- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
قوله: "الوجه الثاني: أن الله قد حضهم على.." (2)

جدول المحتويات
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو الدرس الثاني في التعليق على "القاعدة المَرَّاكُشِيَّة" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد مر معنا في الأول سبب تأليف الشيخ لهذه الرسالة؛ السؤال الذي وُجِّه إليه، ومقاصد هذه الرسالة، ومرَّ معنا أيضًا ذكر بعض منهج أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال، كما تم التعريف بمنهج أهل التفويض، وعلمنا أن منهج أهل التفويض داخلٌ في اتجاه التعطيل لصفات رب العالمين.
فالمعطِّلة إما أن يكونوا مؤوِّلةً أو مفوِّضةً، إما أن يكونوا مؤوَّلةً التأويل التفصيلي، أو مفوِّضةً، وهو ما يُسمَّى بالتأويل الإجمالي؛ بحيث لا يذكرون للَّفظ معنًى يصرفون إليه هذا الظاهر الذي يزعمون أنه غير مرادٍ، وتبيَّن لنا في الدرس الأول الفروق، وما يجتمع فيه المنهجان وما يفترقان فيه، وعلمنا أن المؤوِّلة والمفوَّضة كلاهما معطِّلٌ، ويقولان بأن الظاهر غير مرادٍ، وأن الظاهر لا يليق برب العباد، وأن الظاهر يجب عدم اعتقاده، وأن هذه الآيات من المتشابه -آيات الصفات التي لا يثبتونها- فيتفقون في هذه الأمور.
ويفارق المفوِّضة أهلَ التأويل (المؤوِّلة) في أن المفوِّضة لا يذكرون معنًى للَّفظ، فيجعلون اللفظ محتملًا لعدة معانٍ لا يُدرى أيها المراد، ولا يشتغل القارئ بتأويلها أو بصرفها إلى أيٍّ من هذه المعاني المحتملة، بل يوجبون قراءته دون التدخل في فهم معناه.
أما أهل التأويل التفصيلي: فهم يشتغلون بصرف اللفظ عن ظاهره إلى معانٍ أخرى لا يدلُّ عليها الظاهر ولا يُسعفها السياق؛ لأن همَّهم صرفُ النص عن ظاهره.
أهل التأويل كانوا مهتمين بصرف النص عن ظاهره بتعطيل النص الدال على الصفة -تعطيله عن دلالته- فيذكرون معانيَ أخرى بعيدةً عن السياق، ويُسمُّون هذا التحريف "تأويلًا"، وهو في الحقيقة ليس تأويلًا صحيحًا؛ لأن من شروط التأويل في اصطلاح المتأخرين من الأصوليين وغيرهم: الذي هو "صرف اللفظ عن ظاهره إلى غير ظاهره؛ لقرينةٍ تقترن به، أو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليلٍ أو لقرينةٍ"، هذا الشرط غير متوفرٍ في تأويلات أهل الكلام، فليس ثمَّة قرينةٌ تَصرف النص عن ظاهره، إلا ما يدعونه من معارضة العقل، والزعم بأن الظاهر هو التشبيه والتمثيل، فيصرفونه إلى معانٍ أخرى لا قرينة تدل عليها، فصارت تأويلاتهم تحريفًا وتعطيلًا.
فهذا سبق الكلام فيه.
أوجُه إثبات أن معانيَ القرآن معلومةٌ ومفهومةٌ
وبدأنا بكلام الشيخ رحمه الله، بعد أن مهَّد الشيخ رحمه الله بعدة قواعد في الرد على هؤلاء؛ بيَّن أن الصحابة يعلمون معاني النصوص، وأنه ليس في القرآن آياتٌ لا يَعلم معناها إلا الله، وذكر على ذلك عدة أدلةٍ، وذكرنا أو قرأنا ما ذكره الشيخ رحمه الله من هذا، وذكر وقرأنا الدليل الأول الذي ذكره الشيخ: وهو أن الصحابة كانوا يقرءون القرآن ويعلمون معناه، ولأن فهم المعنى هو المراد من هذه الألفاظ، وأن أي شخصٍ يقرأ كتابًا في أي فنٍّ من الفنون، سواءٌ في الطب أو في النحو أو في الفقه، إنما يقرؤه ليَعرف مضمونه ومعناه، وإلا فلا فائدة من قراءته له، فإذا كان هذا في عموم الكلام وعموم الخطاب وعموم الكتاب؛ فهو في كلام الله أولى وأحرى، أن الصحابة حينما يقرءون كتاب الله، ويسمعون كلام الله من رسول الله الذي بلغه والذي بيَّنه؛ فإنهم أولى الناس وأحرى الناس أن يكونوا قد فهموا هذا الكلام الذي أنزل هدايةً للناس.
القرآن أنزله الله هدايةً وموعظةً وذكرى، فمِن المستحيل أن يكون الصحابة يقرءون القرآن ولا يفهمون معناه، ولا يسألون رسول الله المبيِّن المبلِّغ الذي قال الله في حقه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، ومن البيان: بيان معانيه.
ففي عادة الناس أن يكون الشخصُ عنده رغبةٌ لأنْ يَفهم الخطاب، فكيف لا يكون ذلك عند صحابة رسول الله ؟! وكيف لا يكون ذلك في كلام الله ؟! لا شك أن هذا فيه أعظم الرغبات في أن يُفهَم المقصود والمراد به؛ ولهذا ذكر الشيخ رحمه الله أنه من المعلوم أن رغبة رسول الله في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، هم يتعلمون حروفه، يعني يتعلمون ألفاظه، وكذلك يتعلمون معانيه، وتعلُّم المعنى أعظم وأهم من تعلم مجرد الحروف؛ لأن تعلم الحروف والكلماتِ مجردةً عن المعاني لا يحصل بها المقصود من الهداية، ما الفائدة من أن تقرأ كلامًا لا تفهم معناه ولا تعرف المقصود به؟!
فهذا هو الوجه الأول الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وسيذكر وجوهًا بعد ذلك.
إذنْ محور النقاش مع أهل التفويض والقضية الكبرى والمرتكز الأهم في النقاش معهم هو ماذا؟ مسألة فهم المعنى، فهم المعنى، هم يقولون: المعنى لا يعلمه إلا الله، وأن الواجب عليك أن تتلو القرآن فقط، ولا تسأل عن المعنى، ولا تحاول أن تفهم معاني نصوص الصفات، والشيخ يُناقشُهم في هذا، في هذه القضية الكبرى: أن فهم المعاني هو المقصود الأعظم، وأن معاني القرآن قد فهمها الصحابة ، وأن القرآن أُنزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، ويمكن أن يُفهم معناه.
أمر الله بتدبر القرآن وتعقله
القارئ: بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيِّه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين والسامعين.
قال المصنف شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية الحرَّانيُّ رحمه الله في كتابه "العقيدة المَرَّاكُشِيَّة":
الشيخ: هذا هو الوجهُ الثاني، وهو وجهٌ بيِّنٌ واضحٌ في الردِّ على أهلِ التفويضِ الذين يزعمون أنه لا يمكن أن تُفهَم معاني نصوص الصفات، قال الشيخ: إن الله قد حضَّ على تدبُّرِ كتابه وتعقُّلِه واتباعه، ومن ذلك قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، وقوله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82]، ومِن لازم التدبُّر: الفهم، لا يمكن لأحدٍ أن يتدبَّر ما لا يفهم معناه، لا يمكن لأحدٍ أن يتدبَّر ما لا يمكن فهم معناه، يعني أنت لو قلت لشخصٍ: تدبَّر هذا الكلام الذي لا تفهم معناه، ولنفترض: أن شخصًا يقرأ كلامًا بلغةٍ لا يفهمها، يُحسن قراءتها ولا يفهم معناها، فلو قيل له: عليك أن تتدبَّر هذا الكلام الذي تقرؤه؛ هل يحصل التدبر؟ هل يمكن أن يحصل له التدبر؟ لا، يقرأ لكن لا يفهم معاني اللغة.
فهذا لا يمكن أن يحصل به المقصود، بل فيه تعذيبٌ للنفس، أن تأمر شخصًا بأن يتدبر ما لا يفهم معناه، فلما أمرنا الله بتدبر كتابه؛ دلَّ على إمكان فهمه، وفي هذا ردٌّ على أهل التفويض الذين يقولون: إن المعاني لا يعلمها إلا الله، وهذا يأتي كثيرًا في تفاسير المفوِّضة حينما يمرون بآيات الصفات، فيقولون: الله أعلم بمراده به، أو يكون هذا يحتمل أكثر من معنًى لا يُدرى أيها المقصود، ويقولون: الله أعلم بمراده به، فإذا كان الله قد حض على التدبر، حض حتى الكفار والمنافقين على تدبر القرآن، وأن يتعلموا معانيه؛ فهذا يدل على إمكانه، فإذا كان ممكنًا للكفار والمنافقين؛ فكيف لا يكون ممكنًا للمؤمنين؟! بل كيف لا يكون ممكنًا لأفضل هذه الأمة وخير القرون، وهم صحابة رسول الله ؟!
فهذا يدل على أي شيءٍ؟ على أن معاني القرآن معلومةٌ، وأنها كانت معروفةً للصحابة .
وقد سبق معنا في الدرس الأول قول أبي عبدالرحمن السُّلَمي أنهم كانوا إذا كان الصحابة الذين يقرءون القرآن، عثمان بن عفان إلى آخره، قال: كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا.
فإذا تَلَوا وحفظوا عشر آياتٍ، تعلموا معناها وعلموها وعملوا بها؛ فهذا كله يدل على أنهم يعلمون المعاني، وليس كما يزعمه أهل التفويض أن المعاني مجهولةٌ للناس.
أنزل الله القرآن عربيًّا ليُعقل
القارئ: أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، الله أنزل هذا القرآن ليُعقَل وليُفهَم، ولا يمكن أن يُعقل إلا مع العلم بمعانيه، فأنت إذا خاطبت شخصًا بكلامٍ وقلت له: عليك أن تعقل ما أقول لك، هذا لا يمكن أن يَحصل المقصود إلا إذا كان يفهم المعاني، وإلا إذا كان يفهم مضمون الخطاب.
فالله لما قال: إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3]، يعني: تعقلونه وتفهمون معانيه؛ فدل على إمكان فهم المعنى.
القارئ: أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
ذمُّ الله من لا يفقه القرآن
الشيخ: الله ذمَّ الكفار بأنهم لا يفقهون الكلام، ذمَّ الكفار بأنهم لا يكادون يفقهون حديثًا، فلو كان المؤمنون لا يفهمون كلام الله ولا يفقهونه؛ لكانوا مشابهين للكفار ومشاركين لهم، ولكانوا مذمومين، من لا يفقه كلام الله، من لا يفهم كلام الله مذمومٌ؛ ولهذا ذمَّ الكفار الذين لا يفقهون كلامه، فكيف يُقال: إن أفضل هذه الأمة من الصحابة ومن التابعين لا يفقهون ما يقرءون، وأنهم لا يعلمون معاني نصوص الصفات؟! فهذا لا شك أنه ذمٌّ لهم، وهذا فيه مساواةٌ لأفضل هذه الأمة بالكفار والمنافقين في عدم الفقه وعدم العلم بمعاني نصوص الصفات.
ذمُّ الله مَن حظُّه السماع دون فهمٍ واتباعٍ
القارئ: أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: الله ذم من لم يكن حظه من سماع كلامه إلا مجرد سماع الصوت واللفظ بدون فهم المعنى؛ كما قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة:171]، فالذي لا يفقه ولا يفهم المعاني وإنما يكون عنده مجرد سماع الصوت فقط أو سماع التلاوة كما يقول أهل التفويض: إن الواجب هو التلاوة فقط لآيات الصفات دون فهم المعنى، قالوا: الإيمان بها هو تلاوتها، فهؤلاء في الحقيقة جعلوا الواجب على المؤمنين هو عدم الاهتداء بما تضمنته آيات القرآن، وهذا مذمومٌ كما قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]، الأنعام هي التي تسمع الأصوات ولا تفقه المعاني، وكذلك من لم يُرد الله هدايته من الكفار والمنافقين الذين يسمعون الكلام ولا يفهمونه فهم الاهتداء.
فمن جعل الصحابة ومن تبعهم بإحسانٍ غير عالمين بمعاني النصوص وما تضمنته من هدايةٍ، وما تضمنته من معاني الصفات وإثبات الصفات لله رب العالمين؛ فقد جعلهم في منزلة الكفار والمنافقين الذين يسمعون ولا يفهمون ولا يفقهون، ويكون سماعهم مجرد سماع الأصوات والألفاظ والتلاوات، دون فقهٍ لما تضمنته من الهدايات ومن الدلالات لصفات رب الأرض والسماوات، وهو الله .
هذا القرآن أنزله الله هدايةً، ولا يمكن أن تحصل الهداية بالقرآن إلا بفهم معناه، أما الذين يزعمون أنهم لا يفهمون معناه فإنهم لا يهتدون به.
فهذا ما قصده الشيخ في الرد عليهم، في كون أن المراد والواجب هو مجرد التلاوة بلا فهمِ معنًى.
تفسير الصحابة جميع القرآن للتابعين بما في ذلك آيات الصفات
القارئ: أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هنا أيضًا ملحظٌ مهمٌّ، الشيخ رحمه الله يُقرِّر أن الصحابة فهموا القرآن كله، واستدل بما جاء عن مجاهدٍ، قال: "عرضت المصحف على ابن عباسٍ رضي الله عنهما من أوله إلى آخره، أُوقِفُه عند كل آيةٍ وأسأله عنها"، ما استثنى آيات الصفات كما يزعمه أهل التفويض، ما قال: إني سألته عن كل آيةٍ إلا آيات الصفات، أو إلا بعض القرآن، قال: "أُوقِفُه عند كل آيةٍ منه وأسأله عنها"، فهو سأل عن جميع آيات القرآن، وفسرها له ابن عباسٍ رضي الله عنهما، حبر الأمة الذي قال النبي فيه: اللهم فَقِّهه في الدين، وعَلِّمه التأويل [1].
فمجاهد الذي قال فيه سفيان: "إذا جاءك التفسير من مجاهدٍ فحسبك به"، أخذ تفسيره عن ابن عباسٍ، وسأل ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما عن كل آيةٍ من كتاب الله، ولم يَستثن من ذلك شيئًا؛ فدلَّ على إمكان فهم آيات الصفات، وليس الأمر كما زعمه أهل التفويض: أنه لا يَعلم المراد بها إلا الله؛ ولهذا قال ابن مسعودٍ : «لو أعلمُ أحدًا أعلمَ بكتاب الله مني تبلغه الإبل؛ لأتيته»، فهو يعلم كتاب الله، ويسأل وسأل عنه، وعرف معانيه.
قال: "وكل واحدٍ من أصحاب ابن مسعودٍ وابن عباسٍ رضي الله عنهم نقلوا عنه من التفسير ما لم يُحصِه إلا الله".
والنقول عن الصحابة في تفسير القرآن كثيرةٌ ومعلومةٌ ومنشورةٌ ومشهورةٌ، لا يوجد نقلٌ عن أي أحدٍ من الصحابة استثنى آيات الصفات من أن تكون معلومة المعنى، لا يوجد أي نقلٍ في هذا، بل الصحابة فسروا القرآن، قد يقف واحدٌ منهم في آيةٍ لا يعلمها، لكن لا يمكن أن تكون الأمة لا تعلم معاني القرآن أو معاني نصوص الصفات، ولا يوجد في ذلك نقلٌ عن أحدٍ من الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أتباع التابعين في القرون المفضلة، لا يوجد نقلٌ عن أحدٍ من أئمة الإسلام في أن نصوص الصفات لا يَعلم معناها إلا الله، ولا أنها من المتشابه الذي لا يَعلم معناه إلا الله، بل تكلموا وفسروا وبيَّنوا ووضحوا معاني القرآن، ومعاني الآيات عامةً، ومن ذلك آيات الصفات.
أنواع الاختلاف بين الصحابة والتابعين في تفسير القرآن
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: طبعًا، الشيخ بدأ يُورد بعض الاعتراضات من أهل التفويض على مسألة فهم الصحابة للقرآن بعد أن ذكر الأدلة على أن القرآن معلوم المعنى ومفهوم المراد، وأن الهداية لا تحصل من القرآن إلا بفهم معانيه.
الله قد جعل هذا الكتاب نورًا وهدًى؛ كما قال : قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15]، فهذا الكتاب الذي هو نورٌ وهدايةٌ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، لا يمكن أن تحصل به الهداية والشفاء والنور واليقين إلا بفهم معانيه، والذين لا يفهمون المعاني، أو إذا وُجد شخصٌ لم يفهم معنى الآية؛ فهذا يعني قصورًا في علمه هو، وليس لامتناع فهم الآية.
فالصحابة فهموا القرآن، وقرءوه وهم يفهمون معناه؛ ولذلك سبق معنا أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مكث في تعلم سورة البقرة ثمانيَ سنواتٍ، يتعلم معناها ويعمل بها.
أما الذين يكتفون من القرآن بالتلاوة فقط -كما يزعمه أهل التفويض- فهؤلاء مذمومون كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78]، يعني: مجرد تلاوةٍ، يقرأ ولا يفهم، وهذا مذمومٌ، كيف تحصل له الهداية في شيءٍ لا يفهمه، ولا يعرف معناه؟! فهذا لا شك أنه مذمومٌ، فالله أنزل هذا القرآن، وأمر بتدبره وتفهمه وتعقُّله، فهذا كله مما يدل على أنه يمكن فهمه، وتحصل الهداية به، والله وصف كتابه بأنه محكمٌ، والمحكم: هو البيِّن الواضح الذي لا اختلاف فيه، ولا يمكن أن يحصل الإحكام بدون فهم المعاني، فمِن الإحكام أن تكون معاني الآيات واضحةً وبيِّنةً ومتوافقةً.
فالشيخ رحمه الله يذكر هذا، وبعد أن قعَّد هذه القواعد، ذكر إيرادًا لهؤلاء المعطلة، كأنهم يقولون: كيف تقولون: إن الصحابة يفهمون المعاني مع أنهم اختلفوا في تفسير القرآن، ولو كان القرآن مفهوم المعنى؛ لم يختلفوا في تفسيره؟ هذا هو إيرادهم، إيراد أهل التفويض، طبعًا بعد أن قرروا أن المعنى لا يفهمه إلا الله، لا يعلمه إلا الله ، وأن الظاهر غير مرادٍ، وأن الصحابة لا يعلمون معاني نصوص الصفات؛ أوردوا إيرادًا، قالوا: لو كانوا يعلمونها، وكانت معلومة المعنى؛ لم يختلفوا، مع أنه وُجد اختلافٌ بين الصحابة في تفسير القرآن، هنا سيَرُد الشيخ على هذا الإيراد.
النوع الأول: اختلاف تنوُّع
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: هذا هو الوجه الأول في الرد على هذه الشبهة، بيَّن الشيخ رحمه الله: أن الاختلاف الوارد عن الصحابة وعن الأئمة عمومًا أنواعٌ، طبعًا، الاختلاف إجمالًا فيه اختلاف تنوعٍ واختلاف تضادٍّ، فذكر النوع الأول، أو من أنواع النوع الأول: أن يُعبِّر كل واحدٍ عن الاسم بعبارةٍ، ويُعبِّر الآخر عن الاسم بعبارةٍ أخرى، وهنا لا يصح أن تقول: اختلفوا، بمفهوم الاختلاف الذي هو التناقض أو التضاد، بمنزلة أسماء الله ، إذا قال واحدٌ: الله هو الرحمن، وقال الآخر: الله هو القدوس، وقال الآخر: الله هو القدير، لا نقول: إنهم اختلفوا، بل هذا تعبيرٌ عن أسماءٍ كلها صحيحةٌ.
وكذلك من أسماء الرسول ، له أسماءٌ كثيرةٌ: أحمد، محمد، الماحي، العاقب، فلا يُقال: اختلفوا في اسم الرسول ، كذلك في الصراط، تفسير "الصراط" في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، قال بعض السلف: الصراط الإسلام، وبعضهم قال: القرآن، وبعضهم قال: العبودية.. إلى آخره.
فهذا لا يُعد اختلافًا، بل هو تنوعٌ في التعبير عن هذا الصراط، وكلها تعبيراتٌ صحيحةٌ، فلا نقول: إنهم اختلفوا في تفسير "الصراط"؛ لأن من قال: هو الإسلام، لا يُناقض قول من قال: هو القرآن، يعني اتباع القرآن، ولا يُناقض قول من يقول: هو السنة والجماعة، ولا يُناقض قول: هو طاعة الله ورسوله؛ لأن هذه كلها متلازمةٌ.
فالشيخ يقول: الاختلاف الوارد عن الصحابة وعن الأئمة هذا نوعٌ منه، وليس هناك تناقضٌ وتضادٌّ بين الأقوال.
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
ثم إن كلًّا منهم يذكر نوعًا من هذا، فإذا قال القائل: الظالم: المؤخر للصلاة عن وقتها، والمقتصد: المصلِّي لها في الوقت، والسابق: المصلِّي في أول الوقت حيث يكون التقديم التفضيل.
الشيخ: الشيخ ذكر أمثلةً أو مثالًا تفصيليًّا لهذا النوع من الاختلاف، قال: قد يكون الاختلاف الوارد عن الصحابة والأئمة هو من باب أن بعضهم يذكر نوعًا من أنواع هذا الشيء، يعني يُعبِّر أو يذكر نوعًا من أنواع الاسم المُفسَّر؛ على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر: مثل ماذا؟ هو الآن سيذكر مثالًا تطبيقيًّا على ذلك، في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32]، من هو الظالم لنفسه، ومن هو المقتصد، ومن هو السابق بالخيرات؟
العبارة أو التفسير الإجمالي: أن الظالم لنفسه: هو المُفرِّط بترك مأمورٍ أو فعل محظورٍ؛ هذا الظالم: المُفرِّط بترك مأمورٍ أو فعل محظورٍ، إذا قال شخصٌ: إن الظالم لنفسه هو الذي يترك مأمورًا؛ مثلًا: يترك المبادرة إلى الصلاة، ويفعل محظورًا؛ يسرق، وقال آخر: يفعل محظورًا؛ يزني، وقال آخر: يفعل محظورًا؛ يكذب، هل بينها تناقض؟ لا، وإنما هذا تمثيلٌ وذِكرُ بعض أنواع هذا الشيء.
وكذلك المقتصد: القائم بالواجبات، التارك للمحرمات، وتحت هذا أمثلةٌ.
والسابق بالخيرات أيضًا: هو الذي يفعل السنن والمستحبات بعد القيام بالواجبات وترك المحظورات، والسنن والمستحبات كثيرةٌ، لو قال شخصٌ: إن السابق بالخيرات هو الذي يصوم التطوع، وقال آخر: إن السابق بالخيرات هو الذي يصلي النوافل، وقال آخر: إن السابق بالخيرات هو الذي يتصدق، لا نقول: إنهم اختلفوا في تفسير "السابق"، ولكنهم حينما يذكرون هذه الأمور؛ يذكرون أنواعًا من السبق بالخيرات، فهذا نوعٌ من الاختلاف في العبارة والتنويع والتمثيل.
فالشيخ رحمه الله هنا يذكر مثالًا تطبيقيًّا على ما يُنقل من الخلاف في تفسير القرآن بين المنقول عن السلف الصالح.
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: انظر الآن المثال الأول هو تطبيقٌ في أي شيئ؟ في الصلاة، المثال الثاني: تطبيق في الزكاة، الثالث: تطبيق في الصيام، للأحوال الثلاثة.
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: وكلها صحيحةٌ، كل التفسيرات صحيحةٌ، فلا يصح أن يُقال: إن السلف اختلفوا اختلاف تناقضٍ أو تضادٍّ بل كلها صحيحةٌ، وكل واحدٍ ممن قال بقولٍ لا يُخطِّئ الآخر، وإنما ذكر مثالًا فقط.
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
يعني قد تجد عن الصحابة أن يقول أحدهم: سبب نزول الآية كذا، ويأتي صحابيٌّ ويذكر سببًا آخر، فهنا يُبيِّن الشيخ أنه لا يُقال هنا: اختلف الصحابة في سبب نزول الآية؛ لأن لهذا محملًا: وهو أن تكون الآية نزلت مرتين، أو أن يكون هناك السببان، تنزل آيةٌ لسببين، وكل واحدٍ ذكر سببًا، ولا خلاف بين السببين، لا تناقض بينهما، قد تكون الآية نزلت لسببين، أو نزلت مرتين، كما ذكر الشيخ هنا.
النوع الثاني: اختلاف تضاد
القارئ: أنعم الله عليكم، قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هنا ذكر الشيخ رحمه الله أن الخلاف في المنقول عن الصحابة قد يكون في أحد الصور الثلاثة؛ لأنه اختلاف تنوعٍ: إما أن كل واحدٍ يُعبِّر عن الاسم بعبارةٍ، أو يذكر نوعًا مما يدخل تحت هذا الاسم، أو يكون للآية سببان، ونحو ذلك.
قال: "وقد يكون بينهم اختلاف تناقضٍ"، وهذا يحصل في الاجتهاد، قد يجتهدون في مسألةٍ، يجتهد أحدهم في مسألةٍ فيرى غير ما يرى صاحبه، لكن هذا قليلٌ، هذا قليلٌ بالنسبة لما لم يختلفوا فيه.
وما نُقل عن الصحابة أكثره متفقٌ، والمسائل التي اختلفوا فيها هي قليلةٌ، سواءٌ كانت في بعض أحكام الصلاة أو الزكاة أو غيرها، فيكون هذا مثل اجتهاد العلماء، يجتهدون في فهم النص، فيكون للمسألة نصٌّ منقولٌ عن رسول الله ، وهناك أصلٌ، ولكن يَختلف الفهم، قد يختلف الفهم والاستنباط في بعض المسائل الفرعية.
عندما نتكلم عن اختلاف التناقض فهو في مسائل فرعيةٍ اجتهاديةٍ، والله أنزل على رسوله الكتاب والحكمة، والكتاب -كما سبق معنا- هو القرآن، والحكمة هي السنة؛ كما قال النبي : ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه [3].
وكل ما صحَّ عن رسول الله فإنه يجب اتباعه، سواءٌ كان متواترًا أو آحادًا، كما سبق معنا في منهج أهل السنة والجماعة، وكل ما صحَّ عن رسول الله فإنه يجب اتباعه، سواءٌ قيل: إنه في القرآن ولم نفهمه، أو قيل: ليس في القرآن؛ لأن الرسول قد يأتي بشيءٍ ليس في القرآن، يعني: كلام الرسول منه ما هو بيانٌ للقرآن، ومنه ما ليس في القرآن كبعض الأحكام، فكله يجب اتباعه؛ لأن الله يقول: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ [النساء:59]، وقال: وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ [الحشر:7]، وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، وقال: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا [النساء:65]، فتجب طاعة الرسول ويجب الأخذ بقوله، سواءٌ كان بيانًا وتفسيرًا وتوضيحًا وتفصيلًا للقرآن، أو ما ذكره من الأحكام.
حكم الخروج عن إجماع السلف الصالح
قال: "كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان فعلينا أن نتبعهم فيه"؛ كل ما اتفق عليه سلف الأمة يجب اتباعهم فيه، ولا يجوز الخروج عن إجماعهم؛ لأن الإجماع حُجَّةٌ يجب اتباعها، ولا يجوز الخروج عما أجمع عليه السلف الصالح، سواءٌ قيل: إنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة؛ لأنه كما يقول العلماء: إن كل إجماعٍ فهو مستندٌ إلى نصٍّ، كل إجماعٍ يكون مستندًا إلى نصٍّ، هذا النص قد يكون ظاهرًا أو لا يظهر لبعض الناس، لكنه يجب اتباع الإجماع؛ كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء:115].
وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله بهذه الآية على الإجماع ووجوب اتباعه وتحريم الخروج عليه، فما نُقل إلينا مما أَجمَع عليه السلف يجب اتباعه، سواءٌ كان هذا مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم، أو كان منصوصًا؛ فإن الإجماع حُجَّةٌ، وهذا كله يُبيِّن أن ما نُقل إلينا من معاني القرآن، فإنه يجب الأخذ به، ولا يجوز لأحدٍ أن يُخالف ما نُقل من معاني القرآن، سواءٌ في السنة، أو جاء عن سلف الأمة.
إثبات صفة العلو لله تعالى
القارئ: أنعم الله عليكم:
أنواع الدلالات على إثبات علو الله
الشيخ: هنا الشيخ رحمه الله يُبيِّن أنواع الدلالات على إثبات علو الله .
الله يثبت له العلو المطلق؛ علو الذات وعلو الصفات، وبعضهم يُقسِّمه إلى ثلاثة أقسامٍ:
- علو الذات.
- وعلو القَدْر.
- وعلو القهر.
وأهل الكلام يوافقون أهل السنة والجماعة على إثبات علو القدر أو القهر، ويُنازعون في أي شيءٍ؟ في علو الذات، لا يوجد طائفةٌ من الطوائف ممن يُثبت لله علو الذات إلا أهل السنة والجماعة، إلا السلف الصالح، هم الذين يُثبتون لله علو الذات صفةً ذاتيةً، ويذكرون الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل، فعلو الذات قد تنوعت الدلالات عليه، ويذكر الشيخ رحمه الله هنا وجوه الدلالة على إثبات علو الله ، وذَكَر أن هذا مستفيضٌ في القرآن والسنة، وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وسائر القرون كلها دالةٌ على علو الله بأنواعٍ من الدلالات.
هو يذكر الأنواع، والأنواع تحتها ماذا؟ أفرادٌ، الأنواع تحتها أفرادٌ من الأدلة كثيرةٌ، النوع تجد تحته عشرات الأدلة، لكن هو يذكر النوع ويذكر مثالًا على هذا النوع، يذكر النوع -يعني النوع من الأدلة على العلو- ويذكر أمثلةً على هذا النوع.
الاستواء على العرش
القارئ: أنعم الله عليكم:
الشيخ: هذا هو الأول، وهو ماذا؟ وهو الاستواء، هل استواء الله على عرشه من أدلة العلو؟ نعم، من أدلة العلو؛ لأن الاستواء هو علوٌّ، وإن كان علوًّا خاصًّا، لكنه من أدلة العلو، كما جاء ذكر هذا الاستواء في سبعة مواضع في القرآن.
عروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه
القارئ: أحسن الله إليكم:
ما وجه الدلالة على العلو من هذه النصوص: بَلْ رَفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ، الرفع يكون من سُفلٍ إلى أعلى، وَرَافِعُكَ إِلَىَّ، وهنا: تَعْرُجُ الملائكة وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ، العروج يكون بالصعود إلى الأعلى، وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ، إِلَيْهِ، إلى الله جل وعلا، هذه أمثلةٌ لهذا النوع، وكل آيةٍ وكل حديثٍ فيه الرفع أو الصعود أو العروج؛ فهو دليلٌ على العلو؛ إذ إن العروج والصعود والرفع إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى.
التنزيل من عنده
القارئ: أحسن الله إليكم:
هذا أيضًا نوعٌ، كل آيةٍ فيها تنزيلٌ من الله؛ فهي دليلٌ على علوه؛ إذ إن التنزيل إنما يكون من أعلى، كما في الآيات التي فيها نزول القرآن، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، فكل ما فيه تنزيلٌ؛ فهو دليلٌ على علو الله .
الأسماء الدالة على العلو
القارئ: أنعم الله عليكم:
الشيخ: هذا دليلٌ أيضًا على العلو المطلق.
قد تجد بعض أهل الكلام يُثبت من هذا أن الله نَصِفُه بالعلو، ولكنك حينما تدخل معه في نقاشٍ وتوضيحٍ؛ تجده لا يُثبت علو الذات، وإنما يُثبت لله علو القدر، فقد يقول: نحن نُثبت لله العلو، يعني: علو القدر أو القهر، مثلما يُقال: الذهب أعلى من الفضة، أو الذهب فوق الفضة، فالفوقية والعلو هنا للتفضيل، وهذا طبعًا معنًى قاصرٌ؛ لأن الواجب إثبات العلو المطلق لله بجميع أنواعه، ولا يصح حصر العلو في بعض أنواعه، ولا يجوز نفي علو الذات لله ؛ لأن النصوص قد تواترت بإثبات علوه بذاته من القرآن ومن السنة كما أشار شيخنا إلى بعضها.
هناك مؤلفاتٌ أُلِّفت من السلف الصالح في إثبات العلو؛ كالذي ألفه الذهبي وابن قدامة، وابن القيم رحمه الله ألف كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وغيره، ألف السلف الصالح مؤلفاتٍ خاصةً في إثبات هذه الصفة؛ لأن أهل البدع عمومًا وكل أهل الكلام ينكرون علو الذات، ينكرون علو الله على خلقه.
الإخبار بأنه في السماء
القارئ: أحسن الله إليكم:
الشيخ: هذا أيضًا نوعٌ من أنواع الأدلة على إثبات علو الله بذاته، وهو في مثل قوله تعالى: ءَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا، قالوا: هذا دليلٌ على أن الله في السماء -يعني في العلو المطلق- في السماء، يعني ماذا؟ فِي هل هي ظرفيةٌ؟ أو بمعنى "على"؛ يعني: على السماء، والسَّمَاءِ ما المقصود بها؟ أهي السبع الطباق، أو كل ما علاك فهو سماءٌ؟ فالله في السماء، في العلو المطلق، على السماء، فهو فوق السماوات ؛ لأنه مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، ولا شيء فوقه ، له العلو المطلق، والعلو من صفات الذات التي لا تنفك عنه ، فهنا قال: ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ، ما قال: (من في السماء والأرض)، قال: مَن فِى ٱلسَّمَآءِ؛ لذلك قال الشيخ هنا: "فذكر السماء دون الأرض، ولم يُعلِّق بذلك ألوهيةً أو غيرها".
أهل التحريف، أهل التأويل ماذا يقولون في مثل هذه الآيات الصريحة؟ يقولون: ءَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ، طيب، إذا قدَّروا هذا التقدير: (ءأمنتم إله من في السماء)؛ هل تكون الآية بهذا التقدير دالةً على العلو؟ معي أنتم؟ ما تكون دالةً، هنا يُحرِّفون المعنى؛ حتى لا تكون دالةً على العلو، فيقولون: (ءأمنتم إله من في السماء)؛ لأن الله إلهُ مَن في السماء، وإله من في الأرض، فيُقدِّرون معنى "إله"، الشيخ هنا يقول: لا يوجد تقدير هنا، قال: ءَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاءِ، عمومًا؛ فدل على أنه هو الذي في السماء في العلو.
وبعضهم يذكر تقديرًا آخر، فيقولون: ءَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاءِ أمره، أو: مَنْ فِي السَّمَاءِ ملائكته وملكه، وهذا التقدير أيضًا فيه أيش؟ صرفٌ للفظ عن ظاهره وتحريفٌ لمعنى الآية ولسياقها، كل هذا لأجل أن ينفوا دلالة الآية على علو الله ، على علوه بذاته.
الشيخ هنا قال: "لم يُعلِّق بذلك ألوهية أو غيرها" قال: ءَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاءِ، ما قال: (ءأمنتم إله من في السماء)، ولم يقل: (ءأمنتم من فى السماء أمره، أو ملكه، أو ملائكته)، أو نحو ذلك، ما ذكر أي تقديرٍ، فقال: لم يذكر شيئًا؛ كما قال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84]، هنا في الآية قال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ، إلهُ مَن في السماء، وإله من في الأرض، هذا واضحٌ؟ لكن لما قال: أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَاءِ، ما قال: (ءأمنتم من فى السماء والأرض)؛ فدلَّ على أنه ليس المقصود هنا (إله من في السماء)، بل المقصود: أنه هو في السماء، يعني له العلو المطلق .
ثم ذكر من السنة دليلًا على هذا النوع وهو قول النبي : ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! [6]، ولا يصح التقدير بأنه "من في السماء أمره"، أو "أنا أمين إله من في السماء"، ونحو ذلك من التقديرات التي هي تحريفاتٌ وصرف للنصوص عن ظاهرها.
وقال النبي في حديث الجارية المشهور، معاوية بن الحكم حينما صكَّ جاريته، وسألها النبي : أين الله؟، سؤالٌ صريحٌ: أين الله؟ ما قال: أين أمر الله؟ أو ألوهية الله؟ قال: أين الله؟، قالت: في السماء، فقال: أعتقها فإنها مؤمنةٌ [7]، فجعل إقرارها بأن الله في السماء دليلًا على إيمانها، ولو كان جوابها باطلًا؛ لم يُقرَّها النبي على كلامها، بل كان أنكر عليها وبيَّن لها وأرشدها إلى الجواب الصحيح، فلما قالت: إن الله في السماء، وجعل ذلك دليلًا على إيمانها؛ قال: أعتقها فإنها مؤمنةٌ؛ دلَّ على أن الله في السماء على ما يليق بجلاله وعظمته ، وأن له العلو المطلق.
فلا يصح صرف هذه النصوص الدالة والصريحة على أن الله في السماء، يعني في السماء في العلو المطلق وفوق كل شيءٍ؛ لا يصح صرفها بأي صرفٍ، ولا يجوز إيراد الشُّبَه التي يُتوصَّل بها إلى نفي العلو مثلما يقول أهل الكلام، يزعمون بأنه لو قلنا: إن الله في السماء؛ لكانت السماء تحويه أو تحصره وتحدُّه، ونحو ذلك، فنقول: هذا اللازم غير لازمٍ، فنحن نمنع أن يكون الله في شيءٍ من مخلوقاته، أو أنه يُحيطه شيءٌ، أو يحوزه شيءٌ، تعالى الله عن ذلك، بل الله أكبر من كل شيءٍ، وفوق كل شيءٍ ، وهو الذي قال عن نفسه: ءَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16].
فنحن نقول كما قال الله ، ونُنزِّه الله عن هذه الأوهام، وعن هذه الإيرادات الباطلة، فنحن نُنزِّه الله عن أن يحويه شيءٌ أو يحصره.
وكما يقولون: لو قلنا إن الله في السماء؛ لكان في جهةٍ، يزعمون أنه لو أثبتنا لله العلو وأنه في السماء؛ لكان في جهةٍ تحويه وتحصره.
والجواب أن نقول: إنه لا يلزم ذلك، فالله في السماء، ولا يحصره شيءٌ، والجهة التي تقولون، هذه من الألفاظ المجمَلة المحدَثة، فنحن نستفسر عن معناها؛ فإن أردتم بالجهة: جهةً وجوديةً مخلوقةً، فليس الله في جهة بهذا الاعتبار، ليس الله في جهةٍ تحويه وتحصره وتحيط به؛ لأن الله أعظم وأكبر من مخلوقاته، ولا يحوزه شيءٌ .
وإن أردتم بالجهة: ما فوق العالم، وهو العدم الذي فوق العالم؛ فليس ثَمَّ إلا الله ، فالله فوق العالم، سواءٌ سميتم ذلك جهةً أو لم تسموه، نحن لا ننفي علو الله لأنكم سميتم العلو جهةً، فلا ننفي المعنى الصحيح لأجل هذه العبارات المبتدعة المحدثة المجملة، فمنهج أهل السنة والجماعة في مثل هذه العبارات: الاستفصال؛ فإن أُريد بها حقٌّ؛ قُبل وعُبِّر عنه بعبارةٍ صحيحةٍ شرعيةٍ، وإن أُريد بها باطلٌ؛ فإنه يُرَدُّ المعنى واللفظ المبتدع.
فهذه الإيرادات التي يُوردها نُفاة العلو المعطِّلة هي إيراداتٌ فاسدةٌ، يُقصد بها نفي ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من صفات الكمال لله .
الشيخ ذكر هذا النوع من أنواع الأدلة على علو الله على خلقه: وهو النصوص الدالة والمصرِّحة بأن الله في السماء؛ كما في هذا السؤال الذي سأله النبي للجارية: أين الله؟، قالت: في السماء، فأجابت بالاعتقاد الصحيح الموافق للفِطَر، هذا موافق لفِطَر الناس، لو تسأل أي إنسانٍ من أهل الإيمان عن ربه ؛ لقال: الله في السماء، وتجد الناس بفِطَرهم يتوجهون إلى ربهم في دعائهم، ويجدون الضرورة التي في نفوسهم تتجه إلى السماء، ويرفعون أيديهم إلى الله ، فهذا كله مما تشهد به الفطر السليمة، كما تدل على ذلك النصوص الشرعية.
قرب بعض الخلق منه
القارئ: أنعم الله عليكم:
الشيخ: يعني: أمثال هذه الأنواع من الأدلة، فذكر هنا ما يدل على أن بعض الخلق عنده من خلقه الذين في السماوات: الملائكة، أنهم عنده، فلو كان الملائكة كغيرهم؛ لم يكن لذلك التخصيص ميزةٌ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأنبياء:19]، فلو كان موجَب العِنْدِيَّة عامًّا كالقدرة والمشيئة، كالدخول تحت القدرة والمشيئة؛ لأن الدخول تحت القدرة والمشيئة عامٌّ، فلو كانت العِنْدِيَّة عامةً كالدخول تحت القدرة والمشيئة؛ لكان كل مخلوقٍ عنده، والله خصَّ بعض مخلوقاته بأنهم عنده، وهم الملائكة؛ فدل على العلو.
قال: "وأمثال هذا في القرآن لا يُحصى إلا بكلفةٍ"، يعني: أمثال هذه الأنواع عشرات أو مئات الآيات والأحاديث مما يدل على علو الله ، العلو المطلق لجميع أنواع العلو، كلها تدل على علو الله ، ولا يصح إنكار شيءٍ منها.
رد الشبهات حول علو الله
القارئ: أنعم الله عليكم:
الشيخ: هنا الشيخ بعد أن ذكر أنواعًا من الآيات الدالة على علو الله ؛ قال: والأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين لا يُحصيها إلا الله ، وقد جمع جملةً منها أئمةُ السلف؛ كما في كتاب "العلو" للإمام الذهبي، وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم، وغيرهما.
فالشيخ بعد أن ذكر هذه الأمور؛ قال: إن هذه النصوص الدالة على العلو -على علو الله على خلقه- إما أن تكون هذه هي الحق، أو يكون الحق نقيضها، ليس هناك احتمالٌ ثالثٌ، إما أن تكون هذه الآيات والأحاديث الدالة على علو الله بذاته فوق خلقه هي الحق الذي يجب اعتقاده، أو يكون الحق فيما يُخالفها، والحق لا يخرج عن النقيضين؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يفترقان، لا بد أن يوجد واحدٌ منهما، فإما أن تكون هذه النصوص دالةً على العلو أو لا تكون، أو يكون الحق بضدها أو نقيضها.
فإما أن يكون الله فوق خلقه أو لا يكون كما تقوله الجهمية، فإما أن يكون قول الله وقول رسوله وأقوال الصحابة والتابعين والسلف هو الحق في إثبات العلو، أو يكون قول الجهمية هو الحق.
فساد قول الجهمية في مسألة نفي العلو
ثم بيَّن الشيخ أن الجهمية لهم قولان أو منهجان في مسألة نفي العلو، لهم طريقان في نفي العلو:
- إما أن يقولوا: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينٌ ولا محايثٌ، ينفون الجهات الست: لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، أو لا داخل العالم ولا خارج العالم، هذا منهجٌ، وصرح به بعض أئمتهم، وهذا هو النفي المطلق، هذا هو أحسن وصفٍ للعدم، ويلزم من ذلك العدمُ، إذا قلت: إن الله عز وجل، تعالى الله وتقدس سبحانه وتعالى عن هذه المقولة الباطلة التي يقولون فيها: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، هذا وصفٌ بالعدم، مهما قالوا بعد ذلك: إنه لا يقبل الاتصاف بهذا الوصف ولا ضده، أو غير ذلك من التعليلات، لكن هذا وصفٌ للعدم.
- أو سلكوا المنهج الثاني لنفي العلو: وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله: إنهم يقولون: هو بذاته في كل مكانٍ، "يقولون: هو بذاته في كل مكانٍ"، وهذا قول أهل الحلول والاتحاد.
قال: "وفي كلتا المقالتين يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه"، يعني: ينفون علو الله بذاته فوق خلقه، ويسلكون أحد المسلكين الباطلين الفاسدين: إما مسلك الحلول والاتحاد؛ بأن يقولوا: إن الله بذاته في كل مكانٍ، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، أو ينفون النقيضين؛ بأن يقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينٌ ولا محايثٌ، وغير ذلك من العبارات.
وكلاهما منهج فاسدٌ باطلٌ مخالفٌ للكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، بل ومخالفٌ لما فطر الله الناس عليه من إثبات علوه على خلقه.
ومن المشهور: قصة أبي المعالي الجُوَيني لما كان يُقرِّر نفي العلو ويُؤوِّل النصوص، فجاءه الهَمْداني وقال: دعنا من هذه التأويلات، دعنا -يا شيخ- من هذه التأويلات، أريدك أن تُجيبني عما أقول لك، ما قال قائلٌ: يا الله؛ إلا وجد ضرورةً في نفسه تطلب العلو، فما الجواب عن ذلك؟ يعني: أنت حرَّفت الآيات والأحاديث وأوَّلتها وأبطلت معانيها ظاهرًا، أريد أن تُجيبني عن فِطَر الناس التي لم تدخل في هذا الكلام، وأنه ما قال شخصٌ: يا الله؛ إلا وجد ضرورةً في نفسه تطلب العلو، فضرب على رأسه، وقال: حيَّرني الهمداني، فلم يستطع أن يُجيب؛ لأنه لا يستطيع أن يُحرِّف فِطَر الناس، لا يستطيع أن يدخل إلى فِطَر الناس ويُحرِّفها بحيث إنها لا تطلب العلو، هذا لا يمكن؛ لأن الله هو الذي فطرهم على ذلك، فلا يستطيعون -لا يستطيع أهل الكلام- أن يدخلوا إلى فطر الناس ويُحرِّفوها، بل لو وجدتَ حقيقةَ ما هم عليه؛ لوجدت أنهم في حال الاضطرار يطلبون العلو، كل إنسانٍ على الفطرة لا بد أن يطلب العلو، وأن الله فوق خلقه.
القارئ: أنعم الله عليكم:
الشيخ: نعم، هنا يقول الشيخ: "إما أن يكون الحق في إثبات ذلك".
"ذلك" يرجع إلى ماذا؟ إلى العلو أو نفيه، فإن كان نفي ذلك -يعني نفي العلو- هو الحق؛ فمعلومٌ أن القرآن لم يُبيِّن هذا قط، ليس في القرآن أي إشارةٍ -قال الشيخ: "لا نصًّا ولا ظاهرًا"- على نفي العلو، لا نصًّا ولا ظاهرًا.
"النص": هو ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا؛ كالعدد؛ مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ [المائدة:3]، هذا نصٌّ، لا يحتمل إلا معنًى واحدًا. "والظاهر": هو الذي يحتمل معنيين أحدهما أظهر وأرجح من الآخر.
فالشيخ رحمه الله يقول: ليس في القرآن نفي العلو، والقرآن لم يُبيِّن هذا قط، لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولا الرسول ، ولا أحدٌ من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا أئمة المذاهب الأربعة، لا يوجد نصٌّ عن هؤلاء في نفي العلو، ولا يمكن لأحدٍ أن ينقل عن أحدٍ من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام نصًّا في نفي العلو، أو أن الله نفى العلو، أو أخبر بضد ما دلَّت عليه الآيات والأحاديث في هذا الباب.
لوازم نفي العلو
القارئ: أحسن الله إليكم:
ولا يمكن لأحدٍ أن ينقل عن واحدٍ من هؤلاء أنه نفى ذلك وأخبر به، وأما نقل الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يُحصَر، فإن كان الحق هو النفي دون الإثبات، والكتاب والسنة والإجماع إنما دلَّ على الإثبات ولم يذكر النفي أصلًا؛ لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل نطقوا بما يدل إما نصًّا وإما ظاهرًا على الضلال والخطأ المناقض للهُدى والصواب.<
| ^1 | رواه أحمد: 2879، وابن حبان: 7055، وقال محققو المسند: إسناده قوي على شرط مسلم. |
|---|---|
| ^2 | رواه أحمد: 17174، وصححه محققو المسند. |
| ^3, ^6, ^7 | سبق تخريجه. |
| ^4 | رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064. |
| ^5 | رواه مسلم: 537. |
| ^8 | المحايَثة: مجامعة الشيء ومداخلته، وضدها المباينة، وهي مفارقة الشيء. ينظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 269). |