]".
إلى أن قال: "ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، ويُصدِّقون بالأحاديث التي جاءتْ عن رسول الله مثل: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مُسْتَغْفِرٍ فأغفر له؟ [6]، كما جاء في الحديث، ويُقِرُّون أن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]".
وذكر أشياء كثيرةً، إلى أن قال: "فهذه جملةُ ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكلِّ ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب".
وقال الأشعري أيضًا في مسألة الاستواء: "قال أهل السُّنة وأصحاب الحديث: ليس بجسمٍ، ولا يُشبه الأشياء، وأنه على العرش كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث".
قال: "وقالت المُعتزلة: استوى على عرشه بمعنى: استولى".
وقال الأشعري أيضًا في كتاب "الإبانة في أصول الديانة" في باب الاستواء ..
الشيخ: الشيخ رحمه الله هنا ينقل عن الأشعري كلامه في إثبات الصفات.
وتعلمون أن أبا الحسن الأشعري مَرَّ بعدة مراحل:
- كان مُعتزليًّا، وألَّف كتبًا في ذاك الوقت.
- ثم انتقل من مذهب الاعتزال إلى مذهب ابن كُلَّاب، وأثبت بعض الصفات دون بعضٍ.
- ثم انتقل إلى المرحلة الثالثة حينما أعلن أنه يتبع مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث في إثبات صفات ربِّ الأرض والسماء، يُثْبِت كل صفةٍ جاءتْ في كتاب الله أو سُنة رسوله ، وذكر ذلك وأعلنه، وإن كان بقيتْ فيه بقايا قليلةٌ من علم الكلام.
والشيخ هنا ذكر ما سطَّره في كتاب "مقالات الإسلاميين"، وهو من أواخر ما ألَّفه أبو الحسن الأشعري.
وهنا أيضًا استدراكٌ لِمَا ذكره ونَسَبَه إلى أهل السُّنة وأصحاب الحديث من نفي الجسم عن الله .
ومعلومٌ أن لفظ "الجسم" لفظٌ مُبْتَدَعٌ، ولفظٌ مُجْمَلٌ يأتي به النُّفاة المُعطِّلة؛ ليتوصلوا بنفيه إلى نفي ما ثبت من الصفات.
ولهذا أهل السُّنة والجماعة يستفصلون عن المراد بمثل هذه العبارات، فإن أُريد به الجسم -مثلًا- ما يحتاج بعضه إلى بعضٍ، وما هو مُرَكَّبٌ، فالله ليس بجسمٍ بهذا الاعتبار، وإن قُصِدَ بالجسم ما يمكن أن يُشار إليه، فالله له الصفات، والله في العلو، ولا نُعبِّر عن ذلك بهذا اللفظ المُبْتَدَع، لا نُعبِّر بهذا اللفظ المُبْتَدَع.
فنحن لا بد أن نستفصل؛ لأنَّا إذا نفينا بإطلاقٍ قد ننفي ما تضمنه هذا اللفظ من معنًى صحيحٍ، وإذا قبلنا بإطلاقٍ فقد نقبل ما تضمنه هذا اللفظ من معانٍ باطلةٍ، فلا بد من الاستفصال فَيُثْبَت المعنى الحقّ الذي دَلَّ عليه كتاب الله وسُنة رسوله ، ويُنْفَى المعنى الباطل.
وأما هذا اللفظ فإنه لا يُستخدم ولا يُستعمل، وإنما يُعبَّر عن المعاني الصحيحة بالعبارات الشرعية الواردة، وليس بمثل هذه العبارات البِدْعِية.
وكذلك في النَّفي، فلا تُستخدم عبارات الكلام التي يأتون بها لأجل أن يتوصلوا بها إلى نفي ما ثبت لله من صفات الكمال.
فالشيخ نقل جملةً من كلام الأشعري في إثبات الاستواء على العرش واليدين والعلم والسمع والبصر والكلام، وأن القرآن كلام الله، وأيضًا استواء الله على عرشه، ثم نقل من كتابٍ آخر للأشعري وهو كتاب "الإبانة عن أصول الديانة"، وهذا الكتاب قرر فيه أبو الحسن الأشعري أيضًا الإثبات للصفات.
وقد تنوَّعَتْ مواقف الأشاعرة من هذا الكتاب؛ لأنه يُخالف ما استقرَّ عليه مذهب الأشاعرة، فمذهب الأشاعرة يُخالف مذهب الأشعري الذي انتهى إليه، مذهب الأشعري الذي انتهى إليه في هذا الكتاب يُخالف ما هو مُقررٌ عند الأشاعرة، فهم ينتسبون إلى الأشعري في مذهبه الثاني، ولا ينتسبون إليه فيما انتهى إليه وما ألَّفه في أواخر عمره، ومنه هذا الكتاب.
فمن الأشاعرة مَن أنكر نسبة هذا الكتاب للأشعري.
ومنهم مَن قال: إنه ألَّفه، لكنه ألَّفه مُراعاةً للحنابلة، أو نحو ذلك، أو لينقلهم من التَّجسيم إلى التَّنزيه، أو نحو ذلك، أو أنه خوفٌ منهم، أو غير ذلك من التَّعليلات.
ومنهم مَن زعم أن هذا الكتاب قد حُرِّف، قد حَرَّفه الناس، ولم يَبْقَ على ما ألَّفه عليه الأشعري.
ومنهم مَن قال: لا، هو صحيحٌ، وقد ألَّفه الأشعري، لكنه ألَّفه على مذهب التَّفويض للصفات.
وكل هذه مسالك باطلةٌ، كلها مسالك باطلةٌ، فالأشعري صرَّح بأنه رجع إلى مذهب الإمام أحمد، وإلى مذهب أهل الحديث، وصرَّح في هذا الكتاب بالإثبات للصفات.
ونسب هذا الكتاب للأشعري أئمةٌ: كالبيهقي، والذهبي، وابن رجب، وابن تيمية، وغيرهم، وابن عساكر في الذَّبِّ عن الإمام الأشعري، وغير هؤلاء كلهم يُثْبِتُون نسبته.
فشيخ الإسلام رحمه الله هنا يذكر جملةً مما ذكره الأشعري في إثبات الصفات.
القارئ: أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله:
وقال الله : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [الملك:16]، فالسماوات فوقها العرش، وكل ما علا فهو سماء.
وليس إذا قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ يعني: جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح:16]، ولم يُرِد أنه يملؤهنَّ جميعًا، وأنه فيهنَّ جميعًا؟
ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مُسْتَوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش.
وقد قال قائلون من المُعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى "استوى": استولى ومَلَكَ وقَهَرَ، وأن الله في كل مكانٍ.
وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحقِّ، وذهبوا في الاستواء إلى القُدْرَة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادرٌ على كل شيءٍ، والأرض فالله قادرٌ عليها، وعلى الحُشُوش والأخلية، فلو كان مُستويًا على العرش بمعنى: الاستيلاء؛ لجاز أن يُقال: هو مُسْتَوٍ على الأشياء كلها، ولما لم يَجُزْ عند أحدٍ من المسلمين أن يُقال: إن الله مُسْتَوٍ على الأشياء كلها، وعلى الحُشُوش والأخلية؛ بطل أن يكون معنى الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عامٌّ في الأشياء كلها".
الشيخ: يعني: الشيخ هنا لم يَكْتَفِ بإثبات الصفات، وإنما رَدَّ على النُّفاة، وهذا يُبيِّن أن الشيخ رحمه الله ليس على مذهب أهل التَّفويض، وإنما هو على مذهب أهل الإثبات، والردّ على النُّفاة، وعلى المُعطِّلة من المُؤوِّلة.
فأهل التَّعطيل قالوا: إن "استوى" هو: استولى أو مَلَكَ وقهر.
والشيخ يردُّ عليهم، قال: لو كان الاستواء معناه الاستيلاء؛ لم يكن هناك فرقٌ بين العرش والأرض السابعة، لماذا؟
لأنك إذا فسَّرتَ الاستواء بالاستيلاء أو القُدْرَة، فالله قادرٌ على العرش، وقادرٌ على الأرض، وقادرٌ على الشمس، ولَصَحَّ أن يُقال: إن الله استوى على الأرض، واستوى على الشمس، واستوى على الشجر؛ لأنَّا فسَّرنا الاستواء بالقُدرة أو بالاستيلاء.
فلما لم يكن هذا صحيحًا، ولم يرد لا في آيةٍ ولا في حديثٍ الاستواء إلا على العرش؛ دَلَّ على أن معناه هو العلو والارتفاع، وليس معناه: الاستيلاء والقُدْرَة ونحو ذلك مما زعمه أهل التَّعطيل الذين حرَّفوا معنى الاستواء إلى تلك المعاني التي ردَّ عليها الأشعري رحمه الله.
القارئ: أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله:
قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التَّمسك بكتاب الله تعالى وسُنة نبيه وما رُوِيَ عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك مُعتصمون، وبما كان عليه أحمد بن محمد بن حنبل -نضَّر الله وجهه- قائلون، ولِمَا خالف قوله مُجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحقَّ عند ظهور الضَّلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المُبتدعين، وزيغ الزَّائغين، وشكَّ الشَّاكين، فرحمة الله عليه من إمامٍ مُقدَّمٍ، وكبيرٍ مُفَهَّمٍ، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: أنَّا نُقِرُّ بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ".
وذكر ما تقدَّم غيره من جملٍ كثيرةٍ أُورِدَتْ في غير هذا الموضع.
الشيخ: إذن الشيخ رحمه الله يُبيِّن أن الأشعري رحمه الله قد قرر في كتابه "الإبانة" أنه سائرٌ على مذهب أهل الحديث، على مذهب الإمام أحمد، وهو: التَّمسك بكتاب الله وسُنة رسوله وما جاء عن الصحابة والتابعين وأئمة أهل الحديث، وأنه مُعتصمٌ بذلك، وذكر ما يعتقده في هذا الباب.
والشيخ حينما يُورِد عن الأشعري هذا الكلام ونَقَلَ من كتابيه هو يَرُدُّ بذلك على المُنتسبين إليه.
الذين ينتسبون إلى الأشعري لماذا لا يتبعونه في كلامه هذا؟!
وهذا من العجائب: أن تجد أناسًا ينتسبون إلى الإمام مالك، أو الإمام الشافعي، أو أحمد، أو أبي حنيفة، ثم لا يأخذون بمنهجهم في الاعتقاد! يأخذون بمنهجهم في الفقه والاستنباط في الأمور الاجتهادية الفقهية، ويدعون منهجهم في الاعتقاد، وينتسبون إلى المَاتُريدية أو الأشعرية!
ونقول لمَن انتسب لأبي الحسن الأشعري: لماذا لا تتبع أبا الحسن الأشعري؟!
إذن أنتم لم تتبعوا الإمام مالكًا، ولا الشافعي -الشافعية- ولم تتبعوا أبا الحسن الأشعري أيضًا؛ لأن أبا الحسن الأشعري انتهى إلى هذا الاعتقاد الذي سطَّره في "الإبانة".
فهم انتسبوا إلى إمامين انتسابًا ليس دقيقًا، وليس اتِّباعًا حقيقيًّا، فهم خالفوا مَن انتسبوا إليه في الفقه، وكذلك ما انتهى إليه إمامهم في الاعتقاد -وهو أبو الحسن الأشعري- من الإثبات للصفات والردِّ على المُعطِّلة النُّفاة، كما ذكر الشيخ رحمه الله فيما نقله هنا عن أبي الحسن الأشعري.
وسيُتابع الشيخ النُّقول عن أئمة السلف في ذكر إثبات الصفات، وبقية النُّقول نُرْجِؤها -إن شاء الله- إلى الدرس الأخير بعد المغرب.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النَّافع والعمل الصالح.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبَلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهَوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومَتِّعْنَا بأسماعنا وأبصارنا وقُوتنا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منَّا، واجعل ثَأْرَنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على مَن عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، ولا تُسلط علينا مَن لا يرحمنا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموت راحةً لنا من كل شرٍّ، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَصْلِحْ أحوالنا وأحوال عبادك المؤمنين.
اللهم وَلِّ على المسلمين خيارهم، وَاكْفِهم شرارهم.
اللهم وَفِّقْ ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين لما تُحبه وترضاه، وَوَفِّقْ ولي عهده لكل خيرٍ، واجعل عملهما في رضاك، وأَعِنْهُمَا على أمور دينهما ودنياهما برحمتك يا أرحم الراحمين، وَوَفِّقْ ولاة أمور المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.