تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د سليمان بن صالح الغصن
فضيلة الشيخ أ.د سليمان بن صالح الغصن

من قوله "فإن القائل إذا قال هذه النصوص.." (3)

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو الدرس الثالث في التعليق على "القاعدة المراكشية" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي قاعدة في الرد على أهل التعطيل من أهل التفويض وأهل التأويل، ولا سيما في باب صفات رب العالمين.

وسبق معنا ما ذكره الشيخ رحمه الله من الدلائل على إمكانية فهم كلام الله، وأنه ليس في القرآن من الآيات ما لا يعلم معناه إلا الله  كما يزعمه أهل التفويض، وذكر الشيخ جملة من الردود عليهم.

موقف المفوضة من صفات الله تعالى والرد عليهم

ويحسن أن نذكر بين يدي هذا الدرس شيئًا من شُبَه أهل التفويض التي يتعلقون بها في الزعم بأن آيات الصفات لا يعلم معناها إلا الله، وأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه:

فمن المشهور استدلالهم بآية آل عمران، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7]؛ فأهل التفويض يستدلون بالوقف على قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ على أن آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله.

والرد عليهم أن يقال: إن الوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ وارد عن السلف، كما أن الوصل وارد أيضًا، ولكن الإشكال حينما يقفون، أو حينما يختار أهل التفويض الوقف، ويفسرون المتشابه بما لا يعلم معناه إلا الله، يفسرون المتشابه بأنه الذي استأثر الله بعلمه، ويفسرون التأويل بالتفسير، يعني: يجعلون معنى التأويل في الآية هو التفسير، ويجعلون معنى المتشابه استأثر الله بعلمه، ويجعلون آيات الصفات من المتشابه، ويقفون على قوله: إِلَّا اللَّهُ. وهذا مذهب، وهذا التقرير باطل، لماذا؟ لأنه لا يصح جعل معنى التأويل في الآية الذي لا يعلمه إلا الله أنه هو التفسير، هذا لا يصح، ومن وقف من السلف على قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ لم يرد بالتأويل التفسير.

فهؤلاء المفوضة قالوا: إن قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7] أن التأويل: هو التفسير، وأن المتشابه: هو آيات الصفات، فقولهم: إن المتشابه آيات الصفات؛ غير صحيح، وقولهم: إن التأويل على قراءة الوقف هو التفسير؛ غير صحيح، فآيات الصفات ليست من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وليس في القرآن آيات لا يعلم معناها إلا الله، والذي لا يعلمه إلا الله هو حقائق الأمور الغيبية من صفاته .

فهذه الحقائق -حقائق الصفات وكيفيات الصفات- لا يعلمها إلا الله، حقائق الصفات وكيفيات الصفات لا يعلمها إلا الله، ولكن هذه الحقائق ليست هي معاني الآيات للحقائق التي استأثر الله بها، ليست هي الآيات.

وقوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7]، فالأُخَر المتشابهات هي آياتٌ تُتلى، والآيات التي تُتلى يُعلم معناها، والتشابه هنا هو تشابهٌ نسبي يشتبه على بعض الناس، وليس هناك آيات متشابهات لا يعلم معناها إلا الله مطلقًا، وإنما الذي لا يعلمه إلا الله هو الحقائق والكيفيات، وليس معاني الصفات والتأويل على قراءة الوقف، إنما هو الحقائق وليس هو التفسير.

بهذا نعلم أن استدلال المفوضة بهذه الآية باطل، فهم جعلوا آيات الصفات من المتشابه؛ وهذا غير صحيح، ونقول: إنه ليس في القرآن ما لا يعلم معناه إلا الله، ليس في القرآن آيات لا يعلم معناها إلا الله تعالى.

وعلى قراءة الوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ فالمراد بالتأويل هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا الله، وليس التفسير -كما يزعمه أولئك- فهذه من أشهر ما يستدلون به، وهناك آية أيضًا يستدل بها المفوِّضة والمؤوِّلة، وهي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فيزعمون أن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل والتشبيه، والله ليس كمثله شيء، فيجب عدم الإيمان بظاهرها. هكذا يزعمون.

ونحن نقول: نعم، ليس كمثله شيء، ولكن ظواهر نصوص الصفات ليس ظاهرها التمثيل، ليس ظاهر نصوص الصفات تمثيل صفات الله بخلقه، وإنما ظاهرها تنزيه الله، ظاهرها إثبات الصفات وتنزيه الله عن مماثلة المخلوقات؛ ولهذا قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، فالآية جمعت بين النفي والإثبات.

وأيضًا يستدل أهل التفويض بعبارات وردت عن بعض السلف في هذا الباب، يزعمون أنها تدل على التفويض، وعلى عدم فهم المعنى، وعلى أن الظاهر غير مراد، يستدلون ببعض العبارات التي وردت عن بعض السلف في هذا الباب، فحملوها على عدم العلم بالمعنى.

ما هذه العبارات التي يتعلقون بها؟ مثل قول بعض السلف: "بلا كيف، ولا معنى"[1]، مثل ما جاء عن بعض السلف حينما يذكرون الصفات يقولون: لا كيف ولا معنى.

وبعضهم يقول: لا نفسرها، وبعضهم يقول: نصدق بها ونسكت[2]، وبعضهم يقول: عليك بالتصديق والتفويض[3]، ومفوضين إلى الله[4]، فقالوا: هذه العبارات تدل على أن السلف لا يُثبتون المعاني.

ونقول: إن أهل الأهواء يأخذون من الكلام ما تشابه، ويتركون المحكم؛ فيتركون المحكم من الآيات ويتتبعون المتشابهات ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهؤلاء الذين في قلوبهم مرض. وكما يأخذون بالمتشابه من الأحاديث يأخذون بالمتشابه من أقوال العلماء مما جاء عن السلف، ويتركون المحكم من الذي يفسر المتشابه.

وأما أهل السنة والجماعة فإنهم يجمعون بين النصوص كلها من الآيات والأحاديث، وكذلك يجمعون أقوال العلماء، ويفسرون بعضها ببعض، فلا يأخذون ببعض ويتركون بعضًا؛ ولهذا نقول: إن هذه العبارات الواردة عن السلف، أو في سياق كلام بعض السلف بقولهم: لا كيف ولا معنى، أو لا نفسرها، أو قولهم: نصدق بها ونسكت. ونحو ذلك، هذه تُحمل على مجمل كلامهم؛ فهؤلاء الذين قالوا هذه الأقوال نجد عندهم أقوالًا صريحة في إثبات الصفات ونفي ما يضادها، مثل قول: يعلم ولا يجهل، ونحو ذلك.

وما جاء عنهم من إثبات الصفات، وإثبات معانيها، والرد على من يؤولها عن ظاهرها، يحملها على غير ظاهرها، يجعلنا نفهم كلامهم على الفهم اللائق بمنهجهم، فالمعنى المنفي في كلام بعض السلف حينما يقولون: لا كيف ولا معنى، المعنى المنفي هنا هو المعنى الباطل، وهي المعاني التي يَحمل أهلُ التأويل عليها كلامَ الله، ويصرفون ظاهر الآيات إلى تلك المعاني الباطلة، كقولهم مثلًا في الاستواء: الاستيلاء، أو اليد: القدرة، أو الغضب: إرادة الانتقام، أو نحو ذلك، هذه المعاني باطلة، فنقول: لا كيف ولا معنى، لا تؤخذ هذه المعاني، وإنما يجرى اللفظ على ظاهره.

إذًا النفي للمعنى هنا هو نفي للمعنى الباطل الذي يسلكه أهل التأويل لتحريف المعنى الحق إلى ما ينفي صفة الله ؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله -وهو من نقل عنه قوله: لا كيف ولا معنى- قال الإمام أحمد: "بلا كيف ولا معنى، إلا على ما وصف به نفسه"[5]، كما رواه ابن بطة[6].

فقوله: "إلا على ما وصف به نفسه" يفسر لنا قوله: "لا معنى"، يعني: لا معنى يخالف الوصف الظاهر، يعني: لا معنى من معاني التأويلات التي يؤولها أهل الكلام، وقال الإمام أحمد أيضًا: "ونؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه"[7]، كما رواه اللالكائي قال: نؤمن به على ظاهره ولا نناظر فيه؛ يعني: لا نجادل في هذا الظاهر[8].

فَنَضُمُّ كلامه بعضه إلى بعض؛ حتى نفهم مقصوده في قوله: "لا معنى"، وهو الذي يقول: "نُجريه على ظاهره"، وهو الذي يقول: "على ما وصف الله "، وهو الذي يقول: "لا معنى" يعني: لا معنى يخالف الظاهر ويخالف ما وصف الله به نفسه. هكذا تُفهم عبارات العلماء بجمع بعضها الى بعض، وليس بتجزئتها وأَخْذ بعضها وترك بعضها.

وأما ما جاء عنهم في نفي التفسير، ما جاء عن بعض السلف في قولهم: "لا نفسرها" فمثل ذلك يعني نفي التفسير الباطل، والتفسير الباطل: هو حمل اللفظ على غير ظاهره من المعاني التي لا يحتملها اللفظ بتأويلات أهل التعطيل، أو بتفسيرها تفسيرًا يوقع في التكييف؛ فهذا كله ممنوع، فلا نفسر آيات الصفات لا بتفسير يوقع في التعطيل والنفي بالحمل على المعاني الباطلة، ولا بتفسير يوقع في التمثيل والتكييف؛ فهذا معنى قول من قال من السلف: "ولا نفسرها".

وأما السكوت: ما جاء عنهم في قوله: "نصدق بها ونسكت"؛ فالمقصود بالسكوت فيما جاء من كلام السلف: السكوت عن المعاني الباطلة، السكوت عن تأويلات الجهمية، السكوت عن التكييف -الدخول في التكييف والتمثيل-؛ فنقرؤها ونؤمن بظاهرها، ونثبت ما تدل عليه من معانٍ، ونسكت عن أن نزيد على ما يدل عليه ظاهر اللفظ، نسكت عن أي معنى لا يدل عليه الظاهر، سواء بالتأويل، أو بالغلو في الإثبات إلى حد التمثيل، فنسكت عن أي معنى لا يدل عليه ظاهر النص.

وأما ما جاء عنهم من التفويض من عبارات أنهم مفوضون إلى الله، ونحو ذلك، فنحن نعلم أن التفويض عند السلف الصالح هو تفويض في الكيفيات، تفويض في الكيف وليس تفويضًا في المعنى -كما قال الإمام مالك رحمه الله- قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"[9].

فالكيف نفوضه إلى الله ​​​​​​​، لا نعلم كيفية الصفة فنفوض إلى الله ما زاد عن ظاهر النص، ظاهر النص يدل على معنًى يُفهم على وَفْق لغة العرب، على وفق ما فهمه الصحابة ، وأما ما زاد على ذلك فلا نفسره بهذه التفسيرات الموقعة في التكييف، ونفوض ما زاد على ذلك، نفوضه إلى الله.

وتفويض السلف في الكيف، وتفويض أهل التعطيل -أهل الكلام- هو في المعاني مفوضون في المعاني، والمعنى: أن نفوضه إلى الله، الله أعلم بالمراد به، لا نعلم ما يريد الله، نفوض علمه إلى الله، عِلْم معناه هذا عند أهل الكلام المعطلة.

أما السلف فيقولون: نحن نعلم المعنى، ونثبت المعنى كما يُفهم من ظاهر النص، ولكن نفوض في الكيف، فالكيف مجهول كما قال الإمام مالك.

هذا -يعني- بعض ما يستدل به أهل التفويض في بدعهم التي نفوا من خلالها وبها صفات الرب ، وزعموا أن النصوص الشرعية لا يُفهم منها ما دلت عليه من صفات الله ، فأدى ذلك إلى أمور باطلة، ولزم على قول أهل التفويض لوازم فاسدة.

من لوازم القول بالتفويض في معاني صفات ​​​​​​​

من اللوازم التي تلزم على قول المفوضة، وعلى منهج أهل التفويض، من اللوازم:

  • القدح في حكمة الله من إنزال القرآن؛ حيث إنهم يزعمون أن هذه النصوص لا يفهم منها معنى، لا يُفهم منها المعنى المراد، وهذا قدح في حكمة الله ​​​​​​​ في تنزيل هذا القرآن في كونه هدى ونور وشفاء لما في الصدور.

وأيضًا من لوازم القول بالتفويض:

  • التعطيل، أنه لزم منه التعطيل لله، تعطيل الله عن كمالاته، تعطيل الله عن صفاته، تعطيل الله عن كماله المقدس.

ومن لوازم القول بالتفويض:

  • تعطيل الانتفاع بتدبر القرآن؛ فإنهم حينما يقررون أن هذه الآيات لا يَعلم المرادَ بها إلا الله، فهم بهذا يعطلون النص عن الانتفاع به، حيث إن الشخص حينما يتقرر في نفسه أنه لا يمكنه أن يفهم المعنى؛ فإنه على ذلك لن يتدبر القرآن، كيف يتدبر ما لا يفهم معناه؟! إذًا؛ من لوازم القول بالتفويض: تعطيل الانتفاع بتدبر القرآن وتفهم معانيه.
  • وكذلك الطعن في هداية القرآن وبيانه، بالزعم بأن ظواهر نصوص الصفات لا تليق بالله ، حينما يقررون بأن هذا الظاهر لا يليق بالله، بأن هذا الظاهر من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله؛ فهم بهذا يطعنون في كون القرآن هدى ونور وشفاء.

وكذلك من اللوازم:

  • الطعن في تبليغ النبي  وفي علم النبي وفي بيانه؛ حيث إنهم يجعلون النبي جاهلًا بمعاني ما يتلوه، حيث يجعلون النبي جاهلًا بمعاني آيات الصفات، جاهلًا بمعاني ما يستحق من الكمالات التي وردت في آيات الصفات.
  • وكذلك يطعنون في الصحابة  بجعلهم جاهلين لا يفهمون معنى الآيات، وأنهم يقرؤون ولا يفهمون، وأنهم يقرؤون هذه الآيات ولا يفهمون معناها.

فكل هذا طعن في حكمة الرب، وفي هداية القرآن، وفي علم النبي وبيانه، وفي علم الصحابة ، وكل هذه الأمور تدل على فساد هذا المنهج الباطل، الذي يسلب القرآن معانيه، يسلب آيات الصفات معانيها. نعم.

القارئ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين والسامعين.

تأويل المعطلة لصفة العلو

قال شيخ الإسلام أحمد بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله، ونفعنا بعلومه وعلوم شيخنا:

"فإن القائل إذا قال: هذه النصوص أريد بها خلاف ما يُفهم منها، أو خلاف ما دلت عليه، أو أنه لم يُرَد إثبات علو الله نفسِه على خلقه، وإنما أريد بها علو المكانة، ونحو ذلك، كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع".

الشيخ: هذه الشبهة شبهة المعطلة نفاة ظواهر النصوص الشرعية على العلو، هذا الذي ينفي أن تكون النصوص دالة على علو الرب ، فماذا يقولون في الآيات الصريحة؟

آيات صريحة في أن الله في السماء، وأنه في العلو المطلق، يقولون: هذه الآيات يراد بها خلاف ظاهرها، أو خلاف ما دلت عليه، أو أن هذه الآيات لم يُرد الله ​​​​​​​ بها إثبات علوه بنفسه بذاته.

ثم بعد ذلك إن كانوا مفوضة فيقولون: الله أعلم بمراده به، وإن كانوا يؤولون -تأويلًا تفصيليًّا- فإنهم يصرفون معنى العلو الى معنى علو المكانة، علو المكانة، كما سبق معنا أن العلو: في علو الذات وعلو الصفات، أو: علو القَدْر والقهر وعلو الذات. فينفون علو الذات، ويجعلون العلو هو علو المكانة والقدر.

الشيخ هنا سيرد عليهم هذه الشبهة والفِرْية. نعم.

القارئ: أنعم الله عليكم.

رد شيخ الإسلام على تأويل المعطلة

"فيقال له: فكان يجب أن يُبيِّن للناس الحق الذي يجب التصديق به باطنًا وظاهرًا، بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يُرَدْ مفهومه ومقتضاه؛ فإن غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة، والباطن المخالف للظاهر".

الشيخ: يعني أنتم إذا كنتم تقولون: إن هذه الظواهر -ظواهر الآيات- لا يراد بها ما تدل عليه، يراد بها غير ظاهرها، يقولون: ظاهرها غير مراد عندهم، ظاهرها التمثيل والتشبيه، ظاهرها الكفر.

فالجواب أن يقال: إذا كان الأمر كما تقولون؛ فكان الواجب أن يُبيِّن للناسِ الحقَّ الذي يجب تصديقه باطنًا وظاهرًا، وأن يبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يُرَد به مفهومُ مقتضاه، يعني: كيف يُنَزِّل الله ​​​​​​​ آيات تتلى لا يجوز اعتقاد ظاهرها؟! سبحان الله! عندهم أن الله أنزل آيات يحرم اعتقاد ظاهرها!

إذا كان الواجب: أن ينزِّل الله ما يدل على أنه يحرم اعتقاد ظاهر هذه الآيات، وكان الواجب أن يبين لهم أن هذا الكلام لا يراد به ظاهره، إذًا ترك الناس دون بيان. أن هذه الآيات لا يراد بها ظاهرها، وأن هذه الآيات لا يجوز اعتقاد ظاهرها، ثم يَتْرُك ما يبين لهم؛ هذا فيه إضلال للناس، وتلبيس على الناس.

كيف تقولون: إن الله أنزل آياتٍ ظاهرها الكفر، وظاهرها التمثيل، ثم لا يُبَيِّن لهم ذلك، ولا ينهاهم عن اعتقاد ظاهرها؟! هذا طعنٌ في حكمة الله .

إذًا؛ الشيخ يقول: كان يجب أن يُبَين لهم الحق ظاهرًا وباطنًا، لماذا يُنزِّل آيات متشابهة وملتبسة وظاهرها الضلال؟! لماذا يُنزِّلها الله ​​​​​​​؟! كان الواجب أن ينزل آيات بينات واضحات يُبيِّن فيها الحق، أو ينزِّل ما يبيِّن أنه يحرم اعتقاد ظواهر هذه النصوص، كل هذا تنزُّلًا مع الخصم على حسب اعتقاد هؤلاء بأن ظواهر نصوص الصفات لا تليق بالله .

قال: "فإن غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة، والباطن المخالف للظاهر" يعني: هم يقولون: هذه الآيات لا يراد بها ظاهرها، هذه مجاز، ولا يجوز اعتقاد ظاهرها، ولها تأويل يخالف الظاهر، لها باطن يخالف الظاهر، فالشيخ يقول: كان الواجب أن يبيِّن ويوضِّح وينزِّل ما يوضح هذا الالتباس؛ حتى ما يكون الناس في ضلال. نعم.

القارئ: أحسن الله إليكم.

"ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب الْمُبَيِّنَ إذا تكلم بمجاز فلا بدَّ أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبلغ الْمُبَيِّنُ الذي بَيَّنَ للناس ما نُزِّل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يُرَدْ، ولا سيما إذا كان باطلًا لا يجوز اعتقاده في الله، فإنه عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقادهم إذا كان ذلك مَخُوفًا عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي يقول النفاة: هو اعتقاد باطل؟".

الشيخ: يعني الشيخ هنا يقول: إذا كان هذا الكلام محتملًا، أو على قولكم: إنه مجاز، أهل التأويل أهل التعطيل يقولون: هذا كلام مجاز لا يُراد به ظاهره، الشيخ يقول: إذا كان مجازًا، والذي أنزل هذا القرآن أنزله هداية للناس، والنبي من مهمته أن يبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم؛ كان الواجب أن يقرن بهذا المجاز قرينة تبين عدم إرادة الظاهر، تبيِّن ما يدل على إرادة المعنى المجازي، يعني: هم يزعمون أن اللفظ مجاز، لكن ليس عندهم قرينة تدل على المجاز.

الشيخ يقول على كلامهم: بأنه مجاز، كان الواجب أن تكون هناك قرينة صارفة واضحة، لكن ليس هناك قرينة في الواقع، وإذا كان الرسول هو المبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، وإذا كان النبي يعلم أن هذا الظاهر غير مراد؛ كان الواجب أن يبيَّن للناس، وينهاهم عن اعتقاد ظواهر هذه النصوص؛ لأن ظاهرها غير مراد، أمَا وإنه لم يَرِد عن رسول الله أيُّ لفظٍ يَنْهَى الناس عن اعتقاد ظواهر نصوص الصفات. فهذا يبيِّن بطلان زعم المفوضة والمؤولة: بأن الظاهر غير مراد، وأن الظاهر هو مجاز، ونحو ذلك.

إذًا؛ الله ​​​​​​​ أنزل هذا القرآن لهداية الناس، والنبي أرسله الله ليبيِّن للناس ما نزل إليهم؛ فكان الواجب أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يُرِدْه، عن فهم هذا المعنى الظاهر الذي هو غير مراد كما تزعمون، لا سيما إذا كان معنى باطلًا لا يجوز اعتقاده في حق الله ؛ فإن الواجب أن ينهاهم عن الاعتقادات الباطلة.

يعني إذا كان.. مثلًا في العلو هم يقولون: لا يجوز اعتقاد أن الله في العلو وفوق السماء وأنه له علو الذات. إذا كان هذا اعتقادًا باطلًا -كما تزعمون- كان الواجب أن يبيِّن النبي للناس أن ظواهر النصوص الدالة على العلو أنه لا يجوز اعتقاد ظاهرها؛ لأن ظاهرها باطل، وكان الواجب أن يُبيِّن أن العلو يجب نفيه، أن علو الذات يجب نفيه، فلَمْ يحصل هذا ولا هذا: لَمْ يَنْهَ النبي عن اعتقاد ظواهر النصوص، ولم يأتِ عنه ولا كلمة واحدة في نفي علو الذات لله .

فإذا كان كما زعمتم: أنه يخاف على الناس أن يعتقدوا هذه الظواهر الباطلة؛ كان الواجب أن يُنهَوا، أن تأتي آيات وأحاديث تنهى الناس عن اعتقاد هذه الظواهر، فكيف وكلُّ الخطابات الشرعية بالكتاب والسنة دالة على إثبات علو الرب .

فهذا يبين بطلان زعم أولئك المعطلة فيما زعموه بأن ظواهر النصوص غير مرادة، نصوص الصفات غير مرادة. نعم.

القارئ: أحسن الله اليكم.

"واذا لم يكن في الكتاب، ولا السنة، ولا كلام أحد من السلف والأئمة، ما يوافق قول النفاة أصلًا، بل هم دائمًا لا يتكلمون إلا بالإثبات؛ امتنع حينئذ ألا يكون مرادهم الإثبات، وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه وهم لم يتكلموا به قط ولم يُظهروه، وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه. وهذا كلام مُبِين لا مَخْلص عنه، لكن للجهمية المتكلمة هنا كلام، وللجهمية المتفلسفة كلام".

الشيخ: الشيخ رحمه الله يقول: "إذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلًا" يعني: العلو، ليس في القرآنِ آيةٌ، ولا في السنةِ حديثٌ، ولا عن السلفِ مقولةٌ، في نفي العلو.

"بل هم دائمًا" بل هم -من هم؟ السلف الصالح- دائمًا "لا يتكلمون إلا بالإثبات؛ امتنع حينئذ ألا يكون مرادهم الإثبات"، يمتنع أن يكون مرادهم غير الإثبات، لا يكون مرادهم إلا الإثبات، "وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه" هذا ممتنع، ممتنع أن يكون نفي العلو هو اعتقاد السلف الصالح "وهم لم يتكلموا به قط"، يعني: لم يتكلموا بالنفي قط، لم يرد عنهم ما ينفي علو الله قط "ولم يُظهروه، وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه"، أظهروا ما يخالف نفي العلو.

قالوا: "وهذا كلام بيِّن، لا مَخْلص لأحد عنه"، واضح يعني: لا يستطيع أحد من المعطلة أن يأتي بآية ولا حديث ولا كلام عن السلف في نفي العلو، لا يستطيع، بل كل الكلام هو في إثبات العلو المطلق الشامل، علو الذات، ذات الرب . نعم.

القارئ: أحسن الله إليكم.

عقيدة القرامطة الباطلة

"أما المتفلسفة والقرامطة فيقولون: إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق، أظهروا لهم خلاف ما يُبطنون، وربما يقولون: إنهم كذَبوا لأجل مصلحة العامة؛ فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، وإن كان في نفس الأمر باطلًا. وهذا -مع ما فيه من الزندقة البينة والكفر الواضح- قول متناقض في نفسه".

الشيخ: شيخنا طبعًا يَرُد على المعطلة، من أصناف المعطلة: الباطنية، ويسميهم أحيانًا: أهل التخييل؛ لأن هؤلاء الباطنية يزعمون أن الأنبياء خيَّلت للناس أمورًا غير صحيحة، أو -كما يقولون- إنهم كذَبوا لأجل المصلحة الباطنية، الفلاسفة الباطنية يقولون: إن الأنبياء يكذبون لأجل مصلحة الناس.

سبحان الله! يكذبون؟! يزعمون أن الأنبياء يكذبون بأن هناك جنة ونارًا، وهناك جزاء وحسابًا، يقول: حتى يستقيم أمر الناس، حتى تستقيم أمورهم؛ فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، يعني عندهم تأويلات، هم يقومون بالتخيير فيما يتعلق باليوم الآخر، كذلك في باب الصفات، فيقولون: إن الأنبياء تكلمت بالإثبات للصفات مراعاة للعامة؛ لأن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، وإن كان في نفس الأمر باطلًا. سبحان الله! انظر إلى هذا الضلال.

يزعمون أن الأنبياء يكذبون على العامة بإثبات الصفات؛ لأن مصلحة العامة لا تقوم إلا بأن تَذكر لهم تمثيلًا بما يُحسُّونه في حياتهم، هم يقولون: إنهم كذبوا لأجل مصلحة الناس، هؤلاء من؟ هؤلاء أهل التخييل الباطنية، طبعًا معطلة، هم لا يؤمنون، لا يؤمنون بالصفات، لكن قد تجد في كتب أولئك إثباتًا للصفات.

كما تجد عند ابن رشد مثلًا، ابن رشد فيلسوف، تجد عنده إثباتًا للصفات، واذا قرأت كتابه في "مناهج الأدلة والكشف" تجد أنه يثبت الصفات، ويثبت اليد والاستواء، بل يصرح بالجهة، فتستغرب! كيف هذا الفيلسوف يتكلم، لكنه هناك يتكلم ويقرر ما يجب أن يفهمه العامة، وأنه يحرم التأويل، يقرر أنه يحرم التأويل، ويحرم صرف النص عن ظاهره، ويجب اعتقاد الظاهر، كل هذا على مسلك الباطنية الذين يقولون: يجب أن تُجرى على ظاهرها الذي يتوافق مع عقائد العامة.

هكذا يزعمون، وأن الأنبياء أرادت من عامة الناس أن يعتقدوا هذا الظاهر، وإن كان هذا الظاهر غير صحيح في نفس الأمر، واضح؟

هذا اعتقاد من؟ اعتقاد الباطنية المتفلسفة والقرامطة، فلا بد أن تعرف مذهبهم، حتى اذا ما قرأت كتاب فيلسوف باطني؛ حتى لا يلتبس عليك أمر، تقول: هم من أهل الإثبات، يُثبتون الصفات، تقرأ كلام ابن رشد، تقول: ما شاء الله، هو سلفي، مع أنه باطني، هو يحكي هذا باعتبار أن هذا الواجب على العامة، وأن الأنبياء خاطبوا العامة، وأنه يحرم التأويل، وإن كان في نفس الأمر هو ينفي هذا كله.

الشيخ يَرُد فيقول: "هذا -مع ما فيه من الزندقة البينة، والكفر الواضح- قول متناقض في نفسه"، زندقة وكفر! كيف تقول: الأنبياء يكذبون؟! كيف تقول: الأنبياء يكذبون لمصلحة الناس؟! الأنبياء مهمتهم هداية الناس، وإصلاح عقائد الناس، وهداية الناس إلى طريق الحق، وليس محاكاة الباطل وجعل الناس في باطل، ومراعاة لما يعتقدون، كما يزعم أولئك الباطنية. نعم.

القارئ: أحسن الله اليكم.

الرد على القرامطة

 "فإنه يقال: لو كان الأمر كما تقولون والرسل من جنس رؤسائكم؛ لكان خواص الرسل يَطَّلِعون على ذلك، ولكانوا يُطالعون خواصهم على هذا الأمر، فكان يكون النفي مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلًا وعلمًا ومعرفة، والأمر بالعكس؛ فإن من تأمل...".

الشيخ: يقول الشيخ: "إن كان الأمر كما تقولون"، الأنبياء خاطبت الناس بغير الحق، والحق في خلاف ما خاطبوا الناس به، وأنهم كذبوا على الناس، إذًا هناك حقيقة يعلمها الأنبياء والرسل، قال: "من جنس رؤسائكم" يعني: الباطنية، أنتم عندكم رؤساء تزعمون أنهم هم الخاصة أو خاصة الخاصة، ويعلمون الحقائق، الأمور الباطنة، وأن الظواهر هي للعامة، للعامة أو الجمهور كما يسمونهم.

قال: "لكان خواص الرسل يطلعون على ذلك"، إذا كان الأنبياء تكلموا بالإثبات لأجل العامة، فنحن نفترض أن خواص الرسل -المقربين إلى الرسل- أنهم يعلمون الحقائق التي هي نفي الصفات كما تزعمون، لكان الخواص يعلمون هذا.

قال: "فكان يكون النفي مذهب خاصة الأمة"، من هم خاصة الأمة؟ هم صحابة الرسول ، يعني: كان الواجب أن الرسول يُخبر ويبين لصحابته والمقربين منه حقيقة الأمر وهو نفي الصفات، وخاصة الأمة هم أكملها عقلًا وعلمًا ومعرفةً.

قال: "والأمر بالعكس" الأمر عكس ما تزعمون؛ لأنَّا وجدنا خاصة الأمة وعموم الصحابة كلهم على الإثبات، لم يأتِ عن أحدٍ منهم نفي، فلو كان الأمر كما زعمتم: أن الكذب هو للعامة، أنها للإثبات، ولكن الخاصة يعلمون أن الصفات منفية عن الله، لو كان الأمر كذلك لجاء عن الخاصة ما يدل على نفي الصفات، لكن لم يرد عن أي صحابي نفي الصفات؛ فهذا يبين بطلان مذهبكم. نعم.

إثبات الصحابة وأفاضل التابعين للأسماء والصفات

القارئ:

"والأمر بالعكس؛ فإن من تأمل كلام السلف والأئمة وجد أعلمَ الأمة عند الأمة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبدالله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو، وأمثالهم، هم أعظم الخلق إثباتًا".

الشيخ: يعني كل الصحابة هم على الإثبات، وكل ما نقل عن الصحابة  في باب الصفات هو بالإثبات، لم يُنقل عن الصحابة حرف واحد في النفي، فلو كان الأمر كما زعمتم: أن الإثبات هو للعامة، وأن الأنبياء كذبوا لأجل مصلحة العامة؛ إذًا أين الحقيقة التي أفضى بها الرسول للخاصة كما تزعمون؟ لا يوجد، لا يوجد عند أي صحابي خلاف ذلك. نعم.

القارئ: أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:

"وكذلك أفاضل التابعين: مثل سعيد بن المسيب، وأمثاله، والحسن البصري، وأمثاله، وعلي بن الحسين، وأمثاله، وأصحاب ابن مسعود، وأصحاب ابن عباس، وهم من أجَلِّ التابعين. بل النقول عن هؤلاء في الإثبات يجبن عن إثباته كثير من الناس".

الشيخ: يعني كذلك التابعين، وأتباع التابعين، كلهم على الإثبات، أين الخاصة الذين يعلمون النفي كما زعمتم يا أيها الباطنية؟ أين الحقائق؟ من يعلم الحقائق؟

 هم عندهم أن القرآن له ظاهر وباطن، الإسلام له ظاهر وباطن، فالظاهر هو إثبات الصفات، والباطن هو نفي الصفات، والباطن يعلمه الخاصة. نقول: أعطونا حرفًا واحدًا ونقلًا واحدًا عن الصحابة والتابعين في نفي الصفات إن كنتم تزعمون أن مذهب الخاص هو النفي، لا يوجد شيء من ذلك. نعم.

القارئ: أحسن الله اليكم.

"وعلى ذلك تأول يحيى بن عمار، وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، ما يُروى: أن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغِرَّة بالله، تأولوا ذلك على ما جاء من الإثبات؛ لأن ذلك ثابت عن الرسول والسابقين والتابعين لهم بإحسان، بخلاف النفي فإنه لا يوجد عنهم، ولا يمكن حمله عليه".

الشيخ: يعني هم يستدلون بهذا الأثر، هو لا يصح، لكنهم تأولوه على ما جاء في الإثبات أن هذا الذي لا يعلمه إلا أهل العلم بالله أن هذا في صفات الإثبات؛ فإذًا الخاصة على صفات الإثبات، على فرض ثبوته، وليس على منهج النفي كما يزعمون. نعم.

القارئ: أحسن إليكم، قال رحمه الله:

استدلال المعطلة بالمتشابه والأحاديث الموضوعة والألفاظ المجملة

"وقد جمع علماء الحديث من المنقول عن السلف في الإثبات ما لا يُحصِي عددَه إلا رب السماوات، ولم يَقْدر أحدٌ أن يأتي عنهم في النفي بحرف واحد إلا أن يكون من الأكاذيب المختلقة التي ينقلها مَن هو أبعد الناس عن معرفة كلامهم، ومِن هؤلاء مَن يتمسك بمجملاتٍ سمعها، بعضها كذب وبعضها صدق، مثلما ينقلونه عن عمر أنه قال: "كان النبي وأبو بكر يتحدثان، وكنت كالزنجي بينهما"[10] فهذا كذب باتفاق أهل العلم، بالأثر، وبتقدير صدقه فهو مجمل، فإن قال أهل الإثبات: كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نُقل عنهما؛ كان أولى من قول النفاة إنهما يتكلمان بالنفي".

 الشيخ: الشيخ رحمه الله يبين أن هؤلاء المعطلة يستدلون بالمتشابه، ويستدلون بأحاديث موضوعة، ويستدلون بألفاظ مجملة، بنقول مجملة، بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، ومن المجملات الواردة وهي غير صحيحة ما جاء في هذا الأثر عن عمر: كان النبي وأبو بكر يتحدثان، وكنت كالزنجي بينهما.

وهذا طبعًا لا يصح، لكن على تقدير صحته، قال الشيخ: إن هذا يمكن أن يستدل به أهل الإثبات، لماذا؟ لأن الإثبات هو الوارد عنهم، ما ورد عنهم ولا حديث ولا أثر في غير ذلك، فإذا كانا يتحدثان بشيء فلا بد أن يكونا من أحاديث الإثبات للصفات، لماذا؟ لأن هذا هو الموافق لما نُقل عنهم. فحمل هذا الحديث -على فرض ثبوته- حمله على أنهما كانا يتكلمان بأحاديث إثبات الصفات أولى من حمله على نفي الصفات؛ لأن الإثبات هو الموافق لما نُقل عنهم وما أثر عنهم، وأما النفي فلا يوجد أي حديث ولا أثر في نفي الصفات. نعم.

استدلال المعطلة بحديث جراب أبي هريرة والرد عليهم

القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:

"وكذلك حديث جراب أبي هريرة لما قال: "حفظت عن رسول الله جرابين، أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم"[11]؛ فإن هذا حديث صحيح، لكنه مجمل، وقد جاء مفسرًا أن الجراب الآخر كان فيه حديث الملاحم".

الشيخ: يعني هذا من المجملات التي يستدلون بها، وهذا الأثر صحيح وثابت، ولكن معناه ليس هو ما يقصدونه، يعني: هم يفسرون بأن الجراب الآخر هو في الصفات، أو في نفي الصفات، وبيَّن الشيخ رحمه الله أن الجراب الآخر هو ما فيه من الفتن والملاحم التي ستحصل، وهذا بيَّنه أيضًا العلماء. لماذا حُمل على هذا ولم يحمل على ما زعمه أهل التعطيل؟

بيَّن الشيخ أن زعم أهل التعطيل بأن الجراب الذي لم يُفْض به أبو هريرة زَعْمهم بأنه هو ما يتعلق بالصفات؛ أمر باطل؛ لأن ما أُثر عن أبي هريرة  من إثبات الصفات يبين حقيقة أن أبا هريرة هو كسائر الصحابة يثبت الصفات، وينقل الأحاديث في ذلك، ولم يكتمها، وليس هناك ولا نقل واحد عنه يخالف ذلك، ليس هناك أي نقل عن أبي هريرة  في نفي أي صفة من صفات الله ​​​​​​؛ فهذا يبين فساد حمل أهل التعطيل هذا الأثر عن أبي هريرة، حملهم على أنه أخفى ما يتعلق بنفي الصفات، أو نحو ذلك. نعم.

القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:

"ولو قُدِّر أن فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفي، بل الثابت المحفوظ من حديث أبي هريرة كحديث إتيانه سبحانه يوم القيامة، وحديث النزول والضحك وأمثال ذلك، كلها على الإثبات".

الشيخ: يعني جاء عن أبي هريرة عدة أحاديث في إثبات الصفات، فهو الذي روى حديث إتيان الرب [12]، وهو ممن روى حديث النزول، نزول الرب [13]، وأيضًا حديث ضحك الله ​​​​​​​[14]. هذه صفات لله ​​​​​​​، فأبو هريرة هو يروي هذه الأحاديث، أحاديث الصفات.

قال الشيخ: "لو قُدِّر أن فيه" يعني: في الجراب "ما يتعلق بالصفات؛ فليس فيه ما يدل على النفي"، لو قدر أن هذا الجراب الذي لم يبثه أبو هريرة هو في الصفات؛ لكان في صفات ثابتة وليس في نفي الصفات كما تزعمون؛ لأن أبا هريرة كل ما ورد عنه من الصفات هو في إثبات الصفات، كما هو مذهب ومنهج الصحابة  الذي تلقوه عن رسول الله  في إثبات صفات الرب . نعم.

القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:

قول الجهمية المتكلمة

"ولم يُنقل عن أبي هريرة حرف واحد من جنس قول النفاة. وأما الجهمية المتكلمة فيقولون: إن القرينة الصارفة لهم عما دل عليه الخطاب هو العقل، اكتُفي بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة".

الشيخ: الشيخ طبعًا رد على المتفلسفة القرامطة، وهم نفاة الصفات، نفاة حقائق الصفات، وهنا يرد على الجهمية المتكلمة، وهم نفاة الصفات، ما الفرق بين الفلاسفة الباطنية والجهمية المتكلمة؟ يجمعهم ماذا؟ نفي الصفات، يجمعهم نفي حقائق الصفات، لكن الفلاسفة الباطنية يقولون: إن نفي الصفات خاص بالرسول خاصة، ويظهر للعامة إثبات الصفات.

أما الجهمية المتكلمة فإنهم يقولون بتأويل نصوص الصفات، وأنه لا يجوز أن يعتقد العامة ظواهر النصوص، وأن الصارف للنص عن ظاهره إنما هو العقل، "فاكتُفي بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة".

طبعًا عندهم أن العقل هو الحاكم على القرآن وعلى السنة، الحاكم على الشرع، فما أقره العقل أمضيت النصوص الشرعية على وفقه وأقرت، وما منعه العقل فإن النصوص تُمنع وتُحرف عن ظاهرها وتُؤوَّل إلى معانٍ تخالف ظاهرها. إذًا العقل الحاكم، العقل هو الحاكم، هو الذي يفرز ما يجب اعتقاده وما لا يجب اعتقاده من الصفات؛ ولهذا نجد هذا التخبط عند أهل الكلام، منهم من نفى الأسماء والصفات كالجهمية، ومنهم من أثبت الأسماء دون الصفات، طبعًا أثبت أسماءً أعلامًا محضة دون الصفات كما هو عند المعتزلة، ومنهم من أثبت بعض الصفات وأنكر بعضًا كما عند الأشاعرة والماتُريدية ونحوها.

وليس هناك ضابط يضبط ما يجب إثباته لله من الصفات وما يجب نفيه عن الله إلا دلالة العقل، وأي عقل نحتكم إليه؟ هو عقولهم القاصرة، تجد عقولهم تثبت بعضًا وتنكر بعضًا، فما أثبتته من الصفات كصفة الحياة والعلم والقدرة ونحوها، قالوا: يجب إثباته وظاهره مراد، وما نفته عقولهم وأهواؤهم من الصفات، وقالوا: لا يليق بالله، كالاستواء واليد ونحوها، قالوا: إن ظاهره غير مراد، ويجب تأويل الظاهر إن كانوا مؤولة، أو تفويضه إن كانوا مفوضة.

إذًا الدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة هي القرينة الصارفة، يعني: لنفس اللفظ ما فيه قرينة، ليس هناك قرينة لفظية، ليست هناك قرينة يدل عليها السياق، وإنما القرينة عندهم هي العقل البشري، أو الهوى في الحقيقة، أو العقل القاصر، العقل الناقص! كيف يجعل هذا العقل القاصر حاكمًا على كلام الله وكلام رسوله ؟ يعني: الله ​​​​​​​ أنزل في كتابه ما يدل على صفاته، وهؤلاء قالوا: لا، نحن الذين نثبت أو ننفي ما يُثبَت أو يُنفَى من صفات الله، يقولون: نحن بعقولنا نعلم ما يليق بالله وما لا يليق بالله، مما أنزله الله في كتابه من أوصافه، فقالوا: لا نؤمن، ولا نأخذ بكل ما جاء في كتاب الله من صفات الرب مما يدل عليه ظواهر النصوص، ولكن ما دل العقل على إثباته نثبته، وما دل العقل على نفيه فإنا نؤوله أو نفوضه، ولا يجوز إثباته ولا اعتقاد ظاهره.

هكذا جعلوا العقل هو الحاكم، وهو القرينة الصارفة للفظ عن ظاهره. هذا مذهب الجهمية المتكلمة، وشيخنا سيرد عليهم ويبين فساد منهجهم.

رد شبهة الجهمية المتكلمة

القارئ: أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:

"وأما الجهمية فيقال لهم أولًا: فحينئذ إذا كان ما تكلم به إنما يفيدهم الإضلال، وإنما يستفيدون الهدى من عقولهم، كان الرسول قد نصب لهم أسباب الضلال ولم ينصب لهم أسباب الهدى، وأحالهم في الهدى على نفوسهم؛ فيلزم على قولهم أن تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم تنفعهم، بل ضرتهم".

الشيخ: يعني الله ​​​​​​​ أنزل في كتابه آياتٍ تُتلى في إثبات صفاته، وهؤلاء قالوا: لا يليق ولا يجوز اعتقاد ظواهر هذه الصفات، الشيخ يقول: يلزم على ذلك أن الله ​​​​​​​ إنما تكلم بما يفيد الإضلال، ما دام أنكم تقولون: إن ظاهرها غير مراد، ظاهرها لا يليق بالله، يعني: هذا الكلام إذًا هو إضلال وليس هداية للناس، لم يستفيدوا الهدى من القرآن، وإنما استفادوه من عقولهم، هكذا.

وحقيقة مذهب هؤلاء قالوا: عرفنا الحق بعقولنا، عرفنا ما يليق بالله وما لا يليق بعقولنا، ولو أنا أخذنا بكل ظاهرٍ للقرآن لوقع الناس في ضلال؛ إذًا ظواهر النصوص فيها إضلال للناس، ويلزم على ذلك: أن الله ​​​​​​​ نصب لهم أسباب الضلالة، وكأنَّ الرسول قد نصب لهم أسباب الضلال، ولم ينصب لهم أسباب الهُدى، حينما يتكلم بهذا الكلام الذي يوهم التشبيه على قولهم، ولم يبين لهم الحقيقة، ولم ينههم عن اعتقاد ظاهره، فكأنه نصب لهم أسباب الضلال، وأحالهم في الهدى على نفوسهم، أحالهم على عقولهم، بعقولهم يعرفون الحق من الضلال.

"فيلزم على قولهم: أن تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم تنفعهم، بل ضرتهم"، يعني الرسول ما نفعهم ببيان الحق من الضلال فيما يتعلق بصفات الله ​، والآيات القرآنية ما نفعتهم ولا اهتدوا بها، وإنما كانت الهداية في عقولهم فقط؛ فكان تركهم بلا بيان أولى من إرسال الرسل، وإنزال الكتاب.

 

^1 "الجامع لعلوم الإمام أحمد": 3/ 396.
^2 ينظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي: 3/ 581.
^3 ينظر: "شرح السنة" للبربهاري: ص68.
^4 ينظر: "ذم التأويل" لابن قدامة: ص38.
^5 "الجامع لعلوم الإمام أحمد": 3/ 380.
^6 "الإبانة الكبرى": 7/ 58
^7 "أصول السنة" للإمام أحمد: ص: 24
^8 ينظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة": 1/ 175
^9 "العرش وما روي فيه" لأبي جعفر ابن أبي شيبة: ص175.
^10 "الانتصار لأهل الأثر": ص111.
^11 رواه البخاري: 120 بلفظ "وعاءين" بدل "جرابين".
^12 فقد روى أبو هريرة : أن رسول الله قال في حديث طويل عن أحداث يوم القيامة: يقول الله: ما شأنك يا محمد؟ وهو أعلم. فأقول: يا رَبِّ، ‌وَعَدْتَنِي ‌الشفاعة؛ فَشَفِّعْنِي في خَلْقِكَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَنَا آتِيكُمْ فَأَقْضِي بَيْنَكُمْ. رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده": 10 واللفظ له، وابن أبي الدنيا في "الأهوال": 155، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة": 273، والطبراني في "الأحاديث الطوال": 36.
^13 فقد روى أبو هريرة : أن رسول الله  قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ‌ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758.
^14 فقد روى أبو هريرة : أن رسول الله قال في حديث طويل عن أحداث يوم القيامة: يقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك، أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، ‌فيضحك ‌الله ​​​​​​​ منه ثم يأذن له في دخول الجنة. رواه البخاري: 806 واللفظ له، ومسلم: 182.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©