- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "ويُقال لهم ثانيًا: فالرسول قد بَيَّن الإثبات.." (4)

جدول المحتويات
الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فما زلنا مع كتاب "القاعدة المَرَّاكُشِيَّة" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو المجلس الرابع في التعليق على هذه الرسالة القَيِّمَة.
فساد تقديم العقل على النصوص
وقد سبق معنا بيان مقاصد هذه الرسالة، وأنها في الردِّ على أهل التَّعطيل من أهل التَّفويض وأهل التَّأويل لصفات ربِّ العالمين.
ومرَّ معنا ما ذكره الشيخ رحمه الله من قواعد ومُقدماتٍ في الردِّ على هذا المنهج الباطل -منهج التأويل- وبيان لوازمه الفاسدة.
وسبق معنا بيان مفهوم التَّفويض، والفرق بين التَّفويض والتَّأويل، والفرق بين تفويض السلف وتفويض الخلف، وتبين لنا فيما سبق بعض شُبَه أهل التَّفويض والردّ عليها.
وكان من آخر ما وقفنا عليه من كلام شيخ الإسلام رحمه الله هو في ردِّه على النُّفاة المُعَطِّلة الذين يُقدِّمون عقولهم على النصِّ، ويجعلون العقل هو القرينة الصَّارفة للنصِّ عن ظاهره.
فهم ينفون صفات الله ، ويُوجِبُون صرف الآيات عن ظواهرها، وحينما يُسألون عن قرائن الصرف لا يجدون قرينةً صحيحةً لفظيةً، وإنما يجعلون القرينة هي عقولهم القاصرة التي تتحكم في كلام الله، فَتُثْبِت ما يراه العقل، وتنفي ما لا يراه، فجعلوا عقولهم هي الحاكمة، وهي التي تُثْبِت وتنفي من كتاب الله، ومن صفات الله .
وقد ردَّ عليهم شيخ الإسلام رحمه الله بردودٍ كثيرةٍ في هذه الرسالة، كما ردَّ عليهم بردودٍ طويلةٍ في كتابه القيم: كتاب "العقل والنقل"، أو "مُوافقة صريح المعقول لصحيح المنقول"، أو "دَرْء تعارض العقل والنَّقل"، فقد رصد الكلام فيه، وذكر أكثر من أربعين ردًّا عليهم في هذا القول.
كما بسط الكلام أيضًا على ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه "الصواعق المُرسلة".
وبيَّن شيخ الإسلام رحمه الله أن العقل الصحيح لا يتعارض مع النَّقل الصحيح.
العقل السليم لا يمكن أن يُعارض نصًّا صحيحًا، فإذا وُجِدَ ما ظاهره التَّعارض بين العقل والنَّقل فإما أن يكون النَّقل غير صحيحٍ، مُتَوَهَّمًا، كأن يكون حديثًا موضوعًا -مثلًا- أو أن العقل فاسدٌ.
فإذا صحَّ النصُّ -سواء كان من القرآن -والقرآن كله كذلك- أو كان من صحيح السُّنة- فإن كل ما يُدَّعى أنه يُعارضه من العقل فإنه عقلٌ فاسدٌ، وهو من قبيل الهوى والضَّلال؛ لأن العقل السليم الصحيح لا يمكن أن يتعارض مع شرع الله، ومع خبر الله وخبر رسوله .
خطأ جعل العقل حاكمًا على الوحي
ولا يصح أن نجعل العقول هي الحاكمة؛ لأن العقول البشرية مُتفاوتةٌ ومُختلفةٌ، بل ومُتناقضةٌ، فما يراه زيدٌ بعقله صحيحًا، قد يراه عمرٌو بعقله أنه غير صحيحٍ، بل إن عقل الشخص الواحد قد يُقرر شيئًا في وقتٍ، ويُقرر نقيضه في وقتٍ آخر.
فالعقول مُتفاوتةٌ ومختلفةٌ وقاصرةٌ ومحدودةٌ ومحصورةٌ، فكيف تُجْعَل هي الحاكمة على ما وردنا وما تلقيناه من كلام الله وكلام رسوله ؟!
ولهذا لما كان منهج أهل الكلام من أهل الأهواء تقديم عقولهم ضَلُّوا وحاروا وتناقضوا، فصار أحدهم يردُّ على الآخر، وصارت الفِرْقَةُ فِرَقًا، انقسمت الفِرْقَة إلى فرقٍ كثيرةٍ، وليس هناك مرجعٌ ضابطٌ وحاكمٌ يحكم تلك العقول؛ لأن كل شخصٍ يزعم أن عقله هو الذي يَفْرِز به ما يصحُّ، وما لا يصحُّ.
ولا يمكن أن يُجْعَل عقل فلانٍ هو المرجع، وعقل فلانٍ الآخر ليس مرجعًا، فكلٌّ يقول: إن عقلي صحيحٌ.
فإذا وُجِدَ هذا التَّناقض بين تلك العقول دلَّ على أن العقل البشري لا يمكن أن يكون مرجعًا لما يُؤخذ وما يُرَدّ من كتاب الله، ولا من سُنة رسوله الصحيحة.
العقول قاصرةٌ، ومُتباينةٌ، ومُتفاوتةٌ، ومُختلفةٌ، أما الشرع فهو مُؤْتَلِفٌ، ومُتَّفقٌ، وصحيحٌ، وصِدْقٌ، يُصَدِّق بعضه بعضًا.
وكلام الله مُحْكَمٌ، لا يتناقض، ولا يتعارض، وكذلك سُنة النبي ، وكذلك نصوص القرآن والسُّنة لا تناقض بينها، ولا تعارض، فإذا وُجِدَ ما ظاهره التَّعارض فهذا مرجعه إلى قصور العقل، فلا يصحُّ أن يُجْعَل العقل هو الحاكم، ولا يصحُّ أن يُجْعَل العقل هو القرينة الصَّارفة لكلام الله.
كيف يُنْزِل الله في كتابه آياتٍ تُتلى تتضمن صفات الكمال لربِّ العزة والجلال، ثم يأتي عقلٌ قاصرٌ ويقول: إن هذه الصفة لا تليق بالله؟! لأن هذا العقل لم يستوعبها، أو يراها أنها صفة نقصٍ.
لو كانت صفة نقصٍ لم يُنْزِلها الله في كتابه، ولو كانت صفة نقصٍ لَبَيَّنَها الله وحذَّر من اعتقاد ظاهرها المفهوم الذي يُفْهَم منه النَّقص، ولَحَذَّر النبي -وهو المُبَلِّغ وهو المُبَيِّن- لَحَذَّر من أن يُعتقد ظواهر هذه النصوص التي يزعمون أنها تُوهم التَّمثيل والتَّشبيه، وأنها لا تليق بالله .
أما وإنه لم يحصل شيءٌ من ذلك؛ لم يقل الله : لا تعتقدوا ظواهر النصوص، ولم يَقُلْ رسوله ، بل أُنزل هذا القرآن هُدًى وشفاء وموعظةً وذكرى، وفيه هدايةٌ، فكيف تُجْعَل هذه الهدايات التي أنزلها الله ، وصفات الله التي يتعرف بها العباد على ربهم؛ أن تُجْعَل ضلالًا وفسادًا وخطأً، وألا يُعتقد ظاهرها؟!
كل هذا مما يُبين فساد ذلك المسلك.
وقد تقدم معنا الوجه الأول في الردِّ على هؤلاء في هذا المنهج الفاسد، وذكر الشيخ رحمه الله أن هذا الكلام يلزم عليه أن الناس لم يستفيدوا من كلام الله إلا الإضلال؛ لأنهم يزعمون أن هذه الصفات وظواهر نصوص الصفات لا تليق بالله، وأن اعتقاد ظاهرها ضلالٌ، ولا يجوز! هكذا يزعمون.
إذن يلزم على هذا الكلام أنهم لم يستفيدوا من القرآن إلا الإضلال، وأنهم إنما يستفيدون الهدى من عقولهم، هكذا يزعمون، فما أقرَّته عقولهم أخذوا به، وما نَفَتْهُ عقولهم من كلام الله ردُّوه، وتأوَّلوه، أو فَوَّضُوه.
فيقول الشيخ رحمه الله: "على هذا يكون الرسول قد نَصَبَ لهم أسباب الضَّلال، ولم يَنْصِب لهم أسباب الهدى، وأنه أحالهم إلى نفوسهم، فيلزم على قولهم: أن تَرْكَهم في الجاهلية خيرٌ من هذه الرسالة التي لم تنفعهم، بل تضرهم".
يلزم على هذا الكلام أن عدم إنزال الآيات المُتضمنة للصفات خيرٌ من إنزالها، وأن الناس لم يستفيدوا من هذه الآيات إلا الإضلال؛ حيث إن ظاهرها الضلال، ولم يُحَذِّرهم الله ولا رسوله من اعتقاد ظاهرها.
إذن يلزم على ذلك أن تركهم بلا هذه الآيات كان خيرًا لهم، وإذا كان هذا اللازم باطلًا وفاسدًا دلَّ على فساد هذا المنهج، وهذا المذهب.
نعم.
تتمة الرد على من جعل العقل قرينة لصرف الخطاب
القارئ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومُصطفاه، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه.
اللهم اغفر لشيخنا، وللحاضرين، والسَّامعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "القاعدة المَرَّاكُشِيَّة"، نفعنا الله بعلومه وعلوم شيخنا:
ثانيًا: الرسول بيَّن الإثبات وهو أظهر من قول النفاة
الشيخ: الشيخ يردُّ عليهم، ويقلب الدليل عليهم.
هم يزعمون أن العقل دلَّ على نفي ظواهر نصوص الصفات.
الشيخ يقول: إن الرسول "بيَّن الإثبات الذي هو أظهر في العقل من قول النُّفاة"، بمعنى: أن العقل يدل على ثبوت صفات الكمال لله ذي العزة والجلال.
العقل الصحيح يدل على ثبوت الصفات، والعقل الصحيح يدل على إبطال قول النُّفاة الذين ينفون عن الله صفاته.
سبحان الله!
كيف تنفون عن الله صفات الكمال؟!
فتجدهم يقولون: إن الله ... كما عند غُلاتهم من الجهمية والمعتزلة يقولون: إن الله لا يسمع، ولا يُبْصِر. فينفون عنه السمع والبصر والكلام، وغير ذلك.
وهؤلاء الذين ينفون بعضًا ويُثْبِتُون بعضًا يقولون: إن الله لا يغضب، ولا يفرح، ولا يَرْحَم!
ينفون كل هذه الصفات، لماذا؟
قالوا: إن إثباتها لا يليق بالله؛ لأن هذه فيها مُماثلةٌ لصفات المخلوقين، وظاهرها التَّمثيل والتَّجسيم، وظاهرها لا يليق بالله، وظاهرها ضلالٌ، يجب صرفها عن ظاهرها، ويحرم اعتقاد ظاهرها.
سبحان الله!
لماذا تعتقدون هذه العقيدة الفاسدة وتُرَتِّبون عليها نفي كلام الله؟!
نقول لهؤلاء: هل تعتقدون أن الله حيٌّ؟
سيقولون: نعم.
نقول لهم: هل حياة الله كحياة المخلوقين؟
سيقولون: لا.
نقول: قولوا في سائر صفاته مثلما قلتُم في حياته، فقولوا: يسمع لا كسمع المخلوقين، ويرى لا كرؤية المخلوقين، ويرحم لا كرحمة المخلوقين، ويغضب لا كغضب المخلوقين، ولله يدٌ ليست كيد المخلوقين، والله استوى على عرشه ليس كاستواء المخلوقين.
وهكذا في سائر صفاته؛ لأن القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضٍ.
هذا من قواعد أهل السُّنة والجماعة، وإذا سلكتَ هذا المسلك نجوتَ من التناقض.
أما مَن يُثْبِت بعضًا ويُنْكِر بعضًا بدلالة العقل على ما يُثْبِت وما ينفي، فإنه يقع في التناقض؛ لأن باب الصفات واحدٌ، والموصوف واحدٌ، ولا يصحُّ أن تجعلوا بعض الصفات تليق بالله، وبعضها لا يليق بالله، وكلها قد أنزلها الله في كتابه، وأمرنا بتدبر آياته، وأمرنا أن نعتقد مضمون ما دَلَّتْ عليه من الصفات.
فالعقل الصحيح دلَّ على ثبوت صفات الكمال، كما أن العقل الصحيح دلَّ على بطلان قول النُّفاة الذين ينفون عن الله صفاته بزعم أن إثباتها فيه التَّمثيل بصفات المخلوقين، فلا يلزم من الإثبات التَّمثيل، قال الله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
ففي نفس الآية التي نَفَت التَّمثيل أثبتت الصفات لله، فدلَّ على أن إثبات الصفات لا يلزم منه التَّمثيل، وعلى أن نفي التَّمثيل لا يلزم منه التَّعطيل.
نعم.
القارئ: أحسن الله إليكم.
الاحتمالات في قولهم: ظاهر نصوص الصفات لا يليق بالله
قال رحمه الله:
ومعلومٌ أن السكوت عنهما خيرٌ من التَّكلم بما يُضِلُّ.
وهنا يُعرف بالعقل أن الإثبات لم يسكت عنه، بل بَيَّنه، وكان ما جاء به السمع مُوافقًا للعقل، فكان الواجب فيما ينفيه العقل أن يتكلم فيه بالنَّفي كما فعل فيما يُثْبِته العقل، وإذا لم يفعل ذلك فالسكوت عنه أسلم للأُمة.
أما إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات، وأراد منهم ألا يعتقدوا إلا النَّفي؛ لكون مجرد عقولهم تُعَرِّفهم به، فإضافة هذا إلى الرسول من أعظم أبواب الزندقة والنفاق.
الشيخ: نعم.
هنا أيضًا الشيخ يذكر الاحتمالات فيما زعموا من أن ظواهر نصوص الصفات لا تليق بالله، وأنه لا يجوز اعتقادها.
يقول الشيخ: المراتب ثلاثٌ:
إما أن تقولوا: إن الله تكلم بالهدى، أو أنه تكلم بالضَّلال، أو أنه سكت عنهما.
قال: "ومعلومٌ أن السكوت عنهما خيرٌ من التَّكلم بما يُضِلُّ".
إذا قلتُم: إن ظواهر نصوص الصفات ضلالٌ لا يجوز اعتقاد ظواهرها.
إذن نقول: كان السكوت وعدم التَّكلم خيرٌ من التَّكلم بما يُضِلُّ الناس.
قالوا: "هنا يُعْرَف بالعقل أن الإثبات لم يسكت عنه"، يعني: الله أنزل في كتابه آياتٍ دالةً على الصفات وبَيَّنها، والسمع جاء مُوافقًا للعقل في ثبوت صفات الكمال لله .
فالعقل مُوافقٌ لما يُقرره أهل السُّنة والجماعة وما قرَّره سلف الأُمة من الصحابة ومَن تبعهم من إثبات الصفات.
إذن على كلام هؤلاء: أن ظواهر نصوص الصفات لا يجوز اعتقاد مضامينها الظاهرة؛ لأن مضامينها لا تليق بالله، على هذا الكلام، وعلى هذا التَّقريب: أن الناس لم يستفيدوا من القرآن إلا ما يُضلهم؛ لأن الله أنزل هذا القرآن وأمرنا بتدبره وتفهمه وتعقله، ولم يَنْهَنَا عن اعتقاد ظاهر أي آيةٍ من الآيات، ومن ذلك آيات الصفات.
قال الشيخ: "أما إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات" يعني: إثبات الصفات "وأراد منهم ألا يعتقدوا إلا النَّفي" على كلام مَن؟
هذا على كلام النُّفاة، فهم يقولون: نعم، الله أنزل هذه الآيات التي فيها إثبات الصفات، لكنه أراد من الناس ألا يعتقدوا ظاهرها.
سبحان الله!
يعني: هم يقولون: إن الله أراد من الناس أن ينفوا عنه هذه الصفات.
إذن الآيات نزلتْ بإثبات الصفات، وهم يقولون: نعم نزلتْ بإثبات الصفات، والله أمرهم أن يعتقدوا نفي الصفات.
طيب، بماذا يعرفون النَّفي؟
قالوا: يعرفونه بعقولهم.
يقول الشيخ: هذا الكلام من أعظم أبواب الزندقة والنِّفاق، لماذا؟
لأن هذا القرآن أُنزل هدًى للناس، هذا القرآن أنزله الله هدايةً، والنبي بلَّغ البلاغ المُبين، وبيَّن ما أُنزل، فكيف يُقال: إن الله أنزل آياتٍ لا تليق به، وأحال الناسَ إلى عقولهم؛ لينفوا هذه الآيات التي أنزلها؟!
هذا من أعظم أبواب الزندقة والنِّفاق.
الشيخ يُبين أن هذه الآيات إن كان ظاهرها لا يليق بالله، فكان السكوتُ عنها وعدم إنزالها أوْلى، أو أن يُبَيَّن في السياق ما يدل على عدم جواز اعتقاد ظاهرها، أن تكون في الكلام قرينةٌ تدل على أنه لا يجوز اعتقاد ظاهرها.
أما أنه لم يكن هذا ولا ذاك، ثم تزعمون أن الشرع أحال الناسَ إلى عقولهم؛ لينفوا ما أنزله الله في كتابه من الصفات، فهذا من أعظم أبواب الزندقة؛ لأن فيه اتِّهامًا للشرع بالإضلال بدل الهداية.
نعم.
القارئ: أنعم الله عليكم.
ثالثًا: لا يسلم أن العقل يوافق مذهب النفاة
بل العقل الصريح إنما يُوافق ما أثبته الرسول ، وليس بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح تناقضٌ أصلًا.
وقد بسطنا هذا في مواضع، وبَيَّنا أن ما يذكرونه من المعقول المُخالف لما جاء به الرسول إنما هو جهلٌ وضلالٌ تَقَلَّده مُتَأَخِّروهم عن مُتَقَدِّميهم، وسَمَّوا ذلك: عقليات، وإنما هي جهليات.
ومَن طُلِبَ منه تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول لم يرجع إلا إلى مجرد تقليدهم، فهم يكفرون بالشرع، ويُخالفون العقل؛ تقليدًا لمَن توهَّموا أنه عالمٌ بالعقليات.
الشيخ: يعني: هذه قضيةٌ مهمةٌ ومحوريةٌ وفاصلةٌ بين أهل السُّنة والجماعة -السلف الصالح- وأهل الكلام.
أهل الكلام منهجهم الهوى الذي يُسمونه: العقل، ويُقدِّمون العقل على الشرع.
والشيخ رحمه الله يُقرر هنا أنه ليس بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح تناقضٌ أصلًا.
هذه قاعدةٌ: لا يمكن أن يتعارض معقولٌ صريحٌ مع منقولٍ صحيحٍ، لا يمكن.
فإذا وُجِدَ التَّعارض فهو لفساد العقل، وليس لنقصٍ في الشرع.
إذا وُجِدَ فسادٌ فاتَّهم عقلك، ولا تترك شرع ربك.
وبيَّن الشيخ رحمه الله أن ما يذكره هؤلاء من المعقول المُخالف لما جاء به الرسول إنما هو جهلٌ وضلالٌ.
الآن أهل الكلام يتَّهمون السلف الصالح بأنهم ضدّ العقل، يتَّهمون السلف ومنهج السلف بأنه ضدّ العقل، ويُطلقون عليهم ألقابًا كثيرةً، يُسمّونهم: حَشْوِية، أو نصوصية، أو أنهم جامدون، أو يُعَطِّلون العقل، أو لا يفهمون، أو نحو ذلك، وهذا غير صحيحٍ.
أهل السُّنة والجماعة يعرفون للعقل مكانته، ولكنهم يُفَرِّقون بين العقل الصحيح والعقل الفاسد أو الهوى والضَّلال.
الشيخ يُبين أن ما يدَّعون أنه من المعقول، ويُعارضون به كلام الله وكلام الرسول هو ليس معقولًا صحيحًا، وإنما هو ضلالٌ وهوًى، ولو كان معقولًا صحيحًا لم يُعارض كلام الله، ولا كلام رسوله .
الآن تسمع من بعض الناس -مثلًا- يردُّ حديثًا عن النبي ، تقول: لماذا تردّه؟
قال: هذا الحديث يُخالف العقل.
والجواب أن يُقال: لا، هذا لا يُخالف العقل، هذا خالف العقل الفاسد، ولو كان الذي قرأ الحديث صاحب عقلٍ سليمٍ لم يُعارض هذا العقل.
والشريعة -كما ذكر شيخ الإسلام- تأتي بِمَحَارات العقول، ولا تأتي بِمُحَالات العقول، يعني: تأتي بما يتحير فيه العقل البشري؛ لقصوره، ولكن ليس في الشرع ما يستحيل عقلًا، ليس في الشرع ما هو مُستحيلٌ عقلًا.
فمثلًا: حينما تقرأ نعيم الجنة وما أعدَّ الله لأهل الجنة مما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ، حينما تقرأ شيئًا من هذا النَّعيم تتحير، حينما تقرأ أن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلِّها مئة عامٍ لا يقطعها تتحير في تفهم هذا المعنى، لماذا؟
لأنه لا يخطر بعقلك أن شجرةً تسير مئة سنةٍ في ظلِّها لا تقطعها، لكن هل هذا مُستحيلٌ؟
ليس مُستحيلًا، فالله على كل شيءٍ قديرٌ.
أهل الكلام جعلوا عقولهم حاكمةً، فأي شيءٍ لا تستوعبه عقولهم ينفونه، ويُبْطِلونه، ويُأَوِّلونه، ويُحَرِّفونه؛ فلهذا نجد منهم مَن أبطل ما جاءتْ به النصوص الشرعية من وصف الصراط.
جاء في وصف الصراط أنه أدقُّ من الشعرة، وأَحَدُّ من السيف [1].
جاء هؤلاء الذين يُقَدِّسون عقولهم ويجعلونها إلهًا من دون الله، ويجعلونها مرجعًا وحاكمًا على شرع الله، وقالوا: هذا الصراط بهذه الصفة غير صحيحٍ.
يعني: لا يمكن لأحدٍ أن يمشي على هذا الصراط، فأنكروه، وأوَّلوه، وحرَّفوا معناه إلى معنى الصراط المعنوي، مثل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، قالوا: الطريق، وليس كما جاء في الأحاديث.
وأنكروا الحوض الذي في العَرَصَات مسيرة شهرٍ، وعدد كيزانه كنجوم السماء، أنكروه؛ لأن عقولهم لم تستوعب هذا المعنى.
وأنكروا الميزان الذي تُوزن به الأعمال، وأنكروا عذاب القبر ونعيمه؛ لأنهم لم تستوعب عقولهم، أو أنهم لا يُشاهدونه.
هذا نوعٌ من الإلحاد، وهذا يتنافى مع الإيمان بالغيب الذي وصف الله به أهل الإيمان: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، والغيب هو ما غاب عن حِسِّك، ولم يُدركه عقلك، وما أخبرنا الله به، وأخبر به النبي .
أما أن الإنسان لا يؤمن إلا بما يُشاهده وتُدركه حواسُّه؛ فهذا يتساوى فيه المؤمن والمُلحد.
فالإشكال عند هؤلاء أنهم جعلوا عقولهم القاصرة هي الحاكمة على ما جاء من صفات الله ، فصاروا يُثْبِتُون بعض الصفات، ويُنكرون بعضًا؛ لأن عقولهم أثبتت البعض، ونَفَت البعض.
والشيخ يقول: إنَّ ما نَفَوه بعقولهم إنما نَفَوه بأهوائهم، وهذه ليست عقولًا صحيحةً، وإنما هي جهالاتٌ وضلالاتٌ.
وحينما نُنْكِر على أهل التَّأويل وأهل التَّفويض وأهل التَّعطيل نُنْكِر عليهم ما يدَّعون أنه عقلٌ، ونفوا به ما جاء في كتاب الله وسُنة رسوله ؛ نحن بذلك لا ننفي العقول السليمة، ولا ننفي الدلائل العقلية، وإنما ننفي ونُنكر ما يُدَّعى بأنه دليلٌ عقليٌّ، أو أنه عقلٌ صحيحٌ، وإنما هو -في الحقيقة- عقلٌ فاسدٌ وجاهلٌ وضلالٌ، بل ذكر شيخ الإسلام في مواطن أن ما يُدَّعى أن العقل نفاه يمكن إثباته بالدلائل العقلية، بل يمكن إثبات فساد كلامهم بالدلائل العقلية.
كل ما يُوردونه من دلائل عقليةٍ على نفي صفات ربِّ البرية هي -في الحقيقة- ليست عقليات صحيحةً، وإنما هي جهليات وضلالات.
نعم.
القارئ: أحسن الله إليكم.
الرد على أهل النفي ببيان أن إمامهم فرعون
قال رحمه الله:
وفرعون هو إمام النُّفاة؛ ولهذا صرَّح مُحقق النُّفاة بأنهم على قوله -كما يُصرح به الاتحادية من الجهمية النُّفاة- إذ هو الذي أنكر العلو، وكذَّب موسى فيه، وأنكر تكليم الله لموسى، قال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:36- 37].
والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنه أنكر الصَّانع بلسانه فقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]، وطلب أن يصعد لِيَطَّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أن إلهه فوق لم يقصد ذلك، فإنه هو لم يكن مُقِرًّا به، فإذا لم يُخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى ، فلا يقصد الاطلاع، ولا يحصل به ما قصده من التَّلبيس على قومه بأنه صعد إلى إله موسى في السماء، ولكان صعوده إليه كنزوله إلى الآبار والأنهار، وكان ذلك أهون عليه، فلا يحتاج إلى تكلُّف الصَّرْح.
الشيخ: الشيخ يُبين هنا أن هؤلاء الذين يُقَدِّمون عقولهم القاصرة على شرع الله هم -في الحقيقة- مُقلِّدون لأئمتهم، مُقلِّدون لمَن يزعمون أنه عالمٌ بالعقليات، وليس عندهم علمٌ في الحقيقة، بل هم مُتَّبعون للفلاسفة وما تُنتجه العقول الفاسدة من اليونان والرومان، وما تلقّوه عن هؤلاء، مثل: أتباع فرعون، كما قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ، فهم أطاعوا النُّفاة ومَن يزعمون أنه عالمٌ بالعقليات، وإنما هذا كله جهليات.
فرعون إمام النفاة في إنكار العلو
فَنُفَاة العلو إمامهم السابق لهم هو فرعون؛ لأن فرعون أنكر العلو، ويدل عليه قوله تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وإني لأظن موسى كاذبًا في دعواه أن الله في السماء، قال: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ.
إذن كما هو واضحٌ من الآية: أن موسى قد ذكر أن الله في السماء، فأراد فرعون أن يُكَذِّب موسى ، وأراد أن يصعد إلى السماء لِيُبَيِّن أن ليس ثَمَّ إلهٌ، وأن فرعون هو الربُّ حينما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، يُنْكِر ويستكبر، فطلب أن يصعد لِيَطَّلع إلى إله موسى ، فهذا دليلٌ على أن موسى أخبره أن إلهه فوق.
ولهذا يقول العلماء: مَن أثبت العلو -علو الله بذاته فوق سماواته- فهو موسوي، ومَن أنكر العلو فهو فرعوني.
فرعون هو الذي يُنكر علو الله، وموسى أثبت علو الله ، والذين يُنكرون العلو هم -في الحقيقة- تابعون لفرعون ومَن سلك منهجه ممن ينفي علو الله .
ويلزم من نفي العلو: إما العدم، أو القول بالحلول.
كما سبق معنا في الدرس السابق: أن الجهمية المُعَطِّلة الذين ينفون العلو إما أن يقولوا: إن الله في كل مكانٍ، حينما ينفون علو الله على عرشه -استواءه على عرشه وعلوه فوق خلقه- إما أن يقولوا: إن الله في كل مكانٍ؛ فيقعون في عقيدة الحلول والاتحاد -والعياذ بالله- فيجعلون الله هو عين المخلوقات، أو حالٌّ في المخلوقات، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وإما أن ينفوا عنه النَّقيضين فيقولون: لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، ولا داخل العالم، ولا خارج العالم.
وهذا عَدَمٌ مَحْضٌ، وهذا إنكارٌ للربِّ .
هذه اللوازم الفاسدة تدل على فساد هذا المذهب الذي هو مذهب فرعون، وهو نفي علو الله .
نعم.
مذهب الأنبياء عليهم السلام إثبات العلو
القارئ: أحسن الله إليكم.
وذكر أنه رجع إلى موسى ثم رجع إلى ربه مرارًا، فصدَّق موسى في أن ربه فوق السماوات، وفرعون كذَّب موسى في ذلك، والجهمية النُّفاة مُوافقون لآل فرعون أئمة الضلال، وأهل السُّنة والإثبات مُوافقون لآل إبراهيم أئمة الهدى.
وقال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:72- 73].
وموسى ومحمدٌ من آل إبراهيم، بل هم سادات آل إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين.
الشيخ: يعني: أن إثبات العلو هو مذهب الأنبياء عليهم السلام، كل الأنبياء على هذه العقيدة الصحيحة التي فطر الله الناس عليها: بأن الله فوق كل شيءٍ، له العلو المُطلق ، ومَن أثبت ذلك فهو على منهج الأنبياء، ومَن أنكر علو الله على خلقه فهو على منهج فرعون وقومه الذين اتَّبعوه وضلُّوا وأضلَّهم.
فهذا ما ذكره الشيخ من الدلائل على علو الله .
نعم.
القارئ: أنعم الله عليكم.
تتمة الوجوه في إثبات صفة العلو
قال رحمه الله:
الشيخ: هذا الوجه الثاني، أين الوجه الأول؟
الشيخ هنا ماذا يقول؟
"في تبيين وجوب الإقرار بالإثبات والعلو لله على السماوات"، يعني: في قوله: "فصلٌ" في أول الرسالة: "إذا تبين ذلك فوجوب إثبات العلو لله ونحوه يتبين من وجوهٍ".
الوجه الأول من الوجوه: "أحدها أن يُقال: إن القرآن والسنن ..".
وهنا هذا الوجه الثاني.
القارئ: أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله:
الوجه الثاني: كمال الدين وإتمام النعمة يقتضي بيان الصفات
وكيف يكون الدين قد كمل وقد تُرِكُوا على الطريقة البيضاء وهم لا يدرون بماذا يعرفون ربهم؟! أبما يقوله النُّفاة أو بأقوال أهل الإثبات؟!
الشيخ: هذا رجوعٌ للقواعد التي ذكرها الشيخ في بداية هذه الرسالة، فقد ذكر عدة قواعد سيبني عليها الردّ، فهذا الردّ مبنيٌّ على القواعد السابقة.
وسبق أن ذكر رحمه الله أن الدين قد كمل، وبيَّن ما يدل على ذلك، وأن الله أتمّ النعم، وأن الله أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيءٍ، وأن معرفة ما يستحقه الله وما يتنزَّه عنه هو من أَجَلِّ الأمور وأعظم الأصول، وأن بيان ذلك وتفصيله أولى من كل شيءٍ.
قال: "فكيف يجوز" يعني: مع هذا "أن يكون هذا الباب" يعني: باب الصفات -إثبات الصفات لله - "لم يُبَيِّنه الرسول ؟!".
الدين قد كمل، والنبي قد بيَّن كل شيءٍ، فكيف يجوز مع هذا أن يكون هذا الباب -باب الصفات- لم يُبَيِّنه النبي ، ولم يُفَصِّله، ولم يُعَلِّم أُمَّته ما يقولون في هذا الباب؟! كما يزعمه مَن؟ أهل التَّفويض وأهل التَّأويل.
نقول: أعطونا من كلام الله أو من كلام رسوله أو من كلام الصحابة ما يدل على قولكم في النَّفي وفي التَّأويل.
لا يجدون حرفًا يدل على كلامهم.
الشيخ هنا يقول: كيف يكون هذا ولم يُعلم أُمته ما يقولون في هذا الباب؟! يعني: في باب الصفات.
كيف يُقال: إن الرسول لم يُعلم أُمته ما يدل على الحقِّ في باب الصفات؟!
وكيف يكون الدين قد كمل وقد تركهم النبي على المَحَجَّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالكٌ، وهم لا يدرون بماذا يعرفون ربهم؟! أبما يقوله النُّفاة أو بأقوال أهل الإثبات؟
هل يمكن وهل يُعقل أن الله جعل الناس بلا هدايةٍ؟!
وهل يمكن أن يكون الرسول ترك الناس لا يعلمون ما يعتقدون في الله؟!
هل يعتقدون بقول النُّفاة الذين نفوا الصفات، أو يعتقدون بقول أهل الإثبات؟
ليس هناك دليلٌ يفصل في هذه المسألة! هل يُعقل هذا؟!
هذا لا يُعقل، فلا يمكن لمسلمٍ ومؤمنٍ يعتقد أن الرسول بلَّغ البلاغ المُبين وبيَّن ما أنزل الله أن يعتقد أن النبي جعل هذا الباب مُلتبسًا على الناس، لا يدرون هل ينفون أو يُثْبِتُون؟
الاعتقاد بهذا القول من أعظم الزندقة والنفاق، كما ذكر الشيخ رحمه الله.
نعم.
القارئ: أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله:
الوجه الثالث: كل مَن عنده علمٌ وتَعَبُّدٌ لله يحرص على معرفة الصفات
والقلوب مجبولةٌ مفطورةٌ على طلب العلم بهذا، ومعرفة الحقِّ فيه، وهي مُشتاقةٌ إليه أكثر من شوقها إلى كثيرٍ من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقُدرة يجب حصول المراد، وهم قادرون على سؤال الرسول ، وسؤال بعضهم بعضًا، وقد سألوا عما هو دون هذا.
سألوا: أنرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم.
وسأله أبو رَزِين : أَوَيَضْحَك الربُّ؟ قال: نعم، فقال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا [3].
ثم إنهم لما سألوا عن الرؤية قال : سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر [4]، فَشَبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.
والنُّفاة لا يقولون: يُرَى كما تُرَى الشمس والقمر، بل قولهم الحقيقي: أنه لا يُرَى بحالٍ.
ومَن قال: يُرَى؛ مُوافقةً لأهل الإثبات ومُنافقةً لهم، فسَّروا الرؤية بمزيد علمٍ، فلا تكون كرؤية الشمس والقمر.
والمقصود هنا أنهم لا بد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه، وإذا سألوه فلا بد أن يُجيبهم.
ومن المعلوم بالاضطرار أن ما يقوله الجهمية النُّفاة لم يُنْقَل عن أحدٍ من أهل التَّبليغ عنه، وإنما نقلوا عنه ما يُوافق قول أهل الإثبات.
الشيخ: نعم، هذا الوجه الثالث: أن يُقال لهؤلاء النُّفاة: إن كل مَن فيه أدنى محبةٍ للعلم وللعبادة لا بد أن يخطر في قلبه هذا الباب، وهو صفات الله ، والتَّعرف على الله ، وأن يطلب التَّعرف على الله من خلال الآيات الواردة في صفات الله ، وأن يتعلم الخطأ من الصواب؛ حتى لا يعتقد في الله عقيدةً فاسدةً.
كل مَن عنده علمٌ وتَعَبُّدٌ لله فهو يحرص على هذا الباب؛ يحرص على أن يتعلم ما يليق بالله من صفات الكمال، وأن يعرف المنهج الفاسد؛ حتى يجتنبه ويبتعد عنه.
حرص الصحابة على معرفة باب الصفات
فلا يُتصور أن يكون الصحابة وهم خير القرون، وتلقوا عن الرسول ، وكذلك التابعون لهم بإحسانٍ؛ لا يُتصور أن يكونوا مُعْرِضين عن تعلم هذا الباب: مُعْرِضين عن سؤال النبي عن الحقِّ في باب الصفات، وعمَّا يجب اعتقاده.
هذا لا يُتصور أن يحصل من الصحابة : الإعراض عن معرفة الحقِّ والصواب في هذا الباب.
ومعلومٌ أنهم يتوجَّهون إلى الله بقلوبهم ليلًا ونهارًا، ويدعونه، ويتضرعون إلى الله، فهل يُعْقَل أنهم لا يعلمون ولا يسألون عمَّا يجب اعتقاده بالله في هذا الباب؛ في باب الصفات؟!
هذا غير صحيحٍ، وهذا افتراضٌ باطلٌ.
يقول الشيخ رحمه الله: "والقلوب مجبولةٌ مفطورةٌ على طلب العلم بهذا"، يعني: على طلب العلم بما يليق بالله من صفات الكمال والجلال، ومعرفة الحقِّ في هذا الباب، "وهي مُشتاقةٌ إليه أكثر من شوقها إلى كثيرٍ من الأمور".
فإذا وُجِدَتْ إرادةٌ جازمةٌ وقُدرةٌ على حصول المطلوب بالسؤال -السؤال عن المراد في هذا الباب- وهم يقدرون على أن يسألوا النبي عن الحقِّ في باب الصفات، فهل يُعقل أنهم لم يسألوه؟!
وهل يُعقل أن يكونوا قد تُرِكُوا بلا تعليمٍ؟!
وهل يُعقل أن الصحابة لا يعلمون الحقَّ في باب الصفات؟! هل يُثْبِتُون أو ينفون؟
أدلة لحرص الصحابة على معرفة الصفات
هذا غير صحيحٍ، والدليل على أنه غير صحيحٍ: أن الصحابة سألوا رسول الله أسئلةً هي دون هذا السؤال الكبير في المنهج؛ سألوا النبي : هل نرى ربنا؟ وهذا أيضًا من باب معرفة الصفات: هل نرى ربنا؟
وسألوه: أَوَيَضْحَك الربُّ؟ قال: نعم، قالوا: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا.
سألوه عن الرؤية فقال: سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر [5]، إنكم سترون ربكم عِيَانًا [6] يعني: بأبصاركم، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحابٌ [7].
وهذا تشبيهٌ للرؤية بالرؤية، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، تشبيهٌ للرؤية بالرؤية، تشبيهٌ لرؤيتك، تشبيه رؤيتك لله برؤيتك للقمر، وليس تشبيهًا لله بالقمر، تعالى الله عن ذلك.
التَّشبيه للرؤية بالرؤية: لا تُضَامُّون في رؤيته [8]، لا تَضَامُون في رؤيته، لا تُضَارُّون في رؤية ربكم [9]، لا يحصل تزاحمٌ، بل كلٌّ يرى الله كما ترون القمر ليلة البدر.
فالصحابة سألوا النبي هذه الأسئلة، فدلَّ على أنهم عندهم رغبةٌ في تعلم الحقِّ في هذا الباب، وسألوا، وأرشدهم النبي إلى الحقِّ، فكيف يُقال: إن الرسول لم يُبين الحقَّ في هذا الباب؟! أو أن الله أحال الناسَ إلى عقولهم؟! أو أن الرسول أحال الناسَ إلى عقولهم؛ ليعرفوا ما يجب إثباته لله، وما يجب نفيه عن الله؟!
هذا غير صحيحٍ، فليست العقول البشرية هي التي تُشَرِّع، وهي التي تصف الله أو تنفي صفات الله، إنما نعلم صفات الله من الوحي، والله هو الذي يُعرفنا بما شاء من صفاته .
وبيَّن الشيخ رحمه الله أن هؤلاء النُّفاة لا يقولون: إن الله يُرَى كما تُرَى الشمس والقمر، بل إنهم -في الحقيقة- ينفون الرؤية، أو يجعلون لها قيودًا تَؤُول إلى نفي حقيقتها.
والنبي قال لأصحابه: إنكم سترون ربكم عِيَانًا يعني: بأبصاركم، كما ترون الشمس ليس دونها سحابٌ.
والله يقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22- 23].
هذه آياتٌ وأحاديث صريحةٌ في الرؤية؛ رؤية العين الباصرة التي في الوجه إلى الله ؛ ولهذا كان من دعاء النبي : وأسألك لَذَّة النظر إلى وجهك [10]، نسأل الله من فضله.
نعم.
القارئ: أنعم الله عليكم.
الشيخ: المقصود هنا أنهم لا بد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه، وإذا سألوه لا بد أن يُجيبهم، يعني: الصحابة لا بد أنهم قد سألوا النبي عن ربهم، عن معبودهم، فهذا أعظم سؤالٍ.
كيف يسألونه عن دقائق الأمور، ويسألونه عن آداب ومُستحبات، ويتركون هذا السؤال الأهم والأعظم؟! وهو السؤال عن الله ؛ عما يليق به من صفات الكمال.
الشيخ يقول: لا بد أن يسألوا عن ربهم الذي يعبدونه، وإذا سألوه لا بد أن يُجيبهم ببيان الحقِّ في هذا الباب.
ومن المعلوم بالاضطرار أن ما يقوله الجهمية النُّفاة لم يُنْقَل عن أحدٍ من أهل التَّبليغ عنه، وإنما نقلوا عنه ما يُوافق قول أهل الإثبات.
يعني: أن قول النُّفاة -قول الجهمية الذين ينفون عن الله الصفات- هذا لا يمكن أن يُنْقَل عن أحدٍ، لا من الأنبياء، ولا من الصحابة ، فلا يوجد حرفٌ ولا كلمةٌ في هذا الباب عن السلف الصالح فيما يُوافق قول النُّفاة من الجهمية، وإنما كل ما يُنْقَل عن السلف الصالح من الصحابة كله في الإثبات؛ في إثبات صفات الكمال لله .
وإذا كان كل ما نُقِلَ في هذا الباب إنما هو من باب الإثبات؛ دلَّ على فساد وضلال منهج المُعَطِّلة من أهل التَّأويل والمُفَوِّضة الذين يُنكرون ما ثبت من صفات الكمال لله في كتاب الله، وفي سُنة رسوله .
هذه أوجهٌ ثلاثةٌ، وسيذكر الشيخ رحمه الله أيضًا بقية الردود على أهل التَّعطيل، وما يلزم على كلامهم من تعطيل النصوص.
لعلنا نكتفي بهذا القدر.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يهدينا ويُسددنا في أقوالنا وأعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.
| ^1 | رواه مسلم:183. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 3887، ومسلم: 162. |
| ^3 | رواه ابن ماجه: 181، وأحمد: 16187، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2810. |
| ^4 | رواه البخاري: 554، ومسلم: 633، وكلاهما دون ذِكْر الشمس. |
| ^5 | رواه البخاري: 7434، ومسلم: 633. |
| ^6 | رواه البخاري: 7435. |
| ^7 | رواه البخاري: 806، ومسلم: 182 بلفظ: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تُمَارُون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحابٌ؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: فهل تُمَارُون في الشمس ليس دونها سحابٌ؟ قالوا: لا. قال: فإنَّكم ترونه كذلك. |
| ^8 | رواه البخاري: 554. |
| ^9 | رواه البخاري: 7439. |
| ^10 | رواه النسائي: 1305، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1237. |